×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

١٤١

الحقيقة الأُولى: (حقيقة الألوهية والنبوة في المذهب الاثني عشري)

إنّ أوّل حقيقة من الحقائق التي طُرِحت في كتب الاثني عشرية هي: (حقيقة الألوهية والنبوة)، واحتلت هذه الحقيقة ا لهامة والأساسية أكبر مجال في الفكر الاثني عشري.

ويدرك كل من راجع كتب الاثني عشرية أنّ هذه الحقيقة هي موضوع الاثني عشرية وغايتها، فكتب العقيدة عند الاثني عشرية هي تعريف بالله وبالنبوة، تعريف لتوحيده في الألوهية، وتوحيده في الربوبية.. وتعني كل كتب الاثني عشرية بضرورة الفصل والتمييز بين خصائص الألوهية وخصائص العبودية، وضرورة تجريد العباد من خصائص الألوهية؛ فالله هو وحده المتفرد بالألوهية، وكل ما وراءه ـ سبحانه ـ فهو من خلق الله.

إنّ الاهتمام الشديد لدى الاثني عشرية بهذه الضرورة ـ أي ضرورة الفصل بين الله سبحانه وبين العباد المخلوقين ـ هو الذي جعل الاثني عشرية يقفون موقفاً عدائياً من الفرق المغالية. وإذا راجع القارىء الكمية ا لهائلة من الكتب التي كتبها الاثنا عشريون في الرد على الغلاة، وقرأ محتويات هذه الردود، يجد أنّ هذه الردود كانت تأكّد على تكفير الغلاة؛ لأنّهم أهملوا ضرورة الفصل بين مقام الألوهية ومقام العبودية. ومن أجل هذه الضرورة كفّر الاثنا عشرية الغلاة الذين يقولون بالحلول والاتحاد؛ إذ إنّ هذا القول يلزم منه عدم الفصل بين مقام الألوهية ومقام العبودية.

ومن أجل هذه الحقيقة الكبرى حارب الاثنا عشرية الغلو والغلاة، حتى أصبحوا في العصر الحديث شرذمة قليلة منبوذة ومطرودة من قبل كل الاثني عشريين.

١٤٢
والقسم الآخر من هذه الحقيقة الأُولى هي قضية (النبوة) إذ إننا نعتقد ـ من خلال الدراسة الطويلة للمذهب الاثني عشري لفترة ثلاثة عشر سنة متواصلة(١) ـ أنّ منهج الاثني عشرية وطريقتهم في طرح قضية (النبوة) وعرضها يتفق تماماً مع منهج القرآن في عرض هذه القضية ا لهامة. ونطلب من القارئ الكريم أن يرجع في معرفة هذه القضية وغيرها إلى كتب الاثني عشرية وحدها، ليجد فيها أنّها تعرض قضية النبوة من خلال الاعتماد على النصوص القرآنية.

ونحب أن يكون معروفاً لقارئ هذا الكتاب أنّ الاثني عشرية حاربوا الغلاة؛ لأنّهم لم يعتمدوا على القرآن في معرفة قضية النبوة، وخرجوا عن منهجه، وأنكروا حقيقة قرآنية مسلّمة وهي حقيقة (إنّ قضية النبوة خُتمت بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم)، كما حاربوا الغلاة؛ لأنّهم أنكروا حقيقة قرآنية مسلّمة وهي حقيقة (أفضلية محمد على كلِّ البشر).

وملحوظ في كتب الاثني عشرية أنّها تقوم بتجلية حقيقة خاتمية النبوة بمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، وتجد كل مَنْ كتب مِنْ الاثني عشرية حول نبوة النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يذكر أنّه آخر وخاتم الأنبياء، ويكفر من يزعم أنّ هناك نبيّاً بعده؛ فلا نبوة بعده، ولا رسالة جديدة بعد رسالته. وتلمس في مواضع كثيرة في الكتب التي كتبها الاثنا عشرية ضد الغلاة؛ ا لهجوم الشديد على الذين يزعمون أنّ النبوة لم تختم بمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

ونحبُّ في الأخير أنْ يكون معروفاً لقارئ هذا الكتاب أنّ هذه الحقيقة الأُولى عندما عرضت في كتب الاثني عشرية لم تعرض بصورة مستقلة عن القرآن والسنّة، بل إنّ القارئ لكتب الشيعة سوف يجد بصورة صريحة أنّ هذه الحقيقة مأخوذة بكاملها وتمامها من نصوصّ القرآن ومن السنّة الشريفة(٢).

(١) منذ سنوات وأنا أحضر بحوث الخارج، وهي أعمق وأهم مرحلة في دراسة الاثني عشرية، ولم أشرْع في دراسة بحوث الخارج إلا بعد أن أكملتْ دراسة مرحلة المقدمات ومرحلة السطوح.

(٢) سنتناول هذه الحقيقة الكبرى وا لهامة في الفصل الثاني من الباب الثاني من كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٤٣

الحقيقة الثانية: (حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري)

ولعله مما يميز هذا المنهج الذي رسمناه هو أنّه التزم بالترتيب العلمي والمنطقي بين الحقائق الثمان التي يتكوّن منها هرم الاثني عشرية، بحيث إنّه إذا أدركت الحقيقة الأُولى فسوف تدرك بقية الحقائق. فهذه الحقائق تسير على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مترتبة بشكل هرمي، وكل حقيقة تسوقنا إلى الحقيقة التي بعدها؛ فمن السذاجة والعبث محاولة الإصابة في إدراك الحقيقة التالية إذا لم تحالفنا الإصابة في إدراك الحقيقة السابقة.

وإذا كانتْ الحقيقة الأُولى تتحدّث عن العقيدة، وكان الطابع العام لها هو الحديث عن الجنبة الفكرية، فإنّ الحقيقة الثانية تتحدّث عن جانب عملي.. الحقيقة الأُولى تتحدّث عن ممارسات العقل، وهذه الحقيقة تتحدث عن ممارسات الجسد. وهذا هو الفرق بين الحقيقتين. ولا يمكن التفكيك بين الحقيقتين، فالإيمان بالحقيقة الأُولى يقتضي العمل بالحقيقة الثانية.

ومن ثَمّ فالحديث عن هذه الحقيقة في كتب الاثني عشرية لا ينفصل عن الحديث عن الحقيقة الأُولى؛ لأنّ هذه الحقيقة هي من مقتضيات الحقيقة الأُولى (حقيقة الألوهية والنبوة)، وتنبثق منها انبثاقاً ذاتياً؛ فإذا كانت الحقيقة الأولى في كتب الاثني عشرية تقرر أنّه لا إله إلاّ الله، ولا معبود إلاّ الله، ولا خالق إلاّ الله،

١٤٤
ولا نافع ولا ضار إلاّ الله، ولا مدبر إلاّ الله، ولا مشرِّع إلاّ الله، فإنّ هذه الحقيقة الثانية تقول: ((ما دام أنّه قد تقرر وثبت في الحقيقة الأُولى أنّه لا مشرِّع إلاّ الله؛ فيجب إذن أن لا تستمد الشرائع والأحكام إلاّ من القرآن الكريم والسنّة الشريفة)).

ومن ثَمّ فحين يراجع الإنسان كتب الشرائع والأحكام الفقهية في كتب الاثني عشرية، سيجد أنّها مستخرجة ومنبثقة ومستنبطة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، وأنّ منهج كتب الاثني عشرية في عرض الشرائع والأحكام لا يخالف منهج القرآن والسنّة في عرض الشرائع والأحكام، ومن ثَمّ رتبوا الشرائع والأحكام بنفس الصورة التي عرضها القرآن، وتعاملوا بصورة مباشرة مع النصوص القرآنية.

وطريقتهم ـ في كتبهم الفقهية ـ أنْ يشرعوا بالبحث عن أحكام الصلاة، ثُمّ أحكام الصيام، ثم أحكام الزكاة والخمس، ثم أحكام الحج.

وحين رأى الاثنا عشرية أنّ الغلاة انحرفوا في تأويل الشرائع والأحكام عن منهج القرآن والسنّة، وحرّفوا معانيها إلى معانٍ باطنية غريبة عن معانيها الشرعية واللغوية مما يقتضي تعطيلها؛ كفرّوهم وتبرّأوا منهم.

ويندرُ أن تجد كتاباً من كتب الاثني عشرية في أُصول الفقه لا يهاجم تأويلات الباطنية الغلاة ـ لعنهم الله ـ، كما أنّ كتب الاثني عشرية أجمعت على أنّ غرض الغلاة من التأويلات الباطنية للنصوص القرآنية هو استباحة الشرائع والأحكام المحرمة، ومن ثَمّ كفّرت كتب الاثني عشرية الذين استباحوا ترك الشرائع والأحكام، بحجة أنّ ولاية الأئمة تغني عن الالتزام بالشرائع والأحكام.

وفي هذه الحقيقة سوف نستعرض ـ أيضاً ـ بعض الأحكام المعروضة في كتب الاثني عشرية التي يستنكرها الذين لم يراجعوا الأدلة القرآنية والحديثية التي تثبتها(١)، وسوف نستعرض مشكلة الذين يخلطون بين موقف الاثني عشرية من الشرائع والأحكام وموقف الغلاة منها.

(١) مثل: حكم المتعة، وحكم السجود على التربة، وحكم مسح القدمين في الوضوء. (يراجع حول هذه القضايا الفصل الأول من الباب الثاني عند الحديث عن هذه الحقيقة؛ حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري). وسوف نتناول هذه الحقيقة بصورة مفصّلة في الفصل الأول من الباب الثاني من كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٤٥

الحقيقة الثالثة: (حقيقة أهداف المذهب الاثني عشري)

إنّه لا يمكن معرفة نوع أهداف مذهب من المذاهب ـ أي مذهب ـ ومعرفة طبيعته إلاّ عند معرفة نوع اعتقادات ذلك المذهب (الحقيقة الأولى)، ومعرفة شرائع وأحكام ذلك المذهب (الحقيقة الثانية).

ومن أخطاء منهج الجماعة الوهابية في دراسة الاثني عشرية أنّهم يبحثون عن أهداف الاثني عشرية قبل البحث عن مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، وقبل البحث عن الحقيقتين السابقتين للاثني عشرية، ومن ثَمّ نراهم ينزلقون في مشكلة الخلط بين (أهداف الاثني عشرية وأهداف فرق الغلاة)، مع أنّ أهداف الاثني عشرية لا بد أن تنبثق من خلال موقفها من الحقيقتين الأساسيتين السابقتين، فإنّه لا يمكن أن نفصل بين أهداف الإنسان ومعتقداته؛ لأنه حينما تنفصل أهدافه عن معتقداته يعيش في فترة صدام ونزاع داخلي مع نفسه، نزاع بين المعتقد وا لهدف، وسوف يخلق هذا النزاع في حياته انفصاماً في شخصيته.

وقد لاحظنا ـ أيضاً ـ أنّ خطأ أتباع الجماعة الوهابية، في إدراك الحقيقتين الأساسيتين السابقتين عند الاثني عشرية قد قادهم بالضرورة الفكرية إلى الخطأ في إدراك (حقيقة أهداف الاثني عشرية)، بل إنّ خطأهم في فهم الحقيقة الأُولى عند الاثني عشرية قد قادهم إلى الخطأ في فهم كل الحقائق التي بعدها(١).

(١) انظر الدراسة الموسعة حول هذه الحقيقة في الفصل الثاني من الباب الثاني في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٤٦
١٤٧

والحقيقة الرابعة: (حقيقة معنى بعض المصطلحات في المذهب الاثني عشري).

إنّ الذي جعلني أهتّم بهذه الحقيقة هو: أنني رأيت أن منهج أتباع الجماعة الوهابية قد عرّف بعض المصطلحات المطروحة بكثرة عند الاثني عشرية تعريفاً مختلفاً اختلافاً عميقاً عن تعريف بعض المحققين من أهل السنَّة لهذه المصطلحات، ومن ثَمّ فلن أدرس في هذه الحقيقة إلاّ المصطلحات التي اختلف حول تعريفها أتباع الوهابية مع المحققين من أهل السنَّة ومع علماء الاثني عشرية، مثل مصطلح: البداء، والتقية، والعصمة، والمصحف.

وكما ذكرت في مقدمة هذا الكتاب بأنّ أهم شرط من شروط نجاح حوار الاثني عشرية مع الوهابية هو تعريف وتبيين وتوضيح المصطلحات المتداولة بين الاثني عشرية والوهابيين؛ ليتم التقريب بين المتحاورين ـ وكلهم مسلمون ـ، لأننا وجدنا تلك المصطلحات تتفق من حيث اللفظ والغلاف الخارجي، مع وجود الاختلاف العميق بين تعريف الاثني عشرية لهذه المصطلحات وبين تعريف الوهابية لها.

وما لم يفهم كل واحدٍٍ منّا مراد الآخر، ومراد علمائنا الاثني عشريين أو الوهابيين من تلك المصطلحات، فلن تتحقق فكرة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، وبالتالي سوف نفرِّط ونقصِّر في حق الوحدة الإسلامية المقدّسة.

١٤٨
وكاتب هذا الكتاب اهتم في كتاباته ومحاضراته بفكرة التقريب بين الاثني عشرية وبين الوهابية، وهذه الحقيقة الرابعة سوف تخفف من مشكلة الصراع بين الاثني عشرية والوهابية.

ولا شك أنّنا إذا أدركنا الحقائق الثلاث السابقة للاثني عشرية، فسوف يكون لدينا اليقين بأنّه لا يمكن أن يكون هنالك مصطلح عند الاثني عشرية يتنافى مضمونه ومحتواه مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية(١).

وبعد؛ فهذه الحقائق الأربع أشرنا إليها إشارة مختصرة في هذا العرض السريع لمنهج تفهيم الوهابية للمذهب الاثني عشري، وسنقوم بدراستها في مرحلة المعرفة التحليلية.

وقبل أنْ نختم هذا العرض نذكر تنبيهاً ضرورياً في نهاية هذه المرحلة وهو:

لقد كان من ضروريات هذا المنهج أنْ ندرس الحقيقة السادسة (حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري) في هذه المرحلة (مرحلة المعرفة التحليلة للمذهب الاثني عشري)، وأن تُدرس في المرتبة الثانية بعد الحقيقة الأُولى، لكننا نعلم أنّ الوهابية لا يمكن أنْ تستوعب حقيقة الإمامة عند الاثني عشرية إلاّ في مرتبة متأخرة، ومن هنا آثرنا أن نذكر (الإمامة عند الاثني عشرية) في المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل دراسة الاثني عشرية. كما أننا لا نشك أنّ (خاصّية الغيبة)(٢) كان يجب أنْ تدرس في هذه الحقيقة (حقيقة الإمامة)؛ لارتباطها الوثيق بهذه الحقيقة، بل لانبثاقها منها، لكننا آثرنا تأخير البحث عنها؛ لأنّ الإيمان (بالغيبة) يحتاج إلى مقدمات لا بد من ذكرها قبل الحديث عن (الغيبة).

والآن حان الوقت للاستعراض السريع للمرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل دراسة الاثني عشرية.

(١) انظر دراستنا عن هذه الحقيقة في الفصل الثاني من الباب الثاني في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

(٢) نحن لا نشك أن (خاصّية الغيبة) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمرحلة المعرفة التحليلية للاثني عشرية.

١٤٩

المرحلة الثالثة: (مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري).

والأمر الثالث الذي يجب مراعاته والالتزام به حينما نريد طرح (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) على إخواننا الوهابيين، حتى لا يتعرضوا للانزلاق والخطأ، وحتى لا يرتكبوا جريمة التشويه في حق (حقائق الاثني عشرية وخصائصها)، وحتى نقنعهم بضرورة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية؛ هو أنْ ندرس هذه المرحلة بعد ادراك المرحلة الأُولى والمرحلة الثانية. وسبق أنْ ذكرنا هدف المرحلتين السابقتين، أما ا لهدف الرئيسي لهذه المرحلة فيتبلور في معرفة جذور المذهب الاثني عشري.

ولعله مما يحتم الالتزام بهذا المنهج ـ الذي وضعناه لغرض تصحيح منهج الجماعة الوهابية في دراسة الاثني عشرية، ولغرض التقريب بين الاثني عشرية والوهابية ـ أنْ ندرك حقيقة هامة، وهي: إنّنا وجدنا أنّ الطابع العام فيما كتبه أتباع الجماعة الوهابية ومقلدوهم من بعض أهل السنَّة المعاصرين حول الاثني عشرية؛ كان يبدأ بالبحث عن جذور المذهب الاثني عشري قبل أنْ يقوم بدراسة تحليلية لمضامين ومحتويات هذا المذهب، أي قبل أنْ يدرس المرحلة الثانية، مع أنّه لا خلاف بين العلماء المحققين أنّ المعرفة الجذرية ـ لأيّ مذهب من المذاهب ـ تنبثق انبثاقاً ذاتياً من (المعرفة التحليلة)؛ فالمعرفة الجذرية للمذهب الاثني

١٥٠
عشري هي فرع عن التحليل الكامل لحقائقه وخصائصه (المرحلة الثانية في هذا المنهج). وكل دراسة عن مذهب ـ أيّ مذهب من المذاهب ـ لا تقوم على أساس هذا الترتيب العلمي بين المرحلتين تعتبر دراسة فاشلة، لا يمكن أن يرتضيها العقل السليم ولا الشرع الحكيم.

إنّ مشكلة أتباع الجماعة الوهابية أنهم يبحثون عن (حقيقة نشأة الاثني عشرية)، مع أن هذه الحقيقة من صميم المعرفة الجذرية، ولا علاقة لها بالمعرفة التحليلية المرتبطة بالحقائق الأربع للمذهب الاثني عشري. ولو قاموا بدراسة تحليلية لـ (حقيقة الألوهية والنبوة في المذهب الاثني عشري)، و(حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري)، و(حقيقة أهداف المذهب الاثني عشري)، و(حقيقة معنى بعض المصطلحات عند المذهب الاثني عشري)؛ لما أمكن لهم أن يخلطوا بين نشأة الاثني عشرية ونشأة فِرَق الغلاة، فما دامت تلك الحقائق الأربع السابقة ـ عند الاثني عشرية ـ مستلهمة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة؛ فلا بد أن تكون جذور المذهب الاثني عشري ـ منابعه وهويته ونشأته ـ إسلامية، وإلاّ سنقع في مشكلة التناقض.

* * * *

وفي هذه المرحلة سوف ندرس ما تبقى من الحقائق الثمان التي أشرنا إليها، وهي الحقائق الأربع التي لم نذكرها.

ونحب أن ننبه ـ هنا ـ إلى أنّ الحقائق الثلاث (حقيقة منابع الاثني عشرية، وحقيقة هوية الاثني عشرية، وحقيقة نشأة الاثني عشرية وعلل هذه النشأة) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري. أما حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري فقد سبق أن أشرنا إلى أنّها ترتبط بالمعرفة التحليلة للمذهب الاثني عشري.

ولعله مما يحتم هذا المنهج أنْ ندرك بصورة مختصرة وسريعة هذه الحقائق الأربع الهامة.

١٥١

الحقيقة الخامسة: (حقيقة منابع المذهب الاثني عشري)(١)

لقد قال أتباع الجماعة الوهابية ـ بسبب مشكلة الخلط عندهم بين الاثني عشرية وفرق الغلاة ـ: بأنّ منابع الاثني عشرية ترجع إلى الفكر المجوسي وما فيه من لوثة وثنية، أو ترجع إلى اليهودية أو النصرانية.

وكان الطابع العام لمنهج الجماعة الوهابية في دراسة الاثني عشرية أنّهم يصدرون تلك الأحكام الشنيعة على منابع مذهب الاثني عشرية قبل التحليل الكامل لمفاهيمه ومحتوياته، ولو درسوا الحقائق الأربع السابقة لعلموا أنّه ما دامت عقيدة الاثني عشرية مستلهمة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وما دامت الشرائع والأحكام عند الاثني عشرية مستقاة منهما، وما دام أنّ أهداف الاثني عشرية مستخرجة من الكتاب والسنّة، وما دامت كل مصطلحات الاثني عشرية تتفق في مضامينها مع القرآن والسنّة.. أقول إذا عرفوا كل هذا فليس من المعقول ـ بعد كل ذلك ـ أنْ يقولوا بأنّ منابع الاثني عشرية ترجع إلى الفكر المجوسي!

إنّ مشكلة أتباع الجماعة الوهابية هي عدم التمييز بين (منابع الاثني عشرية ومنابع فرق الغلاة)، ولو قالوا بأنّ منابع الغلو والغلاة مستمدة من الفكر المجوسي لكانوا مصيبين في ذلك.

(١) وهذه الحقيقة تعد الحقيقة الأُولى في المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري.

١٥٢
وهذا الخلط عندهم بين (منابع الاثني عشرية ومنابع فرق الغلاة) إنّما جاء كنتيجة حتمية لإصابتهم بـ (مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة). ومن ثَمّ لا بدّ لهم من مراجعة المرحلة الأُولى من هذا الكتاب قبل البحث عن منابع الاثني عشرية؛ فمن الخطأ أنْ نعالج مشكلة الخلط عند الوهابية بين منابع الاثني عشرية ومنابع فرق الغلاة قبل معالجة المشكلة الأساسية عندهم التي درسناها سابقاً. ولا يمكن أنْ يدرك (حقيقة منابع الاثني عشرية) من لم يدرك الحقائق الأربع السابقة.

وفي هذه الحقيقة سوف نتحدّث بصورة مفصلة عن مقام القرآن ومقام السنّة في كتب الاثني عشرية، بعد أن تبين لنا في الحقائق السابقة أنّ تلك الحقائق مستقاة من القرآن والسنّة(١).

(١) انظر دراستنا عن هذه الحقيقة في الفصل الأول من الباب الثالث من كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٥٣

الحقيقة السادسة: (حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري)(١)

إنّ الذي يراجع موضوع الإمامة عند الاثني عشرية، ويطلّع على أدلتهم القوية من النصوصّ القرآنية والأحاديث الصحيحة؛ سوف يعلم بأنّ قضية الإمامة كانت هبة خالصة من الله للبشر، عرفّها لهم عن طريق آخر الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ. ولم تكن الإمامة من صنع الاثني عشريين، ولا هم قالوا بها بسبب الظلم الذي حل على أهل البيت النبوي؛ فقد جاء النصّ الصحيح ـ منذ فجر الإسلام ـ على إمامة الأئمة الاثني عشر، بصورة كاملة حاسمة، قبل أن يتعرّض البيت النبوي للظلم.

إنّ من الخطأ أن يقال: إنّ عقيدة الاثني عشرية في النصّ على الأئمة الاثني عشر لم تعرف إلاّ في القرن الرابع(٢)!

إنّ الأمر ليس كذلك أبداً، إنّما كانت عقيدة الاثني عشرية في النصّ على الأئمة الاثني عشر تنتشر بين الناس تدريجاً، مرحلة بعد مرحلة، وكان حديث الاثني

(١) وهذه الحقيقة تعدّ الحقيقة الثانية في مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري.

(٢) أجمع المسلمون من أهل السنّة ومن الاثني عشرية أنّ الرسول الكريم قد أوصى لاثني عشر خليفة من بعده، كما ذكر ذلك الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه، والإمام مسلم ـ رحمه الله ـ في صحيحه، وعشرات من كبار محدِّثي أهل السنة والاثني عشرية. والكثير من هذه الكتب كانت موجودة قبل القرن الرابع.

١٥٤
عشر موجوداً في الكتب والمجاميع الحديثية السنِّية؛ في صحيح البخاري وغيره، قبل القرن الرابع وقبل أنّ يستكمل عدد الأئمة، وكان الناس يتقبلون النصّ على إمامتهم بعد أن يقرؤوا الأحاديث الصحيحة الدالة على امامتهم، ويدخلون في الاثني عشرية فوجاً بعد فوجٍ، وكان كل إمام من الأئمة الاثني عشر يترك أثراً في ضمير هذه الأُمة، ويخلق استعداداً أكبر لقبول عقيدة النصّ على الأئمة الاثني عشر، وكان الترقي في هذا الاستعداد ينمو كلما تهيأ للأُمة المزيد من المعرفة، لا سيما أنّ كبار المحدِّثين من أهل السنّة كان لهم دور كبير في التأكيد على إمامة الأئمة الاثني عشر؛ فقد اثبتوا أحاديث النصّ على الأئمة الاثني عشر في كتبهم التي كتبوها في القرون الثلاثة الأولى.. وكان لكتب الحديث عند أهل السنّة دورٌ كبيرٌ في استعداد الناس لقبول عقيدة النصّ على الأئمة الاثني عشر، وكان عدد أتباع الأئمة الاثني عشر يزداد، ومجال عقيدة الإيمان بإمامتهم يتسع، وكانت هنالك ـ دائماً ـ مهاجمة ومحاربة للنصّ على إمامة الأئمة الاثني عشر من قبل الحكّام المعاصرين للأئمة الاثني عشر؛ خوفاً أنْ تهدد هذه العقيدة عروشهم. وكان خط هذه العقيدة يبرز ويظهر عندما يضعف الحكام، ويأخذ با لهبوط والانحسار عندما تقوى شوكتهم.

وقد قدّمنا الأدلة القوية على إمامة الأئمة الاثني عشر عندما استعرضنا هذه الحقيقة في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية)، لكن الذي يهمنا في هذه الدراسة المختصرة والفكرية أنْ ننبه على حقيقة هامة وهي: إنّنا وجدنا أنّ اتباع الجماعة الوهابية ـ بسبب الخلط بين قادة الاثني عشرية وقادة الغلاة عندهم ـ لم يدركوا دور الأئمة الاثني عشر (أوصياء الرسول الأكرم) في تعريف الناس بعقيدة النصّ على إمامتهم، فينسبون مسألة النصّ على إمامة الأئمة الاثني عشر إلى قادة الغلاة، ولا يلتفتون إلى أنّ مسألة إمامة الأئمة الاثني عشر بعد الرسول موجودة في صحيح البخاري وفي أكثر كتب أهل السنّة الحديثية. ولا يمكن لهم أنْ ينسبوا أحاديث النصّ على الأئمة الاثني عشر إلى قادة الغلاة.

١٥٥
كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور عصام العماد (ص ١٥٦ - ص ١٦٨)
١٥٦

<=

ثم قال الشيخ السعودي الوهابي:

((والغريب حقاً أن حديث الثقلين هذا، رغم وروده في صحيح مسلم وفي سنن الترمذي، وحسّنه الحاكم النيسابوري في المستدرك ومسند الإمام أحمد، إلا أنّ معظم المعاصرين من العلماء والخطباء يجهله أو يتجاهله، ويوردون بدلاً عنه حديث ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي)). وهو في موطأ الإمام مالك، وفي سنده ضعف وانقطاع، وإن كان متنه ومعناه صحيحاً. وكان من الواجب إيراد الحديثين كلاهما معاً لاهميتهما في الباب، أما كتمان هذا الحديث الشريف الصحيح فهو مِنْ كتمان العلم الذي هدّد الله ورسولَهُ فاعلَه...)).

وقال العلامة الحافظ محمد ناصر الدين الالباني ـ رحمه الله ـ في (سلسلة الأحاديث الصحيحة):

((حديث العترة وبعض طرقه ـ ١٧٦١ ـ: يا أيّها الناس! إني قد تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتابَ الله، وعترتي أهل بيتي)).

ثم قال الالباني: (.. الحديث صحيح، فإن له شاهداً من حديث زيد بن أرقم... أخرجه مسلم (٧ / ١٢٢ ـ ١٢٣) والطحاوي في (مشكل الآثار) (٤ / ٣٦٨)، وأحمد (٤ / ٣٦٦ ـ ٣٦٧) وابن أبي عاصم في (السنة) (١٥٥٠ و١٥٥١)، والطبراني (٥٠٢٦) من طريق يزيد بن حيان التميمي عنه، ثُمّ أخرجه أحمد (٤ / ٣٧١) والطبراني (٥٠٤٠) والطحاوي من طريق علي بن ربيعة قال: ((لقيت زيد بن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده، فقلت له: أسمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي؟ قال: نعم)). واسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وله طرق أخرى عند الطبراني (٤٩٦٩ ـ ٤٩٧١ و٤٩٨٠ ـ ٤٩٨٢ و٤٠٥٠) وبعضها عند الحاكم (٣ / ١٠٩ أو ١٤٨ و٥٣٣)، وصحح هو والذهبي بعضها.

وشاهد آخر من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي؛ الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)) أخرجه أحمد (٣ / ١٤ و١٧ و٢٦ و٥٩)، وابن أبي عاصم (١٥٥٣ و١٥٥٥) والطبراني (٢٦٧٨ ـ ٢٦٧٩) والديلمي (٢ / ١ / ٤٥)، وهو إسناد حسن في الشواهد، وله شواهد أخرى من حديث أبي هريرة عند الدارقطني (ص ٥٢٩) والحاكم (١ / ٩٣) والخطيب في الفقيه (٥٦ / ١) وابن عباس عند الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي).

ثم ذكر الألباني تخريجات كثيرة للحديث وقال: ((بعد تخريج الحديث بزمن بعيد كتب عليّ أن أهاجر من دمشق إلى عمان، ثُمّ أن أسافر منها إلى الإمارات العربية.. فلقيت في قطر بعض الاساتذة والدكاترة الطيبين، فأهدى إليّ أحدهم رسالة له مطبوعة في تضعيف هذا الحديث، فلما قرأتها تبين لي أنه حديث عهد بهذه الصناعة، وذلك من ناحيتين ذكرتهما له:

الأولى: إنّه اقتصر في تخريجه على بعض المصادر المطبوعة المتداولة، ولذلك قصر تقصيراً في تحقيق الكلام عليه، وفاته كثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها صحيحة أو حسنة فضلاً عن الشواهد والمتابعات، كما يبدو لكل ناظر يقابل تخريجه بما خرجته هنا.

=>

١٥٧

الحقيقة السابعة: (حقيقة هوية المذهب الاثني عشري) (١)

ولا بد من التنبيه إلى حقيقة هامة وهي: إنّه لا يمكن معرفة نوع ا لهوية الفكرية لأيّ مذهب من المذاهب قبل الدراسة التحليلية العميقة لمحتويات ومضامين فكر المذهب الذي نريد معرفة هويته الفكرية. ولقد سار منهج أتباع الجماعة الوهابية في طريق يخالف هذه الحقيقة ا لهامة، فقالوا ـ ابتداء من دون بحث في كتب الاثني عشرية ـ: إنّ ا لهوية الفكرية للاثني عشرية مجوسية فارسية.

إننا أخرّنا البحث عن هوية الاثني عشرية في هذا المنهج؛ لأنّ الترتيب العقلي والعلمي يفرض علينا أنْ لا نتحدّث عن هوية المذهب الاثني عشري إلاّ بعد دراسته عبر الحقائق الست السابقة.

والغريب أنّ البعض يقول: إننا نسلّم بأنّ ا لهوية الفكرية للاثني عشرية إسلامية وعربية، لكن نقول إنّ ا لهوية العرقية للاثني عشريين الأوائل كانت فارسية!

<=

الثانية: إنّه لم يلتفتْ إلى أقوال المصححين للحديث من العلماء، ولا إلى قاعدتهم التي ذكروها في مصطلح الحديث: (إن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة الطرق)، فوقع في هذا الخطأ الفادح من تضعيف الحديث الصحيح.

وكان قد نمي إليّ قبل الالتقاء به واطلاعي على رسالته أن أحد الدكاترة في الكويت يضعف هذا الحديث، وتأكدت من ذلك حين جاءني خطاب من أحد الإخوة هناك، يستدرك عليَّ إيرادي الحديث في (صحيح الجامع الصغير) بالأرقام (٢٤٥٣ و٢٤٥٤ و٢٧٤٥ و٧٧٥٤)، لأن الدكتور المشار إليه قد ضعفه، وأن هذا استغرب مني تصحيحه! ويرجوا الأخ المشار إليه أن أعيد النظر في تحقيق هذا الحديث، وقد فعلت ذلك احتياطاً، فلعله يجد فيه ما يدل على خطأ الدكتور، وخطئه هو في استرواحه واعتماده عليه، وعدم تنبّهه للفرق بين ناشئ في هذا العلم ومتمكن فيه، وهي غفلة أصابت كثيراً من الناس الذين يتبعون كل مَنْ كتب في هذا المجال، وليستْ له قدم راسخة فيه. والله المستعان)). انتهى كلام الشيخ الإمام الالباني رضوان الله عليه.

وإنما ذكرته بتمامه لأنني رأيت أن الوهابيين ما زالوا يطبعون ويوزعون كتاب الدكتور (علي أحمد السالوس) حول تضعيف حديث الثقلين، وهم يعلمون أنّ هذا الدكتور لا علم له بالحديث ولا برجاله، وهم يعلمون ـ أيضاً ـ أن الألباني لم يذكر هذا الكلام بطوله إلا للردِ على الدكتور علي أحمد السالوس.

(١) هذه الحقيقة تعد الحقيقة الثالثة في مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري.

١٥٨
ونحن سنثبت بالدليل أنّ أوائل الاثني عشرية في القرون الأولى كانوا من العرب، وأن أكثر الفرس آنذاك كانوا من أهل السنَّة، فمن المسلّم تاريخياً أنّ أكثر الفرس وأكثر أهالي إيران كانوا من أهل السنَّة، ومن ثَمّ مدحهم ابن خلدون في مقدمته؛ لأنّهم كانوا قادة المذهب السنِّي. وقد تحوّل أهالي إيران إلى المذهب الاثني عشرية في القرون المتأخرة.

* * * *

إنّه ما دام قد ثبت لنا أن (حقيقة الألوهية والنبوة عند المذهب الاثني عشري) تتفق اتفاقاً كاملاً مع الكتاب والسنّة، وثبت لنا بعد الدراسة التحليلية أنّ شرائع وأحكام الاثني عشرية عين شرائع وأحكام القرآن والسنّة، وتبين لنا بالدليل والبرهان بأنّه لا يمكن الفصل بين الأهداف التي رسمها القرآن والسنّة وأهداف الاثني عشرية، وما دام قد ثبت أنّ منابع الاثني عشرية هما الكتاب والسنّة الشريفة، وقد عرفنا أنّه لا يوجد أدنى خلاف بين حقيقة الإمامة في الكتاب والسنّة وحقيقة الامامة عند الاثني عشرية.. بعد أن ثبت كل هذا فستكون النتيجة الضرورية والحتمية بأنّه لا يمكن التفكيك بين ا لهوية الفكرية للإسلام وا لهوية الفكرية للاثني عشرية.

ولعله مما يحتم الوصول إلى هذه النتيجة أنْ نلتفت إلى ضرورة التدرج في دراسة هذه الحقائق حسب الترتيب العلمي والفكري في هذا المنهج، والذين يبحثون عن هذه الحقيقة (هوية الاثني عشرية) قبل البحث عن المرحلة الأولى، وقبل البحث عن الحقائق الست السابقة سوف ينزلقون في مشكلة الخلط بين (هوية الاثني عشرية وبين هوية فرق الغلاة).

ونحن نسلِّم أنّ هوية فرق الغلاة مجوسية وفارسية أما هوية الاثني عشرية فهي إسلامية عربية.

١٥٩
إننا نرفض الطريقة التي تسلكها الوهابية في التعامل مع المذاهب الإسلامية من خلال التشكيك في هويتها، فليست هوية الاثني عشرية فارسية ولا هوية التسنن فارسية، بل هوية الاثني عشرية والتسنن عربية؛ لأنّ التاريخ يثبت لنا أنّ جذور الاثني عشرية وجذور التسنن ظهرت قبل بدء الفرس في صناعة الأحداث(١).

(١) انظر الفصل الثاني من الباب الثالث في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٦٠