×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٦١

والشكل (٣) ـ كما يُرى في الصورة ـ يعبّر بوضوح صريح وحاسم عن الارتباط الوثيق بين الأسباب الخمسة التي كونت المشكلة، وبين هذه الأخطاء الثمانية الخطيرة التي انبثقت من تلك الأسباب.

وعندما نعيد النظر في الشكل رقم (٢)، ثم ننظر للمرة الثانية إلى الشكل رقم (٣) سوف نرى في الشكل الثاني الأسهم الخمسة، التي تعبّر عن الأسباب الخمسة، وهي تتجه صوب العقل الوهابي لتكوّن هذه المشكلة، أمّا الشكل الثالث فسوف نلاحظ تلك الاسهم تتجه في اتجاه معاكس لاتجاهها في الشكل الثاني، وفي هذه دلالة صريحة بأنّ هذه الاخطاء الثمانية هي آثار ضرورية لتلك الأسباب الخمسة.

وعندما تقارن بين الشكل الثاني والشكل الثالث وتعيد النظر فيهما سوف يتضح لك أنّ الشكل الثالث يرسم انفجاراً شديداً للقنبلة اليدوية التي تم تعبئتها في الشكل الثاني.

وهذا تعبير صريح بأنّ انفجار المشكلة ـ التي نتج عنها الاخطاء الثمانية الخطيرة ـ كان مساوياً من حيث القوة لنسبة المواد الخمسة المفجِّرة، أو الأسباب الخمسة الخبيثة التي كوّنت أو وسّعت تلك المشكلة التي انفجرت داخل العقل الوهابي، ووسّعت دائرة الخلاف بين السنّة والاثني عشرية من جهة، وبين الوهابية والاثني عشرية من جهة أُخرى، وبين السنّة والوهابية من جهة ثالثة.

* * * *

إلى هنا اتضح لنا أنّ هذه الدراسة ترسم المنهج السليم في عرض المذهب الاثني عشري، وتحاول تصحيح منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية؛ كما تحاول طرح منهجٍ جديدٍ في الحوار مع الوهابية، كما تبذل جهداً كبيراً من أجل التقريب بين الاثني عشرية والوهابية ومن أجل التقريب بين أهل السنّة والوهابية واتضح لنا ـ أيضاً ـ أنّ هذه الدراسة للمذهب الاثني عشري تمر بمراحل ثلاث؛ المرحلة الأولى منها درسنا مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين فرق الغلاة عند الوهابية، وقلنا: بأنّ هذه المشكلة تمثّل في الحقيقة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني

٦٢
عشرية، وذكرنا أنّ المرحلة الأُولى تُمثل رأس ا لهرم؛ لأنّ الخطأ في هذه المرحلة سوف يؤدّي بشكل حتمي إلى سراية الخطأ إلى المرحلة الثانية، أي مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري، وإلى المرحلة الثالثة، أي مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري. وبالتالي سوف يؤدي الخطأ في المرحلة الأُولى إلى عدم إدراك الحقائق الثمان للمذهب الاثني عشري التي سوف ندرسها في المرحلتين الثانية والثالثة، وإلى عدم إدراك خصائص المذهب الاثني عشري التي سندرسها في قاعدة ا لهرم.

إذن، فكل الأخطاء التي وقعت في أجزاء وطبقات (هرم المذهب الاثني عشري) إنّما كانت منبثقة ومتولِّدة من الخطأ في رأس ا لهرم، أي الخطأ في المرحلة الأولى.

ونحن من أجل بيان وتصوير وتجسيم هذا المنهج الجديد في رسم المذهب الاثني عشري رسمنا (هرم المذهب الاثني عشري) بصورةٍ واضحة، تبين كل خطوات هذه المنهج المرسوم؛ من أجل تصحيح منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية، ومن أجل التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، ومن أجل التقريب بين أهل السنّة والوهابية وهذه هي صورة المنهج على شكلٍ هندسي هرمي:

٦٣
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٦٤
٦٥
وهرم المذهب الاثني عشري ـ كما يُرى في الصورة ـ يعبّر بوضوح حاسم عن المنهج الذي ذكرناه بلا لبسٍ أو إبهام، ويبين أنّه لا بد لنا قبل البحث عن المرحلة الثانية (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري) أن نبدأ بالبحث عن المرحلة الأُولى، أيّ مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري، والتي نعالج فيها مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة عند الوهابية، حتى نتجنب الخطأ في فهم حقائق الاثني عشرية وخصائصها.

كما ترى في الشكل ـ أيضاً ـ أنّ المرحلة الأُولى تقع في رأس ا لهرم، تعبيراً عن أهميتها، وتبييناً بأنّ الخطأ فيها سوف يؤدي إلى سقوط خطير وانزلاق كبير من أعلى هرم المذهب الاثني عشري إلى أسفله، ولو لاحظنا مرحلة رأس ا لهرم لاستنقذنا أنفسنا من خطر السقوط. وهذه المرحلة هي وراء كل أخطاء أتباع المنهج الوهابي في دراساتهم عن الاثني عشرية.

وعند إعادة النظر في الشكل ا لهرمي الاثني عشري سوف نرى (مرحلة المعرفة التحليلية لحقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه) تقع في الطبقة الثانية بعد طبقة رأس ا لهرم الاثني عشري، وهو تعبيرٌ حاسم عن درجة ومرتبة هذه المعرفة التي لا ينبغي أن تتقدم أو تتأخر عنها. ونحن نشاهد في الشكل ا لهرمي الاثني عشري الحقائق الاربع التي هي من صميم هذه المرحلة، والتي يجب دراستها وتحليلها في هذه المرحلة.

وعندما نعيد النظر في الشكل ا لهرمي الاثني عشري سوف نجد أنّ موضع (المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري) في الطبقة الثالثة، وهو تعبير صريح عن درجة ومرتبة هذه المعرفة التي لا ينبغي أن تتقدم أو تتأخر عنها، ونشاهد ـ كذلك ـ الحقائق الأربع ـ من الحقيقة الخامسة إلى الحقيقة الثامنة ـ التي هي من صميم هذه المرحلة، والتي يجب تحليلها ودراستها في هذه المرحلة، ونشاهد في الشكل ا لهرمي الاثني عشري ـ أيضاً ـ أنّ الطبقة الرابعة والأخيرة هي موضع

٦٦
وموقع (خصائص الاثني عشرية)، وهو تعبير صريح في أنّ (خصائص الاثني عشرية) لا يمكن أن تدرك ما لم نستوعب المراحل الثلاث السالفة، والحقائق الثمان المرتبطة بالمرحلتين الأخريتين. ولا شك أنّ الشكل ا لهرمي الاثني عشري بطبقاته الأربع يعبّر عن مرتبة ودرجة وأهمية كل مرحلة.

ونحن عندما وضعنا المرحلة الأولى في الطبقة الأولى (رأس ا لهرم الاثني عشري) لأجل تبيين وتوضيح تأثيرها الخطير والكبير على بقية طبقات ا لهرم الاثني عشري، وحين تقع الحقيقة الأولى (حقيقة الألوهية والنبوة في المذهب الاثني عشري) في رأس الطبقة الثانية فإنّه تعبير عن أهميّة هذه الحقيقة، وعن سمّو مرتبتها التي لا يمكن أن ترتقي إليها بقية الحقائق السبع؛ فليس هنالك حقيقة في كتب الاثني عشرية ترتفع إلى مستوى هذه الحقيقة؛ لأنّها تؤكد على الفصل التام بين مقام الألوهية ومقام العبودية، وتجريد كل العباد من خصائص الألوهية. كما تؤكد ـ هذه الحقيقة ـ على ضرورة ختم النبوة بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم، فهي حقيقةٌ هامة وضرورية يَكْفرُ من ينكرها بإجماع علماء المذهب الاثني عشري.

وهنالك تنبيه لا بد من ذكره وهو أنّ حقيقة الإمامة (الحقيقة السادسة) وضعت في الشكل ا لهرمي الاثني عشري في القسم الثاني من الطبقة الثالثة، ولا شك أنّها في هذا الموضع والموقع متأخّرة ـ كثيراً ـ عن الرتبة والدرجة التي تناسب أهميتها وخطورتها، وهكذا؛ (غيبة الإمام الثاني عشر في المذهب الاثني عشري) ـ أيضاً ـ وضعت في أسفل نقطة في الشكل ا لهرمي الاثني عشري (قاعدة ا لهرم)، ولا شك أنّها في هذا الموضع والموقع من ا لهرم جاءت متأخّرة ـ كثيراً ـ عن الرتبة والدرجة التي تناسب أهميتها وخطورتها، وقد جعلناها في نهاية هرم الاثني عشرية؛ لأننا أدركنا ـ من خلال انتقالنا من الوهابية إلى المذهب الاثني عشري ـ أنّ خاصّية غيبة الإمام الثاني عشر في المذهب الاثني عشري هي آخر ما يمكن أن يدركه أتباع المنهج الوهابي.

٦٧
وهكذا؛ وضِعتْ (حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري) في مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري وجعلتها الحقيقة السادسة في هذا الكتاب؛ لأنني رسمت هذا المنهج من أجل أن يدركه الوهابية. ومن خلال تجربتي السابقة فإنّني لم استوعب وأدرك (حقيقة الإمامة عند الاثني عشرية) إلاّ بعد أن استطعت تجاوز مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة (المرحلة الأولى)، وبعد أن استطعت تجاوز مرحلة المعرفة التحليلية العميقة للحقائق الأربع، وبعد أن استطعت الخروج من مشكلة الخلط ـ عندي ـ بين (منابع الاثني عشرية ومنابع الغلاة)، أي بعد أن أدركت الحقيقة الخامسة. وهكذا؛ شأن (خاصية الغيبة) فقد وضعتها في قاعدة ا لهرم الاثني عشري؛ لأنّها كانت آخر ما آمنت به من الاثني عشرية.

وإنّما ذكرت ذلك حتى لا يظن القارئ الكريم أننّي قصدت التقليل من شأن الإمامة ومن شأن غيبة الإمام الثاني عشر؛ المتفرعة عن حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري.

* * * *

وعندما نعيد النظر في الشكل ا لهرمي الاثني عشري سوف نلاحظ الخطوط الطولية المتصلة والمتحركة من رأس ا لهرم إلى قاعدته ونهايته. وهذه الخطوط المتصلة هي تمثيلٌ واضح وراسخ للاتصال الوثيق بين المراحل الثلاث ـ أي مرحلة المعرفة الانتسابية ومرحلة المعرفة التحليلة ومرحلة المعرفة الجذرية ـ في هذا المنهج، والاتصال الوثيق بين الحقائق الثمان المعروضة في المرحلتين الآخيرتين (مرحلة المعرفة التحليلية ومرحلة المعرفة الجذرية). كما أنّ هذه الخطوط الطولية تعبّر تعبيراً صريحاً عن الانبثاق الذاتي للمرحلة الثانية من المرحلة الأُولى والمرحلة الثالثة من المرحلة الثانية، وتعبّر ـ أيضاً ـ عن انبثاق خصائص الاثني

٦٨
عشرية من الحقائق الثمان، كما أنّ هذه الخطوط الطولية قاطعة في الدلالة ـ على ما قلناه سابقاً ـ على ضرورة التدرج في دراسة المراحل الثلاث، وفي دراسة الحقائق الثمان، وفي دراسة الخصائص الثلاث؛ فتلك المواضع والمواقع المعيّنة للمراحل وللحقائق وللخصائص في ا لهرم لها دلالة صريحة في تجسيم وتصوير ضرورة التدرج في هذا المنهج، وفي عرض المراحل الثلاث للمذهب الاثني عشري، وفي عرض الحقائق الثمان المرتبطة بالمرحلتين الأخيرتين، وفي عرض الخصائص الثلاث؛ حتى نستطيع التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، وحتى نتجنب ونبتعد عن الأخطاء التي انزلق فيها أتباع المنهج الوهابي في دراسة المذهب الاثني عشري. وقد انزلقوا في تلك الأخطاء بسبب أنّ طريقتهم في دراسة الاثني عشرية لا تستند على نظام فكري واحد ولا على نظام منهجي واحد.

ويشاهد القارئ الترابط المحكم بين طبقات ا لهرم وأجزائه، من قمته إلى قاعدته، وفي هذا دلالة صريحة على أنّه يجب أن ينظر إلى حقائق الاثني عشرية وخصائصها كوحدة متماسكة مترابطة متحدة، وفي إطار منظومة مشتركة، تدب فيها روح واحدة، ومن ثَمَّ فهي (الحقائق والخصائص) تشكل مجموعة واحدة.

وكل حقيقة من حقائق الاثني عشرية وكل خاصّية من خصائصها لا بد أن تنظر في اطار هذه المجموعة المترابطة المتصلة، وحين ننظر إلى حقيقة واحدة من حقائق الاثني عشرية، أو ننظر إلى خاصّية من خصائصها، بالنظرة الجزئية المفردة المعزولة عن بقية الحقائق والخصائص؛ فإنّنا لا يمكن أن نُدِرك عظمة روح هذه الحقيقة التي نظرنا إليها بمفردها، ولن ندرك ما فيها من صفات الجمال والكمال. كما أنّ النظرة التجزيئية الفردية لحقيقة من حقائق الاثني عشرية، أو خاصّية من خصائصها دون النظر إلى بقية حقائقها وخصائصها؛ كانت من الأسباب الرئيسية التي جعلت أتباع المنهج الوهابي ينزلقون في أخطاء كبيرة في الكثير من أحكامهم على حقائق الاثني عشرية وخصائصها.

٦٩
ويلاحظ المشاهد للشكل ا لهرمي الاثني عشري أنّ هنالك تسلسلاً ظاهراً وصريحاً، وهو تعبير حاسم عن أنّ كل حقيقة من الحقائق الثمان للمذهب الاثني عشري تكون مقدمة للحقيقة التي بعدها، وفي نفس الوقت تكون نتيجة للحقيقة التي قبلها، والإيمان بالحقيقة الأُولى يقتضي الإيمان بالحقيقة الثانية.. وهكذا.. وهكذا؛ إلى الحقيقة الثامنة.

ونحن إذا لم نستطع فهم الحقيقة الأُولى فإنه ليس بالامكان فهم بقية الحقائق؛ لما عرفت من أن هناك تسلسلاً رياضياً وعلمياً بينها.

وحينما نعيد النظر في الشكل ا لهرمي الاثني عشري سوف نلاحظ أنّ هنالك خطوطاً عرضية في ا لهرم الاثني عشري. وهو تعبير حاسم عن قاعدة أساسية في هذا المنهج ـ الذي رسمناه من أجل تصحيح منهج الوهابية في دراسة المذهب الاثني عشري ومن أجل التقريب بين الاثني عشرية والوهابية ـ تقول: بأنّه يجب التأمّل والتدقيق والتعمق والدراسة التحليلية والموضوعية لكل مرحلة من المراحل الثلاث للمذهب الاثني عشري، ولكل حقيقة من حقائق هذا المذهب، ولكل خاصّية من خصائصه؛ فقد لمسنا ـ عند مراجعة ودراسة الكتب التي كتبت عن المذهب الاثني عشري حسب المنهج الوهابي ـ أنّ عدم التأمّل والتدقيق، وعدم التحليل الكامل للمراحل والحقائق والخصائص؛ كان وراء كل الأخطاء التي ارتكبوها في حق المذهب الاثني عشري.

ولو أعاد القارئ النظر إلى الشكل ا لهرمي الاثني عشري سوف يرى أننا رسمنا خطوطاً خارجية في السطح الخارجي للهرم، تشمل وتعم كل ا لهرم. وهو تعبير صريح وواضح عن حقيقة هامة في هذا المنهج تقول: بأنّ هنالك تشابكاً وانسجاماً بين المراحل والحقائق والخصائص، بحيث إنّ الخطأ في فهم المرحلة الأُولى ـ التي في رأس ا لهرم ـ يقتضي سريان الخطأ إلى المرحلتين الأخيرتين، والإصابة في فهم أول مرحلة يقتضي الإصابة في فهم المرحلتين الأخيرتين..

٧٠
وهكذا.. وهكذا.. في الحقائق الثمان وفي الخصائص الثلاث أنّه لا يمكن أن نخطئ في (مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري)، ثُمّ نصيب في (مرحلة المعرفة التحليلية لهذا المذهب) أو (المعرفة الجذرية له)؛ لأنّ العلاقة بين المعارف الثلاث للمذهب الاثني عشري متشابكة..

وإذا أعاد القارئ نظره إلى ا لهرم يرى أنّ قمته تبدأ ضيقة، ثم تتسع شيئاً فشيئاً كلَّما اتجهت نحو القاعدة. وهذا يعبّر عن حقيقة هامة أشرنا إليها وهي أنّه عندما أخطأ أتباع المنهج الوهابي في مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة ـ رأس ا لهرم ـ أخذت أخطاؤهم في فهم حقائق الاثني عشرية تتسع يوماً بعد يوم؛ كما أنه يعبّر عن حقيقة هامة وهي أنه عندما أخطأ أتباع المنهج الوهابي في مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة أخذ اختلافهم مع الاثني عشرية ومع أهل السنّة يتسع يوماً بعد يوم، حتى كادتْ الوهابية أن تنعزل عن الاثني عشريين وعن أهل السنّة.

ولن يستطيع أتباع المنهج الوهابي معرفة حقائق الاثني عشرية وخصائصها إلاّ إذا أدركوا الفرق بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة.

* * * *

والآن حان الوقت للبحث عن أسباب وعوامل خطأ الوهابية في هذه المرحلة الأُولى لمعرفة المذهب الاثني عشري، وقد انبثقت من الخطأ في هذه المرحلة وتولّدت مشكلة الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة.

* * * *

٧١

ما هي أسباب وعوامل تكوين وتوسيع هذه المشكلة؟

قد أشرنا إليها فيما سبق والآن نريد أن نبحث عنها بنفس الترتيب الذي ذكرناه، ولكنا قبل البحث عن هذه العوامل والأسباب سوف نذكر تمهيداً هاماً، ثُمّ نعود إلى دراسة الأسباب الخمسة(١) التي كوّنت تلك المشكلة.

ولعل من الحتميات التي يجب معرفتها قبل دراسة أسباب هذه المشكلة الخطيرة أن ندرك هذه الحقائق ا لهامة:

الحقيقة الأولى: إنّ مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة ـ لدى المنهج الوهابي ـ لم تلِد فجأةً بدون مقدمات وإرهاصات اقتضت ولادتها، بل هي وليدة عوامل وأسباب كثيرة استغرقت فترة زمنية طويلة، وحينما استكمِلت الأسباب وجدت المشكلة. ومن الثابت ـ علمياً ـ أنّ المشكلات التاريخية ليست وليدة لحظة واحدة؛ كما هو شأن بعض الاكتشافات العلمية المفاجئة.

الحقيقة الثانية: إنّ عملية تحديد أسباب ظهور المشكلات التاريخية عملية شديدة الصعوبة، وليست كعملية اكتشاف أسباب الأمراض البسيطة، ومن ثَمّ سوف يلاحظ القارئ أنّ بعض الأسباب التي سوف نذكرها لم تكن سبباً في وجود المشكلة، بل كانت سبباً في توسيعها.

الحقيقة الثالثة: إنّه لا يمكن معرفة أسباب هذه المشكلة الخطيرة إلاّ بعد دراسة تاريخ هذه المشكلة، ومن ثمّ راجعنا كل كتابات الوهابية عن الاثني عشرية، واستكشفنا من خلال دراستها في سنوات عديدة تاريخ المشكلة، ثُمّ تعرّفنا على أسباب المشكلة بعد معرفة تاريخها، وتبين لنا أنّ جذور هذه المشكلة في الفكر الوهابي ترجع إلى زمن ظهور الوهابية في عصر الدولة العثمانية.

لقد كانت الدولة العثمانية تحارب المذهب الاثني عشري محاربةً شديدة؛ بسبب الصراع على السلطة بين الدولة العثمانية التركية وبين الدولة الصفوية

(١) درسنا أكثر هذه الأسباب في كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية) الذي يعتبر القسم الثاني من هذا الكتاب.

٧٢
الفارسية، ومن ثَمّ نجد الدولة العثمانية التركية تطرح مشروعاً جديداً وغريباً وهو مشروع (تكفير الاثني عشرية واستباحة دمائهم)؛ من أجل ترغيب شعوب الدولة العثمانية في مقاتلة إخوانهم من الاثني عشرية. وتسرّب هذا المشروع إلى القارة ا لهندية، وصدر كتابٌ في ا لهند التزم بالمشروع العثماني ـ الذي تأثر بالمشاريع الاستعمارية التي تسعى إلى محاربة الوحدة الإسلامية ـ، وهو كتاب (التحفة الاثني عشرية)، من تأليف شاه عبد العزيز الدهلوي (ت ١٢٣٩ هـ)، وبعد ترجمته واختصاره قامت الدولة العثمانية بتوزيعه في وسط أهل السنّة. ووسّع هذا الكتاب دائرة الخلاف بين السنّة والاثني عشرية، وكان له الأثر الكبير على منهج الوهابية في التعامل مع الاثني عشرية، وعلى إيجاد مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند الوهابية.

وقد ظهر أثر كتاب (التحفة) على محبِّ الدين الخطيب ـ رحمه الله ـ(١) في كتابه (الخطوط العريضة في دين الإمامية) الذي يعتبر صورة مختصرة عن (التحفة الاثني عشرية).

وظلّت طريقة صاحب (التحفة الاثني عشرية) مؤثرة على أتباع المنهج الوهابي في دراسة الاثني عشرية؛ كما نلمسُ ذلك بصورة صريحة في كتابات إحسان ا لهي ظهير عن الاثني عشرية، والتي ما زال لها التأثير الكبير على كل ما كتبه الوهابيون عن الاثني عشرية.

ولا يخفى على المؤرخين الظروف السياسية التي صدر فيها كتاب (التحفة الاثني عشرية)؛ فقد أجمع مؤرخو الديار ا لهندية ـ التي صدر فيها كتاب التحفة ـ أنّ الكتاب صدر عند انتهاء القرن الثاني عشر ا لهجري، في زمنٍ كان الصراع السياسي بين ملك مملكة (أوده) في لكنهو ـ والذي كان مناصراً للاثني عشرية ـ وبين الملوك المناصرين لأهل السنّة؛ قد بلغ أوجه وذروته.

(١) وهو أحد مؤسسي المنهج الوهابي في دراسة المذهب الاثني عشري.

٧٣
وهكذا؛ نجد في التاريخ أنّه كلّما اشتدّ الصراع السياسي بين الملوك والسلاطين ظهرتْ الكتب الطائفية التي تخدم الملوك لا الشعوب المحكومة المظلومة، ومن ثمَّ نجدُ هذه الكتب الطائفية تُهدى إلى الملوك، وكتاب (التحفة الاثني عشرية) بعد ان اختصره وهذبه محمود شكري الآلوسي ـ رحمه الله ـ أهداه إلى السلطان وقال:

(... وقدمته لأعتاب خليفة الله في أرضه، ونائب رسوله عليه الصلاة والسلام في إحياء سنته وفرضه، الذي راعى رعاياه بجميل رعايته، ودبَّرهم بصائب تدبيره وواسع درايته، وسلك أحسن المسالك في استقامة أمورهم، وصيانة نفوسهم، وحراسة جمهورهم، وخَصَّ من بينهم علماءَ دولته، وصلحاء ملته، بحسن ملاحظته، وفضل محافظته، تمييزاً لهم بالعناية، وتخصيصاً بما يجب من الرعاية، ووضعاً للأُمور في مواضعها، وإصابة مواقعها، ألا وهو أمير المؤمنين، الواجب طاعته على الخلق أجمعين، سلطان البرَّين، وخاقان البحرين، السلطان ابن السلطان، السلطان الغازي عبد الحميد خان ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان.

اللهم أيده بنصرك، وانصره لتأييد ذكرك، واطمس شرَّ سُوَيداء قلوب أعدائه وأعدائك، ودقَّ أعناقهم بسيوف قهرك وسطوتك)(١).

إلى أن يقول:

(وغرضي من عرض ذلك الكتاب إلى ساحته الرفيعة الأعتاب أن يذرَّ إكسير نظره عليه، ليحلَّ محلَّ القبول لديه.. فهناك ـ إن شاء الله تعإلى ـ يحصل الأمل، وأحضى بما رجوته من قبول العمل.. وقد رتبته على تسعة أبواب، وإلى الله الزلفى وحسنُ المآب.

الباب الأول: في ذكر فرق الشيعة وبيان أحوا لهم...)(٢).

وكان الغرض من نقل هذا الكلام في مدح السلطان تعريف القارئ الكريم بأنّ الكتب الطائفية كانت تخدم السلاطين والملوك، لا المحكومين والشعوب.

(١، ٢) مختصر التحفة الاثني عشرية، اختصرها وهذبها السيد محمود شكري الألوسي سنة (١٣٠١ هـ) وقدّم لهذا الكتاب محب الدين الخطيب ـ رحمه الله ـ: ص ٢ ـ ٣. الطبعة التركية.

٧٤
لكننا نأسف ـ كثيراً ـ بأنّ هذا الكتاب ـ الذي صدر في ظروف سياسية خاصة ـ أصبح مؤثراً على الوهابيين في دراسة الاثني عشرية؛ ينهجون منهجه، ويسيرون على منواله، ويغضّون الطرف عن ردود كبار أهل السنّة على محتوياته. وهذا الكتاب وليد السياسة ومَا أتَتْ به السياسة، سوف تذهب به السياسة.

لقد كانت المقتضيات السياسية للدولة العثمانية تستوجب وتحتّم تشويه المذهب الاثني عشري، وخاصّة بعد سقوط بغداد في يد الدولة الإيرانية الاثني عشرية، حينئذ شعرت الدولة العثمانية بخطرٍ جدي يهدّد كيانها، واستيقنت بأنّ أهل السنّة لن يقاتلوا الاثني عشرية إلاّ إذا اقتنعوا بأنّ الاثني عشرية من فرق الغلاة لا من فرق المسلمين. وهكذا؛ ظهرت مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، مستمدة ـ ابتداءً ـ من الظروف السياسية في عهد الدولة العثمانية. وتوّسعت المشكلة بعد ظهور الوهابية التي استفادت من الكتب التي صدرت في عهد الدولة العثمانية، ولكنها أضافت إليها أموراً كثيرة.

وكل هذه الكتب تحملُ الطابع الإعلامي لا الطابع العلمي التحليلي، ومن المعلوم أنّ الطابع الإعلامي يسعى لتشويه صورة الخصم، ويرفض الحوار العلمي التحليلي مع خصمه.

وبعد أن سقطت الدولة العثمانية نادى علماء أهل السنّة إلى ضرورة إحياء منهج قدماء أهل السنّة في التعامل مع الاثني عشرية، بعد أن اختفى ذلك المنهج في عصر الدولة العثمانية الذي تزامن مع عصر ظهور الوهابية، وأصدر الإمام الأكبر محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر، وكبير علماء أهل السنّة؛ تلك الفتوى التي اعتبرت المذهب الاثني عشري مثل المذاهب الأربعة السنّية، ويجوز للمسلم أن يختار أي مذهب من تلك المذاهب الخمسة الإسلامية.

وهذا الذي ذكرناه في هذه الحقيقة هو جانب مختصر من (تاريخ مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة عند الوهابية)، ولكن على قارئ هذا الكتاب أن يرجع إلى الادلة القوية المفصلة عن تاريخ هذه المشكلة، التي سنذكرها في البحوث القادمة باعتبارها هي الأصل. وهذه الحقيقة لم تجئ هنا إلاّ لمجرد الإشارة السريعة المختصرة.

٧٥
الحقيقة الرابعة: إنّه لا بد من القيام بدراسة تحليلية تسعى إلى تفكيك وتجزئة عناصر (مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرق الغلاة عند الوهابية)، ولا بد من دراسة كل جزءٍ وكل عنصر من أجزاء وعناصر هذه المشكلة بصورة منفردة، ومن ثمّ قمنا بدراسة (الغلو)، وهو العنصر الأول لهذه المشكلة، ثُمّ درسنا (الاثني عشرية)، وهي العنصر الثاني لهذه المشكلة، ثُمّ درسنا (نَوعَ العلاقة بين الاثني عشرية وبين الغلو)، وهي العنصر الثالث لهذه المشكلة؛ لنرى أنّه هل توجد علاقة توافق واتفاق أم أنّ هنالك اختلافاً عميقاً بين الاثني عشرية والغلو؟ وما هو موقف فِرَق الغلاة من الاثني عشرية؟ وما هو موقف الاثني عشرية من فِرَق الغلاة؟

ثُمّ درسنا (الوهابية) وهي العنصر الرابع لهذه المشكلة، فما هو ميزان معرفة الوهابية بالاثني عشرية؟ هل الوهابية تجهل حقيقة الاثني عشرية؟ وما هي طريقة الوهابية في التعامل مع الفرق الإسلامية بصفةٍ عامة؟ وما هي طريقة الوهابية في التعامل مع الاثني عشرية بصفة خاصة؟ وما هو تعريف الغلو عند الوهابية؟ وما هو تعريف الاثني عشرية عند الوهابية؟ وما الفرق بين منهج أهل السنّة في التعامل مع الاثني عشرية وبين منهج الوهابية في التعامل معها؟ ما هي طريقة التفكير عند الوهابية؟ وما هو تأثير طريقة الوهابية في التفكير على طريقتهم في التعامل مع الاثني عشرية؟

إنّه لا يمكن لنا أن ندرك خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، أو بتعبير أصح: لا يمكن لنا أن ندرك مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند الوهابية إلاّ بعد دراسةٍ علمية تحليلية عميقة لهذه العناصر الأربعة: (غلو + الاثنا عشرية + نوع العلاقة بين الغلو وبين الاثني عشرية + الوهابية).

وهذه المشكلة الخطيرة قد مزقت الوحدة الإسلامية المقدّسة التي نعتقد أنّها من أهم أُصول الدين، ونرى أنّ الحفاظ عليها فرض من الفروض العينية التي تجب على كلِّ مسلم، كما نرى أنّ التقريب بين الاثني عشرية والوهابية من أهم الواجبات الإسلامية.

٧٦
الحقيقة الخامسة: بعد قراءة طويلة لكتب الوهابية حول الاثني عشرية، والتي كتبها كتابٌ مصابون بمرض الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة؛ وجدنا أنّ هؤلاء الكتاب ينقسمون إلى ستة أصناف:

الصنف الأول: كتبوا ضد الاثني عشرية من أجل ارضاء بعض الملوك الذين لهم خصومة شديدة مع الدولة الاثني عشرية الإيرانية، ومن ثمَّ نجد كتابتهم تحملُ طابعاً إعلامياً أمنياً وكأنها صدرت من جهازٍ أمني استخباراتي استعماري صليبي، ومن ثَمَّ فهي تمثّل السياسة الخارجية للدولة التي طَبَعتْ هذه الكتب، وليس لها صلة بحقيقة المذهب الاثني عشري. وهؤلاء الصنف من الكتّاب يُطلق عليهم (كتاب الملوك والسلاطين)، وكان لهذا الصنف من الكتاب الحصة الكبرى في توسيع مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة.

الصنف الثاني: وهم السذج البسطاء الذين وقعوا فريسة لمكر (الصنف الأول)، ومن سذاجتهم أنّهم كانوا يحسنون الظن بكتّاب الملوك والسلاطين ويصدقونهم في قو لهم: بـ ((أنّ الاثني عشرية من فرق الغلاة لا مِنْ فِرَق المسلمين))!

وقد كنت من هذا الصنف عندما كتبتُ كتابي (الصلة بين الاثني عشرية وفِرق الغلاة).

الصنف الثالث: كانوا من الكتّاب الذين لا يتصفون بالبساطة والسذاجة، بل تنقصهم الدقة والعمق والدراية. ومثل هذا الصنف يقعون في الخلط والتخليط من حيث لا يعلمون، وتراهم يجعلون من الغلو ما ليس منه، ويثبتون للاثني عشرية ما ليس منها، من دون دليل أو برهان، وتراهم يفهمون بعض حقائق الاثني عشرية وخصائصها فهماً غريباً؛ بسبب عدم التأمّل والدقة عند قراءتها، وتراهم يخلطون بين التوحيد والشرك، فيتهمون المسلمين من أهل السنّة ومن الاثني عشرية بالشرك، وتراهم لا يميزون بين الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام

٧٧
وبين الشرك الأصغر الذي قد يوجد عند بعض المسلمين مع بقاء إسلامهم، وتراهم لا يميزون بين مراتب الكفر وأنواعه، فهم يخلطون بين الكفر الذي ليس له علاقة بالردّة والخروج عن الإسلام وبين الكفر الذي يعطي مفهوم الردّة والارتداد عن الإسلام، ومن ثَمَّ يتهمون الفرق الإسلامية المخالفة لهم بالردّة والخروج عن الإسلام، ويحكمون على كثيرٍ من المسلمين السنّة والاثني عشرية بالكفر الأكبر، وتراهم يخلطون بين الفلسفة والزندقة، فيتهمون فلاسفة المسلمين بالزندقة، وتراهم لا يميزون بين التصوّف المعتدل والتصوّف المنحرف، فيحكمون على كلِّ الصوفية بالكفر، وتراهم لا يميزون بين مراتب الغلو وأنواعه، فهم يخلطون بين الغلو الذي ليس له علاقة بالردّة والكفر وبين الغلو الذي له علاقة بذلك.

الصنف الرابع: وهم المصابون بالطائفية والحزبية المذهبية والكراهية والخصومة لكل من خالفهم من المذاهب الإسلامية، والكراهية والخصومة تمنعهم من سماع المذهب الآخر المخالف لمذهبهم؛ لأنهم يحكمون على كل مذهب إسلامي يخالفهم بالغلو قبل سماعه وقبل قراءته، فلديهم أحكامٌ مسبقة ضد هذه المذاهب الإسلامية قبل معرفتها.

وهذا الصنف يحسبون أنّ كلّ من خالفهم في فكرةٍ أو رأي يعدّ من الغلاة المنحرفين، ومنْ ثمّ حكموا على الاثني عشرية وعلى جمهور أهل السنّة بأنّهم من فِرَق الغلاة؛ لأنّهم رفضوا بعض أفكارهم وآرائهم الخاصّة.

الصنف الخامس: وهم الذين رأوا أنّ الاثني عشرية قدّموا بعض الإشكالات والتنبيهات للوهابيين، ولم يتحمّلوا هذه التنبيهات وتلك الإشكالات، واعتبروها هجوماً على الفكر الوهابي، وأثناء حماسة الدفاع عن الوهابية ضد تلك الإشكالات ـ التي كان ينبغي أن يجيبوا عنها ـ أنكروا الكثير من المسلمات عند أهل السنّة وعند الاثني عشرية، لأنّ ردة الفعل عند كتاب الوهابية جعلتهم

٧٨
يخرجون من الحالة العقلية المنطقية إلى الحالة الانفعالية العاطفية، فواجهوا تلك الإشكالات العلمية باتهامات تولّدت أثناء حماسة الدفاع عن الوهابية، وما كان من الوهابيين إلاّ أنْ جمعوا كل مقالات الغلاة التي ذكرها كُتَّاب الفِرَق من السنّة والاثني عشرية ثُمّ نسبوها للاثني عشرية ولجمهور أهل السنّة. وهكذا؛ ولّدت حركة ردة الفعل الوهابية خلطاً وتخليطاً خطيراً بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، بل وبين جمهور أهل السنّة وبين فرق الغلاة.

إنّ الوهابيين استحضروا أمامهم تلك الإشكالات العلمية والقوية التي أوردها الاثنا عشرية وكبار أهل السنة على الفكر الوهابي، وعجزوا عن معالجة تلك الإشكالات، وأدركوا أنّ هنالك نقصاً معيناً في الفكر الوهابي، واستنفذوا كل جهدهم في دفعه إلى أن استغرقوا كل قوةٍ لديهم دون جدوى، حينئذ خلقت ردت الفعل عندهم منهجاً خطيراً يسعى إلى صياغة حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه بصورة مشوهّة؛ لأنّ ا لهدف من تقرير تلك الحقائق والخصائص قد أصبح أسيراً لردّة الفعل، بحيث أصبح الرد على الاثني عشرية هو المحرّك الأول والأخير فيما تبذله الوهابية، وغاب عنهم ـ أثناء الاستغراق في الرد على هذا المذهب ـ أن يعرضوا حقائقه وخصائصه كما هي في ذاتها، وكما هي في كتب الاثني عشرية، وكما هي في كتب أهل السنّة الذين لم يتأثرّوا بالمنهج الوهابي.

الصنف السادس: وهذا أخطر أصناف الوهابية الذين كتبوا ضد الاثني عشرية؛ لأنّ أصحاب هذا الصنف اندسوا في صفوف البسطاء من الوهابيين، وألصقوا أنفسهم بالوهابية ـ والوهابية منهم بريئة ـ، وكتبوا كتباً في الدفاع عنها، وكانوا يسعون إلى تحقيق أهداف خطيرة من خلال الدخول في الجماعة الوهابية. هؤلاء عندما طردهم كبار علماء أهل السنّة، بعد أن اكتشفوا مآربهم الخبيثة المغرضة، وعندما أدركوا أنّهم يسعون بكل وسيلة للحصول على الجاه والشهرة والثروة؛ اضطروا للدخول مع الوهابية؛ من أجل أن يحققوا أغراضهم

٧٩
بعد أن فضحهم أهل السنّة. ومن أمثال هذا الصنف (عبد الله علي القصيمي النجدي) الذي سافر من المملكة العربية السعودية إلى مصر، وبعد أن طرده أهل السنّة من مصر واختلف مع علماء الأزهر الشريف، حينئذ كتب كتابه (الثورة الوهابية)، الذي رحّب به علماء الوهابية في العالم ورفضه علماء أهل السنّة، وكتب ـ أيضاً ـ (الصراع بين الإسلام والوثنية)، وأطلق كلمة (الوثنية) على المذهب الاثني عشري، وفرح بسطاء الوهابيين بهذا الكتاب، ثم بعد ذلك أعلن القصيمي الإلحاد وأنكر الأديان السماوية، وهاجم الأنبياء، وأعلن الوهابية البراءة منه ولعنوه، ولكن بعد أن رسم لهم صورة غريبة عن الاثني عشرية، وما زالت هذه الصورة مؤثرة على بعض بسطاء الوهابيين إلى اليوم.

والسادسة: ومما ساعد على توسيع هذه المشكلة الخطيرة عند الوهابية الغموض الشديد الذي اكتنف بعض الكلمات، في القرن الأوّل ا لهجري والفترة الزمنية القريبة منه، بحيث إنّ قدماء أهل السنّة وقدماء الاثني عشرية كانوا يطلقون كلمة (التشيع) على الفرق المنتسبة للتشيع، والتشيع منها براء. ومثل هذه الأجواء هيّأت لخصوم الاثني عشرية أن ينسبوا إليها مقالات تلك الفرق المغالية التي أطلق عليها القدماء كلمة (التشيع)؛ من خلال التلاعب والخلط بين مفهوم ومضمون كلمة (الاثني عشرية) التي تعبر عن مذهب واحد، وبين كلمة (التشيع) التي تعبّر عن فرق ومذاهب كثيرة، كفّر بعضها الاثني عشرية وأهل السنّة.

ولا شك أنّ الكلمات إذا لم تُعرّف تعريفاً دقيقاً فسوف تترك مجالاً للمغرضين الخبثاء، أو المخلّطين البسطاء في التلاعب بمضامينها ومحتوياتها ومعانيها حسب ما يريدون، بعيداً عن الضوابط والمعايير العلمية في تعريف الكلمات.

والسابعة: ومما ساعد على توسيع هذه المشكلة الخبيثة ـ عند أتباع المنهج الوهابي في دراسة المذهب الاثني عشري ـ تواجد بعض رجال الفِرَق المغالية في

٨٠