×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وتأتي أهمية هذه الدراسة من أنني لم أجد بحثاً علمياً يتناول موضوع (المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابية)، أو يتناول موضوع (الفرق بين منهج الوهابية في التعامل مع المذاهب الإسلامية وبين منهج قدماء أهل السنّة). ولا بد أن هناك سبباً للخلاف الشديد في تعريف (حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه) بين قدماء أهل السنّة وبين الوهابية.

ونحن لا نشك بأنّ سبب اختلاف المنهجين إنّما يعود إلى اختلاف (طبيعة) منهج أهل السنّة عن (طبيعة) منهج الوهابية. ومما لا ريب فيه أنّ هنالك ارتباطاً وثيقاً بين (طبيعة المنهج) الذي تبنته الوهابية وطبيعة الصورة التي رسموها لـ (حقائق الاثني عشرية وخصائصها)؛ فقد يتم التأويل الباطل لها بحيث يجعلها بعيدة عن صورتها ورسمها الواقعي، ويلحقها التحريف والتشويه حينما تعرض بطريقة ومنهج غير علمي، يحمل في طبيعته مغالطة خفية.

ولا يمكن لنا أن ندرك دور (طبيعة المنهج) في التأثير على رسم وعرض حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه؛ إلاّ إذا قمنا بدراسة علمية تعتمد على المقارنة بين (حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه) التي رسمها أهل السنّة، و(حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه) التي رسمتها الوهابية.

إنّ الباحث المنصف عن الاثني عشرية ينبغي أن يميز بين الاثني عشرية كما هي في حقيقتها وواقعها، وبين مناهج دراستها وأساليب قراءتها التي وقعت في أخطاء كبيرة، ومن ثَمّ أوقعتنا في انحراف عن درك حقيقة الاثني عشرية. ويجب أن نعرف الفرق بين الاثني عشرية نفسها وبين مناهج دراستها، ومن هنا تأتي أهمية طرح (المنهج الصحيح والسليم) في دراسة المذهب الاثني عشري.

ونحن نخالف (منهج الوهابية) في دراسة الاثني عشرية، ونتفق في بعض الجوانب مع (منهج قدماء أهل السنّة) وبعض متأخريهم.

٢١
ومنهجنا في عرض ورسم (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) يمر بثلاث مراحل، لا بد من الالتزام بها حتى نسلم من الاخطاء التي انزلق فيها اتباع الوهابية أثناء عرضهم ورسمهم لـ (حقائق الاثني عشرية وخصائصها).

والمراحل الثلاث في هذا المنهج الذي اخترته ـ من أجل عرض حقائق وخصائص المذهب الاثني عشري على الوهابيين حتى يتمكنوا من فهمها ودركها ـ سوف أعرضها بهذا الترتيب الذي ينبغي مراعاته:

المرحلة الأُولى: (مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري)(*)

وسوف ندرس في هذه المرحلة أسباب وعوامل خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري. أو بتعبيرٍ آخر: أسباب وعوامل مشكلة الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة عند اتباع الوهابية.

وهذه الأسباب والعوامل تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الأسباب والعوامل التي ترجع إلى جهل اتباع الوهابية بالمذهب الاثني عشري، وهي ثلاثة أسباب:

١ ـ السبب الأول: الجهل بمعنى الغلو.

٢ ـ السبب الثاني: الجهل بمعنى المذهب الاثني عشري.

٣ ـ السبب الثالث: الجهل بموقف المذهب الاثني عشري من الغلو وفِرَق الغلاة.

القسم الثاني: الأسباب والعوامل التي ترجع إلى طبيعة الجماعة الوهابية، ويمكن حصرها في سببين رئسييّن:

٤ ـ السبب الرابع: طريقة التفكير عند الوهابية.

(*) درسنا وشرحنا المرحلة الثانية في دراسة الاثني عشرية في ص: ١٣٧ من هذا الكتاب، كما درسنا المرحلة الثالثة في دراسة الإثني عشرية في ص: ١٤٩ من هذا الكتاب.

٢٢
كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور عصام العماد (ص ٢٣ - ص ٣٩)
٢٣

الخاصية الأولى: خاصية الوسطية الإيجابية في التعامل مع أهل البيت عند الاثني عشرية.

والخاصية الثانية: خاصية الواقعية في التعامل مع الصحابة عند الاثني عشرية.

والخاصية الثالثة: خاصية غيبة الإمام الثاني عشر في المذهب الاثني عشري.

هذه هي مراحل دراسة المذهب الاثني عشري التي ينبغي بل يجب الالتزام بالترتيب المذكور عند طرح هذا المذهب للوهابيين. وإليك فيما يلي بحثاً مختصراً حول كل منها حسب الترتيب المذكور(١).

والشكل الآتي يبيّن خلاصة المنهج الجديد في عرض المذهب الاثني عشري على الوهابيين.

(١) تناولنا أكثر هذه المباحث في القسم الثاني من هذا الكتاب الذي تحدثت فيه عن رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية.

٢٤
٢٥
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٢٦
٢٧

المرحلة الأولى
مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري.

(ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ)(١).

إنّ أول ما يجب مراعاته والالتزام به لمن يريد أن يكتب عن المذهب الاثني عشري من غير أتباع هذا المذهب، ـ حتى يتجنب جريمة التشويه لحقائق وخصائص هذا المذهب ـ هو أن يبدأ قبل الكتابة عن الاثني عشرية بملاحظة هذه المرحلة، ففي هذه المرحلة ا لهامة والضرورية سوف ندرك أنّه يوجد جفوة أصيلة ومفارقة عميقة بين (حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه) وبين (مشخصات الغلو)، بين الحقائق والخصائص الإسلامية العظيمة عند الاثني عشرية وتلك الصفات ا لهجينة والمبتذلة للفرق المغالية المنحرفة، بين العقيدة الإ لهية الإسلامية عند الاثني عشرية وتلك الأساطير البشرية المجوسية.

في هذه المرحلة الأولى ا لهامة سوف نتعرّف على النتائج الخطيرة التي نشأت من مشكلة الخلط بين (الفكر الإسلامي الاثني عشري) و(الفكر المغالي)، وكان لهذا الخلط الأثر الكبير على اتباع الوهابية؛ حيث نسبوا للاثني عشرية أموراً غريبةً غرابةً تامةً عنها وعن حقائقها وخصائصها.

(١) سورة البقرة: من الآية ٤٢.

٢٨
ولعله مما يحتم الالتزام بهذا المنهج السليم ـ الذي طرحناه في هذا الكتاب ـ وجود هذه المرحلة ا لهامة التي لا بد لنا من إدراكها. وعدم إدراك أتباع الوهابية لهذه المرحلة هو الذي جعلهم ينسبون كل ما سمعوه من مخلفات المجوسية واليهودية والنصرانية إلى المذهب الاثني عشري، وكان لعدم ادراكهم لهذه المرحلة الأثر في أن يَعرِضوا حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه عرضاً مشوهاً مضطرباً.

وإنّني على يقين بأنّ (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) لن تدرك كما هي في صفائها ونقائها إلاّ عند الالتفات إلى هذه المرحلة الأُولى ا لهامة والأساسية.

ونحن في هذا الكتاب أطلقنا عليها (مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري)؛ لأنّه لا بد لنا قبل أنْ نشرع في دراسة (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) أن نميّز بين ما هو من صميم الاثني عشرية، وما هو من صميم الغلو؛ فعدم التمييز بينهما جعل أتباع الوهابية ينسبون للاثني عشرية الاساطير والخرافات المتعلّقة بالفرق المغالية المنحرفة. وفي هذه المرحلة سوف نفصل الأُمور التي نُسبت إلى الاثني عشرية، وهي في حقيقة الأمر من نصيب فرق الغلاة، ومن ثَمّ فهي (مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية). ولمّا كانت (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) مستمدّة من القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة؛ فلا بد أن تتباين وتنفصل عن المقالات الإلحادية والوثنية المستمدّة من المجوسية واليهودية والمسيحية.

وإنَّه لن يتم تصحيح دراسات الوهابية عن حقائق الاثني عشرية وخصائصها إلاّ في اليوم الذي يتحررون من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة.

وفي هذه المرحلة قمنا في البداية بتوضيح وتبيين (مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند أتباع الوهابية)، وبعد أن انتهينا من تبيينها وتوضيحها

٢٩
قمنا بدراسة علمية للأسباب والعوامل التي كانت وراء ايجاد هذه المشكلة عند اتباع الوهابية.

ولا بد هنا أن ننبّه إلى أنّ قدماء أهل السنّة قد تحرروا من هذه المشكلة، كما تحرر منها ـ أيضاً ـ المتأخرون والمعاصرون من أهل السنّة، ومن ثَمّ نجدهم دافعوا عن المذهب الاثني عشري وهاجموا الذين ما زالوا يخلطون بينه وبين فِرَق الغلاة(١).

وقبل استكمال الحديث عن هذه المرحلة لا بد من التحدّث عن حقيقة حتمية في هذا المنهج الذي رسمناه وهي:

إنّ هذا المنهج ينقسم إلى ثلاث مراحل ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ، ولقد سارت هذه المراحل الثلاث بطريقة خاصة وترتيب معين؛ لا بد من الالتزام بتلك الطريقة وهذا الترتيب دون أدنى تغيير أو تحوير.

وأنا على يقين وجزم بأنّ عدم الالتزام بذلك سوف يفقد هذا المنهج مقوّماته الاساسية وهدفه ا لهام، وهو تصحيح دراسات الوهابية عن المذهب الاثني عشري، وتبيين الفرق بين منهج أهل السنّة وبين منهج الوهابية في دراسة هذا المذهب.

ونحن على يقين بأنّه لن تخلص كتابات أتباع الوهابية عن المذهب الاثني عشري من التشويه والانحراف والمسخ إلاّ حين تلتزم بهذا المنهج.

وحين نلقي صورة مجملة لأسباب نجاح قدماء أهل السنّة ومتأخريهم ومعاصريهم بالقياس إلى الوهابية، في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها؛ سوف يتبين لنا أنّ العامل الأوّل في نجاحهم هو أنّهم لم يقعوا في مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة.

* * * *

(١) سوف نذكر أقوال علماء أهل السنّة في خطورة مشكلة الخلط بين المذهب الاثني عشري وبين فرق الغلاة عند الوهابية في هذه المرحلة.

٣٠
إنّ هذه المرحلة ـ أي مرحلة المعرفة الانتسابية كما قلنا ـ هي مرحلة هامة وضرورية؛ لأنّه من خلال تصحيح خطأ الوهابية في هذه المرحلة سوف يتم تصحيح أخطاء أتباع الوهابية في تفسير حقائق الاثني وخصائصها (وهما المرحلتان الأولى والثانية)، وبالتالي تكون دراساتهم قائمة على منهج واقعي ونظام علمي، ولأنّ أهل السنّة المعاصرين صاروا على منهج قدمائهم فهم يدركون خطورة الخطأ في معرفة هذه المرحلة، ومن هنا فسّروا حقائق الاثني عشرية وخصائصها بصورة مباينة لتفسير الوهابية، وأعلنوا رفضهم لتفسير أتباع الوهابية لتلك الحقائق وهذه الخصائص، وقرروا موازين علمية يجب أن يرجع إليها أتباع الوهابية قبل الشروع بتفسير (حقائق الاثني عشرية وخصائصها)، ومن ثَمَّ لم يكن بدٌ من دراسة هذه المرحلة ا لهامة كي لا يتأثر أحدٌ من عوامِّ أهل السنّة بمنهج الوهابية.

ولا يمكن لأتباع الوهابية أن يدركوا (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) إلاّ عند التأمّل الكامل في خطورة الخطأ في هذه المرحلة.

ومن ثَمَّ فنحن لا نبغي من القارئ الكريم مجرد القراءة السطحية الساذجة لهذه المرحلة، القراءة التي لا تغوص في المعاني والافكار؛ إنّما نحن نبتغي من القارئ القراءة المتأمّلة العميقة التي تدرك ا لهدف من كتابة هذه المرحلة.. نبتغي استجاشة ضمير أتباع الوهابية لقراءة هذه المرحلة؛ لأنّه تولّد من الخطأ في هذه المرحلة كل الاخطاء التي ارتكبوها في تفسير (حقائق الاثني عشرية وخصائصها). نبتغي من كتابة هذه المرحلة ا لهامة أن يعود أتباع الوهابية إلى المنهج السليم والصحيح في دراسة (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) الذي نهجه قدماء أهل السنّة ومتأخريهم. وهذا المنهج الصحيح هو الذي يريده الله وتفرضه الأمانة الدينية.

٣١
ولا يخفى على القارئ أنّني في كتابي (الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة) والذي خلطت فيه بين الاثني عشرية وفِرق الغلاة، وبالتالي كفرّت الاثني عشرية؛ إنّما كان نتيجة حتمية لعدم إدراكي لهذه المرحلة، لأنني اعتمدت على كتابات الوهابية لا على كتابات أهل السنّة. ومن ثَمَّ فنحن سوف نجعل هذه المرحلة في رأس هرم المذهب الاثني عشري الذي سنرسمه في هذا الكتاب.

لقد كنت ـ قبل أن أصحو من غفلتي عن هذه المرحلة ا لهامة والخطيرة ـ أنسبُ للمذهب الاثني عشري التصورات المجوسية والوثنية، وأنسب إليه الأساطير الجاهلية، وأنسب إليه الشطحات الصوفية، وأنسب إليه كل أفكار فِرَق الغلاة وما فيها من لوثةٍ وثنية.. وجمعت كل ذلك في كتابي (الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة)؛ كما بيّنت ذلك بصورة مفصلة في كتابي (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

لقد نسبت في كتابي (الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة)(١) كل الأفكار الوثنية المغالية إلى المذهب الاثني عشري، وكنت أحسب أنني مُصيبٌ في كتابته. وبعد أن أدركت هذه المرحلة اكتشفت خطئي، وعلمت أنّ الخطأ في فهم مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية يساوي الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة. وبعد أن تمّ تصحيح خطئي في فهم هذه المرحلة (مرحلة المعرفة الانتسابية) أصبحت أميز بين ما نُسب للاثني عشرية ـ وهو ليس منها ـ وبين ما نفي عنها ـ وهو منها ـ، وعندئذٍ أحرقت ذلك الكتاب قبل طباعته بفترة قصيرة.

(١) إن أكبر مشكلة كنتُ أعاني منها حينما كنت وهابياً؛ أنني كنتُ أحسب أنّ كل أنواع الغلو والشرك الموجودة عند غلاة الصوفية توجد بشكل أكبر عند الاثني عشرية، لكنني بعد دراسة طويلة للاثني عشرية وقراءة العشرات من كتبهم التي تتبرأ من الشرك والغلو عند غلاة الصوفية؛ تبين لي الفرق الجوهري بين الاثني عشرية وبين بعض الطرق الصوفية المغالية والجدير بالذكر هنا أنني تناولت موقف الاثني عشرية من الشرك والغلو عند غلاة الصوفية في كتابي (موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة).

٣٢
في ذلك العهد ـ قبل تصحيح فهم هذه المرحلة عندي ـ كنت أحسب أنّ هذه الصفات ـ مثل صفة المجوسية واليهودية والغنّوصية ـ يمكن لنا أن نطلقها على الاثني عشرية، وبعد أن أدركت خطئي في فهم هذه المرحلة استيقنت أنّ تلك الصفات إنّما تنطبق على الفرق المغالية المنحرفة؛ كما كان لإدراك خطئي في فهم هذه المرحلة ارتباطاً وثيقاً بتركي لمنهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية، واقتناعي ـ لا بصورة كلية وكاملة ـ بمنهج قدماء أهل السنّة ومتأخريهم السائرين على نهجهم. وكان لتصحيح خطئي في ادراك هذه المرحلة أثرٌ حاسمٌ في تصحيح وتقويم نظرتي عن الاثني عشرية، وكان له أثرٌ حاسمٌ في استنقاذي من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة؛ التي جعلتني أنسب للمذهب الاثني عشري ما هو من نصيب الغلو والغلاة.

ولا شك أنّ للبيئة الفكرية التي نشأت فيها صلةً كبيرة في تكوّن هذه المشكلة عندي؛ فقد درست في المعاهد الدينية الوهابية في مدينة صنعاء (عاصمة اليمن) التي كانت تنشر كتباً حول الاثني عشرية، ألفها أُناسٌ لا يدركون خطورة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، ومن ثَمَّ فهم يخلطون بينها وبين فِرَق الغلاة، وينسبون الخرافات والتصورات الوثنية المغالية إليها. واثرّت عليّ تلك الكتب تأثيراً قوياً. وكانت تلك المعاهد تكتفي بتلك الكتب التي كتبت حسب منهج الوهابية، وهو منهج يخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة. ولم تكن تلك المعاهد الوهابية تسمح بنشر الكتب التي كتبها علماء أهل السنّة عن المذهب الاثني عشري؛ التي تعتمد على منهج يخالف منهج الوهابية، ويرى هذا المنهج أنّهم يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة وينسبون انحرافات الغلاة إلى الاثني عشرية.

وبعد مرور فترة زمنية تهيأت لي الفرصة لقراءة بعض الكتب التي كتبت حول المذهب الاثني عشرية والتي كتبها كبار أهل السنَّة، وكانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي؛ لأنني وجدتها تختلف عن منهج الوهابية اختلافاً جوهرياً، وتدرك

٣٣
خطورة الخطأ في المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري، وتنتقد منهج الوهابية في دراسة المذهب الاثني عشري، وتعتبر أنّه لا يوجد عند الوهابية أدنى تمييز بين الاثني عشرية والغلاة، وترى أنّ القارئ في كل ما كتبه أتباع الوهابية عن الاثني عشرية لا يخرج إلى نتيجة معينة تعرّفه على حقائق هذا المذهب وخصائصه، وفي هذا يقول الكاتب السنّي المعاصر الأُستاذ حامد حنفي(١):

(بعد أن قضيت ردحاً طويلاً من الزمن أدرس فيها عقائد الأئمة الاثني عشر بخاصة وعقائد الشيعة بعامة؛ فما خرجت من هذه الدراسة الطويلة التي قضيتها... بشيء ذي بال)(٢).

ويرى كبار أهل السنة أنّ الوهابيين لا يدركون خطورة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية. ومن ثَمَّ كان من الطبيعي أنّهم لا يفصلون بين الاثني عشرية والغلاة، وفي هذا يقول المفكّر الإسلامي السنِّي المصري أنور الجندي ـ رحمه الله ـ في كتابه القيم (الإسلام وحركة التاريخ):

(ومن الحق أنّ يكون الباحثُ يقظاً في التفرقة بين الشيعة [يعني: الاثني عشرية] والغلاة، هؤلاء الذين هاجمهم أئمة الشيعة أنفسهم وحذروا مما يدسونه)(٣).

والعلامة المفكر الإسلامي المصري علي عبد الواحد وافي ـ رحمه الله ـ(٤) عالج هذه المشكلة في كتابه القيّم (بين الشيعة وأهل السنَّة) ومما قاله:

(١) رئيس قسم الأدب العربي في جامعة عين شمس.

(٢) في سبيل الوحدة الإسلامية للعلامة مرتضى الرضوي: ص ٤٥. مطبوعات مكتبة النجاح بالقاهرة، ط / ٢ سنة ١٩٧٩. وراجع تمام عبارته في (ص ٢٤ ـ ٢٦) من هذا البحث.

(٣) عبارة مقتطفة من: ص ٤٢١.

(٤) قال أحد قادة المنهج الوهابي في دراسة الاثني عشرية وهو (إحسان الهي ظهير) في ترجمة العلامة (علي عبد الواحد وافي): (إنّه علمٌ من أعلام مصر)، ثم يقول: (لقد سمعتُ الكثير من علم الدكتور

=>

٣٤
(إن كثيراً من مؤلفينا قد خلط بين الشيعة الجعفرية وغيرها من فرق الشيعة)(١).

وقد بذل إمام أهل السنّة في العصر الحديث (الشيخ محمد الغزالي) ـ رحمه الله ـ جهوداً عظيمة مثمرة في تصحيح منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية؛ كما بذل جهوداً جبارة في مقاومة المقلِّدين لمنهج الوهابية من أهل السنّة المعاصرين، وبذل جهوداً كبيرة في معالجة المصابين بمشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة، أو بتعبيرٍ أدق: في معالجة المصابين بمشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، وفي هذا يقول:

(ومن هؤلاء الأفاكين [ الذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة] من روّج أنّ الشيعة أتباع عليّ، وأن السنيين أتباع محمدٍ، وأن الشيعة يرون علياً أحق بالرسالة، أو أنّها أخطأته إلى غيره. وهذا لغوٌ قبيح وتزوير شائن)(٢). وهو لا ينطبق إلاّ على الفرق المغالية المنقرضة.

وقد توسع الإمام الغزالي ـ إمام أهل السنة في العصر الحديث ـ في كتابه القيّم (ليس من الإسلام) في نقد منهج المتأخرين من أهل السنّة، المقلدين

<=

علي عبد الواحد وافي، وحدّثني عنه العديد من الأصدقاء حتى دفعني الشوق إلى لقائه، وإذا أنا أطرق باب مصر وأدخلها طالباً للعلم). انظر كتاب إحسان ا لهي ظهير (بين الشيعة وأهل السنة ص ٦). ولكن إحسان ا لهي ظهير بعد أن وصف العلامة السنّي علي عبد الواحد وافي بأوصاف عظيمة قال: (إنّه انخدع بالمذهب الاثني عشري)!

ونحن نقول: هل من المعقول أن ينخدع بالمذهب الاثني عشري كبار علماء أهل السنَّة في العصور القديمة والمتأخرة والحديثة؟!

ولماذا لم ينخدعوا بالفرق المغالية الأخرى من غير الاثني عشرية، على فرض أنّ الاثني عشرية من فرق الغلاة كما تحسب الوهابية؟!! وليست القضية محصورة بالعلامة الدكتور علي عبد الواحد وافي.

(١) انظر كتابه: ص ١١.

(٢) رسالة التقريب: ص ٢٥٠، العدد ٣، السنة الأُولى، شهر شعبان ١٤١٤ هـ.

٣٥
للوهابية في دراسة الاثني عشرية، ونقد الذين ما زالوا لا يفرّقون بين الاثني عشرية والغلاة، وفي هذا يقول ـ رحمه الله ـ:

(نسب [(١)بعض الذين يخلطون بين الاثني عشرية وفرق الغلاة] إلى الإمامية ـ افتراء وتنكيلاً ـ نقصان آيات من القرآن)(٢).

ويرى بعض مفكري أهل السنَّة أنّ منهج الوهابية يعتبر منهجاً متطرفاً في دراسة الاثني عشرية، ومنهجاً مُخلِّطاً بين الاثني عشرية والغلاة، ومنهجاً منحرفاً في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية. وقد تبنى هذا الرأي المفكر الإسلامي السنّي المصري (محمد البهي)(٣) ـ رحمه الله ـ وقال في صدد نقده منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية:

(وسَّعت [الوهابية] شقة الخلاف بين السنّة والشيعة، وأصبحت الفجوة كبيرة في النزاع المذهبي بين السنّة والشيعة منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بل أصبحت أشدّ من ذي قبل. وكان لزيادة الفجوة على هذا النحو أثرٌ سلبيٌ للدعوة الوهابية)(٤).

ويقول العلامة السنّي (عبد الحليم الجندي) ـ حفظه الله ـ عن الذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة أنّهم:

(... نسبوا عمل الغلاة إلى الشيعة... فأحدثوا بذلك أثراً كاذباً في فهم الآخرين بدعاوى هم [أي الاثني عشرية] منها براء، مثل: إنّ الإمام هو الله ظهوراً واتحاداً وهو غلو يبلغ الكفر)(٥).

(١) التزمت حتى يتم التمييز بين ما أنقله من المصادر وبين تعليقي أن اضع تعليقاتي بين معقوفتين [].

(٢) عبارة مقتطفة: من ص ٤٨.

(٣) كان من كبار علماء أهل السنَّة في العصر الحديث، ويعد من الذين جمعوا بين الدراسة الأزهرية القديمة والدراسة الحديثة في الجامعات الاوربية، وتميز بسعة ثقافته وقوة منطقه. وهو من الشخصيات التي اعتمد عليها في كتبه الشهيد سيد قطب، واعتمد عليها ـ أيضاً ـ الشيخ محمد الغزالي في بعض كتبه، وقد كان وزيراً للأوقاف المصرية.

(٤) في كتابه القيم (الفكر الإسلامي في تطوره)، الفصل الرابع والأخير: ص ١٤٠.

(٥) الإمام جعفر الصادق، عبد الحليم الجندي: ص ٢٣٥، ا لهامش رقم ١.

٣٦
وفي الحقيقة أنّ الذي لا يدرك مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية سوف ينسب للاثني عشرية ما ليس له صلة بها، وسوف يكون مثل الذين وصفهم الدكتور طه حسين ـ رحمه الله ـ(١) في كتابه (علي وبنوه) بقوله:

(إنّ خصوم الشيعة نسبوا إليهم ما يعلمون وما لا يعلمون... لا يكتفي خصوم الشيعة من الشيعة بما يسمعون عنهم أو بما يرون من سيرتهم وإنّما يضيفون إليهم أكثر مما قالوا وأكثر مما سمعوا، ثُمّ لا يكتفون بذلك... بل يحملون ذلك كلّه على أصحاب أهل البيت... وخصومهم واقفون لهم بالمرصاد، يحصون عليهم كل ما يقولون ويفعلون، ويضيفون إليهم أكثر مما قالوا ومما فعلوا، ويحملون عليهم الأعاجيب من الأقوال والأفعال... ثم يتقدم الزمان فيزداد الأمر تعقيداً وإشكالاً، ثم تختلط الأُمور بعد أن يبعد عهد الناس بالأحاديث...)(٢).

وقد ذكرنا ـ سابقاً ـ أنّ من كبار علماء أهل السنّة الذين أدركوا خطورة مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة؛ العلامة الدكتور علي عبد الواحد وافي(٣)، الذي عالج هذه المشكلة في كتابه (بين الشيعة وأهل السنّة)، وقال في الرد على الوهابية الذين يخلقون ضجة مفتعلة بين السنّة والاثني عشرية:

(... الخلاف بيننا وبينهم ـ أي بين السنّة والاثني عشرية ـ مهما بدا في ظاهره كبيراً لا يخرج في أهمِّ أوضاعه عندنا وعندهم من حيز الاجتهاد المسموح به)(٤).

ومن كبار مفكري أهل السنّة الذين أدركوا أنّ الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة عند أتباع الفرقة الوهابية يعدّ هو السبب في إصرارهم على

(١) أعلن الدكتور طه حسين توبته عمّا كتبه في الطعن الذي وجهه للقرآن الكريم في كتابه (الشعر الجاهلي) أو في كتابه (الأيام)، كان ثمرة هذه التوبة كتابه القيم (مرآة الإسلام). ونحن نرفض الذين ما زالوا يحاكمونه إلى كتبه التي تراجع عنها، يجب أن يحاكم بما انتهى إليه لا بما بدأ به.

(٢) عبارة مقتطفة من: ص ٣٥.

(٣) انظر: ص ٣٣ ـ ٣٤ من هذا الكتاب.

(٤) كتاب (بين الشيعة وأهل السنّة) للعلامة الدكتور عبد الواحد وافي: ص ٤.

٣٧
تكفير الاثني عشرية؛ المفكر الإسلامي السني (فهمي هويدي) ـ حفظه الله ـ حيث يقول:

(تعتبر قضية تكفير الشيعة [يعني الاثني عشرية] إحدى الأطروحات الرئيسية في الفكر الوهابي)(١).

كل هذه الأقوال التي نقلناها عن كبار أهل السنّة تعتَبرُ أنّ منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية قد قادهم إلى الخلط والتخليط بين الاثني عشرية والغلاة، ومن ثَمّ وقعوا في انحراف كبير في مرحلة المعرفة الانتسابية لهذا المذهب.

ويرى بعض علماء أهل السنّة أنّ التصور الذي يحمله أتباع الوهابية عن الاثني عشرية مناقض أو مصادم لحقيقتها ولخصائصها، ومُسَاوٍ ومتحدّ مع حقيقة الغلو؛ كما نلمس ذلك في كتابات المفكر الإسلامي السنِّي سالم البهنساوي ـ حفظه الله ـ صاحب (السنّة المفترى عليها). وهو يعدُّ من الذين التفتوا إلى خطورة مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرقة الغلاة عند الوهابية، أو بتعبير أدق وأصح: إلى خطورة خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية. وكتابه يحتوي على دراسة عميقة تدعو إلى ضرورة تصحيح منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية، وتبين خروجهم عن منهج أهل السنّة في دراسة هذا المذهب. كما انتقد كل التهّم التي شاعت في وسط الوهابيين، ومن أهم هذه التهم التهمة القائلة بـ (أنّ للاثني عشرية مصحفاً آخر...)، فهاجم البهنساوي هذه التهمة وقال:

(إنّ المصحف الموجود بين أهل السنّة هو نفسه الموجود في مساجد وبيوت الشيعة)(٢).

(١) إيران من الداخل، فهمي هويدي: ص ٣٢٢، ط / ٢، ١٤٠٨ هـ ـ ١٩٨٨م، مركز الاهرام للترجمة والنشر.

(٢) عبارة مقتطفة: من ص ٦.

٣٨
ويرى بعض مفكري أهل السنّة أنّ أتباع الفرقة الوهابية أخذوا تصوراتهم عن الاثني عشرية من مقالات الغلاة، بل أخذ بعضهم تصوراتهم عن الاثني عشرية من مقالات اليهودية والنصرانية والمجوسية ومن مقالات المستشرقين.

وحينما أخذوا معلوماتهم عن الاثني عشرية من تلك المقالات أُصيبوا بمرض الخلط بين المذهب الاثني عشري وبين فرق الغلاة، وأُصيبوا بمشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، ومن هؤلاء الذين يرون هذا الرأي المفكر الإسلامي السنّي (أنور الجندي)، والذي سبق أن ذكرنا عبارة مقتطفة من كلامه حول ذلك(١).

وكان الإمام حسن البنا ـ زعيم الحركة الإسلامية السنّية في العالم ـ من أكثر المتحمسين لتصحيح منهج الوهابيين في دراسة الاثني عشرية، ومن أكثر المحاربين للذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة أو للذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية؛ كما كان الإمام حسن البنا ـ رضوان الله عليه ـ يعجب ـ كثيراً ـ من الذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة! (مع العلم بأنّ أئمة الشيعة [يعني: أئمة وعلماء الشيعة الاثني عشرية] قد أثروا التأليف الإسلامي ثروة لا تزال المكتبات تعج بها)(٢).

وكان الكاتب الإسلامي السنّي الكبير (عبّاس محمود العقاد) ـ رحمه الله ـ من الذين أدركوا دور مشكلة الخلط بين الاثني عشرية، أو دور مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية؛ التي هي وراء كل الأكاذيب المنسوبة للمذهب الاثني عشري. وكان يتمنى ـ لولا أن وافته المنية ـ أن يكتب كتاباً في

(١) انظر: ص ٣٣ من هذا البحث.

(٢) عبارة مشهورة للإمام حسن البنا نقلها عنه تلميذه وزعيم الاخوان المسلمين الاستاذ عمر التلمساني المصري في كتابه القيم (ذكريات لا مذكرات): ص ٢٥٠.

٣٩
كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور عصام العماد (ص ٤٠ - ص ٥٩)
٤٠