×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

١٦١

الحقيقة الثامنة: (حقيقة نشأة المذهب الاثني عشري وعلل هذه النشأة)(١)

القسم الأول: (حقيقة نشأة المذهب الاثني عشري):

إنّ عملية التوفيق بين نشأة الاثني عشرية ونشأة فِرَق الغلاة عند الوهابية كانت تنم عن سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة فكر الغلاة وعناصره الوثنية العميقة، وعدم استقامته على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مما يخالف الفكر الاثني عشري الذي يتّحد بصورة كاملة مع الفكر الإسلامي.

إنّ حركة الغلو نشأت في وسط ملوث مشحون بالأساطير المجوسية والخرافات اليهودية والمسيحية، واستمدّ الغلو جذوره من هذه الأساطير ومن هذه الخرافات؛ فمن السذاجة والعبث محاولة التوفيق بين نشأة فرق الغلاة وبين نشأة الاثني عشرية، القائمة على أساس النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.

لكن أتباع الجماعة الوهابية ـ بسبب فهمهم الخاطئ ـ خلطوا بين أوّل من قال بالغلو في الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ وهو (عبد الله بن سبأ)، وبين أوّل من قال بالولاء للإمام علي وهو (الرسول الأعظم)؛ نتيجة دراستهم السطحية والساذجة لكتب الفرق والمقالات التي كتبها الاثنا عشرية وقدماء أهل السنّة،

(١) هذه الحقيقة تعد الحقيقة الرابعة في المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري.

١٦٢
فنسبوا مقالات الغلو للاثني عشرية، وأخذوا ـ من حيث لا يعلمون ـ بعملية توفيق متعسِّفة بين نشأة الاثني عشرية ونشأة فِرَق الغلاة المنحرفة.

إنّ الوهابية خلطت بين مقالتين متباينتين؛ المقالة الأولى تقول: (إنّ أوّل من قال بأنّ علياً ـ كرم الله وجهه ـ كان وصياً للرسول الأكرم هو عبد الله بن سبأ اليهودي). وهذه المقالة الأولى يؤمن بها الوهابية؛ لأنّهم لم يميزوا بين هذه المقالة وبين المقالة الثانية الصحيحة التي أجمع عليها كل المسلمين والتي تقول: (إنّ أول من قال بأنّ علياً كان إ لهاً هو عبد الله بن سبأ)، لكن الوهابية قاموا بعملية تحريف ـ من حيث لا يعلمون ـ للمقولة الثانية، فحذفوا كلمة (اله) ووضعوا بدلاً عنها كلمة (وصي)! وسوف نثبت ذلك بالدليل عند البحث الذي خصصناه لهذه الحقيقة.

وقد أثبتنا في الحقيقة السادسة من كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية) بالأدلة القوية من كتب أهل السنَّة أنّ أوّل من قال بالوصية للإمام علي هو الرسول الأعظم؛ فمن السذاجة والعبث هذا الخلط بين هاتين المقالتين المختلفتين؛ بين مقولة (أول من قال بالوصية للإمام علي)، ومقولة (أول من قال بالألوهية للإمام علي)، فالمقولة الأُولى تعتمد على أدلة قوية من القرآن والسنّة، أما المقولة الثانية فتعتمد على عناصر وثنية ملحدة تحاول هدم القرآن والسنّة.

ولقد سار أتباع المنهج الوهابي في دراسة الاثني عشرية ـ أثناء البحث عن حقيقة نشأة الاثني عشرية وعلل هذه النشأة ـ على نفس المنهج الذي اعتمدوا عليه في البحث عن الحقائق السبع السالفة. وهو منهج لا يستقيم على نظام فكري واحد، ولا على أساس منهجي واحد، ولا يعتمد على ملاحظة المرحلة الأُولى من هذا الكتاب، ولا يعتمد على الدراسة التحليلية العميقة لمفاهيم ومحتويات الاثني عشرية قبل البحث عن نشأتها. لكننا لمسنا أنّ المحققين من أهل السنَّة، ومن عقلاء الوهابيين قد أدركوا أنّ أتباع الجماعة الوهابية يخلطون بين نشأة الاثني عشرية ونشأة فِرَق الغلاة.

١٦٣
وقد رفض الكثير من علماء أهل السنَّة المحققين المقالة التي أذاعتها الجماعة الوهابية والتي تقول: (إنّ أول من قال بأنّ الإمام علياً وصي الرسول الأكرم هو عبد الله بن سبأ)، وأثبت أهل السنَّة المحققون أنّ الإمام علياً ـ كرم الله وجهه ـ عُرف بين الصحابة بأنّه وصي الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل أنْ يظهر عبد الله بن سبأ، وقالوا: إنّ الجماعة الوهابية نسبت القول بالوصية إلى عبد الله بن سبأ كراهة وتشنيعاً للاثني عشرية، حتى يوهموا العوام بأنّ الاثني عشرية اعتمدوا في عقيدتهم بوصية النبي الأعظم للإمام علي على رجل يهودي هو (عبد الله بن سبأ).

والقسم الثاني: (علل نشأة المذهب الاثني عشري):

لقد ثبت لنا في الحقيقة السادسة (حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري) بالأدلة النقلية من الكتاب والسنّة أنّ علل وأسباب تمسك الاثني عشرية بالأئمة الاثني عشر يرجع إلى الأدلة القوية من الكتاب والسنّة، ومن ثَمّ فمن السذاجة أنْ نبحث عن علل ولاء الاثني عشرية للأئمة الاثني عشر قبل دراسة (الحقيقة السادسة). ومشكلة منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية أنّهم يبحثون عن هذه الحقيقة الثامنة قبل البحث عن الحقيقة السادسة.

إنّه إذا ثبت أنّ قضية التشيع والولاء والتمسك بالأئمة الاثني عشر ثابتة بحديث الثقلين وحديث الاثني عشر، وثبت أنّ التمسك بهم يأتي في الدرجة الثانية بعد التمسك بالقرآن والسنة؛ فلا بد من التمييز بين علل تشيع وولاء الاثني عشرية للأئمة الاثني عشر، وبين علل غلو فرق الغلاة في الأئمة الاثني عشر. والذين لا يميزون بين هذين النوعين المختلفين من العلل هم المصابون بـ (مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين فرقة الغلاة)، ومن ثمَّ فهم بحاجة إلى

١٦٤
دراسة المرحلة الأُولى من هذا الكتاب قبل أنْ يبحثوا عن علل تشيع وولاء الاثني عشرية للأئمة الاثني عشر، ومن هنا يأتي أهمية الترتيب الفكري والمنهجي في هذا الكتاب(١).

إنّه بعد أنْ ثبت لنا من خلال الحقائق السبع السابقة أنّ أدلة الاثني عشرية ترجع إلى الكتاب و السنّة، ويكفي أنْ نقرأ كتب أُصول الفقه عند الاثني عشرية، حينئذ سوف تجعلنا هذه الأدلة نؤمن بأنّ القرآن الكريم هو الأساس الأوّل في طرح كل تلك الحقائق السبع عند الاثني عشرية، وتأتي بعد القرآن الكريم الأحاديث الصحيحة. وما دام أنّه قد ثبت في الحقيقة الأُولى (حقيقة الالوهية والنبوة) عند الاثني عشرية أنّها مستلهمة من القرآن والسنّة، وهكذا؛ في الحقيقة الثانية ثبت أنّ الشرائع والأحكام مستلهمة من القرآن والسنة، وهكذا؛ إلى الحقيقة السابعة.. بعد أن ثبت كل ذلك فلا بد أنْ يتبين ويتضح لنا نوع (علل ولاء الاثني عشرية للأئمة الاثني عشر) التي تتفق مع سنخية القرآن والسنّة.

* * * *

(١) درسنا هذه الحقيقة ا لهامة في الفصل الثاني من الباب الثالث في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

١٦٥

كيف نعرض خصائص الاثني عشرية على الوهابيين؟

وبعد الانتهاء من عرض (منهج البحث في الحقائق الثمان للمذهب الاثني عشري) يبقى علينا أن نعرض (منهج البحث في خصائص المذهب الاثني عشري) لإخواننا الوهابيين.

ولا شك أنّ مقومات هذا المنهج الذي رسمناه تفرض علينا أنْ ندرك ثلاث حقائق هامة مرتبطة بالبحث عن (خصائص المذهب الاثني عشري) وهي:

الأولى: إنّه لا يمكن أنْ ندرك خصائص الاثني عشرية إلاّ إذا أدركنا حقائقها، ومن ثم بحثنا عن حقائق الاثني عشرية قبل البحث عن خصائصها.

والثانية: إنّ مشكلة أتباع الجماعة الوهابية أنّهم لم يميزوا بين الخصائص التي أثبتها للإسلام علماء أهل السنَّة وعلماء الاثني عشرية، وبين الخصائص التي تفردوا بإثباتها للإسلام، مع أنّ الأُولى أجمع عليها كل المسلمين من السنّة والاثني عشرية، أما الثانية فقد تفرّد بإثباتها للإسلام الجماعة الوهابية؛ كما أنهم خلطوا بين مسائل العقيدة الوهابية وبين مسائل أصول الدين الإسلامي، وقد جرّهم هذا الخلط إلى اتهام المذاهب الإسلامية التي لا تلتزم بالخصائص التي نسبوها للإسلام بالانحراف والضلال والغلو، وأحياناً بالكفر.

والثالثة: إنّنا لاحظنا أنّ أتباع الجماعة الوهابية لم يميزوا بين (خصائص الاثني عشرية) وبين (خصائص فرق الغلاة)، ومن ثَمّ نسبوا بعض خصائص فرق الغلاة إلى الاثني عشرية. وهذا كلُّه ناتج عن (مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين فرق الغلاة عند أتباع الجماعة والوهابية) التي تناولناها في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية في هذا الكتاب.

١٦٦
وكما ذكرنا في المرحلة الثانية لمعرفة المذهب الاثني عشري (مرحلة المعرفة التحليلية) أنّ للمذهب الاثني عشري حقائقه التي يتكون منها قوامه، ويتألف منها كيانه. وسوف نذكر ـ هنا ـ أنّ له خصائصه التي تتميز بها شخصيته، وتنفرد بها ملامحه عن سائر المذاهب الإسلامية الأُخرى؛ لأنّه أقرب المذاهب الإسلامية إلى الحق.

ونحن ـ هنا ـ قد قمنا بتقسيم خصائص المذهب الاثني عشري التي يتميز ويتفرد بها عن سائر المذاهب الإسلامية الأُخرى إلى أقسام عديدة، وعرضنا أكثرها عند بحث القسم الثاني في كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية)، وتناولنا في ذلك الكتاب أهم ثلاث خاصّيات من خصائص الاثني عشرية. وسنكتفي في هذا الكتاب برسم صورة مختصرة عن هذه الخصائص الثلاث التي تفرّد بالأخذ بها المذهب الاثني عشري وهي:

١ ـ الخاصية الأُولى: خاصية الوسطية(١) الإيجابية في كيفية التعامل مع أهل البيت.

٢ ـ الخاصّية الثانية: خاصّية الواقعية في كيفية التعامل مع الصحابة.

٣ ـ الخاصّية الثالثة: خاصّية غيبة الإمام الثاني عشر.

وقد بذلنا كل جهدنا لنطرح هذه الخصائص بصورة يقبلها إخواننا الوهابيون.

* * * *

(١) نحن لن ندرس إلاّ الوسطية في التعامل مع أهل البيت، لأننا نعتقد أنّه من خلال هذه الوسطية في التعامل مع أهل البيت انبثقت وسطيات أُخرى عند الاثني عشرية في كل حقائق وخصائص هذا المذهب. ومن هذه الخاصّية تنشأ خصائص وسطية أُخرى كخاصية (الوسطية أثناء تناول الصفات الإ لهية)، خاصّية (الوسطية في كيفية التعامل مع الصحابة). ومن هنا فالمذهب الاثني عشري هو الوسط من بين المذاهب الإسلامية الأخرى؛ كما أنّ الأُمة الإسلامية هي الوسط من بين الأُمم الأُخرى.

١٦٧

١ ـ الخاصية الأُولى: خاصّية الوسطية الايجابية في كيفية التعامل مع أهل البيت ـ رضوان الله عليهم ـ:

والوسطية عند الاثني عشرية في كيفية التعامل مع أهل البيت هي أُولى الخصائص العظيمة التي يتسمون بها، وهي التي بعد أن عرفتها جعلتني أرتحل من الجماعة الوهابية إلى المذهب الاثني عشري. لقد كنت أحسب ـ عندما كنت وهابيّاً ـ أنّ منهج أهل السنَّة في التعامل مع أهل البيت هو المنهج الوسط؛ كما يقول ذلك كل علماء السنّة، لكنني بعد أنْ قرأت كتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) لإمام أهل السنَّة ابن عقيل الشافعي، وبعد قراءة كتاب (الإمام جعفر الصادق) لإمام أهل السنَّة محمد أبو زهرة؛ تبين لي أنّ أهل السنَّة عدلوا عن الوسطية في كيفية التعامل مع أهل البيت، وتبين لي أنّ الوسطية الواقعية في التعامل مع أهل البيت هي الوسطية التي يقول بها علماء المذهب الاثني عشري.

ولا بد من التنبيه إلى حقيقة هامة وهي: إنّ أهل السنَّة في كيفية تعاملهم مع أهل البيت لم يميزوا بين الوسطية الإيجابية وبين الوسطية السلبية؛ فآمن أهل السنَّة ـ بسبب منهجية خاطئة ـ بأنّ الوسطية في التعامل مع أهل البيت تعني التبرُّؤ من المنهجين المتطرفين في التعامل مع أهل البيت، أي المنهج المعادي لأهل البيت والمنهج المغالي فيهم، ومن ثَمّ أعلنوا البراءة من المنهجين المتطرفين، لكنهم اكتفوا بهذه البراءة، ثُمّ اتخذوا موقفاً ساكناً وسلبياً تجاه أهل البيت.

وعلى الرغم من أنّ أهل السنَّة يقولون بـ: أننا آمنا بما جاء عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في أهل البيت، ويقولون: نشهد أنّ التمسك بأهل البيت من واجبات الإسلام الضرورية، ويقولون: إنّ التمسك بأهل البيت يأتي في المرتبة الثانية بعد التّمسك بالقرآن والسنة.. على الرغم من كل ذلك تجدهم يرجعون إلى غيرهم ويتمسكون بغير أئمة أهل البيت؛ فكان عندهم مخالفة بين الفعل والقول!

١٦٨
كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور عصام العماد (ص ١٦٩ - ص ١٧٩)
١٦٩
(نقد نظرية عدالة الصحابة عند أهل السنَّة)؛ لأنّ الوهابيين ينفرون من هذا العنوان، ولسنا مضطرين إلى طرح هذا العنوان، بل يكفي أنْ نذكر لهم مضمون ومحتوى نقدنا لهذه النظرية، بطريقة تجعلهم يقبلون ما نريد من دون ذكر المصطلح الخاصّ لهذه النظرية. والعبرة بالمحتويات والمضامين والمعاني لا بالعناوين والمصطلحات والغلافات الخارجية.

كما من اللازم أنْ نبين لهم أن الاثني عشرية إنّما ترفض العدالة الكلية للصحابة لا العدالة الجزئية لهم؛ لأن الكثير من الوهابيين لا يدركون الفرق بين من أنكر العدالة الكلية للصحابة وبين من آمن بالعدالة الجزئية للصحابة، ومن هنا خلطوا في حكمهم على الفريقين.

إنّنا من خلال تجربتنا الطويلة في الحوار مع إخواننا الوهابيين، ومن خلال انتمائنا السابق لهذه الجماعة قد آمنا واستيقنا بأنّ هذه الجماعة الوهابية تعطي للمصطلح والعنوان والغلاف الخارجي قيمة كبيرة، وتجدهم يقيمون حرباً شديدة ضد قضيّة معينة، وحين يتغير اسم هذه القضية تزول هذه الحرب الشديدة، ولأجل ذلك يمتنعون عن قراءة بعض الكتب بسبب عناوينها، فإذا تغير وتبدّل عنوانها قرأوها بشغفٍ وحبٍ(١). ومن هنا نحتاج إلى دقة وفطنة في كيفية الحوار مع الجماعة الوهابية.

كما ينبغي أن لا نبحث عن موضوع الصحابة مع الوهابيين إلا بعد طرح حديث الثقلين؛ لأنّ قضية الصحابة تعتبر إحدى النتائج السلبية لمخالفة حديث الثقلين.

(١) ومن هنا تجدني في كل حواراتي مع الوهابيين ـ المسجلة في أكثر من ثلاثمائة شريط ـ استخدم كلمة (اثني عشرية) بدلاً عن كلمة (شيعة)؛ لأنّهم ينفرون من كلمة (شيعة)، فإذا قلت لهم كلمة (اثني عشرية) هان عليهم الخطب وسمعوا منك.

وما دام أننا نسعى إلى التقريب بين الاثني عشرية وبين الوهابية فلا بد من مراعات إخواننا الوهابيين حتى لا نقع في جريمة التفريط بالوحدة الإسلامية المقدسة.

١٧٠
ولا بد من الاشارة إلى قضية هامة ترتبط بقضية الصحابة وهي: انني أرى أن الحوار حول حديث الغدير يجب أن يكون بعد البحث حول حديث الثقلين؛ لأننا إذا حاورنا إخواننا الوهابيين حول حديث الغدير، سوف ينجر الحوار منذ البداية إلى قضية الصحابة وإلى حادثة السقيفة؛ لأن هنالك ملازمةً عند العقل الوهابي بين قضية الصحابة وبين حديث الغدير، كما أن الكثير منهم يحسبون أن الحوار حول حديث الغدير هو حوارٌ سياسي قد انقضى أوانه، بخلاف نظرتهم الى حديث الثقلين حيث يرون أنّ له مساس بالمرجعية الدينية لأهل البيت.

وليس هذا الكلام فيه تقليل لشأن حديث الغدير، بل هو كلامٌ نابعٌ من ضرورة مراعات وملاحظة طريقة التفكير عند العقل الوهابي؛ لأن الغرض من الحوار هو استنقاذ هذا العقل من المشكلات التي يعاني منها، ومن هنا ذكرت في مقدمة هذا الكتاب(١) أنه عند الحوار مع الوهابيين حول الآيات الواردة في أهل البيت يجب أن نقدم آية التطهير وآية المباهلة وغيرهما، على آية الولاية؛ لأن هنالك ملازمة بين آية الولاية وبين قضية الصحابة بسبب الارتباط الوثيق بين آية الولاية وحديث الغدير.

والحوار حول حديث الثقلين وحول آية التطهير سوف يهيئ العقل الوهابي للحوار حول حديث الغدير وحول آية الولاية وحول قضية الصحابة التي هي أحد نتائج مخالفة حديث الثقلين.

وسوف نبين عند دراسة خاصّية (الواقعية عند الاثني عشرية في كيفية التعامل مع الصحابة) أنّ هنالك مناهج ثلاثة في التعامل مع الصحابة:

المنهج الأول: منهج أهل السنَّة في كيفية التعامل مع الصحابة.

والمنهج الثاني: منهج الغلاة في كيفة التعامل مع الصحابة.

والمنهج الثالث: منهج الاثني عشرية في كيفية التعامل مع الصحابة.

(١) انظر: ص ١٢ من مقدمة هذا الكتاب.

١٧١
وسيتضح لاحقاً أنّ المنهج الأول (منهج أهل السنَّة) والمنهج الثاني (منهج الغلاة) منهجان غير واقعيين في كيفية تعاملهما مع الصحابة، وكلاهما يمثل تطرفاً بمعنيين مختلفين؛ التطرّف عند منهج أهل السنَّة بمعنى الإفراط في كيفية تعاملهم مع الصحابة، والتطرّف عند منهج الغلاة بمعنى التقصير والتفريط بحقّ الصحابة، والمنهج الواقعي في كيفية التعامل مع الصحابة هو منهج الاثني عشرية.

وجدير بالمحاور أن ينبه إخوانه الوهابيين إلى أنّهم يخلطون بين منهج الاثني عشرية ومنهج الغلاة ـ لعنهم الله ـ في التعامل مع الصحابة، وسبب ذلك نابعٌ من خلطهم بين الاثني عشرية وبين الغلاة وعدم التمييز بينهم.

* * * *

٣ ـ خاصّية غيبة الإمام الثاني عشر:

أما الخاصية الثالثة التي تحدّثنا عنها في القسم الثاني من هذا البحث فهي: (خاصية الغيبة عند الاثني عشرية).

إنّ الحاجة إلى الإيمان بـ (غيبة الإمام الثاني عشر) هي حاجة العقل والقلب، وحاجة الحياة والواقع، وحاجة الأُمة المسلمة والبشرية كلها على السواء؛ لأنّ صاحب هذه الغيبة هو حلقة الوصل بين الأرض والسماء، بعد انقطاع الوحي من السماء، وبعد أنْ خُتمت أنوار الأنبياء.. ومن ثَمّ كان الإيمان بغيبة الإمام الثاني عشر من أهمِّ الخصائص التي تميز المذهب الاثني عشري عن سائر المذاهب الإسلامية الأُخرى.

وقد حاولنا رسم هذه الخاصّية العظيمة للجماعة الوهابية بصورة جديدة، لعلهم يعذرون إخوانهم بسبب إيمانهم بهذه الخاصّية الفريدة.

ويستطيع الإنسان ـ وهو واثق ـ أنْ يقول: إنّ عقيدة الاثني عشرية بغيبة الإمام الثاني عشر حقيقة أساسية وضرورية، أخبر عنها الرسول الأعظم قبل تحققها في الواقع التاريخي بأكثر من مائتين وخمسين عاماً، وآمنت بهذه الحقيقة

١٧٢
جماعة من المسلمين قبل تحققها، ودوّنت أحاديث الرسول الأكرم وجمعتها في كتب الحديث، بل أفردت كتباً مستقلة حديثية جمعت الأحاديث الصحيحة في الغيبة، إلى أنْ تحققت بعد أكثر من مائتي عامٍ مضامين ومحتويات تلك الأحاديث الصحيحة في عالم الواقع، ولمسها الناس بأنفسهم؛ كما أثبتنا ذلك عند الحديث عن هذه الخاصية ا لهامة والعظيمة في الفصل الأخير من القسم الثاني من هذا البحث في كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

ولا بد من التنبيه إلى أنّ البحث عن خاصّية الغيبة قبل البحث عن حقيقة الإمامة عند الاثني عشرية لن يوصل الباحث إلى نتيجة، ومن المحال أنْ يدرك خاصّية الغيبة ما لم يدرك حقيقة الإمامة في هذا المذهب.

ولا بد من الإشارة إلى قضية هامة وهي: أنه لا يصح طرح خاصّية الغيبة مع الوهابيين إلا بعد طرح حديث الثقلين؛ لأنّ خاصّية الغيبة إنّما كانت إحدى نتائج مخالفة حديث الثقلين.

ولأجل أن يدرك القارئ أهمية الترتيب في استعراض حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه ـ عندما يراد طرحه للذين خلطوا بينه وبين فرق الغلاة ـ أنْ يعيد النظر في هرم الاثني عشرية (الشكل رقم ـ ٤ ـ)، ويطيل النظر في المراحل الثلاث الضرورية من أجل إدراك المذهب الاثني عشري.

* * * *

إنّنا سبق وأن أشرنا في المقدِّمة إلى أنّ هذا الكتاب يمثِّل المقدمة الأساسية للقسم الثاني من هذا البحث، أعني كتابي (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية). ومن هنا فما أثبتناه من حقائق الاثني عشرية وخصائصها في هذا الكتاب، وفي كل من المرحلتين الأخيرتين من مراحل دراسة المذهب الاثني عشري، وما أثبتناه ـ أيضاً ـ في خصائص الاثني عشرية؛ إنّما تمثل النقاط الرئيسية التي نريد أنْ نتناو لها في القسم الثاني من هذا البحث؛ لأجل أن يكون لدى القارىء

١٧٣
فكرة عامة عن موضوع كل حقيقة أو خاصّية من حقائق وخصائص الاثني عشرية، إلى جانب ما ورد عن هذه الحقائق وتلك الخصائص في مبحث (خروج الوهابية عن منهج أهل السنَّة في التعامل مع المذهب الاثني عشري)، عندما ذكرنا أقوال الفريق الأول (الوهابية) والفريق الثاني والثالث (أهل السنَّة) والفريق الرابع (الاثني عشرية)؛ المرتبطة بحقائق الاثني عشري وخصائصها(١). وبهذا نكون قد انتهينا من وضع صورة مقتضبة عن المرحلتين الأخيرتين في دراسة المذهب الاثني عشري ووصلنا إلى خاتمة القسم الأُول من الكتاب.

وقبل الخاتمة أتقدم بالشكر الجزيل لسماحة الشيخ لؤي المنصوري على ما بذله من جهد كبير في مراجعة الكتاب، وسماحة السيد طلال فخر الدين على ما بذله من جهد مشكور في تيسير نشر الكتاب.

(١) لقد بينا في كتابنا (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية) أن اختلاف الوهابية واختلاف أهل السنّة حول الاثني عشرية يدل على أنّ الاشكالية تعود إلى منهج الجماعة الوهابية في كيفية التعامل مع المذهب الاثني عشري، وإلاّ فكيف اختلفت أحكامهم حول الاثني عشرية في حين أنّنا نجد أنّ لديهم حكماً واحداً على النصيرية؟!

١٧٤
١٧٥

الخاتمة
المستقبل للمذهب الاثني عشري

وحين نحسن العرض للمذهب الاثني عشري سوف يلتحق بهذا المذهب العظيم حتى أولئك الذين يوجهون الضربات الوحشية له؛ لأنّهم إنّما يحاربون هذا المذهب بسبب عدم إدراكهم وفهمهم لحقائق وخصائص هذا المذهب العظيم، وعزل أنفسهم ـ من حيث لا يعلمون ـ عن هذا المذهب بشتى التمويهات والأكاذيب عن هذا المذهب.

ولكن الذي لا شك فيه أنّ إخواننا الوهابيين إذا فهموا الخصائص الذاتية العظيمة للمذهب الاثني عشري، فسوف يلتحقون بهذا المذهب ويكونون من دعاته.

إنّ الوهابيين يعجبون كيف استطاع المذهب الاثني عشري أنْ يفرضَ نفسه على أكثر مناطق العالم، على الرغم من كثرة أعدائه، وانتشارهم في كل مكان على وجه الأرض، واستخدامهم لشتى الخطط والأساليب في سبيل محاربته!

لكن سرّ ذلك الانتشار يكمن في القوة الذاتية والفكرية للمذهب الاثني عشري، وفي الاعتدال في فهم حقائق الإسلام ودرك مقاصده.

وإنّ الوهابيين يرون أنّ المذهب الاثني عشري بقوته الذاتية هو الذي يلتحق به المئات من أهل السنَّة، والعشرات من الوهابيين، ويرونهم يعلنون حرباً على خصوم هذا المذهب، بعد أن كانوا من أشدِّ أعداء (الاثني عشريين)!

١٧٦
ويشاهد الوهابيون أنّ المذهب الاثني عشري يأخذ عليهم كبار علمائهم ومفكريهم في كلِّ بلدٍ، حتى إنّه ما بقيت منطقة عربية أو غير عربية إلاّ ودخل فيها المذهب الاثنا عشري، بحيث أصبح الوهابيون على يقين بأنّ (المذهب الاثني عشري) هو الذي سوف يمثِّل أكثرية (المسلمين) في العالم الإسلامي، لا سيما أنّهم يرون أنّه دخل إلى مناطق ما كانوا يتوقعون دخوله إليها! ومن هنا فاخواننا الوهابيون لا يشكون أنّ المستقبل (للمذهب الاثني عشري)، وفي هذا يقول العالم الوهابي الدكتور (علي السالوس) ـ حفظه الله ـ في كتابه (الشيعة الاثنا عشرية في الأُصول والفروع):

(والشيعة الإمامية الجعفرية الاثنا عشرية أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة)(١).

يقول هذا الكلام على رغم الخصومة الشديدة التي يحملها لهذا المذهب؛ بسبب أنّه لم يدرك حقائقه وخصائصه.

ونحن نستيقن أنّ الوهابيين عائدون إلى المذهب الاثني عشري، وأن المستقبل لهذا المذهب، ولكن لن يتحقق ذلك إلاّ إذا عرضنا هذا المذهب بطريقة تتناسب مع سنخية العقل الوهابي.

وهكذا؛ جاءت كتابات الوهابيين تشهد أنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري.

وفي موضع آخر يذكر الكاتب الوهابي الشيخ (ربيع بن محمد السعودي) ـ حفظه الله ـ في كتابه (الشيعة الإمامية في ميزان الإسلام)(٢) بما يؤكّد أنّ المستقبل لهذا المذهب ويقول:

(ففي زيارة لمصر بعد انقطاع عنها دام أربع سنوات بل خمس، وبعد أنْ استقر بي المقامُ في القاهرة، بدأتُ أحسّ باتجاه جديد).

وهو يعني التحوّل من المذهب السنّي والمذهب الوهابي إلى المذهب الاثني عشري.

(١) ج ١، ص ٢١.

(٢) ورغم أن الكتاب طبع في مؤسسة تحارب المذهب الاثني عشري، لكنه لا يستطيع إنكار حقيقة أنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري. طبع هذا الكتاب في مكتبة العلم بمدينة جدة ـ السعودية.

١٧٧
إلى أن يقول:

(ومما زاد عجبي من هذا الأمر أنّ إخواناً لنا ومنهم أبنا أحد العلماء الكبار المشهورين في مصر، ومنهم طلاب علم طالما جلسوا معنا في حلقات العلم، ومنهم بعضُ الإخوان الذين كنا نحسنُ الظنَّ بهم؛ سلكوا هذا الدرب! [يعني: أصبحوا من الاثني عشريين] وهذا الاتجاه الجديد هو التشيع)(١).

لو كان أخونا الشيخ (ربيع بن محمد السعودي) يدرك الخصائص الذاتية العظيمة للمذهب الاثني عشري لما عَجِب وانبهر حين رأى كبار أهل التسنن والوهابيين يدخلون في المذهب الاثني عشري أفواجاً!

ومن أجل هذا الشيخ وأمثاله كتبنا هذا الكتاب حتى يدركوا الأسباب التي جعلت الكثير من الوهابيين يدخلون في هذا المذهب، وحتى يدركوا أنّ مسألة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، هي مسألة ممكنة وليست مستحيلة كما يحسبون.

والآن نأتي إلى بشارةٍ من العالم الوهابي الذائع الصيت الشيخ الدكتور (ناصر القفاري) ـ حفظه الله ـ، وهذه البشارة تبين أنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري، وفيها يقول الشيخ ناصر القفاري:

(وقد تشيع الكثير [يعني الكثير من أهل السنَّة ومن الوهابيين] ـ إلى أن يقول ـ ومن يطالع كتاب (عنوان المجد في تاريخ البصرة ونجد) يهوله الأمر حيث يجدُ قبائل بأكملها قد تشيعت).

ثم يصف الاثني عشرية بأنها: (هي الطائفة الشيعية الكبرى في عالم اليوم)(٢).

(١) انظر مقدمة كتابه المذكور.

(٢) انظر مقدمة كتابه (أُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية) المجلّد الأول، الطبعة السعودية.

١٧٨
وكلَّما نقرأ كتابات إخواننا الوهابيين نزداد يقيناً بأنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري؛ لأنّهم يتابعون حركة الانتشار السريعة لهذا المذهب في وسط الوهابيين وغيرهم من المسلمين.

وفي هذه الحقيقة (حقيقة أنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري) يقول أخونا العزيز الشيخ (عبد الله الغُنيمان) ـ حفظه الله ـ المدرس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في المملكة العربية السعودية، يقول في كتابه (مختصر السنة) الذي اختصره من كتاب (منهاج السنّة) للإمام ابن تيمية:

(حيث أطل الرفض [يعني الاثني عشرية لأن الشيخ عبد الله غنيم يخلط بين الرافضة وبين الاثني عشرية] على كلِّ بلدٍ من بلاد الإسلام).

إنّ الوهابيين على يقين بأنّ المذهب (الاثني عشر) هو الذي سوف يجذبُ إليه كل أهل السنَّة وكل الوهابيين في المستقبل القريب.

ويحمل إلينا العالم الوهابي الشيخ (محمد بن عبد الرحمن المغراوي) ـ حفظه الله ـ بشارة عظيمة في كتابه (من سبَّ الصحابة ومعاوية فأُمه هاوية)، تبين انتشار المذهب الاثني عشري في بلاد المغرب، ويقول ـ بعد أنْ يبين انتشار المذهب الاثني عشري في مشرق العالم الإسلامي ـ:

(... فخفت على الشباب في بلاد المغرب...)(١)، ثم يبين دخول هذا المذهب.

ولو كان أخونا الشيخ (محمد عبد الرحمن المغرواي) يعلم الخصائص الذاتية العظيمة للمذهب الاثني عشري لما خاف من انتشار هذا المذهب في المغرب العربي.

إنّه حين يتعرّف الوهابي على (الاثني عشريين) سوف يستيقن أنّهم ملائكة الرحمة، وفرسان الحق.. وفي هذا ينقل إلينا أخونا الشيخ الوهابي (مجدي محمد علي محمد) ـ حفظه الله ـ في كتابه (انتصار الحق مناظرة علمية مع بعض الشيعة الإمامية)(٢)، ينقل الينا هذه العبارة:

(١) سلسلة العقائد السلفية (من سبَّ الصحابة ومعاوية فأُمه هاوية)، تأليف الشيخ الفاضل محمد بن عبد الرحمن المغراوي، مقدمة الكتاب: ص ٤. مكتبة التراث الإسلامي القاهرة.

(٢) والكتاب طُبع في دارٍ وهابية، دار طيبة في الرياض ـ السعودية.

١٧٩