×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المواسم والمراسم / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٦١

الميول... والمشاعر

ونحن... لا نستطيع أن نوافق المانعين في استدلالاتهم المتقدمة ! لأننا لا نجد فيها ما يكفي لتوفير الحد الأدنى من القناعة بما يريدون تكريسه كحكم شرعي، إلهي، له بعد عقائدي، بنحو أو بآخر.

بل قد نجد في كلماتهم المتناثرة، هنا وهناك، ما يشعرنا بأن القضية لا تعدو عن أن تكون استسلاما لمشاعر طائفية، أفرزت هذا الإصرار الذي يصل إلى حد التحدي، على إطلاق شعارات قوية، وصاخبة ومبهمة كذلك، بهدف التأثير على حالة التوازن العاطفي لدى الآخرين، ليمكن من ثم إعطاء صفة الشرعية لأمر قد يكون أبعد ما يكون عن منطق الشرع، والعقل والفطرة...

وحيث أن عمدة وأقصى ما يستندون إليه هو ما تقدم في الفصل السابق، فإننا لابد وأن نذكر القارئ ببعض مواضع الخلل فيها. وتلك قناعاتنا التي نلتزم بكل آثارها، سواء كانت بالنسبة لكلام الآخرين، تصير ردا وتفنيدا، أو تتضمن قبولا وتأييدا....

هذا... ومن أجل بيان مواضع الخلل في كلماتهم المتقدمة، نتكلم في الموضوع على النحو التالي:

٦٢

الاحتفالات والمواسم بدعة

قد تقدم أنهم يعتبرون المواسم والذكريات، ونحوها بدعة.

وقد حاول البعض التخلص من هذا الاتهام، والرد عليه، فقال ابن حجر:

«عمل المولد بدعة، لم تنقل عن احد من السلف الصالح، من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا، فلا». (١)

وقال الحلبي الشافعي: «... جرت عادة كثير من الناس: إذا سمعوا بذكر وصفه (ص) (٢) أن يقوموا تعظيما له (ص).

وهذا القيام بدعة، لا أصل لها. أي ولكن هي بدعة حسنة، لأنه ليس كل بدعة مذمومة، وقد قال سيدنا عمر (رض) في اجتماع الناس لصلاة التراويح: نعمت البدعة هي. (٣)

وقد قال العزيز بن عبد السلام: إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وذكر من أمثلة كل ما يطول ذكره... (٤) ولا ينافي ذلك قوله (ص): «إياكم ومحدثات الأمور، فان كل بدعة ضلالة» وقوله (ص): «من أحدث في أمرنا، أي شرعنا، ما ليس منه، فهو رد عليه»، لأن هذا عام أريد به خاص، فقد قال إمامنا الشافعي قدس الله سره: ما أحدث وخالف كتابا أو سنة، أو إجماعا أو أثرا، فهو البدعة

١ ـ رسالة حسن المقصد، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / ص ٨٨، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ص ١١٤.

٢ ـ أي ولادته (ص).

٣ ـ كلام عمر موجود أيضا في تهذيب الأسماء واللغات، قسم اللغات / ج ١ / ص ٢٣، ونصب الراية / ج ٢ / ص ١٥٣، ودلائل الصدق / ج ٣ / قسم ١. وحول استحسان بعض البدع، راجع: المصنف / ج ٣ / ص ٧٨ و ٧٩ و ٨٠.

٤ ـ راجع كلام العزيز بن عبد السلام ايضا في تهذيب الاسماء واللغات / قسم اللغات / ج ١ / ص ٢٢ / ٢٣ / وفي القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ص ٤٧ من قواعد الأحكام في مصالح الأنام / ج ٢ / ص ١٧٢ ـ ١٧٤، وقريب منه كلام القرافي الذي نقله عنه الشاطبي في الاعتصام / ج ١ / ص ١٤٧ ـ ١٥٠.

٦٣
الضلالة، وما أحدث من الخير، ولم يخالف شيئا من ذلك، فهو البدعة المحمودة. (١)

وقد وجد القيام عند ذكر اسمه (ص) من عالم الأمة، ومقتدى الأئمة دينا، وورعا، الإمام تقي الدين السبكي، وتابعه على ذلك مشايخ الاسلام في عصره،... إلى أن قال: ويكفي مثل ذلك في الاقتداء.

وقد قال ابن حجر الهيثمي: والحاصل: أن البدعة الحسنة متفق على ندبها. وعمل المولد، واجتماع الناس له، كذلك، أي بدعة حسنة.

ومن ثم قال الامام أبو شامة، شيخ الامام النووي: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده (ص) من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشرع بمحبته (ص)، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما من به من إيجاد رسوله (ص)، الذي أرسله رحمة للعالمين... هذا كلامه. (٢)

وقال النووي: إن البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة. قال الامام المجمع على إمامته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته، أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه، في آخر كتاب القواعد: «البدعة منقسمة الى واجبة ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة الخ...» (٣) ثم نقل كلامه بطوله...

ولكننا بدورنا نقول: إن هذا الكلام ضعيف، لوجهين يظهر منهما أيضا دليلان على جواز إقامة هذه المراسم والمواسم.

فأولا: إن ما ذكر من تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة، ومن كونها تنقسم الى الاحكام الخمسة... ثم الاستشهاد بقول عمر بن الخطاب عن صلاة التراويح: نعمت البدعة هي..

أن ذلك كله... ليس في محله، ولا يستند إلى أساس صحيح.

وذلك... لأن البدعة الشرعية هي: إدخال ما ليس من الدين في الدين.

١ ـ راجع كلام الشافعي أيضا في تهذيب الاسماء واللغات / قسم اللغات / ج ١ / ص ٢٣.

٢ ـ السيرة الحلبية / ج ١ / ص ٨٣ / ٨٤، وراجع: السيرة النبوية لزيني دحلان / ج ١ / ص ٢٤ / ٢٥، ورسالة حسن المقصد للسيوطي، المطبوعة مع: النعمة الكبرى على العالم / ص ٨١ / ٨٢، وراجع: جواهر البحار / ج ٣ / ص ٣٤٠ / ٣٤١ و ٣٣٨.

٣ ـ تهذيب الأسماء واللغات، قسم اللغات / ج ١ / ص ٢٢ و ٢٣.

٦٤
استنادا إلى ما روي عنه (ص): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) لأن قوله: «في امرنا» معناه: أدخل في تشريعاتنا الدينية ما ليس منها، بل لقد قال السيد الأمين عن البدعة: «لا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص، لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى، ولا التنقيص منها، لاختصاص ذلك به تعالى وبأنبيائه، الذين لا يصدرون إلا عن أمره». (٢)

فالبدعة في الشرع، وبعنوان التشريع لا تقبل القسمة المذكورة بل هي من غير صاحب الشرع قبيحة مطلقا.

وأما الابتكار والابتعاد في العادات والتقاليد، وأمور المعاش، والحياة، فهو الذي يقبل القسمة إلى الحسن والقبيح، ويكون موضوعا للأحكام الخمسة: الوجوب، ولحرمة، والاستحباب، والكراهة، والإباحة... (ويلاحظ: الخلط في الأمثلة التي ذكرها عبد العزيز بن عبد السلام بين هذا القسم وبين سابقة).(٣)

وعليه فالأمور العادية والحياتية ونحوها، مما لم يرد من الشارع حكم متعلق بها بخصوصها، أو بعموم يكون كل منها أحد أفراده ومصاديقه، إن عملها المكلف وقام بها، أو تركها، بعنوان أنها من الدين، فإن لم تكن منه، فإنه يكون قد أبدع في الدين، وأدخل فيه ما ليس منه.

وأما إذا قام بها، وعملها، أو تركها، ملتزما بها أو غير ملتزم، لا بعنوان أنها من الدين، ولا يدعى أن الله سبحانه قد شرع ذلك، مع منافاة ذلك لأي من أحكام الدين وتعاليمه، فلا يكون ذلك بدعة في الدين، ولا إدخالاً ما ليس منه، فيه.

وما نحن إنما هو من هذا القبيل، كما هو ظاهر.

إذ لو كان اختيار الأساليب المختلفة للتعبير عن التقدير والاحترام، المطلوب لله سبحانه بدعة... لكان كل جديد يجري العمل به في طول البلاد وعرضها من البدع المحرمة.

١ ـ راجع" سنن أبي داود / ج ٤ / ص ٢٠٠، وسنن أبي مسلم / ج ٥ / ص ١٣٣، ومسند أحمد / ج ٦ / ص ٢٤٠ و ٢٧٠.

٢ ـ كشف الارتياب / ص ٩٨.

٣ ـ راجع أمثلة في تهذيب الأسماء واللغات / قسم اللغات / ج ١ / ص ٢٢.

٦٥
وليكن حينئذ... منصب وزير التجارة ووزير النفط، واستعمال الراديو والتلفزيون، والتلفون، وركوب السيارة والقطار، والطائرة، من البدع.

وليكن كذلك اعتبار الجلوس كل يوم على الشرفة لاحتساء كوب من الشاي، وكذا إطلاق القاب: جلالة الملك، ومعالي الوزير... الى غير ذلك مما لا مجال لتعداده؛ من البدع المحرمة، حيث لم يرد بها نص بخصوصها، ولأنها من محدثات الأمور، كما يدعى هؤلاء.

هذا... وقد صرحوا هم أنفسهم بأن الأشياء ماعدا العبارات منها كلها على الإباحة حتى يرد ما يوجب رفع اليد عنها، ولا سيما ما كان من قبيل العادات(١).... الذي هو محل كلامنا بالفعل، حيث قد جرت عادة الناس على فيهدون له فيه الهدايا... ويقيمون المجالس، وكذا يوم احتجامه...

ومن ذلك ايضا: اعتبارهم يوم الاستقلال يوما عظيما...

الى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه...

وثانيا: إن الحقيقة هي: ان ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله سبحانه به، وأراده، فلا يكون بدعة، لا بالمعنى الأول، ولا بالمعنى الثاني.

وتوضيح ذلك: إن أوامر الشارع ونواهيه، تارة تتعلق بالشيء، بعنوانه الخاص به، والذي يميزه عن كل من عداه.. وتارة يتعلق لا بعنوانه بخصوصه، بل بعنوانه العام، ويترك أمر تحقيق المصاديق واختيارها وملاحظة انطباق ذلك العنوان وعدمه إليه..

فاختيار المكلف لهذا المصادق أو لذلك لا يعتبر بدعة، ولا إحدثا في الدين ماليس منه.. بل هو عين الامتثال والانقياد لأحكامه، والانصياع لأوامره، ويستحق على ذلك الأجر الجميل، والثواب الجزيل.

وذلك، كما لو أمر الشارع بمعونة الفقراء، وترك أمر اختيار المورد والمصداق، والكيفية، والأسلوب إلى المكلف، فباستطاعته أن يعينهم بالعمل لهم، أو بقضاء حوائجهم، أو مساعدتهم ماليا.. إلى غير ذلك مما يصدق عليه أنه معونة.. وإن ينص الشارع على مصداق أو كيفية بالخصوص.

١ ـ راجع: اقتضاء الصراط المستقيم / ص ٢٦٩ وراجع: إرشاد الفحول، الصفحات الأخيرة..
٦٦
وكذا لو أمره باحترام الوالدين، فيمكن أن يجسد ذلك في ضمن المصادق، الذي هو الوقوف لهما حين قدومهما، وبإجلاسهما في صدر المجلس، وبالجلوس بين أيديها في حالة الخضوع والتأدب، وبعدم التقدم عليها في المشي وفي المجالس، وبتقبيل أيديهما، وبغير ذلك من أمور.

وكذا الحال.. لو صدر الأمر باحترام النبي، ومحبته، وتعظيمه، وإجلاله، وتوقيره، مع عدم التحديد المانع من الأغيار في نوع بخصوصه... فبإمكان المكلف أن يختار ما شاء من المصاديق التي تنطبق عليها تلك العناوين، ولا يكون ذلك بدعة، ولا إدخالا لما ليس من الدين في الدين.

فيمكن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم، وتوقيره وتبجيله، بإقامة الذكريات له، ويمكن أن يكون بنشر كراماته وفضائله، وبالصلاة والتسليم عليه كلما ذكر، وبتأليف الكتب عن حياته الشريفة، وبإطلاق اسمه على الجامعات، والمعاهد، وغيرها، وبغير ذلك من مصاديق التعظيم والتبجيل، والالتزام بالوقت المخصوص لا حرج فيه صلاة المغرب والعشاء، كما يعترف به هؤلاء وينصحون به (١) ادخالا في الدين ما ليس منه.. ‌‌‌‌‌‌

وهكذا يقال بالنسبة لما ورد من الحث على البكاء على الامام الحسين عليه السلام والتحزن لما أصابه الأبرار حيث يترك أمر اختيار الكيفية والوقت الى المكلفين.

السنة الحسنة.. والسنة السيئة:

بقي أن نشير إلى أن الاستدلال على مشروعية عمل المولد بأنه سنة حسنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها الخ...» (٢)

في غير محله أيضا... وذلك لأن مورد الرواية ـ حسبما يقولون ـ هو التصدق على أولئك الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحالة يرثى

٢ ـ الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والاجحاف، ص ٦٧.

٢ ـ نقل هذا الاستدلال في القول الفصل ص ٤٣ / ٤٤ عن: محمد بن علوي المالكي في مقدمته لطبقة مولد ابن الديبع ص ١٣ وفي رسالته: حول الاحتفال بالمولد النبوي ص ١٨ وفي مقدمته للمورد المروي ص ١٧.

٦٧
لها، فخطب صلى الله عليه وآله وسلم الناس، وحثهم على الصدقة، فجاء أنصاري بصرة، ثم تتابع الناس بعده، فقال صلى الله عليه وآله: «من سن سنة حسنة الخ...» (١)

فمعنى ذلك: هو أن مورد الرواية هو تعيين المورد والمصادق للنص الشرعي المتعلق بالعنوان العم، حسبا تقدمت الإشارة إليه، وليس موردها ما لا نص فيه أصلا.

هذا كله.. عدا عن أن ما نحن فيه من السنة التي معناها الإدخال في الشرع، بل هو من الأمور المباحة، كما تقدم.

الذكريات عبادة لصاحب الذكرى

واستدلوا أيضا على الموالد والذكريات للأولياء، بأنها نوع من العبادة لهم وتعظيمهم.

ونقول: إن ابن تيمية قد خلط بين العبادة والتعظيم وصار يكفر الناس استنادا الى ذلك، ونحن نعرض الفرق بينهما ليتضح زيف هذا الكلام.. فنقول:

قال السيد الامين رحمه الله تعالى:

" العبادة بمعناها اللغوي، الذي هو مطلق الذل والخضوع والانقياد، ليست شركاً ولا كفراً قطعاً، وإلا لزم كفر الناس جميعا من لدن آدم إلى يومنا هذا، لأن العبادة بمعنى الطاعة والخضوع لا يخلو منها أحد، فليزم كفر المملوك، والزوجة، والولد، والخادم، والأجير، والرعية، والجنود، بإطاعتهم وخضوعهم للمولى، والزوج، والأب، والمخدوم، والمستأجر، والملك، والأمراء، وجميع الخلق لإطاعتهم بعضهم بعضا. بل كفر الأنبياء، لإطاعتهم آباءهم، وخضوعهم لهم، وقد أوجب الله إطاعة أوامر الابوين، وخفض جناح الذل لهما، وقال لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين» (وأمر بتعزير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره) وأمر بإطاعة الزوجة لزوجها... وأوجب طاعة العبيد لمواليهم، وسماهم عبيداً.

١ ـ راجع: صحيح مسلم / ج ٣ / ص ٨٧، والسنن الكبرى / ج ٤ / ص ١٧٥ و ١٧٦ وسنن النسائي / ج ٥ / ص ٧٥ ـ ٧٧ ومسند أحمد / ج ٤ / ص ٣٥٩ و ٣٦٠ و ٣٦١، والزهد والرقائق ص ٥١٣ / ٥١٤، والمسند للحميدي / ج ٢ ص ٣٥٢ / ٣٥٣، والمعتصر من المختصر / ج ٢ / ص ٢٥١ / ٢٥٢.
٦٨

وأطلق على العاصي أنه عبد الشيطان، وعبد الهوى، وأن الإنسان عبد الشهوات، إلى غير ذلك مما لا مجال له، ولا ريب في أن هذه الأمور التي هي طاعة وخضوع، وكذلك ما أشير إليه من تسمية ما ذكر عبادة، لا يوجب الكفر والارتداد، وإلا لم يسلم منه أحد، والضرورة قاضية بخلافه، والسجود هو منتهى التذلل والخضوع فقد يكون حراما إذا كان على نحو العبادة للشخص وقد لا يكون كذلك مثل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، وسجود بعقوب وزوجته وبنيه ليوسف، كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم، فدل ذلك على ان السجود ليس موجبا للفكر والشرك مطلقا ليكون نظير اتخاذ شريك للباري، وإلا لم يأمر الله به ملائكته، ولا حكاه عن أنبيائه وغيرهم. وعلم من ذلك ايضا: أن مطلق الخضوع والتعظيم، حتى السجود لغير الله، ليس في نفسه شركا وكفرا، حتى ولو أطلق عليه اسم «العبادة» لغة.. اذ ليس كل ما يطلق عليه اسم «العبادة» يوجب الكفر والشرك... إلا إذا دل دليل على تحرمه، مثل السجود، الذي اتفقت كلمة المسلمين على تحريم ما كان منه لغير الله سبحانه.

ونسوق هنا مثالا آخر، وهون أنه قد أطلق لفظ «العبادة» على الدعاء، قال تعالى: (أدعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي الخ...)(١). وعنه (ص): «الدعاء مخ العبادة».

والمراد بالدعاء، ليس مطلق أن ينادي الإنسان شخصا ما، وإلا لكان كل من نادى أحدا فقد عبده. بل المراد: سؤال الله تعالى الحاجة، مع الخضوع والتذلل، واعتباره الفاعل المختار، والمالك الحقيقي لأمور الدنيا والآخرة.

وأما ما ورد: «من أصغى الى ناطق فقد عبده، فان كان ينطلق عن الله، فقد عبد الله، وإن كان ينطق عن غير الله، فقد عبد غير الله، فهو من باب التنزيل والادعاء، ليس إلا..

والخلاصة: ان ما يترتب عليه الكفر، أو الشرك ليس هو التعظيم، ومطلق التعظيم ليس عبادة...

وإنما الذي يترتب عليه الكفر والشرك هو الخضوع والانقياد الخاص، والذي صرح الشارع بالنهي عنه، أو كان معه اعتقاد: ان غير الله هو المالك المختار،

١ ـ غافر: ٦٠.
٦٩
الذي بيده مقاليد كل شيء أولا وبالذات.

وعليه فكل ما لم يكن كذلك من مصاديق التعظيم لم يكن عبادة، فضلا عن ان يكون عبادة محرمة، بل قد يكون تعظيما مباحا مثلا: الإنحناء، ورفع الجندي يده لقائده، ورفع القبعة عند الإفرنج، وحتى السجود أحيانا، وقد يكون تعظيما مطلوبا مثل تعظيم الحجر الأسود بتقبيله، وكذا تعظيم الكعبة، وتعظيم النبي والإمام، والوالدين، والعلماء وغير ذلك..(١)

وتعظيم النبي (ص) مطلوب ومحبوب لله سبحانه..، وقد يكون المسلمون يعظمون النبي (ص) غاية التعظيم، حتى أنهم كانوا لا يحدون النظر إليه تعظيما له.. (٢)

وكتاب التبرك «تبرك الصحابة والتابعين بآثار الأنبياء والصالحين» للعالم العلامة الشيخ علي الاحمدي حفظه الله لخير شاهد وأوفى دليل على شدة تعظيم الصحابة له صلى الله عليه وآله وسلم.. وكذلك على تعظيم العلماء والصلحاء.

ولسنا بحاجة إلى إثبات لزوم تعظيم الني (ص)، ويكفي أن نشير هنا إلى قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا). (٣)

وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول، كجهر بعضهم لبعض). (٤)

بل.. إذا كان يجب احترام كل مؤمن وتعظيمه، انطلاقا مما ورد في الحديث من ان المؤمن أعظم حرمة من الكعبة. (٥)

ولزوم تعظيم الكعبة وتكريمها أظهر من الشمس، وأبين من الأمس... فكيف يكون الحال بالنسبة لسيد الخلق أجمعين وأفضل كل ولد آدم على الاطلاق من الأولين والآخرين، فهل يكون تعظيمه وتوقيره واحترامه عبادة له، وحراما شرعا ؟ ! معاذ الله.. «كبرت كلمة تخرج من أفواههم».

١ ـ كشف الارتياب / ص ١٠٣ ـ ١٠٦ بتصرف، وتلخيص.

٢ ـ البحار / ج ١ / ص ٣٢ / عن الشفاء لعياض.

٣ ـ النور / ٦٣.

٤ ـ الحجرات: ٢.

٥ ـ الجامع الصحيح للترمذي / ج ٤ / ص ٣٧٨، وسنن ابن ماجة / ج ٢ / ص ٢٩٧، وراجع المصنف لعبد الرزاق / ج ٥ / ص ١٣٩، وكشف الارتياب / ص ٤٤٦ / ٤٧٧.

٧٠
كتاب المواسم والمراسم للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ٧١ - ص ١٠٠)
٧١

ونحن... وإن كنا نحتمل المعنى الذي ذكره المنذري، إلا أن ما جعله مؤيدا، لا يصلح للتأييد، إذ ان الظاهر هو: ان هذه الفقرة في صدر بيان كراهة جعل القبور في بيوتهم. وان دفن النبي (ص) في بيت ابنته فاطمة (١) إنما كان لمصلحة خاصة اقتضت ذلك، فليس لهم ان يتخذوا ذلك مؤشرا على رجحان الدفن في البيوت «وذلك لان للأنبياء خصوصية ليست لغيرهم، وهي انهم يدفنون حيث يقبضون». (٢)

فلا يصح ما ذكروه من انه (ص) لم يدفن في الصحراء، لئلا يصلى عند قبره، ويتخذ مسجدا فيتخذ قبره وثنا. (٣)

وذلك لما قدمناه من الرواية المقتضية للخصوصية. هذا بالاضافة إلى أن دفنه في بيته أدعى لأن يتخذ مسجدا، خصوصا وأنه متصل بالمسجد النبوي، ولو كان في الصحراء، لأمكن المنع عنه بصورة أسهل... وقد منع عمر من الصلاة عند شجرة بيعة الرضوان، فامتنع الناس، ولذلك نظائر أخرى. (٤)

وأما بالنسبة لفقرة: «لا تتخذوا قبري عيدا...».. فيحتمل قويا: أن يكون المراد: أن اجتماعهم عند قبره (ص) ينبغي أن يكون مصحوبا بالخشوع والتأمل والاعتبار، حسبما يناسب حرمته وأحترامه (ص)، فإن حرمته ميتا كحرمته حيا.. فلا يكون ذلك مصحوبا باللهو واللعب والغفلة والمزاح، وغير ذلك مما اعتادوه في أعيادهم... ولعل هذا هو مراد السبكي حينما قال:

«ويحتمل: لا تتخذوه كالعيد في الزينة والاجتماع وغير ذلك، بل لا يؤتى

١ ـ لقد نشرنا مقالا أثبتنا فيه أنه (ص) دفن في بيت فاطمة، لا في بيت عائشة فراجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام / ج ١.

٢ ـ مقدمة شفاء السقام / ص ١٢٥ / ١٢٦ والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين.

٣ ـ راجع: مقدمة شفاء السقام، المسماة: تظهير الفؤاد من دنس الاعتقاد / ص ١١٨، والصارم المنكي / ص ٢٦١ / ٢٦٢، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ص ١٥١.

٤ ـ راجع: الدر المنثور / ج ٦ / ص ٧٣، عن منصف ابن أبي شيبة، وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي / ص ١٤٤ و ١٤٥، والسيرة الحلبية / ج ٣ / ص ٢٥، وفتح الباري / ج ١ / ص ٤٦٩، وج ٧ / ص ٣٤٥، وإرشاد الساري / ج ٦ / ص ٣٥٠، وطبقات ابن سعد / ج ٢، قسم ١ / ص ٧٣، وشرح النهج للمعتزلي / ج ١ / ص ١٧٨، وراجع الغدير / ج ٦ / ص ١٤٦ و ١٤٧ عن من تقدم وعن غيره، وكذا كتاب التبرك / ص ٢٢٦ ـ ٢٣٥ عن من تقدم وغيره.

٧٢
إلا للزيارة والسلام والدعاء». (١)

أما الرقص والغناء وغير ذلك من الحرمات، فهي من الأمور الممنوع عنها من الأساس فلا يبقى مجال للإشكال بها، حسبما ورد في كلام ابن الحاج وابن تيمية...

وأما قوله (ص): وصلوا علي حيث ما كنتم، فهو بيان لأمر ثالث آخر، وهو: أن الصلاة على النبي (ص) لا يجب ان يراعى فيها الحضور عنده، بل هي تصله عن بعد، كما تصله عن قرب.

وأما احتمال: أن يكون المعننى لقوله: لا تتخذوا قبري عيدا.. لا تتخذوا له وقتا مخصوصا (٢)، فهو بعيد عن مساق الكلام، وعن ظاهره، بل يكون أشبه بالأحاجي والألغاز، كما ذكره البعض. (٣)

وبعد كل ما تقدم، وبعد أن كان الظاهر من العبارة هو المعنى الذي أشرنا إليه، مع احتمال أن يكون كلام المنذري أيضا مرادا.. فلا تبقى الرواية صالحة للاستدلال بها على المنع من الاجتماعات، واقامة الموالد والذكريات والدعاء والزيارة في أوقات معينة، كما يريد ابن تيمية وأتباعه إثباته.. إذ يكفي لرد الاستدلال ورود الاحتمال العقلائي فيه، فكيف إذا كان هذا الاحتمال من القوة بحيث يصير صالحا لأن يدعى أنه هو الظاهر من الرواية دون سواه ؟ ولو سلمنا: أن احتمال إرادة المنع عن الموالد والذكريات والاجتماعات وارد في الرواية، فإنها لا أقل تصير مجملة لا ظهور فيها، فتسقط عن صلاحيتها للاستدلال بها... هاذ كله... بالاضافة الى أن الرواية خاصة بالتجمع عند القبور، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى غيرها من المواضع، ولعل لقبر النبي (ص) خصوصية في المقام، وهي: أنه يمكن أن يؤدي بهم الأمر إلى نحو من العبادة له، فمنع الشارع من التجمع عنده احتياطا لذلك بخلاف قبر غيره (ص)، فان احتمال ذلك أبعد..

١ ـ كشف الارتياب / ص ٤٤٩ عن السمهودي في وفاء الوفاء، وشفاء السقام / ص ٦٧، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ص ١٢٢ /، والصارم المنكي م ص ٢٩٧.

٢ ـ المصادر المتقدمة.

٣ ـ راجع: عون المعبود / ج ٦ / ص ٣١ / ٣٢، وراجع الصارم المنكي / ص ٢٩٧.

٧٣

الرواية عن السجاد (ع)، وابن عمه

وأما بالنسبة للرواية المنسوبة للإمام السجاد عليه السلام، وقريب منها الرواية المنسوبة لحسن بن الحسن والتي مفادها: أنه عليه السلام حينما لاحظ ذلك الرجل يأتي كل غداة فيزور قبر النبي (ص) ويصلي عليه حدثه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:

«لا تجعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم». (١)

فإن هذه الرواية ظاهرة في أنه عليه الصلاة والسلام قد لاحظ: أن ذلك الرجل قد ألزم نفسه بأمر شاق، وهو المجيء يوميا للصلاة عليه صلى الله عليه وآله وزيارته، فأراد عليه السلام التخفيف عنه، وإفهامه: أن بإمكانه الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وآله حيثما كان، فسيبلغه ذلك، فلا داعي لإلزام نفسه بما فيه كلفة ومشقة. ولم ينهه عن الصلاة والدعاء عن قبره صلى الله عليه وآله. (٢)

وعلى ذلك يحمل ما ورد عن حسن بن حسن أيضا..

وأما ما ذكره البعض من أن مراده عليه السلام: أن قصد القبر للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا.. كما أن حسن بن حسن شيخ أهل بيته (على حد تعبير هذا البعض) قد كره للرجل أن يقصد القبر للسلام عليه ونحوه، عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا.. إلى أن قال: «.. والعيد إذا جعل أسما للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده، أو لغير العبادة كما أن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة وعرفة، جعلها الله عيدا مثابة للناس، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء، والذكر والنسك». (٣)

أما.. ما تقدم.. فإنه لا ينسجم مع سياق الحديث، وما ذكرناه هو الظاهر منه، ولا أقل هو محتمل بحيث يبطل به الاستدلال.. حسبما أوضحناه فيما سبق، بالنسبة لخصوص فقرة: لا تجعلوا قبري عيدا... وأما بالنسبة لما أراده الامام

١ ـ قد تقدمت مصادر الرواية في ضمن مصادر رواية ابي داود عن أبي هريرة: لا تتخذوا قبري عيدا.

٢ ـ أشار الى ذلك أيضا في شفاء السقام / ص ٦٦، والصارم المنكي م ص ٢٨١ و ٢٩٨.

٣ ـ راجع: الصارم المكي / ص ٢٩٨ عن ابن تيمية، وقد تقدم بعض ما يشير إلى ذلك في ضمن ما نقلناه من استدلالاتهم في الفصل السابق.

٧٤
السجاد (ع)، فإن ما ذكرناه آنفا هو الظاهر الذي لا محيص عنه.

هذا.. بالإضافة الى ما أشرنا إليه سابقا من أن ذلك لا يدل على عدم جواز عمل الموالد، والذكريات.

المعاصي في المناسبات دليل المنع

ونحن لا ننكر أن ارتكاب أي من المعاصي لا يجوز، ولكن عدم جواز ذلك لا يختص بالاحتفالات، بل حرمتها مطلقة، ولا يلزم من تحريمها تحريم إقامة الذكريات والمواسم والاحتفالات، بل يمكن أن تكون هذه محكومة بالحلية، وتلك بالحرمة، ولا ملازمة بينهما، إذ يمكن إقامة الاحتفالات من دون تعرض للمعاصي إطلاقا، كما هو معلوم ومشاهد، وإلا... فلو استغلت الصلاة لخداع الناس مثلا فهل تكون الصلاة محرمة مطلقا أم أن المحرم هو خصوص هذا الذي يضاف الى الصلاة، ويجب الابتعاد عنه وتركه ؟ !

هذا كله عدا عن أن بعض ما ذكروه مما يفعل في المولد، أما ليس حراما واما محل الخلاف. وان كان بعضه لا شك في تحريمه.

إحياء سنن الجاهلية الخ..

وأما أن هذه المواسم إحياء لسنن الجاهلية فهو أول الكلام، فلابد من إثباته، وأما أنها إماتة لشرائع الاسلام من القلوب، فالقائل بجوازها يقول بعكس ذلك تماما، أي إنه يقول: إنها إحياء لشرائع الإسلام في القلوب، ولا سيما ما فيه تذكر للنبي ولأعماله العظيمة، وللإنجازات الكبرى للإسلام وللمسلمين.

ولو كان في هذه الاحتفالات هذا المحذور، بسبب ما يحدث فيه من الفرح واللهو والانصراف عن التفكر في الله وفي دينه وشرعه.. لوجب تحريم كل ما فيه هذه الخصوصية، حتى الزواج، وملاعبة الاطفال، والتجارة ووالخ.. فان ذلك أيضا فيه انصراف والتهاء عن التفكير في الله وفي شرعه وأحكامه.. بل هذه الأمور أدعى لذلك لما فيها من الاستمرار والتكرار لذلك، بخلاف المواسم والاحتفالات والزيارات والأعياد، فإنها قليلة جدا بالنسبة لما ذكرناه وأشباهه.

٧٥

مانعية الاختلاف في المولد

وأما أن الاختلاف في مولده (ص) يوجب عدم جواز اتخاذ يوم مولده عيدا.. فهو عجيب بل وأعجب من عجيب، إذ ان معنى ذلك هو أن الاختلاف في يوم عرفة مثلا، أو في أول شهر رمضان، أو في أول شوال، بسبب الاختلاف في رؤية الهلال وعدمها يوجب عدم جواز الوقوف في عرفة، وصوم أول الشهر وافطاره.. كما أن الاختلاف الحاصل في أكثر المسائل الفقهية يوجب الحكم بالحرمة فيها.. ولا أدري لماذا نشأت الحرمة عن ذلك، ولم ينشأ غيرها من الأحكام.. وكذلك الحال بالنسبة للاختلاف في ليلة القدر، كذلك الاختلاف في أول ما نزل من القرآن... فإنه ينبغي أن يوجب حرمة قراءة ما اختلف فيه في الصلاة، وكذلك ما اختلف في كونه مكيا أو مدنيا أو في السفر، أو الحضر، أو أنه نزل في شأن فلان، أو فلان الآخر، وهكذا..

أضف إلى ذلك.. أن من المعروف عند جميع الفقهاء، والمتشرعة: أن ما يقع فيه الاختلاف، مما كان من هذا القبيل، يمكن أن يؤتى به برجاء إدراك الواقع..

هذا كله... عدا عن أن القائل بجواز إقامة الاحتفالات لا يدعي أنها جزء من الدين، فلابد من مراعاة خصوصياتها لذلك.. بل هو يقول: إنها من جملة الأشياء التي بقيت على الإباحة، حيث لم يرد فيها نهي، فمن شاء فعلها، ومن شاء، تركها، من دون أن يكون كل من الفعل أو الترك، ذا صفة تعبدية إطلاقا.. فتكون كسائر حركات الانسان وأفعاله.. التي لم يرد فيها ما يوجب ترجيحا، أو تقبيحا.

عدم الدليل العقلي.. والشرعي

وأما الاستدلال.. بأن ذلك لم يرد به عقل ولا شرع.. فقد تقدم آنفا الجواب عنه وأن من يدعي المنع هو الذي يحتاج الى الدليل.. وأما الآخرون، فهم لا يدعون أن ذلك ـ اعني الاحتفالات والموالد، ونحوها ـ من الشرع حتى يحتاجوا إلى الدليل المثبت لكونه قد ورد فيه تشريع بخصوصه.. كما أنهم لا يدعون كونها من الأحكام العقلية التي لا مفر منها ولا محيص عنها، بل هم يدعون عدم وجود

٧٦
مانع عقلي ولا شرعي منها، وإنما هي باقية على الإباحة حتى يثبت الرادع أو المعين لأحد الأحكام الأخرى.. هذا كله.. عدا عن أن في هذه المناسبات والمواسم من الفوائد ما يجعلها راجحة عقلا إذا خلت من ارتكاب المعاصي، أضف الى ذلك: أن ثمة بعض الشواهد والدلائل التي تفيد مشروعية هذه المناسبات والاحتفالات.. بعضها ناظر إلى خصوص بعض المواسم.. وبعضها الآخر له صفة الإطلاق والعموم أو الخوص اللفظي، مع ملاحظة عموم العلة وخصوصها كما سنرى.

كما أن ثمة دليلا خاصا بالمولد.. وبغيره مما يرتبط بالأمور الدينية كما سنرى.

إيهام المشروعية

وأما الاستدلال على عدم مشروعية المواسم، بأن الناس العاديين يتوهمون مشروعيتها فيرد عليه:

أولا: إنها لا توهم ذلك، لأن الكل يعلم أنها من باب التكريم والتعظيم، ولا يتوهم أحد صدور أمر خاص بها، وبما لها من العنوان، وإنما يعتبرونها من قبيل الاحتفال بولادة ولد، أو قدوم عزيز.

وثانيا: لو سلم، فان ذلك لا يجعلها بدعة، ولا يلزمنا دفع الوهم المذكور إلا كما يلزمنا تعليم أي جاهل... ولو أوجب الوهم المذكور صيرورتها بدعة، لأوجبت هذه الأوهام تحريم كثير من المستحبات والمباحات، أو استحباب أو إباحة كثير من المحرمات، ونحو ذلك.. إذ قد يتوهم من المداومة على بعض النوافل مثلا وجوبها فهل تصبح من أجل ذلك بدعة محرمة، أم أن على الجاهل أن يتعلم، وعلى العالم أن يعلمه بالطرق العادية والمألوفة.

التخفيف عن الأمة.. والتعظيم بالوجه الشرعي

وأما حكاية ان النبي (ص) أراد التخفيف عن أمته فلم يلزمها بالمواسم والموالد، فقد تقدم وسيأتي أن الشارع قد طلبها بعنوانها العام، ولا أقل من أنها من الأمور المباحة التي لا مانع منها شرعا ولا عقلا.

وأما قولهم: إن التعظيم لابد وأن يكون بالوجه الشرعي.. فلا يختلف

٧٧
الكلام فيه عن سابقة.

وليراجع الوجهان اللذان ذكرناهما حين الكلام على تقسيمات البدعة، ليتضح فساد ما ذكر هنا.

مشابهة النصارى

وأما حديث: أن في ذلك مشابهة للنصارى في أعيادهم الزمانية والمكانية..

فيكفي أن نذكر: أن عيد الفطر وعيد الأضحى يشبهان الأعياد الزمانية للنصارى أيضا، كما أن الحج مثلا ـ حسب تفسيرهم للعيد ـ يشبه أعيادهم المكانية بالإضافة إلى سائر أيام عيد الأضحى.. فينبغي أن يصبح عيد الفطر والأضحى محرمين وكذلك الحج، حسب ما يقتضيه الدليل المذكور. كما وينبغي تحريم بناء المساجد، بل وتحريم الاجتماع فيها للصلاة لأنه يشبه تجمع النصارى في كنائسهم.. كذا ينبغي تحريم الأكل والشرب ولبس الثياب.. وركوب الدابة الى غير ذلك.

وأيضا... فإن المتشابهة للنصارى، إن كانت في أمور تقتضيها طبيعة البشر وحياتهم وتعاملهم العادي والطبيعي، فلا مانع منها، وإن كانت نتيجة لتشريع إلهي يتحرى مصلحة البشر وسعادتهم، فلا مانع من ذلك أيضا.

وأما إذا كانت نتيجة اجتهاد بشري في مقابل التشريع الإلهي، بهدف إبطال الشرع والدين، أو بهدف الزيادة أو إحداث النقص فيه، فذلك هو الذنب، وتلك هي الجريمة بعنها، ولكن ما نحن فيه، إنما هو من القسم الأول.. بل ومن القسم الثاني كما سيتضح، لا من القسم الأخير.

يوم ولادته.. يوم موته (ص)

قال أبو بكر جابر الجزائري ـ تبعا لغيره ـ حول إعلان الفرح بمولده الشريف: «... وإن كان باليوم الذي ولد فيه، فإنه أيضا اليوم الذي مات فيه، ولا أحسب عاقلا يقيم احتفال فرح وسرور باليوم الذي مات فيه حبيبه.. إلى أن قال: أضف الى ذلك: أن الفطرة قاضية: ان الانسان يفرح بالمولود يوم ولادته، ويحزن عليه يوم موته، فسبحان الله، كيف يحاول الإنسان غرورا تغيير

٧٨
الطبيعة...» (١).

ويقول: انه لم يدع أحد، أنه حتى في يوم الوفاة لابد من الفرح والسرور، ولا يلزم من قول المجوزين للمواسم والذكريات ذلك.

بل هم يقولون: إن كل ذكرى، لابد وأن يعمل فيها ما يناسبها، ولأجل ذلك نجد الحملة الشعواء من ابن تيمية، ومن لف لفه، على الروافض على إقامتهم المآتم في عاشوراء، والأفراح في يوم الغدير، ويوم المولد، وأشباهه. أضف الى ذلك.. أنهم كما يقيمون الافراح في مثل يوم مولده، ومبعثه صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك هم يقيمون العزاء، والحزن في مثل يوم وفاه.

وأما كون يوم وفاته هو يوم ولادته فهو ليس مما ينبغي أن يقال هنا، لأن الذكريات إنما تقام لصاحب الذكرى في كل عام مرة، وهذا يتوقف على الاختلاف في تواريخ الذكريات من حيث موقعها من الأشهر، والأيام فيه.

ولا تقام في كل أسبوع مرة، بحيث ينشغل الناس بها باستمرار، وتختل أعمالهم، وتتأثر مصالحهم، حتى يقال: إنه قد اجتمع يوم الحزن وهو والوفاة يوم الاثنين، مع يوم الفرح، وهو الولادة يوم الاثنين.

هذا كله... فضلا عن اعترافه أخيرا، بان الفطرة قاضية بالفرح يوم المولد، وبالحزن يوم الوفاة، والناس قد علموا في هذا الأمر تماما وفق مقتضيات الفطرة، والذين يمنعون من ذلك هم المخالفون لأحكام الفطرة، ولمقتضياتها.. كما هو الظاهر للعيان.

وليس ما نحن فيه إلا أدل دليل على ذلك.

موقف السلف من الأعياد والمواسم

وأما ما ذكروه من أن السلف، لم يقيموا هذه المواسم، ولم يفعلوا شيئا من هذه الأعياد، أو لم ينقل ذلك عنهم، فنقول:

١ ـ لسوف يأتي إن شاء الله تعالى أن السلف قد اختلفوا ببعض الأعياد

١ ـ الانصاف في ما قيل في المولد من العلو والإجحاف / ص ٥٤ / ٥٥، وراجع كلام الفاكهاني ص ٨٥ وفي رسالة حسن المقصد للسيوطي، الموجودة في الحاوي للفتاوي / ج ١ / ص ١٩٠ ـ ١٩٢، والقول الفصل / ص ٥١.
٧٩
والمواسم، غير الفطر والأضحى، ولكننا نجد هؤلاء الذين يدعون لأنفسهم التبيعة للسلف، لا يعترفون بتلك الأعياد والمناسبات أيضا.

٢ ـ وعلى فرض أن السلف لم يفعلوا بعض الأمور، ومنها الأعياد غير الفطر، والأضحى، فإن عدم فعلهم لا يضر، ما دام قد أنعقد الإجماع بعد ذلك على إقامة هذه المواسم والأعياد، ولا سيما عيد المولد النبوي، وعم ذلك جميع قطاعات الأمة، صغيرها وكبيرها، عالمها وجاهلها، رئيسها ومرؤوسها الخ.. كما تقدم حين الكلام على أول من عمل المولد النبوي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في الفصل الأول وبعده..

وقد استمر عمل الناس على هذه المواسم.. الى قرب ظهور ابن تيمية، الذي أقام الدنيا وأقعدها، في إنكاره أمورا واضحة، وفي دعاواه العريضة.

وهم أنفسهم قد صرحوا: بأن الإجماع معصوم، وبأنه يمكن أنعقاده في كل عصر وزمان، ويكون حجة.

بل لقد صرحوا: بأن الإجماع نبوة بعد نبوة، وليس لهم دليل معصوم سواه، وقد جعله الله في الشريعة خلف النبوة، حيث كان نبيها خاتم الأنبياء، لا يخلفه نبي، فجعل اجتماع أمته بدلا من نبوة بعد نبوة. (١)

نعم.. وقد أنعقد هذا الإجماع أيضا على إقامة مراسم النيروز والمهرجان، وكذا عيد الحجامة، والختان، وغير ذلك في العصور الثلاثة الأول، ثم على إقامة المولد بعد ذلك.

٣ ـ وأما بالنسبة لإنكار بعض السلف زيارة القبور ـ قبور أئمة أهل البيت ـ في مواسم معينة، لأسباب سياسية ـ كما ظهر من المنصور، والمتوكل ـ ولتعصبات مذهبية،... إن صلح هذا دليلا، فإنما يصلح دليلا لأتباع ذلك البعض، وهو حجة عليهم، دون غيرهم من سائر الفرق والمذاهب الإسلامية.

٤ ـ أضف إلى ذلك كله... أن آراء السلف وأقوالهم، ومواقفهم

١ ـ راجع فيما تقدم: المنتظم لابن الجوزي / ج ٩ / ص ٢١٠، وبحوث مع أهل السنة والسلفية / ص ٢٧ عنه، عن أبي الوفاء بن عقيل، أحد شيوخ الحنابلة. وراجع (حول عصمة الاجماع أيضا) كتاب: الإلمام / ج ٦ / ص ١٢٦، والإحكام في أصول الأحكام / ج ١ / ص ٢٠٤ و ٢٠٥، وحول حجية الاجماع في كل عصر / ص ٢٠٨، فما بعدها، وراجع كذلك: تهذيب الأسماء واللغات، القسم الأول / ج ١ / ص ٤٢، وسائر كتب الأصول الباحثة حول الاجماع وحجيته على مذاق أهل السنة.
٨٠