×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

١٠١
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
١٠٢
١٠٣

ومن هنا تجدني ـ دائماً ـ أؤكد بأنّ أكثر الوهابيين من المخلّطينَ البسطاء الأبرياء لا من المغرضين الخبثاء، ومن هنا أطلقت كلمة (بريئة) على الوهابية. ولا شك أنّ الرجل المصاب بالتخليط والخلط لا يمكن معاملته بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع الرجل السليم من الخلطِ والتخليط، ولكنه يخلط قصداً وعمداً من أجل تحقيق أغراضه الخبيثة؛ كما لا يمكن تسوية القاتل عمداً بالقاتل خطأً.

إنّنا نسعى في هذا الكتاب وفي كل كتاباتنا ومحاضراتنا ومقالاتنا إلى استنقاذ هذه الجماعة الوهابية من مشكلة الخلط الأكبر، ولا يمكن أن نستنقذها من هذا المستنقع الخطير ـ مشكلة الخلط ـ إذا كنا نسيء الظن بهذه الجماعة، كما لا يمكننا استنقاذ هذه الجماعة المبتلاة بالخلط إذا قسونا عليها أو استخدمنا معها طريقة فظة وغليظة؛ لأنّها سوف تنفرُ وتشتدُ خلطاً (ولو كُنْتَ فَضّاً غَلِيظَ القَلبِ لانفضّوا من حَوْلِكَ)(١).

ولا شك أنّ الطبيب المتخصص في معالجة الأمراض النفسية لا يمكن أنْ يعالج مريضه المصاب بحالةٍ نفسية إذا كان يسيء الظن به أو يُغلظ عليه. وحين نعالج الوهابية من هذه المشكلة سوف يتم تحقيق فكرة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، وسوف نحافظ على الوحدة الإسلامية المقدسة وبالتالي سوف نفشل المخططات الصليبية والصهيونية التي تسعى للقضاء على المودة والأخوة الموجودة بين المسلمين الاثني عشريين وبين المسلمين الوهابيين.

* * * *

القضية الثانية: الفتنة التي خلقتها الوهابية بين السنّة والسنّة من جهة، وبين السنّة والاثني عشرية من جهة أخرى؛ لأجل بعض المسائل التي ظن الوهابيون أنها من مسائل (أُصول الدين)، مع أنها في حقيقتها من مسائل (العقيدة) لا من

(١) سورة آل عمران: من الآية ١٥٩.

١٠٤
مسائل (أُصول الدين). وقد أدى هذا الفهم الخاطئ لأن تطلق الوهابية كلمة (الغلو) على مخالفيها في قضايا حسبتها أنها من مسائل (أُصول الدين).

إنّ الوهابية، وبسبب معاناتها من مشكلة الخلط في كل شيء كان من الطبيعي أن تخلط بين ما أطلق عليه الخلف من أهل السنّة لا السلف (مسائل العقيدة)، وبين ما أطلق عليه سلف أهل السنّة (مسائل أُصول الدين). وكان من نتائج هذا الخلط أنّ الوهابيين لا يميزون بين من خالف بعض (مسائل العقيدة) التي لا ترتبط بأُصول الدين، وبين من خالف مسألة من مسائل (أصول الدين)، ومن ثَمّ أطلقوا كلمة (الغلو) على الكثير من أهل السنّة وعلى الاثني عشرية؛ لأنّهم خالفوا الوهابية في بعض مسائل العقيدة التي لا علاقة لها بـ (أُصول الدين).

إنّ الوهابيين يحسبون أنّ أيّ مسألة من مسائل العقيدة يجب أن تكون ـ أيضاً ـ من مسائل أُصول الدين؛ لأنّهم يرون أنّ هناك علاقة تساوي بين مسائل العقيدة وبين مسائل أُصول الدين (مسائل العقيدة = مسائل أُصول الدين).

إنّه بالإمكان لنا أن نقول: إنّ كل مسألة من مسائل أصول الدين يجب أن تكون من مسائل العقيدة، ولكن ليس كل مسألة من مسائل العقيدة يجب أن تكون من أُصول الدين، فبعض مسائل العقيدة من أُصول الدين وبعض مسائلها ليس من أصول الدين(١). ولا يصح أنْ نخلط بين مسائل العقيدة المرتبطة بأُصول الدين وبين مسائل العقيدة المنفصلة عن أصول الدين.

وتكمن أهميّة هذا البحث بعد أن وجدنا الوهابيين يرفضون التقريب بين أهل السنّة وبين الاثني عشرية، حتى جعل الوهابي المعاصر (ناصر القفاري) رسالته في الدراسات العليا تحت عنوان (مسألة التقريب)، واعتبر هذا الوهابي ـ وكل الوهابيين ـ أنّ مسألة التقريب بين أهل السنّة وبين الاثني عشرية، وبين الاثني عشرية والوهابية لا يمكن أن تتم وتتحقق في عالم الواقع؛ لأنّ الخلاف بين أهل السنّة والاثني عشرية وبين الاثني عشرية والوهابية ـ في رأيه ورأي الوهابيين ـ هو خلافٌ في أُصول الدين.

(١) وحسب تعبير علماء المنطق يكون بين أُصول الدين ومسائل العقيدة عموم وخصوص مطلق.

١٠٥
وحينما بحثت في هذه المسائل الخلافية ـ بين أهل السنّة وبين الاثني عشرية ـ وجدت أنّه لا يوجد لها علاقة بأُصول الدين، بل هي إما ترجع إلى بعض مسائل العقيدة التي قال علماء أهل السنّة أنّها لا علاقة لها بأُصول الدين، وإما ترجع إلى قضايا فرعية فقهية لا تتصل بمسائل أُصول الدين ولا بمسائل العقيدة، ومن ثَمّ فلا بد أن نعالج هذا الخلط عند الوهابية بين بعض (مسائل العقيدة) وبين (مسائل أصول الدين). وهذه التفرقة ليست من عندنا، بل إنّنا سننقل لإخواننا الوهابيين كلاماً قيماً للامام ابن تيمية رحمه الله ـ ولا يمكن لهم أن يطعنوا في كلام ابن تيمية ـ، قال في تبيين ضرورة التمييز بين بعض مسائل العقيدة وبين مسائل أُصول الدين:

(إنّ المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وأسميت تلك (مسائل أصول) وهذه (مسائل فروع)، فإنّ هذه تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين. وهي على المتكلمين والأصوليين أغلب)(١).

وحتى يعلم القارئ أنّ الوهابية تخلط بين (مسائل أُصول الدين) وبين بعض (مسائل العقيدة)، وكان من نتائجه أن أطلقوا كلمة (الغلو) على جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية وعلى الاثني عشرية، كما رفضوا التقريب بين أهل السنّة وبين الاثني عشرية، والتقريب بين الاثني عشرية والوهابية؛ أرى ـ هنا ـ من الضرورة أنْ أنقل ما قاله أحد علماء أهل السنّة الذين لا تطعن فيهم الوهابية وهو العلامة (محمد عبد الحليم حامد)، حيث يقول في هذا الخلط الخطير عند الوهابية تحت عنوان سمّاه (تسمية العقيدة بأصول الدين تسمية تشريفية)، يقول:

(١) راجع البحث الذي كتبه العالم السنّي محمد عبد الحليم حامد حول هذا الموضوع في كتابه (معاً على طريق الدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشهيد حسن البنا). وإنّما أشرت إلى هذا العالم لأنه ليس صوفياً ولا شيعياً حتى تتأمل الوهابية في كلامه، فهو رجل ليس من خصومهم.

١٠٦
(واستقرت هذه التسمية [يعني: التسمية الجديدة لمسائل العقيدة بأُصول الدين] على مَرّ الأجيال إلى عصرنا هذا، وهنا حقائق هامة ينبغي الانتباه إليها وهي: إنّ هذه التسمية لم تعهد في القرون الثلاثة الفاضلة، إنّها تسمية جديدة جرت على لسان علماء الكلام ابتداءً وبعض الفقهاء، حسب ما قسموا مسائل الدين إلى (أصول) وتعني مسائل العقيدة، (وفروع) وتعني مسائل الأحكام العملية (الفقه).. هذا التقسيم راج وانتشر واستقرّ عند أهل السنّة وعلماء الكلام. وهذه هي الحقيقة الغائبة.

فأهل السنّة عندما يطلقون تسمية أصول الدين على العقيدة [يعني: عندما يطلقون أُصول الدين على بعض مسائل العقيدة التي لا ترتبط بأُصول الدين] يريدون بذلك تشريف العقيدة).

إلى أن يقول:

(ولا يقصدون [أهل السنَّة] بذلك [يعني: باطلاق أصول الدين على بعض مسائل العقيدة] أنّ كل مسائل العقيدة أصول، بل إنّ فيها الفروع أيضاً).

إلى أن يقول:

(هذه هي نظرة علماء السلف ـ رحمهم الله ـ. وهذه نظرة دقيقة رشيدة حفظت لمذهب أهل السنّة استقامته واعتداله، وعصمتهم من السقوط في هاوية التكفير السحيقة، وحفظتهم من رمي الغير بسهام الزيغ والضلال والزعزعة والميوعة).

إلى أن يقول:

(فالإسلام عظيم متين لا يهدم بسهولة لمجرد خلاف أو زلة في مسائل من مسائل العقيدة [يجب أن نميز بين الزلة في مسائل أصول الدين وبين الزلة في بعض مسائل العقيدة] دون نظر إلى حجم هذه المسألة ووزنها).

١٠٧
إلى أن يقول:

(وهذه الحقيقة ليست استنباطاً سبقتُ إليه، وإنّما هي مدونة في كتب عالم جليل من علماء السلف، وإمام عظيم من أئمتهم؛ إنّه شيخ الإسلام ابن تيمية)(١). ثُمّ ذكر كلاماً طويلاً مفصّلاً للإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في ضرورة عدم الخلط بين مسائل أصول الدين وبين بعض مسائل العقيدة التي لا علاقة لها بأُصول الدين.

ويتحتم على كل وهابي أن يراجع كلام الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ؛ حتى لا يخلط بين مسائل أُصول الدين وبين بعض مسائل العقيدة التي ترتبط بفروع الدين لا باصوله، وحتى لا يعتبر أكثر المسلمين من الغلاة ومن أهل الضلالة.

والحاجة إلى جلاء هذه الفكرة هي حاجة ضرورية للوهابية؛ لأنّها إذا أدركت الفرق بين (أصول الدين) وبين بعض (مسائل العقيدة)، سوف تحسن الظن بالكثير من المسلمين من السنّة ومن الاثني عشرية، وسوف تعرف أنّها بحاجة إلى تجديد نظرتها حول (مسألة التقريب) بين أهل السنّة وبين الاثني عشرية، وحول (مسألة التقريب) بين الإثني عشرية والوهابية، وحول (مسألة التقريب) بين أهل السنّة والوهابية؛ لأن الوهابية لم تعارض هذا التقريب إلاّ لظنها أنّ الخلاف بين السنّة والاثني عشرية هو خلاف في (أصول الدين)، ولظنها أن الخلاف بين الاثني عشرية والوهابية هو خلاف في (أصول الدين)، ولظنها أن الخلاف بين أهل السنّة والوهابية هو خلاف في (أصول الدين). وهي لا تدري أنّها تعاني من خلط كبير بين مسائل أُصول الدين وبين بعض مسائل العقيدة التي هي في الأصل من فروع الدين.

(١) نفس المصدر: ص ١٣٤ ـ ١٣٧.

١٠٨
كما نعتقد أنّ معالجة مشكلة الخلط عند الوهابية ـ بين أُصول الدين وبين بعض مسائل العقيدة المرتبطة بفروع الدين ـ تكون مدخلاً ضرورياً من أجل معالجتهم من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، ومن أجل معالجتهم ـ أيضاً ـ من مشكلة الخلط بين جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية وبين فِرَق الغلاة، ومن أجل أن يقبلوا فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وأنّه لمن سعادة الوهابية وحسن حظها أنْ تدرك أنّ أُصول الدين كما أرادها الله لا تتفق مع أُصول الدين التي رسموها، وخلطوا بين أُصول الدين كما أرادها الله وبين بعض مسائل العقيدة المرتبطة بفروع الدين. ومن ثَمّ ستجد الوهابية أنّ هذه المسائل الخلافية بين أهل السنّة والاثني عشرية، والمسائل الخلافية بين الاثني عشرية والوهابية، والمسائل الخلافية بين أهل السنّة والوهابية لا علاقة لها بأُصول الدين كما أرادها الله، ولن تثير فتنة بين السنّة والاثني عشرية، ولن تصطدم مع جمهور أهل السنّة من الأشاعرة المخالفين لها، حينئذ سوف تعيش الوهابية والاثنا عشرية في أُخوةٍ ووئام، وسوف تعيش الوهابية وأهل السنّة في سعادة تامة. وهذا ما يطلبه الله ـ تعالى ـ من كل أتباع هذا الدين، وما ينبغي أن يتحقق ليرضى الله ـ سبحانه ـ عن هذه الأُمة.

* * * *

والله يعلم بحالي فكم من الشهور والسنين مضت وأنا أبحث ـ ليلاً ونهاراً ـ عن حلٍ؛ من أجل تخفيف حدّة النزاع بين أهل السنّة والوهابية من جهة، وبين الاثني عشرية والوهابية من جهة أُخرى، وبين أهل السنّة والاثني عشرية منْ جهة ثالثة الذين هم أبناء أُمة واحدة. وتبين لي بما لا مجال للشك فيه أنّ الجماعة الوهابية ـ منْ دون قصد ـ كانت وراء توسيع ذلك النزاع، وأنّ من النادر أن تجد كتاباً تنشره الوهابية إلاّ وأقرأه بتمعن وإتقان، حتى أستطيع أن أبحث عن العلة التي جعلت هذه الجماعة تثير الفتنة بين السنّة وبين الاثني

١٠٩
عشرية، وجعلتها تنعزل عن بقية المسلمين من أهل السنّة بعد أن صاروا من الغلاة في نظرها، حتى مَنَّ الله عليّ واكتشفت العلة بعد بحث طويل، واستيقنت أن العلة تكمن في (مشكلة الخلط عند الوهابية بين الاثني عشرية وفرق الغلاة)، حينئذ بدأت أدرس الخلط بصورتيه العامة والخاصة(١) عند الجماعة (الوهابية)، والبحث عن أسباب علاجه.

وقد لاحظت أنّ الخلط من أخطر الأمراض الفكرية التي تصيب الإنسان، فبدأت بتحليل علله والبحث عن دوائه، والتفكير في كيفية علاج الوهابية منه، بعد أن كنت ـ سابقاً ـ أحد ضحايا مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة.

وقد لا يصدق القارئ أنني كنت أثناء البحث عن العلل التي جعلت الوهابية تكون سبباً للفتنة بين السنّة وبين الاثني عشرية، وتكون سبباً في عز لها عن بقية المسلمين من أهل السنَّة، لا سيما وأنا أتابع دماء المسلمين التي تسيل في الباكستان من أهل السنّة ومن الاثني عشرية ومن الوهابية، بعد أن فتنت بين أبناء الأمة الواحدة كتابات الوهابي إحسان إ لهي ظهير ـ من حيث لا يعلم ـ، وكنت أحياناً ـ من شدّة التأسف على الحالة المأساوية التي وصلت إليها الوحدة الإسلامية المقدسة بسبب كتابات الوهابية ـ أجد نفسي أبكي في زاوية مكتبتي، إلى أنْ أذن الله ـ تعالى ـ لي وعرفت أنّ الوهابية تعاني من داء (الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة)، بل من داء الخلط بصورة عامة. وبعد أن عرفت هذه المشكلة عرفت حقيقة الوهابية.

لقد نشرت الوهابية المئات بل الآلاف من المقالات والمحاضرات والكتب التي تتحدث عن (مشكلة الغلو عند الاثني عشرية)، بل عن (مشكلة الغلو عند كل

(١) الخلط بصورة خاصة يرتبط بمشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند الوهابية. والخلط بصورة عامة عند الوهابية يشمل الكثير من القضايا والمسائل التي خلطت فيها الوهابية، منها: الخلط بين أُصول الدين وبعض مسائل العقيدة، ومنها: الخلط بين جمهور أهل السنة وبين فرق الغلاة.

١١٠
المسلمين ما خلا الوهابية). لكنني بعد أنْ اكتشفت داء (الخلط) عند الوهابية التفت نظري إلى أنّ هنالك (مشكلة خلط عند الوهابية)، لا (مشكلة غلو عند الاثني عشرية)، أو (مشكلة غلو عند أهل السنَّة).. مشكلة الخلط عند الوهابية جعلتني أدرك أنّ الوهابية تخلط بين السبئية وبين الاثني عشرية، كما خلطت بين جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية وبين الغلاة الضالين والمنحرفين، وكما خلطت بين المشركين وبين المسلمين.

إنّني أعتقد أنّ الوهابيين إخواننا لا خصومنا، وهم لا يضمرون العداء لأهل السنّة أو للاثني عشرية، ولكنهم بسبب الإصابة بمشكلة الخلط بيننا وبين فرق الغلاة لم يفهمونا. ومن الواجب علينا أن نستخدم كل وسيلة شرعية حتى نعالج إخواننا من هذه المشكلة، وحين يتم علاجهم سوف ترون كيف ستتحول تلك الخصومة والكراهية ـ للاثني عشريين ولجمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية ـ إلى اخوةٍ إسلامية مستحكمة؛ بين الوهابيين وبين الاثني عشريين من جهة وبين الوهابيين وأهل السنّة من جهة أُخرى، عند ذلك يفرح المؤمنون الذين يقدّسون الوحدة الإسلامية ويشتدّ غيض أعداء الإسلام.

* * * *

وهذا الكتاب محاولة لتصحيح الحوار بين الوهابيين وبين الاثني عشريين، إذ الحاجة إلى هذه القضية ضرورية؛ لأن تصحيح الحوار بيننا سيساعد على التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، وعلى سبيل المثال عندما نتناول معهم موضوع (التوسل بذات الرسول الأعظم بعد وفاته) لا بد لنا ـ قبل أن نتناول هذا الموضوع مع الوهابيين ـ أن نتناول في البداية هذه القضية، وهي: هل الخلاف حول موضوع (التوسل بذات الرسول الأعظم بعد وفاته) بين المجيزين والمانعين هو خلاف في مسألة من مسائل أُصول الدين أم لا علاقة لهذا الاختلاف بأُصول الدين؟

١١١
وعندما يجيب إخواننا الوهابيون بأنّ الاختلاف في هذا الموضوع هو اختلاف في مسائل العقيدة.

نقول لهم في الجواب على ذلك: بأنّ مسائل العقيدة تنقسم إلى قسمين ـ كما هو رأي الإمام ابن تيمية رحمه الله ـ: القسم الأول من مسائل العقيدة يرجع إلى أُصول الدين، والقسم الثاني من مسائل العقيدة يرجع إلى فروع الدين.

وحين يرى إخواننا الوهابيون أنّ الاختلاف في موضوع (التوسل بذات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته) هو خلافٌ في أُصول الدين؛ لا بد أن نبين لهم أنّهم قد أُصيبوا بمشكلة الخلط بين مسائل أُصول الدين وبين مسائل العقيدة، ولا بد قبل الحوار في هذا الموضوع من معالجتهم من هذه المشكلة، حتى يتبين لهم أنّ هذا الاختلاف حول هذا الموضوع هو خلافٌ في فروع الدين لا أُصوله، وعلى فرض أنّه خلاف في مسألة عقائدية، لكنه خلاف في مسألة عقائدية لا تتصل بمسائل أُصول الدين. وقد نحتاج معهم إلى حكمة وتؤدة حتى نعالجهم من مشكلة الخلط بين أُصول الدين وبعض مسائل العقيدة التي لا علاقة لها بأُصول الدين.

وبديهي أن نبين لهم أنّ المذاهب الأربعة المعروفة (مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله) لم تجعل الاختلاف حول هذا الموضوع من الاختلاف في مسائل (أُصول الدين).

وغني عن الذكر أننا قد نحتاج أن نذكر لهم أقوال أهل السنّة في أنّ الاختلاف حول هذه المسألة هو خلافٌ في مسألة فرعية لا أصولية ولا عقائدية ـ في نظر بعض علماء أهل السنّة ـ.

كما أنني أرفض أن نتهم الوهابيين بكراهية الرسول الأعظم ـ والعياذ بالله ـ أو التنقيص منه، لأنّهم يرفضون التوسل به بعد مماته؛ إذ لا ترابط بين رفض التوسل بالنبي بعد الممات وبين كراهيته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فلا يصح أن نقابل خطأ الوهابيين بخطأ مثله.

١١٢
وفي هذه المسألة نذكر لإخواننا الوهابيين ـ على سبيل المثال ـ ما قاله الإمام الشيخ حسن البنا ـ رحمه الله ـ حول هذا الموضوع، قال ـ رحمه الله ـ:

(والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه موضع خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة)(١).

وإذا تبين لهم أنّ الاختلاف في هذا الموضوع هو اختلاف فرعي لا أُصولي، حينئذ سوف نستطيع أنّ نستنقذهم من اتهامنا واتهام أهل السنّة بالشرك؛ لأنّهم يعلمون أنّ الاختلاف في المسائل الفرعية لا علاقة له بالشرك أو الكفر، وإنّما يتصل بالخطأ والصواب.

ولا بد لنا من استخدام هذه الطريقة في هذه المسألة وفي كلِّ مسألة مع الوهابية؛ لأنّهم بسبب مشكلة الخلط بين أُصول الدين وبين فروع الدين قد خلقوا فتنة خطيرة بينهم وبين أهل السنّة من جهة وبينهم وبين الاثني عشرية من جهة أخرى حول هذه المسألة. وقد عانى الإمام الغزالي من الفتنة التي خلقتها الوهابية ـ من حيث لا تعلم ـ حول هذه المسألة، وفي هذا يقول ـ رحمه الله ـ:

(ونعود إلى التوسل بذات الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين يدعو المسلم ربّه؛ إنّ الخلاف بين المجيزين [يعني: أهل السنّة والاثني عشرية] والمانعين [يعني: المصابين بمشكلة الخلط وهم الوهابية] كاد يشبه الخلاف بين دينين، ولم أر لذلك سبباً معقولاً)(٢).

(١) الأصل الخامس عشر من الأُصول العشرين التي اقترحها الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ من أجل الحفاظ على الوحدة الإسلامية بين أهل السنّة والوهابية من جهة، وبين أهل السنّة والاثني عشرية من جهة أُخرى، وبين الوهابية والاثني عشرية من جهة ثالثة.

(٢) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، الغزالي: ص١٣٠. ط / الأولى ١٩٩٧م، دار الشروق ـ القاهرة ـ مصر.

١١٣
وهذا صحيح في عمومه، ولكن يبقى أن نشير أنّه يوجد سبب معقولٌ لهذا الخلاف الذي وصفه الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ بأنّه (كاد يشبه الخلاف بين دينين)، وهذا السبب المعقول يكمن في مشكلة الخلط بصورة عامة التي يعاني منها العقل الوهابي، فهذه المشكلة جعلته يخلط بين ما هو من أُصول الدين وما هو من فروع الدين.

وما دام أنّ الموضوع يتعلق بأُصول الدين عند الوهابية فقد أصبحت تتعامل مع مخالفيها في هذه المسألة كما يتعامل المسلمون مع الديانات الأُخرى؛ فهي تتهمهم بالشرك، كما تتهمهم بالغلو.. وفي هذا يقول الإمام الغزالي موجهاً خطابه للوهابيين الذين اتهموا أهل السنّة والاثني عشرية بالشرك بسبب أنّهم توسلوا إلى الله ـ أثناء الدعاء ـ بأحدٍ من خلقه:

(وبقي أن ننصح هواة الإتهام بالشرك [يعني: المصابين بمشكلة الخلط] أن ينظفوا سرائرهم وألسنتهم من سوء الظن، ولا يبنوا أحكاماً على أوهام..(١))(٢).

* * * *

والقضية الثالثة ـ قضية حكم الأخذ بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد ـ: من أهمّ القضايا التي خلقتْ الوهابية ـ من حيث لا يعلمون ـ بسببها فتنة ومعركة بين المسلمين(٣)، ودخلت الوهابية باسم أنصار القائلين بحجية خبر الآحاد في

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) مشكلة الخلط عند الوهابية تنقسم إلى قسمين:

أ ـ القسم الأول: مشكلة الخلط عند الوهابية بصفة عامة، وهذه تشمل نماذجاً كثيرة من الخلط.

ب ـ والقسم الثاني: مشكلة الخلط عند الوهابية بصفة خاصّة، وأعني بها (مشكلة الخلط عند الوهابية بين الاثني عشرية وفرق الغلاة).

(٣) كتب الوهابيون رسائل عديدة في هذه القضية، منها: (الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد في الأحكام والعقائد) للشيخ الوهابي سليم ا لهلالي ـ رحمه الله ـ، ومنها: رسالة (أصل الاعتقاد) للوهابي الدكتور عمر بن سليمان الأشقر ـ حفظه الله ـ، ومنها: (أخبار الآحاد في الحديث النبوي) للوهابي الشيخ عبد الله الجبرين ـ رحمه الله ـ. وغيرها كثير.

١١٤
مجال الاعتقاد، واتهمت القائلين بعدم حجية خبر الآحاد في مجال الاعتقاد بالغلو، فاستعرت الحرب بينها وبين هؤلاء.

وولدت معركة خطيرة بعيدة عن البحث العلمي، حتى أصبح القارئ يشعر بأنّ هنالك حزبين لا يلتقيان أبداً؛ الحزب الأوّل ضالع في الأخذ بخبر الآحاد في مجال الاعتقاد، والحزب الثاني مؤيد للتيار الذي يرفض الأخذ بخبر الآحاد في مجال الأعتقاد. وهكذا؛ خلقت الوهابية من هذه القضية تمزقاً شاملاً بين المسلمين.

وأشهد أنّه ما دخلت الوهابية في قضية ـ أي قضية ـ إلاّ وصنعت ضجّة، وهي تظن أنّها تصنع ذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين. ولا يمكن أن نعالجهم إلا إذا استنقذناهم من تخليطهم المعيب في كل مذهب أو قضية يتناولونها.

وحينما يعرض علماء أهل السنّة وعلماء الاثني عشرية قضية (الأخذ بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد) يحسنون طرحها، ويحسنون تقديم الحكم فيها، بطريقة بريئة من نزوات اتهام المسلمين بالغلو والانحراف.

أمّا الوهابيون فكيف رسموا هذه القضية؟

لقد رسموها بحالة تقتضي أن تسوء علماء الإسلام من أهل السنّة والاثني عشرية والوهابية وتسر خصوم الإسلام(١).

(١) كما صنع الوهابي الشيخ محمد بن عبد الله الوهيبي ـ حفظه الله ـ في كتابه (حجيَّة الآحاد في العقيدة وشبهات المخالفين) حيث يذكر سبب تأليفه لكتابه قائلاً:

(... أما بعد؛ فإنّ المسلمين بحاجة ماسة إلى تذكيرهم أصول عقيدتهم كما فهمها السلف الصالح، بعدما تكاثر أهل البدع، وكثرت شبهاتهم [يعني شبهات كبار علماء أهل السنّة وعلماء الاثني عشرية]، وتأثر بها بعض الفضلاء. ومن هذه الأصول ا لهامة التي اضطرب فهمها لدى بعض الدعاة؛ مسألة حجية خبر الآحاد في العقيدة، حيث تأثر البعض بشبهات المتكلمين ودعاواهم حين فرّقوا بين العقائد والأحكام أو الأصول والفروع، وادّعوا أنّ الآحاد لا يحتج به في الأُصول. وممن تأثر بذلك بعض كبار الدعاة، ممن عرف منهم الدفاع عن السنة).

راجع الكتاب المذكور: ص ٤. ط / الأُولى سنة ١٤١٥ هـ، دار المسلم ـ الرياض ـ السعودية.

١١٥
ولست أتحامل على الوهابيين، وإنّما أُطالبهم أنْ لا يتهموا أعلام الإسلام بالغلو لأجلِ مخالفتهم في هذه القضية.

وفي الحقيقة أنّ اتهام الوهابيين لمخالفيهم من أهل السنّة ومن الاثني عشرية بالغلو أصبح معلوماً لكل من قرأ كتب الوهابيين أو حضر في مجالسهم؛ فلا يخالفهم المسلم ـ أي مسلم ـ في قضية إلاّ ويصفونه بأنّه من الغلاة. وبسبب توسعهم في مدلول الغلو أصبح الكثير من المسلمين في العالم الإسلامي مسجلين في قائمة الغلاة المنحرفين!

ولذلك تجد أنّ الوهابيين ـ من حيث لا يعلمون ـ هدموا حدود الغلو وتجاوزا معاييره التي رسمها الكتاب والسنّة، ورسموا صورة للغلو غريبة لا يقبلها علماء الإسلام من أهل السنّة والاثني عشرية وتوسعوا في فهم حقيقة الغلو توسعاً كبيراً، حتى إنّك من النادر أن تجد علماً من أعلام الإسلام إلاّ واتهموه بالغلو وأصبحت الوهابية تعدّ بعض القضايا المستندة إلى الكتاب والسنّة من الغلو، مع أنّها من صميم الإسلام وبهذا وسعوا دائرة (الغلو) أيّما توسيع حتى جعلوا الاثني عشرية من الغلاة. ولو أخذنا بمفهوم الوهابيين عن الغلو لكان من المستحيل أنّ تجد إنساناً (معتدلاً) في هذا الوجود!!

* * * *

وأعود إلى ما ذكرت آنفاً من البحث عن قضية (حكم العمل بالخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد)، وحتى يستبين الأمر لإخواننا الوهابيين في أنّ الذين خالفوهم في هذه القضية ليسوا من الغلاة؛ سوف أوضح لهم أنّ بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يخالفونهم في هذه القضية، فقد ثبت في الحديث الصحيح أنّ عائشة ـ رضوان الله عليها ـ ردت خبر عمر ـ رضي الله عنه ـ في حديث (تعذيب الميت ببكاء أهله عليه) وقالت: ((رحم الله عمر، والله ما حدّث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه)).

١١٦
وقالت: ((حسبكم القرآن (ولا تزروا وازرةٌ وزرى أُخرى)(١)..))(٢).

وإذا كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تتعامل مع هذه الرواية بهذه الصورة فكيف يصرّ الوهابيون على اتهام المسلمين بالغلو لأنّهم لم يأخذوا بعقائد وهابية مستقاة من أحاديث آحادية؟!

وحينما يقذف الوهابيون إخوانهم من أهل السنّة ومن الاثني عشرية بالغلو في المرحلة الأُولى، يتهمونهم في المرحلة الثانية بالشرك؛ لأنّهم ـ في نظرهم ـ خالفوا رواية آحادية صدرت من قبل رجل يحتمل عليه الخطأ والنسيان، أو يحتمل أنّهم أخطأوا في تعديله؛ إذ يجوز أن يكون ظاهره العدالة وغاب عنهم حقيقة أمره وخفاياه.

وهل من المنطق أن نتهم المسلمين بالغلو لأجل رفضهم عقيدة مبنية على رواية آحادية لم يأخذ بها إلاّ بعض الوهابيين؟ بل هل يجوز لنا أن نتهم السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ بالغلو لأنّها ردتْ حديثاً آحادياً؟.. ومن هنا قال الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: ((... ردّ من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل الحديث))(٣).

وعلماء الاثني عشرية وعلماء أهل السنّة لم يحاربوا كل ما ورد من الأحاديث الآحادية، بل حاربوا الأحاديث الآحادية التي تسيء إلى عقيدة الإسلام الصافية والنزيهة.

ونحن لا نشك أنّ هذه القضية من أخطر القضايا التي جعلت الوهابية البريئة تتهمُ المسلمين بالغلو؛ لأنّ الوهابية عندما أصرّت على الأخذ بأخبار الآحاد في مسائل أُصول الدين وقعت في أخطاء كثيرة، وادخلت الوهابية ـ من حيث لا تعلم ـ قضايا كثيرة بعيدة عن الإسلام إلى مسائل أُصول الدين. كما أنّ هذه القضية

(١) سورة الزمر: ٧.

(٢) صحيح البخاري: حديث رقم ١٢٨٨.

(٣) المسودة للإمام ابن تيمية: ص ٢٤٥ ـ ٢٤٧.

١١٧
الخطيرة هي التي جعلت الوهابية تتهم المسلمين بالغلو؛ لأنّهم رفضوا العقائد الوهابية التي تكونت عند الوهابيين بسبب اعتمادهم على أخبار آحادية في إثبات أُصول عقيدتهم... وجعلهم الإيمان بالأخذ بأَخبار الآحاد في اثبات العقائد الشاذة يكفرون مَنْ عداهم مِنْ المسلمين؛ لأنّهم لم يعملوا بالأخبار الآحادية الظنية إذا كانت تأتي بأُمور شاذة في مسائل العقيدة.

وحتى يُحسن الوهابيون الظن بمخالفيهم في هذه القضية يستحسن أن ننقل لهم أقوال علماء أهل السنّة في هذه القضية، حتى يعرفوا أنّهم خالفوا جمهور المسلمين في هذه القضية، ثُمّ اتهموهم بالغلو وفي هذه القضية يقول القاضي عياض:

(قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل [يعني: عمل أهل المدينة] اقوى من الحديث [يعني: أقوى من حديث الآحاد])(١).

وإذا كان الإمام مالك ـ رحمه الله ـ يرد حديث الآحاد في بعض المسائل الفقهية إذا تعارض الخبر الآحادي مع السيرة العملية لأهل المدينة؛ فكيف يصّر الوهابيون على الأخذ ببعض أخبار الآحاد في مجال مسائل العقيدة، ثُمّ يتهمّون من شكك فيها بالغلو، ويتهمونه بمحاربة السنّة النبوية؟ وإذا كانوا يتهمون علماء أهل السنّة وعلماء الاثني عشرية بالغلو، لأنّهم شككوا في بعض عقائد الوهابية المستقاة من أخبار آحادية؛ فما هو قو لهم في الصحابة وفي الأئمة الأربعة الذين شككوا في بعض المسائل الفرعية المبنية على أخبار آحادية؟.. ولو أنصفوا لاحتملوا العذر لعلماء أهل السنّة ولعلماء الاثني عشرية كما احتملوه للصحابة وللأئمة الأربعة.

وفي الحقيقة أنّ اعتقاد الوهابيين بالأخذ بالخبر الآحادي في مجال العقيدة قد جعلهم يدخلون في العقيدة مسائلَ غريبة وخطيرة، ثم يتهمون كل سني أو اثني عشري بالغلو إذا خالف هذه العقائد الغريبة والخطيرة!

(١) ترتيب المدارك: ج ١، ص ٦٦، باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة.

١١٨
كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور عصام العماد (ص ١١٩ - ص ١٣٣)
١١٩

بل خالف الوهابيون ـ من حيث لا يحتسبون ـ جمهور الأُمة، حيث ذهب جمهور أهل السنَّة إلى (أنّ الأحاديث الآحادية(١) لا يجوز الاحتجاج بها في المسائل العقائدية، وذلك لعدم القطع بثبوتها).

وكل من بحث عن هذه القضية اتضح له أنّ هذا هو مذهب جمهور الأُمة، وأنّه مذهب إمام الحرمين في (البرهان)، والسعد في (التلويح)، والإمام الغزالي في (المستصفى)، والإمام ابن عبد البرّ في (التمهيد)، والإمام ابن الأثير في مقدمة (جامع الأصول)، وصفي الدين البغدادي في (قواعد الأُصول)، والإمام ابن قدامة الحنبلي في (روضة الناظر)، وعبد العزيز البخاري في (كشف الأسرار)، وابن السبكي في (جمع الجوامع)، والمهدي في (شرح المعيار)، والإمام الصنعاني في (إجابة السائل)، وابن عبد الشكور في (مسلم الثبوت)، والإمام الشنقيطي في (مراغي الصعود)... الخ... الخ... وغيرهم كثير من كبار قدماء أهل السنَّة ومتأخريهم ـ رحم الله امواتهم وحفظ أحياءهم ـ.

وحتى يزداد الأمر وضوحاً أذكر أقوالاً أُخرى في توضيح وتبيين هذه القضية، لعل الله يهدي إخواننا الوهابيين إلى الرشاد فلا يتهمون مخالفيهم بالغلو لأجل هذه القضية الخلافية.

وفي هذه القضية يقول الإمام الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ:

(خبر الواحد لا يقبل في شيءٍ من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها).

وقال الإمام أبو اسحاق الشيرازي ـ رحمه الله ـ:

(أخبار الآحاد لا توجب العلم)(٢).

(١) ذهب جمهور العلماء أنّ الحديث الآحادي هو ما عدا المتواتر.

(٢) التبصرة: ص ٢٩٨.

١٢٠