×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المواسم والمراسم / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

كتاب المواسم والمراسم للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ١٠١ - ص ١٢٩)
١٠١
خطب في سنة اتفق فيها الجمعة والغدير، فقال: «إن الله عز وجل جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين...» والخطبة طويلة يأمرهم فيها تفصيلا بفعل ما ينبغي فعله في الأعياد، وبإظهار البشر والسرور، فمن أراد فليراجع.. (١)

وقد روى فرات بسنده عن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قلت: جعلت فداك، للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى، ويوم الجمعة، ويوم عرفة، قال: فقال لي: «نعم، أفضلها، وأعظمها، وأشرفها عند الله منزلة، هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأنزل على نبيه محمد: اليوم أكملت لكم دينكم الخ...» (٢).

وفي الكافي: عن الحسن بن راشد، عن الامام الصادق (ع) أيضا: أ،ه اعتبر يوم الغدير عيدا، وفي آخره قوله: «فإن الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيدا»، قال قلت: فما لمن صامه ؟ قال: «صيام ستين شهرا». (٣)

وييؤيده ما رواه الخطيب البغدادي، بسند رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا، وهو يوم غدير خم الخ.» (٤).

وفي رواية أخرى: أن رسول الله (ص) أوصى عليا ان يتخذوا ذلك اليوم عيدا. (٥) وليراجع ما رواه المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام (٦).. وما روي عن عمار بن حريز العبدي عنه عليه السلام (٧) وعن أبي الحسن الليثي عنه

١ ـ مصباح المتهجد / ص ٦٩٨ / ج ١ / ص ٢٨٤ عنه.

ـ الغدير / ج ١ / ص ٢٨٤ / ٢٨٥، وتفسير فرات / ص ١٢.

ـ الكافي / ج ٤ / ص ١٤٨ / ١٤٩ والغدير / ج ١ / ص ٢٨٥ عنه، ومصباح المتهجد / ص ٦٨٠.

ـ تاريخ بغداد / ج ٨ / ص ٢٩٠ وأشير اليه في تذكرة الخواص / ص ٣٠، والمناقب للخوارزمي / ص ٩٤ وفيه ستين سنة بدل ستين شهرا، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي / ص ١٩، وفراشد السمطين / الباب ١٣ / ج ١ / ص ٧٧ مثل ما في مناقب الخوارزمي، والغدير / ج ١ / ص ٤٠١ / ٤٠٢ عنهم وعن زين الفتى للعاصمي.

ـ الكافي / ج ٤ / ص ١٤٩، والغدير / ج ١ / ص ٢٨٥ / ٢٨٦.

ـ الخصال / ج ١ / ص ٢٦٤، والغدير / ج ١ / ص ٢٨٦.

ـ مصباح المتهجد / ص ٦٨٠، والغدير / ج ١ / ص ٢٨٦.

١٠٢
عليه السلام (١) وعن زياد بن محمد عن الصادق (ع) (٢).

«وقال الفياض بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومئتين، وقد بلغ التسعين: أنه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام في يوم الغدير، وبحضرته جماعة من خاصته، قد احتبسهم للإفطار، وقد قدم الى منازلهم الطعام والبر والصلات، والكسوة حتى الخواتيم والنعال، وقد غير من احوالهم، وأحوال حاشيته وجددت لهم آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه. (٣)

وفي مختصر بصائر الدرجات، بالإسناد، عن محمدبن علاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن جريح البغدادي، قالا في حديث: قصدنا جميعا أحمد بن اسحاق القمي، صاحب الإمام أبي محمد العسكري، (المتوفى ٢٦٠) بمدينة قم، وقرعنا عليه الباب، فخرجت الينا من داره صبية عراقية، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده، فإنه يوم عيد، فقلنا: سبحان الله، أعيادا لشيعة أربعة: الأضحى والفطر، والغدير، والجمعة الخ...» (٤).

وبعد... فقد حشد العلامة الأميني، في كتابه القيم «الغدير» عشرات النصوص عن عشرات المصادر الموثوقة عند أهل السنة، والتي تؤكد على عيدية يوم الغدير في القرون الأولى، وأنه قد كان شائعا ومعروفا في العصور الإسلامية الأولى.. وتكفي مراجعة الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر لأمير المؤمنين عليه السلام بهذه المناسبة، ققد ذكر ذلك فقط عن ستين مصدرا...

هذا... عدا عن المصادر الكثيرة التي ذكرت تهنئة الصحابة له عليه السلام بهذه المناسبة، وعدا عن المصادر التي نصت على عيدية يوم الغيدير، فإنها كثيرة أيضا... فراجع كتاب: الغدير ج ١ من ص ٢٦٧ حتى ص ٢٨٩.

ومن ذلك كله يعلم: أن ما ذكره ابن تيمية عن عيد الغدير: «إن اتخاذ هذا اليوم عيدا لا أصل له، فلم يكن في السلف، لا من أهل البيت، ولا من

١ ـ الغدير / ج١ / ص ٢٨٧ عن الحميري.

ـ مصباح المتهجد / ص ٦٧٩.

ـ الغدير / ج ١ / ص ٢٨٧، ومصباح المتهحد / ص ٦٩٦.

ـ الغدير / ج ١ / ص ٢٨٧.

١٠٣
غيرهم، من اتخذ ذلك عيدا» (١). لا يصح، ولا يستند إلى دليل علمي ولا تاريخي على الإطلاق... وإنما الأدلة كلها على خلافه.

أضف إلى ذلك: أننا نجد أنه قد كان في القرون الثلاثة ما هو اهم، ونفعه أعم، فإن:

رسول الله (ص) كان يتيمن بسنة ولادة علي عليه السلام

قال بان أبي الحديد المعتزلي الحنفي:

«وقد روي: أن السنة التي ولد فيها علي عليه السلام، هي السنة التي بدى فيها برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأسمع الهتاف من الاحجار، والاشجار، وكشف عن بصره، فشاهد أنوارا وأشخاصا، ولم يخاطب فيها بشيء.

وهذه السنة هي السنة اليت ابتدأ فيها بالتبتل والانقطاع، والعزلة في جبل حراء، فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة، وأنزل عليه الوحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتيمن بتلك السنة، وبولادة علي عليه السلام فيها، ويسميها سنة الخبر والبركة..) (٢)

عام الحزن

وفي مقابل ذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وآله في محاولة منه لتخليد جهاد أبي طالب وخديجة عليهما السلام، وليذكر الناس بأن الاسلام لا ينسى ما لهما من أياد بيضاء، وتضحيات كبرى ـ نجده (ص) ـ يسمي عام وفاتهما بـ «عام الخزن». (٣)

ليس من الحنظل يشتار العسل

إننا مهما توقعنا، فلا يمكن أن نتوقع من أهل البادية، ورعاة الإبل، والأعراب، إلا الجهل الذريع، والا الحماقات المخجلة، مع مزيد من الجمود

١ ـ إقتضاء الصراط المستقيم / ص ٢٩٤.

ـ شرح نهج البلاغة للمعتزلي الحنفي / ج ٤ / ص ١١٥.

ـ تاريخ الخميس / ج ١ / ص ٣٠١، وسيرة مغلطاي / ص ٢٦، والمواهب اللدنية / ج ١ / ص ٥٦.

١٠٤
والجحود، والعنجهية والإدعاء...

فإن هؤلاء الذين يتوقفون في مسألة البرق «التلغراف» على اعتبار أنه أمر حادث في آخر الزمان، ولا يعلمون حقيقته، ولا رأوا فيه كلاما لأهل العلم ـ حسب زعم علماء نجد، الذين استفتاهم السلطان ابن سعود (١) ـ ويعتبرون عيد الأم بدعة، كما ورد في لسان علمائهم، وهم يجيبون على الأسئلة الشرعية عبر الإذاعة.

وإن كان قد عاد التلغراف، والطائرة، والمدفع، والكامبيوتر ووالخ.. ليكون حلالا يمارسه كبار شيوخهم، وحكامهم وملوكهم...

إن هؤلاء الذين يتوقفون في التلغراف، لا يتوقفون في إهانة المسلمين، وضرب مقدساتهم، وهتك حرماتهم، وحتى سفك دمائهم، من أجل خيلات زائفة، وترهات وأباطيل، لا أصل لها في الشرع، ولا حجة لها من العقل.

كما أنهم لا يتوقفون في السخرية بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والهزء به حيث يستبعدون أسم أبي طالب عن شعبه المعروف على مدى التاريخ بـ «شعب أبي طالب» ويكرمون كهف المنافقين ويطلقون على الشارع الذي في ذلك الشعب، ويسمونه بـ «شارع أبي سفيان».

بل هم يسخرون كل المقدسات، ويهزؤون بالذات الإلهية ـ والعياذ بالله ـ فيكرمون عدو الله وعدو رسوله فيطلقون اسم ـ أبي لهب لعنه الله ـ على أحد شوارع مكة المكرمة، فما ندري ما نقول حول هذه العقلية الجامدة، وهذ النفوس الحاقدة !! وهذا التصرف السافل !!

فهل هو النصب ؟ أم هيا لحماقة ؟. (٢)

ولا نعرف لهذا مثيلا إلا احتياط أهل العراق بالنسبة لدم البعوض، مع استحلالهم لقتل سيد شباب أهل الجنة، وأهل بيته وأصحابه... كما ذكره ابن عمر. (٣)

١ ـ استفتاء ابن سعود لعلماء نجد، وجواب أربعة عشر رجلا من علمائهم موجود في جريدة الرأي العام الدمشقية الصادرة بتاريخ ١٩ ذي القعدة سنة ١٣٤٥، راجع كشف الارتباب / ص ٤٩١ / ٤٩٢.

ـ أشار الى ذلك بعض المحققين.

ـ راجع: «خصائص أمير المؤمنين علي (ع)» للنسائي، ص ١٢٤ / ١٢٥، و «أنساب الاشراف» بتحقيق المحمودي / ج ٣ / ص ٢٢٧ و ج ٥ / ص ٣٧٨ ط أولى، ونقل عن حلية الأولياء وعن الطبراني في الكبير وعن الترمذي في جامعه، والبخاري / ج ٤ / ص ٣٤، ومسند أحمد / ج ٢ / ص ١١٤ و ٩٣ و ١٥٣ و ٨٥ وأسد

١٠٥
وما ذلك إلا واحدة من ممارساتهم المخجلة، ومهازلهم وترهاتهم الباطلة، التي لسنا بصدد تتبعها واستقصائها.

وما أحراهم بما وصف به بشر بن المعتمر، رئيس معتزلة بغداد، سلفهم الخوارج ـ الذين يشبهونهم في أربعة عشر وجها من مميزاتهم وخصائصهم (١) ـ قال بشر بن المعتمر:

ما كان من أسلافهم أبو الحسن * ولا ابن عباس ولا أهل السنن
غير مصابيح الدجى مناجب * أولئك الأعلام لا الأعارب
كمثل حرقوص ومن حرقوص ؟ * فقعة قاع حولها قصيص
ليس من الحنظل يشتار العسل * ولا من البحور يصطاد الورل
هيهات ما سافلة كعالية * ما معدن الحكمة أهل البادية (٢)

أعياد ومناسبات أخرى

وبعد... فإننا نجد في القرون الثلاثة الأولى أعيادا ومناسبات أخرى، يحتفل الناس بها، ويهتمون بشأنها، ويتهادون فيها، مثل: عيد الختان، ويوم الاحتجام (٣).

وقد اتفق محيي السنة (!!) المتوكل، في حقل ختان أبي عبد الله المعتز سنتة وثمانين مليونا من الدراهم (٤)، حتى أنسى الناس، يوم زواج المأمون ببوران، وغيره من الأيام المشهورة.

ولسنا هنا في صدد التتبع لشواهد ذلك، وكتب التاريخ والادب مليئة بها، فليراجعها من أراد.

الغاية / ج ١ / ص ١٩، والفصول المهمة / لابن الصباغ / ص ١٥٨، والجوهرة في نسب عليه عليه السلام وآله / ص ٤٠، وتهذيب تاريخ دمشق / ج ٤٠ / ص ٣١٧، وراجع: الإصابة / ج ١ / ص ٣٣٢، وترجمة الإمام الحسين / لابن عساكر / بتحقيق المحمودي / ص ٣٨.

١ ـ راجع كتاب: كشف الارتياب / من ص ١١٤ حتى ١٢٦.

ـ راجع: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري / ج ٢ / ص ٣٠٠ / ٣٠١.

ـ راجع قصة هذا الحفل في: الديارات ص ١٥٠ ـ ١٥٦ وفي الهامش عن المصادر التالية: لطائف المعارف للثعالبي / ص ٧٤ و ٧٥ / ط ليدن، وثمار القلوب / ص ١٣١، ومطالع البدور في منازل السرور / للغزولي م ج ١ / ص ٥٨ / ٥٩ عن كتاب: العجائب والطرف، والهدايا والتحف / ص ١١٣ ـ ١١٩.

١٠٦

وأخيرا...

فإننا نجد نفس المانعين أيضا يبتكرون ـ انطلاقا من دوافعهم الفطرية، ومن سجيتهم الانسانية ـ:

اليوم الوطني عند الوهابيين

وان ذلك لمن المفارقات حقا، حيث اننا نجد نفس هؤلاء الذين يوزعون أوسمة الشرك والابتداع على هذا الفرق أو ذاك، ممن يقيمون الذكرى بمولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أو بيوم عيد الغدير، أو بيوم عاشوراء، أو المبعث أو غير ذلك...

نجدهم أنفسهم يبتدعون عيدا جريا على مقتضيات الفطرة والسجية، لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في عهد السلف، لا في القرون الثلاثة الأولى، ولا في الثلاثة التي بعدها.. ولا ولا. الخ.

وهذا العيد هو العيد الوطني، الذي هو يوم تأسيس الدولة الوهابية في الحجاز، ويعلنون ذلك في مختلف وسائل الإعلام التي تقع تحت اختيارهم، ويلقي أولياء الأمور في المملكة على أعلى مستويات خطابات بهذه المناسبة. ويتلقون برقيات التهنئة ويحييون عليها....

كما أن نفس ملك الوهابيين يبعث ببرقيات التهنئة إلى ملوك ورؤساء العالم، بالأعياد الوطنية لتلك البلاد، وكذلك يفعل سائر وزرائه وأعوانه.

شواهد أخرى على القبول بالمواسم

ويكفي أن نذكر: أن خادم الحرمين الشريفين (!!) يرسل من خلال ثلاثة أيام فقط (وافقت كتابة هذا الوريقات) البرقيات التالية، ويذيعها عبر وسائل إعلامه.

١ ـ الجمعة ٢٨ تشرين الثاني سنة ١٩٨٦ م يذاع من إذاعة: «نداء الاسلام من مكة المكرمة» أن الملك فهد يبرق لرئيس جمهورية موريتانيا، مهنئا له بالعيد الوطني لبلاده.

٢ ـ جواب رئس النمسا ببرقية شكر على تهنئة الملك فهد له، بمناسبة العيد الوطني لبلاده.

١٠٧

٣ ـ السبت ٢٩ تشرين الأول سنة ١٩٨٦ ـ خوان كارلوس ملك أسبانيا يبعث ببرقية لخادم الحرمين الشريفين جوابا على تهنئته له بمناسبة أعتلائه العرش في اسبانيا.

٤ ـ الأحد ٣٠ تشرين الثاني ١٩٨٦ خادم الحرمين الشريفين يبعث ببرقية تهنئة لأبي بكر العطاس رئيس اليمن الديمقراطية، بمناسبة عيد استقلال بلاده.

٥ ـ خادم الحرمين يبعث ببرقية تهنئة لرئيس جمهورية يوغسلافيا، بمناسبة اليوم الوطني لبلاده.

٦ ـ تلقى خادم الحرمين الشريفين برقية جوابية من رئيس الجمهورية اللبنانية ردا على برقية له بمناسبة استقلال بلاده.

هذه من علاه إحدى المعالي * وعلى هذه فقس ما سواها

ولا ندري ما الذي أحل ذلك لهم، ولملوكهم، ولوزرائهم، وقوادهم، وسائر حكامهم وحرمه على غيرهم !! ؟

وإذا كان ذلك حراما مطلقا فلماذا لا ترتفع أصوات وعاظ السلاطين في وجوه سلاطينهم أولا ؟ أم أنهم يرون الشعرة في عين غيرهم، ولا يرون الخشبة في أعينهم !!

من يدري !! ولعل الفطن الذكي هو الذي يدري.

١٠٨
١٠٩

الفصل السادس
شواهد أخرى

١١٠
١١١

في نهايات البحث

وما دمنا نقترب قليلا قليلا من نهايات البحث، بعد أن ذكرنا طائفة من الدلائل والشواهد التي من شأنها أن نساهم الى حد كبير في تكوين الانطباع المشروع والواعي عن حقيقة: ان الشرع والدين منسجم تماما مع مقتضيات الفطرة ومتطلباتها، وأنه يعتبر نفسه مسؤولا عن المحافظة عليها، وتنمية قدراتها الذاتية، مع حفظ التوازنات الضرورية في روافدها... من أجل ضمان سلامة الانسان وسعادته، وتقدمه المطرد في مدارج المجد والكمال المنشودين.

فمن المناسب هنا أن نعرض لبعض الشواهد الأخرى، التي ربما يقال إنها ليس لها ذلك الوضوح، الذي يؤهلها للاعتماد عليها وحدها، ولكنها ـ على الأقل تستطيع أن تحتل موقع المؤيد والمناصر، الذي يقوى تارة ويعضف أخرى.

فإلى الشواهدا لتالية:

ذكرى المصائب وخاصة عاشوراء

هذا... وإذا كنا نعلم: أن من أصيب بمصيبة، ثم عفى عليها الزمن وتقادم عهدها فإنه سوف ينساها، أو على الأقل لا تبقى لها في قلبه تلك الحرقة... فإذا مرت بخاطره، فيمكن أن لا يعيرها أي اهتمام يذكر، ولا يحتاج إلى القيام

١١٢
بأي عمل تجاهها..

١ ـ فإننا مع ذلك نجد الرواية عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي (رض) قال: قال رسول الله (ص): «من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث لها استرجاعا، وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب». (١)

فلربما يستفاد من ذلك: ان هذا معناه جواز تجديد الذكرى للأموات مهما تقادم عهدهم شرط أن يفعل ما فيه الثواب والأجر، لا ما يوجب العقاب والوزر.

٢ ـ ذرية (٢)، خادمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كان يوم عاشوراء دعا مراضيبع الحسين، ويقول لهن: تسقون شيئا مرا، إشارة إلى ما وقع في أولاده يوم عاشوراء. (٣)

فنجده عليه السلام يتحرى المناسبة، ويأمر بذلك. فإنكار تحري يوم في السنة لإظهار الحزن فيه، أو الفرح، ليس في محله... والنصوص الدالة على مطلوبية البكاء على الحسين ومصائب أهل البيت (ع) كثيرة، فعن الربيع بن المنذر، عن أبيه، قال: كان الحسين بن علي يقول: «من دمعت عيناه فينا دمعة بقطرة، أعطاه الله تعالى الجنة» وبمعناه غيره. (٤)

وفي نص آخر: عن الصادق عليه السلام: «من ذكرنا عنده، أو ذكرنا، فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه» الخ. (٥)

وعنه (ع): «ان يوم عاشوراء أحرق قلوبنا، وأرسل دموعنا وأرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يمحو الذنوب أيها المؤمنون» (٦) ولسنا هنا في صدد استقصاء ذلك.

٣ ـ عن النبي (ص): «ما من قوم اجتمعوا يذكرون فضائل آل محمد، إلا

١ ـ سنن ابن ماجة / ج ١ / ص ٥١٠، ومسند أحمد / ج ١ / ص ٢٠١، واقتضاء الصراط المستقيم / ص ٢٩٩ / ٣٠٠ عنهما، ومجمع الزوائد / ج ٢ / ص ٣٣١ عن الطبراني في الأوسط.

ـ ذرية: إسم أمراة يقال: إنها كانت خادمة له (ص).

ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي / ص ٢٦٢ عن كتاب: مودة القربى، لعلي بن شهاب الهمداني.

ـ دعوة الحسينية إلى مواهب الله السنية / ص ١٣٦ عن مسند أحمد، وعن ذخائر العقبى، وينابيع المودة، وجوهر العقدين، وأحمد في المناقب، ورشفة الصادي.

ـ دعوة الحسينية / ص ١٣٧ عن ينابيع المودة عن رشفة الصادي.

ـ المصدر السابق عن الاسفراييني في آخر كتاب نور العين.

١١٣
هبطت ملائكة من السماء حتى لحقت بهم تحدثهم الخ» (١). فيلاحظ هنا: أنه نص على مطلوبية الاجتماع لذلك.

وليراجع حول إقامة المآتم في عاشوراء كتاب: دعوة الحسينية، ومقتل الحسين للمقرم، وسيرتنا وسنتنا وغير ذلك.

إبن الحاج يستدل... ويرد

قال ابن الحاج: «... تقدم ما في قوله عليه الصلاة والسلام للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين، فقال (ص): ذلك يوم ولدت فيه.

ولما ان صرح (ص) بقوله في يوم الاثنين ذلك يوم ولدت فيه علم بذلك ما اختص به يوم الاثنين من الفضائل، وكذلك الشهر الذي ظهر فيه (ص).

فان كان يوم الجمعة فيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم، يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وقد قال الامام ابو بكر الفهري المشهور بالطرطوشي رحمه الله تعالى، معظم العلماء والاخيار: أنها بعد صلاة العصر الى غروب الشمس، وقوى رحمه الله ذلك بحديث قال في كتابه: «رواه مسلم في الصحيح، وذكر فيه: أن آدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، ما بين العصر إلى الليل الخ.» (٢).

إلى أن قال: «إذ ان المعنى، الذي فضل الله به تلك الساعة في يوم الجمعة هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد الأولين والآخرين (ص)... إلى أن قال: ووجه آخر: أن يوم الجمعة فيه اهبط آدم وفيه تقوم الساعة. ويوم الاثنين خير كله وأمن كله، فلله الحمد والمنة». (٣)

وقال أيضا: «... لكن أشار عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله عليه الصلاة والسلام للسائل، الذي سأله عن صوم يوم الاثنين، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ذلك يوم ولدت فيه» (٤).

١ ـ ينابيع المودة / ص ٢٤٦ عن مودة القربى للهمداني، ودعوة الحسينية / ص ١٣٨ عنه.

ـ المدخل / ج ٢ / ص ٢٩.

ـ المصدر السابق / ص ٣٠.

ـ الحديث موجود أيضا في السيرة الحلبية / ج ١ / ص ٥٨، ومسند أحمد / ج ٥ / ص ٢٩٧ و ٢٩٩، والمنتفى ج ٢ / ص ١٩٥، عن أحمد ومسلم وأبي داود، وصحيح مسلم / ج ٣ / ص ١٦٦.

١١٤

فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله الأشهر الفاضلة...».

إلى أن قال: «لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة، لا تشرف لذاتها، وانما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني....».

إلى أن قال: فينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم: أن يكرم ويعظم، ويحترم الاحترام اللائق به، وذلك بالاتباع له (ص) في كونه عليه الصلاة والسلام كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل السر فيها، وكثرة الخيرات الخ...».

ثم يذكر: «أنه (ص) أراد التخفيف على أمته، فلم يلزمهم في هذا الشهر بشيء (١)، فيكون بدعة.

وقد تقدم: أن هذه الارادة لم تثبت، ولا يصح الاستدلال بها، فلا نعيد.

كما أن البعض قد علق على ما روي عنه (ص): «فيه ولدت وفيه أنزل علي» بقوله:

«.... هذا في معنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود، سواء كان ذلك بصيام، أو إطعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة على النبي (ص)، أو سماع شمائله الشريفة». (٢)

كما أن ابن رجب قد قرر استحباب صوم يوم المولد، استنادا إلى هذه الرواية. (٣)

يوم الغار.. ويوم مصعب

وقال ابن العماد في حوادث سنة ٣٨٩ هـ. وكذا قال غيره أيضا:

«تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيهم، بعمل عاشوراء، باللطم والعويل، والزينة، وشعار الاعياد يوم الغدير، فعمدت غالية السنة، وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير، وهو السادس

١ ـ المدخل لابن الحاج / ج ٢ / ص ٣ فما بعدها، وعنه في رسالة حسن المقصد للسيوطي، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم ص ٨٤ / ٨٥.

ـ راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / ص ١٧٥ متنا وهامشا، وص ١٧٧.

ـ المصدر السابق / ص ١٧٥ / ١٧٦ عن لطائف المعارف.

١١٥
والعشرون من ذي الحجة، وزعموا: أن النبي (ص) وأبا بكر اختفيا حينئذ في الغار.

وهذا جهل وغلط، فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في صفر، وفي أول شهر ربيع الأول.

وجعلوا بأزاء يوم عاشوراء، بعده بثمانية ايام يوم مصعب بن الزبير، وزاروا قبره يومئذ بمسكن، وبكوا عليه، ونظروه بالحسين، لكونه صبر وقاتل حتى قتل، ولأن أباه ابن عمة النبي... إلى أن يقال: ودامت السنة على هذا الشعار القبيح مدة سنين.

قاله في العبر....» (١)

لكن ابن الجوزي ذكر أن عادة الشيعة جرت في الكرح وباب الطاق بنصب القباب، وتعليق الثياب، وإظهار الزينة في يوم الغدير، وإشعال النار في ليلته، ونحر جمل في صبيحته «فأرادت الطائفة الاخرى أن تعمل في مقابلة هذا شيئا، فادعت الخ (٢)...» الكلام السابق...

يوم الجمل

قال ابن كير في حوادث سنة ٣٦٣:

«فيها، في يوم عاشوراء عملت البدعة الشنعاء، على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين السنة والرافضة. وكلا الفريقين قليل عقل، أو عديمه، بعيد عن السداد.

وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة، وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي. فقتل بسبب ذلك

١ ـ شذرات الذهب / ج ٣ / ص ١٣٠ والمنتظم لابن الجوزي / ج ٧ / ص ٢٠٦، وبحوث مع أهل السنة والسلفية / ص ١٤٥، والامام الصادق والمذاهب الأربعة / ج ١ / ص ٩٥، والغدير / ج ١ / ص ٢٨٨ عن نهاية الارب في فنون الأدب / ج ١ / ص ١٧٧. وراجع: العامة في بغداد / ص ٢٥٢، ويوم الغار ذكره المقريزي في خططه / ج ١ / ص ٣٨٩، ونسب ذلك إلى عوام السنة، والحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري / ج ١ / ص ١٣٨ عن كتاب الوزراء / ص ٣٧١، وعن المنتظم.

ـ راجع: المنتظم / ج ٧ / ص ٢٠٦، والغدير / ج ١ / ص ٢٨٨ عن نهاية الارب في فنون الأدب / ج ١ / ص ١٧٧.

١١٦
(من الفريقين خلق كثير...» (١).

١ ـ البداية والنهاية / ج ١١ / ص ٢٧٥، وعنه في: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة / ج ١ / ص ٩٤، وبحث مع أهل السنة والسلفية / ص ١٤٤ / ١٤٥ و ١١١.
١١٧

كلمة أخيرة

وفي الختام.. فإننا نأمل أن يكون ذلك الذي ذكرناه كافيا في إعطاء لمحمة عن هذا الموضوع، الذي كنا نرى: أنه من الموضوعات، والبديهيات، التي لا تحتاج إلى إقامة الأدلة والبراهين، ولا إلى حشد الشواهد والدلائل...

وكنا نتمنى أن يصرف هذا الوقت الذي استغرقه منا هذا البحث، فيما هو أهم، ونفعه أعم.

ولكن قاتل الله العصبيات الجاهلية، والتعصبات المذهبية، التي فرضت على البعض أن يستميتوا في سبيل المنع من المجالس التي يذكر فيها محمد وأهل بيته، ومصائبهم، وما جرى عليهم، وكذلك من زيارة مشاهدهم المشرفة في أوقات مخصوصة، والتبرك بآثارهم صلوات الله عليهم وسلامه عليهم.

فكان أن ظهروا علينا بتلك النظريات السخيفة، والاستدلالات الضعيفة، ثم تبع ذلك رمي هذه الطائفة بالكفر، وتلك بالشرك، ثم مارسوا ضد هؤلاء وأولئك أساليب القهر والقمع والتحقير والإهانة إلى غير ذلك من أساليب ظالمة وحاقدة ليمنعوا الناس من العمل وفق قناعاتهم بأمن وحرية. هذا كله.. عدا عن التعدي على الحرمات، وارتكاب العظائم والجرائم في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حق أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين، وفي حق شيعتهم الميامين بل وجميع المسلمين.

فإنا لله... وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله وسيعلم الذين ظلموا محمدا وأهل بيته، وشيعتهم، والمسلمين النبلاء جميعا أي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

ايران ـ قم المشرفة     
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
حرر بتاريخ ١٢ ربيع الثاني 
سنة ١٤٠٧ هـ. ق     
٢٤ آذر سنة ١٣٦٥ هـ. ش.

١١٨
١١٩

المصادر والمراجع

أ

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ آنين وهابيت، للعلامة الشيخ جعفر سبحاني ـ ط دفتر جامعة المدرسين ـ قم ايران ـ سنة ١٣٦٤ هـ. ش.

٣ ـ الإتحاف بحب الأشراف، للسبزواري الشافعي، المطبعة الأدبية بمصر.

٤ ـ الإحكام في أصول الأحكام ـ للآمدي ط. سنة ١٣٨٧ هـ. ق مؤسسة الحلبي وشركاه، مصر.

٥ ـ إحقاق الحق، قسم الملحقات، للسيد المرعشي النجفي.

٦ ـ إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي / ط / دار المعرفة، بسروت ـ لبنان.

٧ ـ الأخبار الطوال. للدينوري، دار إحياء الكتب العربية / ط سنة ١٩٦٠ م.

٨ ـ الأدب المفرد، للبخاري.

٩ ـ الإرشاد، للشيخ المفيد رحمه الله / ط. الحيدرية، النجف الأشرف، العراق، سنة ١٣٩٢ هـ. ق.

١٠ ـ إرشاد الساري، للقسطلاني / ط. سنة ١٣٠٤ هـ. ق نشر دار صادر، بيروت.

١١ ـ إرشاد الفحول، للشوكاني / ط. سنة ١٣٩٩ هـ. ق دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

١٢ ـ الاستيعاب، لأبي عمر بن عبد البر القرطبي، المطبوع بهامش الإصابة سنة ١٣٢٨ هـ. ق بمصر.

١٣ ـ أسد الغابة لابن الأثير الجزري، انتشارات إسماعيليان ـ طهران ـ ايران.

١٤ ـ إسعاف الراغبين للصبيان، المطبوع بهامش نور الأبصار، بمصر.

١٥ ـ الإصابة في معرفة الصحابة، لابن حجر العسقلاني / ط. مصر سنة ١٣٢٨ هـ. ق.

١٢٠