×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

وقال الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ:

(... خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلومٌ بالضرورة، فإنا لا نصدق بكل ما سمع، ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين..)(١)!

وقال العلامة الشيخ ابن عبد الشكور ـ رحمه الله ـ:

(الأكثر من أهل الأُصول ومنهم الأئمة الثلاثة على أنّ خبر الواحد إن لم يكن معصوماً لا يفيد العلم مطلقاً، سواء احتف بالقرائن أو لا)(٢).

إلى أن قال:

(ولو أفاد خبر الواحد العلم لأدى إلى التناقض إذا أخبر عدلان بمتناقضين...)(٣).

وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر البغدادي ـ رضوان الله عليه ـ:

(وأخبار الآحاد متى صح إسنادُها، وكانت متونها غير مستحيلةٍ في العقل كانت موجبةً للعمل بها دون العلم)(٤).

وقال الإمام البيهقي ـ رحمه الله ـ:

(... ترك أهلُ النظر من أصحابنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله تعالى إذا لم يكن لما انفرد منها أصل في الكتاب أو الإجماع..)(٥).

وقال الإمام فخر الدين الرازي ـ رحمه الله ـ:

(اعلم أنّ المراد في أُصول الفقه بخبر الواحد الخبر الذي لا يفيد العلم واليقين)(٦).

(١) المستصفى للإمام الغزالي: ١ / ١٤٥.

(٢) مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت: ج ٢، ص ١٢١ ـ ١٢٢.

(٣) المصدر السابق.

(٤) أُصول الدين للإمام عبد القاهر البغدادي: ص ١٢.

(٥) الاسماء والصفات للإمام البيهقي: ص ٣٥٧.

(٦) المعالم للإمام فخر الدين الرازي: ص ١٣٨.

١٢١
وقال ـ أيضاً ـ ينتقد الذين يأخذون بأخبار الآحاد في مسائل الاعتقاد:

(... ثُمّ إنّهم يتكلمون في ذات الله تعالى وصفاته بأخبار الآحاد، مع أنّها في غاية البعد عن القطع واليقين)(١).

وفي الأخير أذكر ما جاء في هذه القضية عن المعاصرين من أهل السنَّة.

قال الإمام الشيخ محمد الغزالي المصري ـ رحمه الله ـ:

(لقد تخرجتُ في الأزهر من نصف قرن، ومكثتُ في الدراسة بضع عشرة سنة، لم أعرف خلا لها إلاّ أنّ أحاديث الآحاد يفيد الظن العلمي، وأنّه دليل على الحكم الشرعي ما لم يكن هناك دليل أقوى منه. والقول بأنّ حديث الآحاد يفيد اليقين ـ كما يفيد المتواتر ـ ضرب من المجازفة المرفوضة عقلاً ونقلاً)(٢).

ويقول ـ أيضاً ـ في أثناء رده على الوهابيين الذين اتهموا كبار علماء أهل السنَّة وعلماء الاثني عشرية بالغلو بسبب رفضهم بعض العقائد الوهابية الشاذة الثابتة بأخبار الآحاد:

(حديث الآحاد يعطي الظن العلمي أو العلم الظني، ومجاله الرحب في فروع الشريعة لا في أُصو لها. ونحن نؤكد أنّ خبر الواحد قديماً وحديثاً ما كان يفيد إلاّ الظن... ومع ذلك ففي عصرنا قوم [يعني: الوهابية] يريدون بخبر الواحد إثبات العقائد التي يكفر منكرها، وهذا ضرب من الغلو الممجوح)(٣).

وقال الإمام يوسف القرضاوي ـ حفظه الله ـ:

(حديث الآحاد وإثبات العقائد... وهذا... مؤسس على أمرين:

١ ـ إنّ العقائد لا بد أن تُبنى على اليقين لا على الظن.

٢ ـ وإنّ أحاديث الآحاد ـ وإن صحتْ ـ لا تفيد اليقين، بل لا يفيد اليقين إلاّ المتواتر.

(١) انظر كتابه (أساس التقديس).

(٢) السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث للإمام الشيخ محمد الغزالي: ص ٧٤.

(٣) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين للشيخ الإمام محمد الغزالي: ص ٦٨.

١٢٢
ونصوص القرآن تؤيد الأمر الأول؛ [يعني: أنّ نصوص القرآن تؤيد أنّ العقائد لا بد أن تبنى على اليقين لا على الظن] فإنّ الله تعالى ذم المشركين بقوله: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم:٢٨).

وأقوال جمهور علماء الأُصول (أُصول الدين وأُصول الفقه) تؤيد الأمر الثاني [يعني: تؤيد أنّ أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين].

وهذا التوجه في التعامل مع أحاديث الآحاد في العقائد هو الشائع لدى المدارس والجامعات الدينية الشهيرة في العالم الإسلامي، مثل: الأزهر، والزيتونة، والقرويين، وديوبند، وما تفرع منها)(١).

ويقول الشهيد المفكر الاسلامي سيد قطب ـ رضوان الله عليه ـ:

(وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، والمرجع هو القرآن، والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أُصول الاعتقاد)(٢).

وفي هذا يقول الإمام الأكبر محمود شلتوت ـ رحمه الله ـ:

(.. وهكذا؛ نجد نصوص العلماء (متكلمين وأصوليين) مجتمعة أنّ خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، ونجد المحققين يصفون ذلك بأنه ضروري لا يصح أن ينازع أحد في شيء منه)(٣).

إلى أن يقول:

(ومن هنا يتأكد ما قررناه من أنّ أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات؛ قولٌ مجمع عليه، وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء)(٤).

وهكذا وهكذا هنالك عشرات الأقوال بين أيدينا التي ذكرها كبار أهل السنّة في هذه القضية، وإنّما ذكرناها من أجل إقناع إخواننا الوهابيين أن يعذروا علماء أهل السنّة الذين خالفوهم في هذه القضية، الخلافية ولا داعي لجعلها سبباً في تمزيق الصف الإسلامي.

(١) انظر كتاب: (الشيخ الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن) للإمام الشيخ يوسف القرضاوي ـ حفظه الله ـ: ص ١٢٣ ـ ١٢٤.

(٢) في ظلال القرآن، الشهيد المفسِّر سيد قطب: ٦ / ٤٠٠٨.

(٣، ٤) الاسلام عقيدة وشريعة للإمام شلتوت: ٧٤ ـ ٧٦.

١٢٣

صورة مختصرة عن السبب الثالث من أسباب مشكلة الخلط عند الوهابية(١):

للاثني عشرية مواقفها الشديدة من الغلو والغلاة، تلك المواقف التي بها تفردت عن سائر المذاهب الإسلامية، ولم يتخذ أيُّ مذهبٍ من مذاهب الإسلام مواقفاً حاسمة وشديدة من الغلو والغلاة كمواقف الاثني عشرية الشديدة ضد الغلو والغلاة؛ لأنّ الاثني عشرية في حقائقها وفي خصائصها تخالف تلك التصورات المنحرفة للغلاة، والمذهب الاثني عشري ـ بسبب استلهام حقائقه وخصائصه من القرآن الكريم والسنّة الصحيحة ـ لا يلتقي مع التصورات المجوسية والوثنية والغنوصية(٢) للغلاة، منذ أول الطريق إلى منتهاه. وهو ـ بناء على الحقائق الثمان الرئيسية، وبناء على كل خصائصه التي لا تفارق القرآن والسنّة أبداً ـ لم يفكِّر لحظة واحدة بضم الغلو والغلاة إلى الإسلام، بل إنّ المذهب الاثني عشري يسعى لاستنقاذ الغلاة من التصورات الوثنية وضمهم إلى الإسلام، وهنالك الكثير من الغلاة الذين استنقذهم المذهب الاثنا عشري من الوثنيات وضمهم إلى الإسلام.

ونحن لسنا بحاجة لأن نبين لهم أكثر من ذلك إذ الواقع خيرُ دليلٍ، فلقد شاهدت وحاورت وصادقت بعض الغلاة الذين هجروا الغلو وضمهم المذهب الاثني عشري إلى الإسلام.

* * * *

(١) أشرنا سابقاً إلى أنّ الاسباب والعوامل الأُخرى للمشكلة قد تناولناها في كتابنا (موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة).

(٢) الغنوصية: أصل بمعنى الغنوص ـ المعرفة. والمقصود بها التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقاً مباشراً. انظر (نشأة الفكر الفلسفي ١ / ١٨٦) للنشار. ويدخل من ضمن الغنوصية كل الفرق المنحرفة والوثنية والمذاهب ا لهندية كالبراهمه والتناسخية وغيرها، كما تدخل ـ أيضاً ـ المذاهب المجوسية كالزرادشتية والمانوية وغيرها.

١٢٤
ونحن لم نكتب هذا البحث إلاّ لأنّ جهل إخواننا الوهابيين بمواقف المذهب الاثني عشري من الغلو والغلاة؛ من الأسباب الرئيسية لتضّخم مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين فرق الغلاة عند الجماعة الوهابية، ومن ثَمّ فاخواننا من اتباع الجماعة الوهابية بحاجة ماسة إلى تبيين وتوضيح (مواقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة)، تقرِّب إليهم هذه المواقف كما هي في مصادرها في كتب الاثني عشرية.

وقارئ هذا البحث لا بد له أنْ يعلم أنّ التباين بين المذهب الاثني عشري وبين فرق الغلاة من البديهيات؛ لأنّ الاثني عشرية تتبع النصوص القرآنية كلمة كلمة وتتمسك بالسنّة ولا تتخطاها..

وهذا البحث إنّما كتب للذين لديهم شبهة؛ إذ الشبهة قد تجعل الأمر البديهي الصريح بحاجة إلى توضيح. ولا شك أنّ الذي يتبع منهج كبار علماء أهل السنَّة في العصور القديمة والعصر الحديث لا يحتاج إلى هذا البحث؛ لأنّهم لا يشكون في المفارقة والمباينة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة(١).

وهذا البحث يتناول سبباً من أهمِّ الأسباب التي وسّعت مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند الجماعة الوهابية. ولا شك أنّ الجماعة الوهابية لو كانت تعلم موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة لما خلطت بين الاثني عشرية وبين فرق الغلاة.

(١) راجع ما قاله حول هذا الموضع العلامة والمفكر السنِّي أنور الجندي ـ رحمه الله ـ في كتابه (الإسلام وحركة التاريخ): ص ٤٢١. وانظر ص ٣٣ من كتابنا هذا. وانظر ـ أيضاً ـ ما قاله العلامة السنِّي مصطفى الشكعة في كتابه (إسلام بلا مذاهب) ص ١٨٧. وارجع إلى ص ٣٤ ـ ٤٢ من هذا الكتاب.

وارجع إلى جدول آراء الفرق الأربع عند ذكرنا لآراء الفريق الأول (الوهابية)، والفريق الثاني والفريق الثالث (أهل السنة)، والفريق الرابع (الاثني عشرية) من كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٢٥
ويشتمل هذا البحث على خمسة أقسام:

القسم الأول: يتناول (موقف الاثني عشرية من التصورات الوثنية للغلاة).

القسم الثاني: يتناول (موقف الاثني عشرية من التشريعات الوثنية للغلاة).

والقسم الثالث: يتناول (موقف الاثني عشرية من الشخصيات الوثنية للغلاة).

القسم الرابع: يتناول (موقف الاثني عشرية من الروايات الوثنية للغلاة).

القسم الخامس: يتناول (موقف الاثني عشرية من الكتب الوثنية للغلاة).

وفيما يلي صورة للأقسام الخمسة التي تبين وتوضّح موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة:

١٢٦
١٢٧
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
١٢٨
١٢٩

القسم الأول(١): موقف الاثني عشرية من التصورات الوثنية للغلاة:

للمذهب الاثني عشري دور عظيم في انقاذ المسلمين من العقائد الوثنية والتصورات المنحرفة للغلاة.. ولم يكن مستطاعاً أن تنحصر التصورات المنحرفة للغلاة لولا تلك الجهود العظيمة التي بذ لها المذهب الاثني عشري في مواجهة الغلو والغلاة. وسوف يتَّضح ويتبين لنا الطريقة المنهجية والموضوعية التي اتخذها المذهب الاثني عشري في مواجهة الغلو والغلاة، مما جعل الغلو ينحصر ويتأقلم في شرذمة قليلة.. ولولا الاثنا عشرية لانتشرت تصورات الغلاة بين المسلمين.

* * * *

لقد كانت أهم الصور المنحرفة التي وقف المذهب الاثني عشري منها موقفاً حاسماً هي: الصورة التي تقتضي (تأليه الإنسان) وسلب صفة العبودية منه. وتلك الصورة ناشئة من عدم الفصل بين طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية، وبين مقام الإله ومقام الإنسان، وبين خصائص الإله وخصائص الإنسان.

لقد بيّن الأئمة الاثنا عشر ـ من لدن الإمام علي إلى الإمام المهدي ـ، في المئات من أقوا لهم المدّونة في كتب الاثني عشرية مقام (الإنسان) ومكانته، وصرّحوا بأنّ الإنسان مهما ارتقى في مراتب الكمال من المحال أنْ يرتقي من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، ومن المحال أنْ يحصل على خاصّية من خصائص الذات الإ لهية. وأقوال الأئمة الاثني عشر هي استلهام من نصوص القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة، وتبيين لما نزل في القرآن وما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

(١) تناولنا هذا القسم وبقية الأقسام الأُخرى التي تبين موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة في كتاب مستقل تحت عنوان (موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة)، وسوف نذكر هنا خلاصّة القسم الأُول من ذلك الكتاب.

١٣٠
ومن هنا تجد أُسلوب القرآن وأُسلوب السنّة بصورة واضحة وجلية في كلماتهم المفردة وفي عباراتهم المركبّة، وتجد تأثيرهما ـ القرآن والسنّة ـ بصورة ملموسة في كلِّ أقوا لهم. ولا بد للقارئ من التأمّل في أقوا لهم حتى يلاحظ انبثاقها وتولّدها من القرآن والسنّة النبوية.

ونحن نجد في كلّ أقوا لهم ما يقتضي شمول العبودية لكل شيء، وتفرّده ـ سبحانه ـ بالألوهية وأنها من مختصاته، فهي ألوهية لله ـ سبحانه ـ وعبودية لكل ما عداه ـ سبحانه ـ، وكل ما عداه فهو من عبيده.. ولأنّ أساس انحراف الغلاة يتمثّل ويتجسّم في تأليه الإنسان أو إعطاء خاصّية من خصائص الألوهية للعبيد؛ فقد كثرت أقوال الأئمة الاثني عشر على تأكيد صفة العبودية لكلّ ما عدا الله، ولأنّ الغلاة ـ لعنهم الله ـ ادّعوا إلوهية الأئمة الاثني عشر ـ والعياذ بالله ـ أو ادّعوا لهم خاصّية من خصائص الألوهية ـ والعياذ بالله ـ، فقد ركّزت أقوال الأئمة الاثني عشر تركيزاً كبيراً على تقرير وتأكيد عبوديتهم لله ـ تعالى ـ، وسلك الأئمة الاثنا عشر كل المسالك، واتبعوا شتى أساليب الإبانة والتعبير لتقرير صفة العبودية لله ـ تعالى ـ، والخضوع التام له، ولتقرير صفة البشرية لأنفسهم.

ولقد توسع الأئمة الاثنا عشر في استعراض حقيقة وصفهم بالعبودية والخضوع لله، وكل ذلك لأنّ نفي (حقيقة وصفهم بالعبودية) هي القاعدة التي يرتكز عليها الغلاة ـ لعنهم الله ـ، وهي القاعدة التي تنبثق منها كل تصوراتهم المغالية المنحرفة. والخضوع لمقام الألوهية جلي في جميع أقوال الأئمة، من لدن الإمام علي إلى الإمام المهدي. واحتلت هذه الحقيقة مساحة كبيرة في كتب الاثني عشرية التي جمعت أقوال الأئمة الاثني عشر.

إنّ حقيقة صفة العبودية للأئمة الاثني عشر يقررها الأئمة الاثنا عشر في مئات الأقوال المروية عنهم في كتب الاثني عشرية، وسنحاول أنْ نستعرض بعض الأقوال الواردة عنهم في تقرير هذه الحقيقة، وعلى القارئ الكريم أنْ لا

١٣١
ينسى أنْ يتذكر الأثر الحاسم لأقوال الأئمة الاثني عشر في محو التصورات الوثنية للغلاة، ولا ينسى ـ أيضاً ـ دور أصحاب الأئمة الاثني عشر الذين حفظوا هذه الأقوال ورعوها ودوّنوها حتى وصلت إلينا.

ونحن نبتغي ونهدف من عرض أقوال الأئمة الاثني عشر أنْ يكون قارئ هذا البحث على علم بأنّ هذه الأقوال إنّما تواجه الغلو وفرق الغلاة؛ الذين يقول بتكفيرهم علماء الاثني عشرية، لكننا نأسف لإخواننا الوهابيين الذين لم يدركوا أقوال الأئمة الاثني عشر، وظنوا أنّها موجهة نحو الاثني عشرية لا الغلاة، ومن هنا نجدهم في كتاباتهم يذكرون هذه الأقوال تحت باب (أقوال الأئمة الاثني عشر في ذم المذهب الاثني عشري).

ولو كان الوهابيون غير مصابين بـ (مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين فرق الغلاة) لما وقعوا في هذا الخطأ الخطير، لكن لا غرابة في هذا الخطأ الخطير بعد أنْ سيطرت عليهم (مشكلة الخلط).

* * * *

والآن نمضي في عرض صفة (عبودية الأئمة الاثني عشر) من خلال أقوا لهم التي آمن بها أتباع المذهب الاثني عشري، فقد روي عَنْ الإمام جعفر الصادق عن آبائه أنّه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ترفعوني فوق حقّي فإنّ الله ـ تعالى ـ اتّخذني عبداً قبل أن يتّخذني نبياً))(١).

وهذه الحقيقة ((اتّخذني عبداً)) توسّع الأئمة الاثنا عشر في عرضها؛ لأنها تبين أنّ مقام الإنسان مهما بلغ من الكمال فهو مقام العبودية لله سبحانه.

وروي عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال: ((.... إيّاكم والغلو فينا، قولوا: إننا عبيد مربوبون...)).

(١) ذكر الشيخ عبد الحليم الجندي في كتابه (الإمام الصادق) بعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت والتي تؤكد عبوديتهم لله سبحانه.

١٣٢
وحقيقة ما قاله الإمام علي ((أننا عبيد مربوبون)) هي الحقيقة الأساسية والرئيسية، والحقيقة الواقعية التي آمن بها كلّ أتباع المذهب الاثني عشر.

ويرى المراجع لكتب الاثني عشرية اهتمام الأئمة الشديد في وصف أنفسهم بأنّهم عبيد لله ـ سبحانه ـ، ومربوبون له وكل كتاب من كتب الاثني عشرية عندما يتناول صفات الأئمة الاثني عشر يذكر هذه الحقيقة.

وهذه الصفة (صفة عبودية الأئمة الاثني عشر لله سبحانه) هي الصفة الأساسية للأئمة الاثني عشر عند الاثني عشرية، وتهتم كتب الاثني عشرية بتقرير صفة عبودية الأئمة الاثني عشر لله ـ سبحانه ـ في مواضع كثيرة، حتى استقرت هذه الحقيقة في نفوس كل الاثني عشرية، ووجدت حية قوية واقعية.

وعندما كنت أراجع أقوال الأئمة الاثني عشر حول هذه الحقيقة أقف متأملاً، وأقوم بتطبيق ما يذكره علماء الأئمة الاثني عشر وما ذكره الأئمة أنفسهم، فأجد تمام المطابقة بينهما، وأن ما قاله علماء الاثني عشرية هو عين ما ذكره الأئمة، حتى أصبحت عبودية الأئمة الاثني عشر ـ عند الاثني عشرية ـ من الحقائق الأساسية في هذا المذهب العظيم، وأصبحت هذه الحقيقة تملي على الاثني عشرية حياتهم، وتواجههم في كلِّ درب، وتعايشهم بالليل والنهار... عند ذلك لم يعدْ للغلو في الأئمة الاثني عشر مجال عند الاثني عشرية، ولم يعد للغلاة مكان.

وقد وضعت الحواجز القوية والمنيعة بين الاثني عشرية وبين الشرذمة القليلة المغالية المنبوذة من قبل الاثني عشرية، وبطلت ومحيت التصورات الوثنية للغلاة التي كان يعتقد بها شرذمة من الغلاة، وثبت في عالم الواقع الاثني عشري ـ الذي عشناه ولمسناه في فترة طويلة ـ حقيقة صفة عبودية الأئمة الاثني عشر لله سبحانه.

إنّ كل اثني عشري يدرك ويؤمن بما قاله الإمام الثامن (الإمام الرضا) من الأئمة الاثني عشر حيث يقول ـ رضوان الله عليه ـ: ((إنّ من تجاوز بأمير المؤمنين ـ كرم الله وجهه ـ العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين))(١).

(١) راجع ما نقله العلامة عبد الحليم الجندي في كتابه الإمام جعفر الصادق، حيث نقل بعض روايات أهل البيت التي تفصل بين مقام الالوهية ومقام العبودية.

١٣٣
كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور عصام العماد (ص ١٣٤ - ص ١٥٥)
١٣٤
والحاجة إلى جلاء هذه الحقيقة هي حاجة ضرورية؛ من أجل معالجة الجماعة الوهابية التي تتهم الاثني عشرية بتأليه الأئمة الاثني عشر ـ والعياذ بالله ـ، ومن هنا نحن ما كتبنا هذا الكتاب إلاّ من أجل استنقاذهم من هذه التهمة الخطيرة. كما أنّ الحاجة إلى جلاء هذه الحقيقة الأساسية عند الاثني عشرية هي حاجة ضرورية؛ من أجل الحفاظ على الوحدة الإسلامية بين الاثني عشرية وبين الوهابية الذين ظلموهم في هذه التهمة الخطيرة.

* * * *

وقبل أن نمضي في عرض الجهد الطويل لعلماء الاثني عشرية، الذي بذلوه في محاربة الغلو والغلاة(١)نحبُّ أن نقرر حقيقة تنفعنا في تجلية موقف الاثني عشرية من الغلو وفرق الغلاة، وتنفعنا في تجلية دور علماء الاثني عشرية في حفظ المسلمين من الغلو وفرق الغلاة، وتنفعنا ـ أيضاً ـ في تجلية موقف علماء الاثني عشرية من كلِّ المعتقدات والتصورات المغالية والمنحرفة لفرق الغلاة، وهذه الحقيقة تقول: إنّ أقوال الأئمة الاثني عشر في نفي صفة الألوهية عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ والتي ذكرنا بعضها؛ كان لها قوة دافعة في حياة الاثني عشريين، وحققت غرضها في استجاشة ضمير الاثني عشريين وتحريكهم ضد كل التصورات والاعتقادات المنحرفة؛ التي لا تتفق مع العقيدة الاثني عشرية المستلهمة من القرآن والسنّة.

ولقد استحالت تلك الأقوال إلى واقع ملموس ومحسوس، يدركه كل من عايش وجالس الاثني عشريين، وقد عشتُ معهم ثلاثة عشر عاماً. لقد قادت تلك الأقوال المذهب الاثني عشري إلى الاعتدال والوسطية في كيفية التعامل مع الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ، وفصلت هذه الأقوال بين الاثني عشرية وبين أي اعتقادٍ

(١) ذكرنا هذه الجهود العظيمة في كتابنا (موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة).

١٣٥
لا يلتقي مع الكتاب والسنّة؛ لأنّ الاثني عشريين لهم اهتمام شديد بتطبيق أقوال الأئمة الاثني عشر المستلهمة من الكتاب والسنّة، بسبب الأدلة والبراهين القوية والنصوص النبوية الصريحة في النصّ على الأئمة الاثني عشر(١)، وفي وجوب اتباعهم والتمسك بهم؛ لأنّهم لا يخالفون الكتاب والسنة. ومن هنا حين نستعرض النصوص الواردة عن الأئمة الاثني عشر في تقرير صفة العبودية لله ـ سبحانه ـ(٢) لأنفسهم، وحين ننقل أقوا لهم؛ إنّما نستعرضها وننقلها لأنها ليست مجرّد أقوال تقال، بل هي أقوال استقرّت في ضمير الاثني عشريين، واستقرت في حياتهم. وهي ليست أقوالاً تلفظها شفاه الاثني عشريين، وليست أقوالاً بعيدة عن واقع حياة الاثني عشريين، بل استحالت هذه الأقوال إلى عقيدة إيجابية آمن بها الاثنا عشريون.

وإلى هنا نكون قد قدّمنا صورة مقتضبة عن المرحلة الأُولى في دراسة المذهب الاثني عشري، ونشرع الآن في تبيين المرحلة الثانية لدراسة هذا المذهب.

* * * *

(١) ذكرنا هذه النصوص الموجودة في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم في كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية) عند تناول الحقيقة السادسة من حقائق الاثني عشرية.

(٢) ذكرنا هذه النصوص في كتابنا (موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة).

١٣٦
١٣٧

المرحلة الثانية: (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري)

والأمر الثاني الذي يجب مراعاته والالتزام به حينما نريد طرح (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) على أخواننا الوهابيين، حتى لا يرفضوا مسألة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية وحتى لا يتعرضوا للانزلاق والخطأ، وحتى لا يرتكبوا جريمة التشويه في حقِّ (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) من حيث لا يعلمون؛ هو أن نبين لهم ضرورة دراسة هذه المرحلة، بعد أن وضحّنا لهم المرحلة الأولى. كما سنوضح لهم أنّ هدف (المرحلة الأولى) يتلخَّص في معالجتهم واستنقاذهم من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، وتحقق هذا ا لهدف عندما بيّنا لهم في المرحلة الأُولى الفرق بين الحقائق والخصائص المرتبطة والمتعلِّقة بالاثني عشرية، وبين الأوهام المرتبطة والمتعلِّقة بفرق الغلاة. أما ا لهدف الرئيسي لهذه المرحلة (مرحلة المعرفة التحليلية للاثني عشرية) فهو يتبلور في تحليل ودراسة الحقائق التي أثبتنا ـ في المرحلة الأُولى ـ ارتباطها وتعلقها بالاثني عشرية بالدليل والبرهان، ولا علاقة لنا بالأوهام التي ثبت لنا عدم انتسابها للاثني عشرية في المرحلة الأُولى ـ أيضاً ـ.

والحقائق التي سوف نقوم بتحليلها ودراستها هي الحقائق الموجودة في الكتب المعتبرة عند الاثني عشرية. وهذه الحقائق ليست شيئاً آخر سوى الثمرة الطبيعية لما تحتويه الكتب المعتبرة عند الاثني عشرية.

١٣٨
وكلمة أُخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا الكتاب وهي: إنّنا قسّمنا الحقائق المستخرجة والمستلهمة من كتب الاثني عشرية إلى ثمان حقائق، وفي هذه المرحلة الثانية سوف نتناول (أربع حقائق) من حقائق الاثني عشرية، وسنتناول في المرحلة الثالثة (مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري) الحقائق الأربع المتبقية من حقائق الاثني عشرية الثمان.

والذي يقرأ هذه المرحلة دون أن يراجع المرحلة الأُولى من هذا الكتاب قد لا يدرك البيان الذي سنقدّمه حول الحقائق الأربع التي سنتناو لها في هذه المرحلة، وسنرى هذا بوضوح كلما تقدم بنا البحث.

وقد أطلقنا على هذه المرحلة بـ (المرحلة التحليلية للمذهب الاثني عشري)، لأننا سوف نقوم في هذه المرحلة بدراسة تحليلية لمحتويات ومضامين حقائق الاثني عشرية وخصائصها.

ولعله مما يُحتم الالتزام بهذا المنهج الذي وضعناه لغرض تصحيح منهج أتباع الجماعة الوهابية في دراسة الاثني عشرية، ولغرض التقريب بين الاثني عشرية والوهابية أن نُدرِكَ حقيقة هامة، وهي: إنّنا وجدنا أنّ الطابع العام فيما كتبه أتباع الجماعة الوهابية حول الاثني عشرية لم يكن يستند على الدراسة التحليلية لمضامين ومحتويات الاثني عشرية، بل كان يستند على الدراسة التحليلية لمضامين ومحتويات مقالات فِرق الغلاة؛ التي ذكرها قدماء أهل السنَّة وذكرها قدماء الاثني عشرية في كتب المقالات والفرق، فتلقف تلك المقالات أتباع الجماعة الوهابية وحسبوها من حقائق الاثني عشرية وخصائصها.

والغريب أنّ بعض المتأخرين من أهل السنَّة اعتمدوا على تلك الدراسات الوهابية عن الاثني عشرية، وهم يعلمون أنّ أتباع الجماعة الوهابية اعتمدوا على تلك المقالات التي نسبها علماء أهل السنَّة، وعلماء الاثني عشرية في كتب الفرق للفرق المغالية والمنحرفة التي كفرها الاثنا عشرية.

١٣٩
وقد لاحظت أنّ المحققين من أهل السنَّة أدركوا هذه الحقيقة ا لهامة، ومن ثَمّ رفضوا مقالات الجماعة الوهابية ضد الاثني عشرية، بعد أن علموا أنّ منبعها المقالات التي أثبتها أهل السنَّة والاثني عشرية عند ذكر فِرَق الغلاة، وأخذوا يدرسون الاثني عشرية من خلال تحليل مضامينها ومحتوياتها.

وهذا هو الذي يفسّر لنا سرّ الاختلاف بين فتوى (إحسان إ لهي ظهير) الذي حكم بتكفير الاثني عشرية، وفتوى إمام أهل السنَّة وشيخ الأزهر (محمود شلتوت) الذي حكم بأنّ الاثني عشرية مسلمون، فالإمام الأكبر اعتمد على الدراسة التحليلية لمضامين الاثني عشرية، فحكم بأنّ الاثني عشرية مسلمون، وإحسان إ لهي ظهير اعتمد على تلك المقالات، فحكم بكفر الاثني عشرية، ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى لهذه المرحلة.

إنّ المنهج السليم يقتضي أنْ ندرس مضامين ومحتويات المذهب ـ أيّ مذهب ـ قبل الحكم عليه بالكفر.

وسبق أنْ أشرنا أنّ قصدنا في هذه المرحلة (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري) إنّما هو عرض بعض الحقائق ا لهامة عند الاثني عشرية، وأشرنا إلى أننا سنتناول أربع حقائق.

ولعله يتحتَّم أن ندرك هذه الحقائق الأربع ا لهامة بصورة مجملة، وسوف نتناول هذه الحقائق بصورة مفصّلة في القسم الثاني من هذا البحث(١).

(١) يراجع البحث التفصيلي لهذه الحقائق الأربع في كتابنا (حقائق الاثني عشرية وخصائصها بين أهل السنّة والجماعة الوهابية) والذي بينت فيه رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية، الفصل الأول والفصل الثاني من الباب الثاني من ذلك الكتاب.

١٤٠