×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة عرض ودراسة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله باتباعه، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه منهياً عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لا بد وأن يكونوا معصومين) (١) .

ولأنه وافق برأيه هذا قول بعض الفرق الأخرى القائلة بعصمة الأئمة، فإنه استدرك على الفور قائلاً: (إننا في زماننا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه، فإذا كان الأمر كذلك، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأمة، بل المراد هو أهل الحل والعقد من الأمة) (٢) .

وأهل الحل والعقد هم الذين تثق بهم الأمة من العلماء ورؤساء الجنود، والسرايا، وأولياء الدولة، وسراة القوم، وغيرهم من يمثلون الأمة، فتكون العصمة للمجلس الذي يضم هؤلاء الممثلين وليس لأي فرد منهم، ورأيهم النهائي لا يمكن وقوع الخطأ فيه على حسب رأي الرازي، بل لا بد وأن يكون دائماً مصيباً وموافقاً للكتاب والسنة، وهو من عناية الله على الأمة. ثم يستدل على ذلك بما نسب قوله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجتمع أمتي على خطأ) (٣) .

بماذا ينخلع الخليفة؟

تبين مما سبق أن أهل السنة لا يشترطون في إمام الأمة العصمة ولا الأعلمية ولا حتى الأفضلية، بل يكتفون بأن يكون عنده قدر من العلم وإن قل، ودرجة من العدالة والتقوى تكفي لقبول شهادته، وحسن التدبير في شؤون

(١) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج ١٠ ص ١٤٤.

(٢) جعفر السبحاني، مع الشيعة الإمامية، ص ٦٢.

(٣) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن ج ٥ ص ٤٠٣.

٦١

السياسة والحرب والنسب القرشي وغيرها كما مر في الصفحات السابقة، ولكن هل ينخلع الخليفة أو الإمام في حالة عدم توفره على الحد الأدنى لهذه المؤهلات أو انتفاء أحدها كلية فيه؟

يجيب أبو بكر الباقلاني عن ذلك: (لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله) (١) .

ويقول الطحاوي: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله (عز وجل) فريضة ما لم يأمر بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة) (٢) .

وقال أيضاً: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة) (٣) .

ويرد سعد الدين التفتازاني موقف أهل السنة في عدم جواز الخروج عن طاعة الإمام الفاسق بقوله: (ولا ينعزل الإمام بالفسق أو بالخروج عن طاعة الله تعالى أو بالجور، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، وكان السلف ينقادون لذلك، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم) (٤) .

(١) الباقلاني، التمهيد، ص ١٨١.

(٢) الطحاوي: شرح العقيدة الطحاوية، ص ٣٩٧.

(٣) المصدر نفسه، ص ٣٨٧.

(٤) سعد الدين التفتازائي، الشرح، ص ١٨٥ - ١٨٦.

٦٢

عند الشيعة

نظراً لعلو منصب الإمامة عند الشيعة، واعتبارهم له منصباً إلهياً وامتداداً للنبوة في وظائفها الرسالية، فإنهم يعتقدون بوجوب اتصاف الأئمة بمواصفات استثنائية، وفوق مستوى الناس العاديين. وأهم هذه المواصفات:

١ - العصمة

بمعنى إستحالة ارتكاب الإمام لأي من الرذائل صغيرها وكبيرها، وما ظهر منها وما بطن. وأهم ما يستدل به الشيعة على مبدأ العصمة من آيات الكتاب ما يلي:

أ - قوله تعالى: (( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين )) [ البقرة / ١٢٤ ]. فالآية الكريمة تشير إلى أن نيل عهد الله وهو إمامة البشرية المتمثلة بالأنباء وخلفائهم، لا يمكن أن تكون من نصيب ظالم، والخطيئة كبيرها وصغيرها، ظاهرها وباطنها تجعل من مرتكبها ظالماً.

ب - قوله تعالى: (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً )) [ الأحزاب / ٣٣ ]. فالرجس في هذه الآية هو الإثم، والمراد من إذهابه الرجس عن أهل البيت هو تنزيههم عن كل ما يوجب نقصاً فيهم، وأي ذنب مهما صغر وبطن فإنه موجب في نقص متصرفة، فكانت إرادة الله عز وجل) تطهيرهم من كل الذنوب. ويرى الشيعة إن المراد بالتطهير في هذه الآية لا يمكن أن يكون مجرد التقوى بالاجتناب عن النواهي، حيث إن هذا المعنى لا يختص بأهل البيت عليه السلام وحدهم، وإنما هو لعموم الناس لقوله تعالى: (( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم )) [ المائدة / ٦ ]،

٦٣
٦٤

ثم يوضح أن هذا النوع من الإلقاء هو غير الوحي المخصوص بالأنبياء بقوله: (لقد ثبت في الأبحاث النفسية أن كل إنسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الأشياء عن طريق الحدس الذي هو فرع من الإلهام، بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوة على ذلك. وهذه القوة تختلف شدة وضعفاً وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم، فيظفر ذهن الإنسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير، وترتيب المقدمات، والبراهين أو تلقين المعلمين، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته، وإذا كان الأمر كذلك فيجوز أن يبلغ الإنسان من قوته الإلهامية أعلى الدرجات وأكملها، وهذا أمر قرره الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون) - إلى أن يقول: (والأئمة عليه السلام كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم إنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ في شئ من الأشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى، وما سئلوا عن شئ أجابوا عنه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم (لا أدري). في حين إنك لا تجد شخصاً من فقهاء الإسلام ورواته وعلمائه إلا ذكرت في ترجمته تربيته وتلمذته وأخذه الرواية على غيره، وتوقفه في بعض المسائل أو شكه في كثير من المعلومات كعادة البشر في كل عصر ومصر) (١) .

بقي أن نذكر أن هذه المؤهلات هي مما يخص الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليه السلام المنصوص على خلافتهم حسب اعتقاد الشيعة. وأما في عصر غيبة الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عليه السلام، فإنه لا يشترط فيمن ينوب عنه (وهم في هذه الحالة: الفقهاء العدول) العصمة، وهؤلاء النواب، هم كسائر البشر يجدون ويجتهدون في تحصيل العلم، فيصيبون ويخطئون.

(١) المصدر نفسه.

٦٥

القسم الثاني
الخلافة والإمامة
في
الواقع التاريخي

تقديم

الفصل الأول: خلافة أبي بكر

الفصل الثاني: خلافة عمر

الفصل الثالث: خلافة عثمان

الفصل الرابع: خلافة علي

الفصل الخامس: خلافة الحسن بن علي

الفصل السادس: خلافة معاوية بن أبي سفيان

الفصل السابع: خلافة يزيد بن معاوية

الفصل الثامن: خلافة عبد الله بن الزبير
٦٦
٦٧

تقديم

عند دراسة الواقع التاريخي للخلافة والإمامة، فإنه ينبغي اعتبار كل من جوانبها السياسية وهي المتعلقة بطرق الوصول إلى هذا المنصب والصراعات والتحولات التي رافقت ذلك، وجوانبها الدينية وهي المتعلقة بتشريع الأحكام وحفظها والاجتهاد فيها عن طريق الخلفاء، وذلك لما كان لهم على مر التاريخ الإسلامي من تأثير مباشر ليس فقط في التحليل والتحريم وصك الفتاوي، وإنما في تكون الفرق والمذاهب وانتشارها من جهة، وتحجيم بعضها والقضاء عليها من جهة أخرى.

ولا غرابة في ذلك باعتبار المكانة السامية التي أرادها الله (جل وعلا) لمنصب خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالإضافة إلى ما اجتمعت عليه الفرق والمذاهب الإسلامية في عدم الفصل بين الدين والدولة.

وفي الوقت الذي يفرض فيه المنطق الإسلامي جعل الدولة وسياساتها أداة لخدمة الدين الإلهي ووسيلة لتحقيق غاياته، فإن حكام المسلمين على مر التاريخ لم يلتزموا بالضرورة بهذا المبدأ، إن لم يكن قد عمل معظمهم ضده!

وعلى كل حال، فإننا سنحاول دراسة هذا الواقع التاريخي بإلقاء الضوء على تلك الجوانب في ثمانية فصول، كل فصل خصص لاستعراض أهم الأحداث التاريخية التي حدثت في عهد كل من الخلفاء الثمانية الأوائل في أهم مرحلة من مراحل تاريخنا الإسلامي، وهي مرحلة صدر الإسلام والتي رسمت فيها الخطوط العريضة والملامح الأساسية لصورة دولة الخلافة، والتي بقيت محافظة عليها لحين سقوطها في مطلع القرن الحالي.

٦٨

الفصل الأول
خلافة أبي بكر

إنكار عمر لوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وانشغال علي ومن معه من أهل البيت عليه السلام وبني هاشم بتجهيز الجسد الطاهر، كان وجوه المهاجرين مجتمعين في المسجد، وقد علا صوت عمر معلنا إنكاره لوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (والله ما مات رسول الله، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم) (١) .

وكان أبو بكر في غضون تلك الأثناء في السنح، خارج المدينة، ولما رجع وعلم بوفاة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، خرج إلى المسجد وقال لعمر: (أيها الحالف على رسلك.. ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) (٢) ثم تلا قوله تعالى: (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين )) [ آل عمران / ١٤٤ ].

إجتماع سري للأنصار

وأما الأنصار، فقد اجتمعوا سراً في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم، كان أبرز الطامحين لذلك المنصب زعيم الخزرج، سعد بن عبادة، وزعيم الأوس، أسيد بن حضير، وكان بين القبيلتين تنافس قديم وتحاسد.

(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ج ٥ ص ١٣.

(٢) المصدر نفسه.

٦٩

وقام سعد وخطب فيهم: (يا معشر الأنصار، إن لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به إلا قليل... حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه - إلى قوله: ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله تعالى وهو راض عنكم، قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به) (١) .

وقد كان طمع الأنصار بالإمارة ليس فقط للأسباب التي ذكرها سعد بن عبادة، وإنما أيضاً بسبب تخوفهم من بعض قبائل قريش إذا استلموا الإمارة، والذين قتل منهم الأنصار عدداً كبيراً في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

ولما كان سعد بن عبادة هو المرشح الأقوى للخلافة بين الأنصار، ذهب اثنان من قبيلة الأوس حسداً لسعد وهما معن بن عدي، وعويم بن ساعدة، وأخبرا أبا بكر وعمر - اللذين كانا حينئذ في بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - باجتماع الأنصار، فأنطلق الشيخان مسرعين إلى السقيفة دون أن يخبرا أحداً بالأمر، ولقيا أبا عبيدة بطريقهما فرافقهما.

أبو بكر وعمر في مواجهة ساخنة مع الأنصار

وفور دخول الثلاثة إلى السقيفة، قام سعد بن عبادة، مخاطبهم: (أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر) (٢) .

(١) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج ١ ص ٢٢ (تحقيق علي شيري).

(٢) صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر، ج ٤ ص ٥٤١.

٧٠

فأراد عمر أن يرد عليه، فقال له أبو بكر على رسلك فقام وخطب قائلاً:

(... فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا لقريش فيها ولادة. وأنتم أيضاً والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين، ووزراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر اختلافه على أيديكم، وأبعد عن أن تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيت لكم وهذا الأمر، وكلاهما له أهل) (١) . فقال عمر: (بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله) (٢) .

فقام الحباب بن المنذر وهو أحد وجهاء الأنصار والمؤيد لتأمير سعد بن عبادة وقال: (فنحن لا نحسدكم على خير ساقه الله إليكم... ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلاً منا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار، فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمة) (٣) . وكان قول الحباب حسب رواية البخاري: (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف) (٤) .

ومع تأزم الموقف إلى هذا الحد، قام عمر وقال بشدة: (هيهات أن يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم،

(١) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج ١ ص ٢٣.

(٢) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ج ٥ ص ١٤.

(٣) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج ١ ص ٢٣ - ٢٤.

(٤) صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر، ج ٨ ص ٥٤٢.

٧١

وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة!) (١) .

فرد الحباب بن المنذر: (يا معشر الأنصار، أملوا عليكم أمركم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم، فاجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم، فإن دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا. أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة، والله لا يرد علي أحد إلا حطمت أنفه بالسيف) (٢) .

إنشقاق الأنصار ومبايعة أبي بكر

لما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اتفق عليه قومه من تأمير ابن عمه سعد بن عبادة - كما يروي ابن قتيبة - قام حسداً لسعد، وأعلن تأييده للمهاجرين واستعداده لإعطاء البيعة لهم، فقام أبو بكر ورشح عمر أو أبا عبيدة للإمارة، ولكنهما قدماه للأمر وبايعاه. ولما سبقهما إليه بشير الأنصاري وبايعه، ناداه الحباب بن المنذر قائلاً: يا بشير بن سعد، حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً لهم (٣) .

ولما رأت قبيلة الأوس ما صنعه بشير بن سعد، وعلمهم برغبة الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال زعيمهم أسيد بن حضير: لئن وليتموها سعدا عليكم، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيباً فيها أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه وبايعوه. وترى عائشة حسب ما رواه البخاري أن العامل الحاسم في إعطاء البيعة لأبيها لم يكن تحاسد الأنصار،

(١) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج ١ ص ٢٥.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.

٧٢

وإنما: (فما كان من خطبتهما - أبي بكر وعمر - من خطبة إلا نفع الله بها، لقد خوف عمر الناس، وأن فيهم لنفاقاً فردهم الله بذلك) (١) .

وهكذا بايع كل من حضر السقيفة من الأوس والخزرج باستثناء الحباب ابن المنذر وسعد بن عبادة، والذي اعترضهم أثناء تقدمهم لإعطاء البيعة، فطرح أرضاً حتى كادوا أن يطأوا عليه، فقال: قتلتموني. فقال عمر: اقتلوه، قتله الله (٢) . ومن المعلوم أن سعداً فارقهم منذ ذلك الوقت، ولم يصل معهم، ولم يجتمع باجتماعاتهم حتى قيل إنه لو وافقه أحد على قتالهم لقاتلهم. ولم يزل كذلك حتى ولي عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام دون أن يبايع لأحد، بل قال لعمر عند خروجه: إني أصبحت كارهاً لجوارك. وعلى حسب بعض المصادر التاريخية أن سعداً قتل في الشام على يد الجن!

وبعد حصولهم على بيعة الأنصار، انتقل أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة إلى المسجد حيث وجدوا بني أمية وقد اجتمعوا على عثمان، وبني زهرة على سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف. فقال لهم عمر: قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته وبايعه الأنصار، فقام عثمان وسعد وعبد الرحمن فبايعوا.

ويذكر المؤرخون أن عمر كان يحمل بيده عسيب نخل يحث بها الناس على البيعة.

موقف علي عليه السلام

كان علي عليه السلام ومن معه من بني هاشم وبعض الصحابة (أمثال الزبير، وطلحة، وعمار، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخزيمة ذي الشهادتين، وخالد بن سعيد، وأبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم) منشغلين بما أصاب المسلمين من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والقيام بالواجب من تجهيز الجثمان الطاهر وتهيئته للتشييع إلى المثوى الأخير، ولم يعلموا بما حصل في

(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ج ٥ ص ١٥.

(٢) المصدر نفسه، ج ٥ ص ١٤، ج ٨ ص ٥٤٢، ابن قتيبة، ج ١ ص ٢٧.

٧٣

السقيفة والبيعة التي تمت إلا بعد خروج أبي بكر وعمر ومن معهما من المسجد في ضجيجهم وسماعهم لتكبيرهم. وروي أن علياً قال عندما علم باحتجاج أبي بكر وعمر على الأنصار بقرشيتهم كأساس لاستحقاقهم للخلافة: (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) (١) .

وامتنع علي ومن معه عن البيعة عندما جاءهم عمر طالباً منهم ذلك، حتى أن الزبير بن العوام أشهر سفيه تحدياً في وجه عمر ومن معه. ويذكر عباس محمود العقاد هذه الحقيقة التاريخية في كتابه (عبقرية عمر) كما يلي:

(واستكثروا من عمر صرامته في الدعوة علي إلى مبايعة أبي بكر كما جاء في بعض الروايات التي نرجح صحتها، وخلاصتها: إن عمر أتى منزل علي وبه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم الدار أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج الزبير مصلتا بالسيف، فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه. أو قال لهما عمر في رواية: أخرى: والله لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان). (٢) .

ثم ذهب علي ليعبر عن احتجاجه ورفضه في حضرة أبي بكر قائلاً: (أنا عبد الله وأخو رسوله وأحق بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتأخذونه [ أمر الخلافة ] منا أهل البيت غصباً؟... وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حياً وميتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون. إلى قوله: لنحن أحق به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما دام فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الأمور

(١) محمد رضا المظفر، السقيفة، ص ١٣٤.

(٢) عباس محمود العقاد، عبقرية عمر، ص ١٦٥.

٧٤

السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا عن الحق بعداً) (١) .

فقال له عمر: أنت لست متروكاً حتى تبايع. فقال له علي عليه السلام:

إحلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً. والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايع (٢) . ثم خرج دون أن يبايع، وبقي كذلك هو ومن معه لمدة ستة شهور. ويؤكد البخاري هذه الحقيقة بما يرويه عن عمر: (وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف منا علي والزبير ومن معهما) (٣) .

ومما روي أيضاً عن عمر أثناء خلافته أنه قال لابن عباس: (إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، وإن قريش اختارت لنفسها فأصابت) (٤) .

وقد ثبت تاريخياً أنه لو كان لعلي عليه السلام القوة الكافية لانتزاع حقه دون حصول الفتنة لفعل. ومن ذلك ما يرويه البخاري من قول عائشة:

(.. وعاشت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها. وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية لمحضر عمر. فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينهم) (٥) .

(١) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج ١ ص ٢٩.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، ج ٨ ص ٥٤٠.

(٤) العقاد، عبقرية عمر، ص ١٦٧.

(٥) صحيح البخاري، كتاب المغازي، ج ٥ ص ٣٨٢.

٧٥

ويتضح من ذلك أن علياً وطوال ستة شهور كان يفكر بأخذ حقه، ولكن بالكيفية التي لا يحصل فيها شقاق وفتنة، وقد روي عن علي أنه قال: (لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم) (١) . ولكنه مع وفاة فاطمة الزهراء عليه السلام، فقد انصرفت عنه وجوه الناس، وتضاءلت بذلك إمكانية أخذه الخلافة، وذلك باعتبار مكانة الزهراء عليه السلام من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ووقوفها إلى جانبه بالمطالبة بحقه، وتنديدها بالشيخين، لا سيما بعد محاولتهما أخذ البيعة من علي ومن معه بالقوة عندما كانوا مجتمعين في بيتها، وتهديد عمر لهم عند رفضهم الخروج إليه.

ويوضح العالم الشيعي المعروف السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي: (إن عليا عليه السلام لم ير أثراً للقيام ضدهم سوى الفتنة التي كان يفضل ضياع حقه على حدوثها في تلك الظروف، وبسبب الفتن الخطيرة التي أحاطت بالإسلام من كل جانب. فخطر يهدد الإسلام من المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، بالإضافة إلى خطر مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة، والرومان والفرس وغيرهم ممن كانوا للمسلمين بالمرصاد.

ولو أسرع علي عليه السلام إليهم في المبايعة حين عقدها، لما تمت له حجة ولا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين، والاحتفاظ بحقه في الخلافة، فالظروف يومئذ لا تسمح لمقارعة بحجة ولا مقاومة بسيف، والتي قد ينتهزها أعداء الإسلام لإحداث هدم في دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكون مصيبته أعظم على الإمام علي عليه السلام من ذهاب الخلافة إلى غيره) (٢) .

ومن هؤلاء الذين حاولوا استغلال ذلك لهدم الدين أبو سفيان الذي سعى إلى علي عليه السلام أكثر من مرة يحضه على قتالهم بقوله: (إن شئت لأملأنها

(١) المظفر، السقيفة، ص ١٥١.

(٢) عبد الحسين شرف الدين الموسوي، المراجعات، ص ٣٨٥ - ٣٨٧.

٧٦

عليهم خيلاً ورجالاً، ولأسدنها عليهم من أقطارها) (١) . لكن علياً عليه السلام كان يرفض هذا النوع من المساعدة لعلمه اليقين بغاية أبي سفيان من تلك المساعدة، وقد أجابه قائلاً: (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شراً لا حاجة لنا في نصيحتك) (٢) .

وليس غريباً بعد هذه الأحداث، وكل ما فيها من مواجهات ساخنة وتهديدات واتهامات على جميع الألوان أن يصف عمر بيعة أبي بكر بما يلي:

(.. فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، إلا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها) (٣) .

غضب فاطمة الزهراء عليه السلام إرثها

من المواجهات المشهودة في تلك الأثناء ما حصل بين ابنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة الزهراء عليه السلام والخليفة أبي بكر، ولم يكن ذلك بسبب وقوفها بجانب علي عليه السلام فحسب، وإنما أيضاً بسبب حرمان أبي بكر لها من ميراثها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وتروي عائشة هذه الحادثة بقولها: (سألت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق أن يقسم لها ميراثها (الذي تركه) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث، ما تركنا من صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر. وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خمس خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك) (٤) .

(١) خالد محمد خالد، خلفاء الرسول، ص ٤١٨.

(٢) المظفر، السقيفة، ص ١٥٦.

(٣) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، ج ٨ ص ٥٤٠.

(٤) المصدر نفسه، كتاب الخمس، ج ٤ ص ٢٠٨.

٧٧

وكان غضب فاطمة على أبي بكر عظيماً لدرجة أنها أوصت علياً عليه السلام أن لا يصلي عليها أبو بكر ولا حتى أن يحضر دفنها كما يظهر ذلك من رواية عائشة: (... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها) (١) .

وأرض فدك التي كانت تطالب بها فاطمة عليه السلام قرية من الحجاز كان يسكنها اليهود، وقد صالحوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها بعد هزيمتهم في خيبر، فكانت ملكاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنها مما لم (يوجف عليها بخيل ولا ركاب).

وذلك بالإضافة إلى ما ملكه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خمس خيبر وصدقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة. فكانت هذه كلها ملكاً خاصاً به، ولا حق فيها لأحد غيره.

فالزهراء عليه السلام في هذه المسألة كانت - على رأي أبي بكر - تطالب بما ليس لها فيه حق، وهي بذلك تكون على أحد أمرين لا ثالث لهما. أولهما: إنها كانت كاذبة - والعياذ بالله - تطمع بأخذ ما تعلم أنه ليس لها فيه حق، وثانيهما: إنها كانت جاهلة بالعلم الذي يعلمه أبو بكر وقد التبست عليها أحكام الميراث.

ولا أحسب أننا بحاجة إلى تفنيد الاحتمال الأول. وأما الثاني فقد تكفلت الزهراء عليه السلام نفسها بتفنيده حين واجهت أبا بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار بالقول: (... وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ولا حظ (أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) [ المائدة / ٥٠ ]، ويهاً معشر المسلمة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا... أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول:

(( وورث سليمان داوود )) [ النمل ١٦ ]، وقال فيما اقتص من خبر زكريا: (( فهب

(١) المصدر السابق، كتاب المغازي، ج ٥ ص ٣٨٢ حديث رقم ٤٢٤٠ / ٤٢٤١.

٧٨

لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا )) [ مريم / ٥ - ٦ ]، وقال: (( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )) [ مريم / ٥ - ٦ ]، وقال: (( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين )) [ البقرة / ١٨٠ ]...

إلى قولها: أخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن من أبي وابن عمي؟ أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟...) (١) .

وأكثر ما رويت هذه الحادثة من طرق أهل البيت عليه السلام كما رويت عن طرق غيرهم. وتضعيف أكثر علماء الحديث عند أهل السنة لهذه الرواية لا يلغي حجيتها، ذلك أن ما جاء فيها من استدلالات بغض النظر عن قائلها الحقيقي، وليكن أي كائن، الزهراء عليه السلام أو غيرها - يكفي لإثبات صحة موقف الزهراء عليه السلام وينفي عنها أي احتمال لجهل، لا سيما أن أباها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو زوجها أمير المؤمنين عليه السلام كانا جديرين بأن يعلماها الحكم الصحيح في حالة افتراضنا جدلاً أنها كانت لا تعلم أحكام المواريث.

وعلى فرض صحة رواية أبي بكر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قال: (نحن معشر الأنبياء لا نورث)، فإنها لا تعني عدم انطابق قوانين الميراث على الأنبياء كما اجتهد في ذلك أبو بكر، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك القول بأن الأنبياء لا يجمعون الأموال أو يكدسون الذهب والفضة ليكون ميراثاً بعدهم، كما يفعل الملوك وطلاب الدنيا. والميراث الذي جاء في الآيتين بشأن داود وزكريا لا يراد به الحكم والنبوة لأنهما ليسا مما يعطى عن طريق التوريث، وإنما قصد به عموم المعنى من توريث الأموال والعقار.

ومن أغرب وأطرف ما قيل في هذه الحادثة، قول ابن حجر في تأييده لموقف أبي بكر:

(ودعواها (الزهراء) أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نحلها فدكاً، لم تأت

(١) ابن الأثير، منال الطالب، ص ٥٠١، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ٢١١ - ٢١٣.

٧٩

عليها (بشهود) إلا بعلي وأم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافاً بين العلماء (!!)) (١) .

حروب الردة

كان من بين الذين حاربهم أبو بكر في الحروب التي عرفت باسم بحروب الردة من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة. وكان من بينهم بعض القبائل العربية التي ارتدت عن الدين كقبيلة بني سليم وغيرها، وقد أرسل الخليفة أبو بكر إليهم خالد بن الوليد على رأس جيش لقتالهم، حيث روي أنه كان يجمع المرتدين منهم في الحظائر ثم يحرقها عليهم بالنار) (٢) ، وهكذا فعل أبو بكر بإياس بن عبد الله المعروف بالفجاءة حيث أمر بإحراقه. وقد اشتهرت هذه الحادثة في كتب التاريخ لا سيما لاحتجاج الصحابة واعتراضهم على الخليفة لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) (٣) .

وقد دلت روايات تاريخية عديدة على أن معظم القبائل العربية التي حاربها الخليفة لم يكن بسبب ردتها عن الدين، وإنما بسبب رفضها دفع الزكاة أو تريثها في ذلك لارتيابها بشأن الخلافة التي تنازعها المهاجرين والأنصار، واختلاط الأمر على هذه القبائل في مدى أهلية الحكومة الجديدة واعتقادها (أن من سيقوم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا لن يصل إلى منزلته في العصمة من الخطأ، فخافوا على مستقبلهم في ظل الحكم الجديد) (٤) ، أو كما قال الباحث حسن إبراهيم: (كما لا يبعد أن

(١) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص ٣٧.

(٢) الرياض النضرة ج ١ ص ١٠٠.

(٣) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله.

(٤) منصور الحرابي، الدولة العربية الإسلامية: نشأتها ونظامها السياسي، ص ٩٤.

٨٠