×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مواقف الشيعة (الجزء الثاني) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
كتاب مواقف الشيعة (الجزء الثاني) للشيخ الأحمدي الميانجي (ص ١ - ص ٢١)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٢٩٢)
المفيد رحمه الله وبعض المخالفين

سئل الشيخ المفيد - رحمه الله -: لم أخذ (يعني عليا عليه السلام) عطاءهم، وصلى خلفهم، ونكح سبيهم وحكم في مجالسهم؟

فقال: أما أخذه العطاء فأخذ بعض حقه. وأما الصلاة خلفهم فهو الإمام، من تقدم بين يديه فصلاته فاسدة، على أن كلا مؤد حقه. وأما نكاحه من سبيهم، فمن طريق الممانعة: أن الشيعة روت: أن الحنفية زوجها أمير المؤمنين عليه السلام محمد بن مسلم الحنفي، واستدلوا على ذلك بأن عمر ابن الخطاب لما رد من كان أبو بكر سباه لم يرد الحنفية، فلو كانت من السبي لردها. ومن طريق المتابعة: أنه لو نكح من سبيهم لم يكن لكم ما أردتم، لأن الذين سباهم أبو بكر كانوا عندكم قادحين في نبوة رسول الله كفارا، فنكاحهم حلال لكل أحد ولو كان الذين سباهم يزيد وزياد، وإنما كان يسوغ لكم ما ذكرتموه إذا كان الذين سباهم قادحين في إمامته ثم نكح أمير المؤمنين.

وأما حكمه في مجالسهم، فإنه لو قدر أن لا يدعهم يحكمون حكما لفعل، إذ الحكم إليه، وله دونهم.

٤

تذييل:

وفي كتاب الكر والفر: قالوا: وجدنا عليا عليه السلام يأخذ عطاء الأول ولا يأخذ عطاء ظالم إلا ظالم. قلنا: فقد وجدنا دانيال يأخذ عطاء بخت نصر.

وقالوا: قد صح أن عليا لم يبايع ثم بايع، ففي أيهما أصاب وأخطأ في الأخرى؟

قلنا: وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله لم يدع في حال ودعا في حال، ولم يقاتل ثم قاتل.

(٢٩٣)
مسلمة ورجل

قيل لمسلمة بن نميل: ما لعلي عليه السلام رفضه العامة وله في كل خير ضرس قاطع؟ فقال: لأن ضوء عيونهم قصير عن نوره، والناس إلى أشكالهم أميل.

قال الشعبي: ما ندري ما نصنع بعلي بن أبي طالب عليه السلام، إن أحببناه افتقرنا، وإن أبغضناه كفرنا!.

وقال النظام: علي بن أبي طالب محنة على المتكلم، إن وفى حقه غلا، وإن بخسه حقه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن حادة الشاف صعب الترقي، إلا على الحاذق الدين.

وقال أبو العيناء لعلي بن الجهم: إنما تبغض عليا عليه السلام لأنه كان يقتل الفاعل والمفعول وأنت أحدهما، فقال له: يا مخنث! فقال أبو

(١) البحار ج ٨ ص ١٤٥ ط الكمباني عن المناقب
٥
العيناء: " فضرب لنا مثلا ونسي خلقه " (١).

سئل زين العابدين عليه السلام وابن عباس أيضا: لم أبغضت قريش عليا عليه السلام؟

قال: لأنه أورد أولهم النار، وقلد آخرهم العار (٢).

(٢٩٤)
ابن عباس وعمر

روي عن ابن عباس قال: خرجت مع عمر إلى الشام، فانفرد يوما يسير على بعير، فأتبعته، فقال لي: يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولا أزال أراه واجدا أفيما تظن موجدته. قلت:

يا أمير المؤمنين! إنك لتعلم. قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة. قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد الأمر له.

فقال: يا ابن عباس! وأراد رسول الله صلى الله عليه وآله الأمر له، فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أمرا وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسول الله! أو كلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله كان؟! إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله تعالى، فلم يسلم (٣).

(٢٩٥)
ابن عباس وعمر

قال عمر بن الخطاب ليلة في مسيره إلى الجابية: أين عبد الله بن عباس؟

(١) البحار: ج ٨ ص ١٥١ ط الكمباني عن المناقب. وسيأتي ص ٤٠٢.

(٢) البحار: ج ٨ ص ١٥١ ط كمباني عن المناقب.

(٣) البحار: ج ٨ ص ٢٦٦ ط الكمباني

٦
فأوتي به، فشكا إليه تخلف علي بن أبي طالب عليه السلام عنه. قال ابن عباس: فقلت له: أو لم يعتذر إليك؟ قال: بلى. قلت: فهو ما اعتذر به.

قال: ثم أنشأ يحدثني، فقال: إن أول من راثكم (ريثكم - خ) عن هذا الأمر أبو بكر، إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة (قال أبو الفرج:

ثم ذكر قصة طويلة ليست من هذا الباب فكرهت ذكرها) ثم قال: يا ابن عباس! هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال: ويحك شاعر الشعراء الذي يقول:

فلو أن حمدا يخلد الناس خلدوا * ولكن حمد الناس ليس بمخلد

فقلت: ذاك زهير، فقال: ذاك شاعر الشعراء. قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ قال: إنه كان لا يعاظل الكلام ويتجنب وحشيه، ولا يمدح أحدا إلا بما فيه (١).

قال الأحمدي: مرت هذه القصة بألفاظ مختلفة، فراجع ج ١ ص ١٤٨ وما بعدها.

(٢٩٦)
أبو ذر وعثمان

ذكر المسعودي أمر أبي ذر بلفظ هذا نصه، قال:

إنه حضر مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب وقال له: كذبت يا ابن اليهودي! ثم تلا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٢٠ ص ١٥٥
٧
والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " الآية.

فقال عثمان: أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب، وقال: يا ابن اليهودي؟ ما أجرأك على القول في ديننا؟! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي؟ غيب وجهك عني فقد آذيتني.

فخرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: أن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك.

فكتب إليه عثمان يحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس، معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة، قد تسلخت بواطن أفخاذه، وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك! فقال: هيهات! لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما نزل به بعد ومن يتولى دفنه.

فأحسن إليه في داره أياما، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء وذكر الخبر في ولد أبي العاص: " إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ". ومر في الخبر بطوله، وتكلم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنضت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا، لأنه كان يتصدق ويقري الضيف وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين! فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يا ابن اليهودي! تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما يسرني أن أموت وأدع

٨
ما يزن قيراطا "، فقال له عثمان: وار عني وجهك.

فقال: أسير إلى مكة، قال: لا والله، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: إي والله! قال: فإلى الشام؟ قال لا والله، قال:

البصرة؟ قال: لا والله فاختر غير هذه البلدان، قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان! فسيرني حيث شئت من البلاد.

قال: فإني مسيرك إلى الربذة، قال: الله أكبر! صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، قد أخبرني بكل ما أنا لاق.

قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأني امنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز الحديث (١).

(٢٩٧)
أبو ذر وعثمان

وفي رواية الواقدي من طريق صهبان مولى الأسلميين، قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت ما فعلت! فقال له أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشني. فقال عثمان:

كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها، قد أنغلت الشام علينا. فقال له أبو ذر:

اتبع سنة صاحبك لا يكن لأحد عليك كلام. قال عثمان: ما لك وذلك لا أم لك! قال أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(١) الغدير: ج ٨ ص ٢٩٥ - ٢٩٦. وراجع قاموس الرجال: ج ٦ ص ٢٦١. وبهج الصباغة: ج ٩ ص ١٨٤ - ١٨٥ (.)
٩
فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب! إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام.

فتكلم علي عليه السلام وكان حاضرا وقال: أشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون: " فإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " قال: فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره، وأجابه علي بمثله. قال:

ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر و يكلموه، فمكث كذلك أياما، ثم أمر أن يؤتى به فأتي به، فلما وقف بين يديه، قال: ويحك يا عثمان! أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر؟ هل رأيت هذا هداهم؟ إنك لتبطش بي بطش الجبار. فقال: اخرج عنا من بلادنا! فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك! فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت. قال فأخرج إلى الشام أرض الجهاد، قال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفأردك إليها؟ قال: فأخرج إلى العراق، قال: لا. قال: ولم؟

قال تقدم على قوم أهل شبه وطعن في الأمة. قال: فأخرج إلى مصر؟ قال: لا، قال: فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت. قال أبو ذر: فهو إذن التعرب بعد الهجرة أخرج إلى نجد، فقال عثمان: الشرف الأبعد أقصى فالأقصى، إمض على وجهك هذا ولا تعدون الربذة فسر إليها، فخرج إليها (١).

(٢٩٨)
أبو ذر و عثمان

وقال اليعقوبي: وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مجلس رسول الله صلى الله

(١) الغدير: ج ٨ ص ٢٩٧
١٠
عليه وآله ويجتمع إليه الناس فيحدث بما فيه الطعن عليه وأنه وقف بباب المسجد، فقال: أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد، إنه شرف شريفهم، و استحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجرة الزيتونية، أضاء زيتها وبورك زيدها (زندها ظ)، و محمد وارث علم آدم وما فضلت به النبيون.

إلى أن قال:

وبلغ عثمان أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسنن أبي بكر وعمر، فسيره إلى الشام إلى معاوية، وكان يجلس في المجلس ويقول كما كان يقول، ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه، وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول: جاءت القطار تحمل النار، لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له فقال:

وكتب معاوية إلى عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر.

فكتب إليه: أن أحمله على قتب بغير وطاء. فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه! فلما دخل إليه وعنده جماعة قال: بلغني أنك تقول:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا وعباد الله خولا ودين الله دغلا "، فقال: نعم سمعت رسول الله يقول ذلك. فقال لهم: أسمعتم رسول الله يقول ذلك؟

١١
فبعث إلى علي بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر؟ وقص عليه الخبر، فقال علي: نعم. فقال: فكيف تشهد؟ قال: لقول رسول الله: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر ".

فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها!

قال: أتخرجني من حرم رسول الله؟ قال: نعم وأنفك راغم؟ قال: فإلى مكة؟

قال: لا، قال: فإلى البصرة؟ قال: لا، قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا، ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها! يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه، الحديث (١).

فقال ابن أبي الحديد: واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الأخبار والنقل: أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام.

أصل هذه الواقعة: أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشئ منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكانزين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت.

ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه: أن انته عما بلغني عنك. فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك أمر الله تعالى؟ فوالله لإن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن

(١) الغدير: ج ٨ ص ٢٩٨ - ٢٩٩، وراجع أمالي الشيخ: ج ١ ص ١٢٧
١٢
أسخط الله برضا عثمان.

فأغضب عثمان ذلك وأحفظ فتصابر وتماسك، إلى أن قال عثمان يوما والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئا قرضا فإذا أيسر قضى؟

فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي إلحق بالشام، فأخرجه إليها.

فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا أقبلها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردها عليه.

ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق. فقال أبو ذر: يا معاوية إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف.

وكان أبو ذر يقول بالشام: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله، والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيا، وصادقا مكذبا، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه.

فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة.

وروى شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام بن جندل الغفاري، قال: كنت غلاما لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: " أتتكم القطار بحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف والتاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له " فازبأر معاوية وتغير لونه، وقال: يا جلام أتعرف الصارخ؟ فقلت: اللهم لا. قال: من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما

١٣
سمعت، ثم قال: ادخلوه علي.

فجئ بأبي ذر قوم يقودونه حتى وقف بين يديه. فقال له معاوية:

يا عدو الله وعدو رسوله! تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع، أما إني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك، ولكني أستأذن فيك.

قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذر، لأنه رجل من قومي، فالتفت إليه، فإذا رجل أسمر ضرب من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء، فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدو لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا عليك مرات أن لا تشبع، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إذا ولي الأمة الأعين الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع فلتأخذ الأمة حذرها منه " فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل. قال أبو ذر: بل أنت ذلك الرجل، أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته يقول وقد مررت به: " اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب " وسمعته صلى الله عليه وآله يقول: " إست معاوية في النار " فضحك معاوية وأمر بحبسه، وكتب إلى عثمان فيه.

فكتب عثمان إلى معاوية: أن احمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره. فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد.

فلما قدم بعث إليه عثمان: إلحق بأي أرض شئت، قال: بمكة، قال: لا، قال: ببيت المقدس، قال: لا، قال: بأحد المصرين، قال: لا ولكني مسيرك إلى الربذة، فسيره إليها، فلم يزل بها حتى مات.

وفي رواية الواقدي: أن أبا ذر لما دخل على عثمان، قال له:

١٤
لا أنعم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا
تحية السخط إذا التقينا

فقال أبو ذر: ما عرفت اسمي قينا قط.

وفي رواية أخرى: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب! فقال أبو ذر: أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله فاخترت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي سماني به على اسمي. فقال له عثمان:

أنت الذي تزعم أنا نقول: " يد الله مغلولة وأن الله فقير ونحن أغنياء "؟

فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا " فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول الله؟ قالوا: لا. قال عثمان: ويلك يا أبا ذر؟

أتكذب على رسول الله؟ فقال أبو ذر لمن حضر: أما تدرون أني صدقت قالوا: لا والله ما ندري! فقال عثمان: ادعوا لي عليا، فلما جاء قال عثمان لأبي ذر: اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص، فأعاده، فقال عثمان لعلي عليه السلام: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: لا وقد صدق أبو ذر، فقال: كيف عرفت صدقه؟ قال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر " فقال من حضر: أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فتتهموني؟ ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله!.

وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين، قال:

رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت؟

١٥
فقال أبو ذر: نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني. قال عثمان: كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها، قد أنغلت الشام علينا. قال له أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام. فقال عثمان: ما لك وذلك؟ لا أم لك! قال أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام، فتكلم علي عليه السلام وكان حاضرا، فقال: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: " فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " فأجابه عثمان بجواب غليظ، وأجابه علي عليه السلام بمثله. ولم نذكر الجوابين تذمما منهما (١).

قال الواقدي: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه، فمكث كذلك أياما، ثم أتى به فوقف بين يديه. فقال أبو ذر:

ويحك يا عثمان! أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر؟ هل هداك كهداهم؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار. فقال عثمان: اخرج عنا من بلادنا، فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك! فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت، قال: أخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ قال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفأردك إليها؟ قال: أفأخرج إلى العراق؟

قال: لا، إنك إن تخرج إليها تقدم على قوم أولي شقة (٢) وطعن على الأئمة والولاة، قال: أفأخرج إلى مصر؟ قال: لا، قال: فإلى أين أخرج؟ قال: إلى

(١) ذكر في البحار: ج ٨ ص ٣١٧ الكلامين فراجع.

(٢) في شرح النهج: " أولي شبه "

١٦
البادية، قال أبو ذر: أصير بعد الهجرة أعرابيا! قال: نعم، قال أبو ذر: فأخرج إلى بادية نجد؟ قال عثمان: بل إلى الشرق الأبعد أقصى فأقصى، امض على وجهك هذا، فلا تعدون الربذة، فخرج إليها (١).

(٢٩٩)
أبو ذر وأبو هريرة

عن الأحنف بن قيس، قال: بينما نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء أبو ذر، فقال: يا أبا هريرة هل افتقر الله منذ استغنى؟ فقال أبو هريرة:

سبحان الله! بل الله الغني الحميد، لا يفتقر أبدا ونحن الفقراء إليه. قال أبو ذر: فما بال هذا المال يجمع بعضه إلى بعض؟ فقال: مال الله قد منعوه أهله من اليتامى والمساكين، ثم انطلق.

فقلت لأبي هريرة: ما لكم لا تأبون مثل هذا؟ قال: إن هذا رجل قد وطن نفسه على أن يذبح في الله، أما إني أشهد أني سمعت رسول لله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم برا وزهدا ونسكا فعليكم به (٢).

(٣٠٠)
أبو ذر وعثمان

كان عثمان يخطب، فأخذ أبو ذر بحلقة الباب فقال: أنا أبو ذر من

(١) راجع الغدير: ج ٨ ص ٣٠٣ - ٣٠٦ والبحار: ج ٨ ط الكمباني ص ٣٠٥ - ٣١٦ - ٣١٧، و ج ٢٢ ص ٤١٤ عن ابن أبي الحديد. وراجع شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ٨ ص ٢٥٧، و ج ٣ ص ٥٥. وقاموس الرجال: ج ٦ ص ٢٦٢ وبهج الصباغة: ج ٥ ص ٢٤٧.

(٢) البحار: ج ٨ ص ٣١٧ ط الكمباني

١٧
عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه من تخلف عنها هلك ومن ركبها نجا " قال له عثمان: كذبت. فقال له علي عليه السلام: إنما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح: " إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم " فما أتم حتى قال عثمان: بفيك التراب، فقال علي عليه السلام: بل بفيك التراب (١).

(٣٠١)
عمار وعثمان

خطب عثمان الناس ثم قال فيها: والله لأوثرن بني أمية، ولو كان بيدي مفاتيح الجنة لأدخلنهم إياها، ولكني سأعطيهم من هذا المال على رغم أنف من رغم.

فقال عمار بن ياسر: أنفي والله ترغم من ذلك، قال عثمان: فأرغم الله أنفك، فقال عمار: وأنف أبي بكر وعمر ترغم، قال: وإنك لهناك يا ابن سمية، ثم نزل إليه فوطأه، فاستخرج من تحته وقد غشي عليه وفتقه (٢).

(٣٠٢)
المقداد وعبد الرحمن

عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: لما بويع عثمان سمعت المقداد بن الأسود الكندي يقول لعبد الرحمن بن عوف: والله يا عبد الرحمن ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم! فقال له عبد الرحمن:

وما أنت وذاك يا مقداد؟ قال: إني والله أحبهم لحب رسول الله صلى الله

(١) البحار: ج ٨ ص ٣١٧ ط الكمباني.

(٢) البحار: ج ٨ ص ٣١٨ و ٣٥١ ط الكمباني عن مجالس المفيد رحمه الله

١٨
عليه وآله لهم، ويعتريني والله وجد لا أبثه بثة، لتشرف قريش على الناس بشرفهم، واجتماعهم على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وآله من أيديهم! فقال له عبد الرحمان: ويحك! والله لقد أجهدت نفسي لكم. قال له المقداد: والله لقد تركت رجلا من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون، أما والله! لو أن لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم يوم بدر واحد، فقال له عبد الرحمن: ثكلتك أمك يا مقداد! لا يسمعن هذا الكلام منك الناس، أم والله إني لخائف أن تكون صاحب فرقة وفتنة.

قال جندب: فأتيته بعد ما انصرف من مقامه، فقلت له: يا مقداد أنا من أعوانك، فقال: رحمك الله! إن الذي نريد لا يغني فيه الثلاثة والرجلان.

فخرجت من عنده فأتيت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فذكرت له ما قال وما قلت، قال: فدعا لنا بخير (١).

(٣٠٣)
المقداد والشورى

عن حبيب بن أبي ثابت، قال: لما حضر القوم الدار للشورى جاء المقداد ابن الأسود الكندي رحمه الله فقال: أدخلوني معكم، فإن لله عندي نصحا ولي بكم خيرا، فأبوا. فقال: أدخلوا رأسي واسمعوا مني، فأبوا عليه ذلك.

فقال: أما إذا أبيتم فلا تبايعوا رجلا لم يشهد بدرا ولم يبايع بيعة الرضوان وانهزم يوم أحد ويوم التقى الجمعان. فقال عثمان: أم والله لئن وليتها لأردنك إلى ربك الأول.

فلما نزل بالمقداد الموت قال: أخبروا عثمان أني قد رددت إلى ربي

(١) البحار: ج ٨ ص ٣٣٠ ط الكمباني عن أمالي الشيخ رحمه الله ج ١ ص ١٩٤ ومجالس المفيد رحمه الله ومر ج ١ ص ٦٢. وراجع البحار أيضا: ج ٢٢ ص ٤٣٩ عن أمالي الشيخ. وقاموس الرجال: ج ٧ ص ٢٤٦. والغدير: ج ٩ ص ١١٥ - ١١٦ عن المسعودي وغيره. والعقد الفريد: ج ٤ ص ٢٧٩
١٩
الأول والآخر.

فلما بلغ عثمان موته جاء حتى أتى قبره، فقال: رحمك الله! إن كنت وإن كنت يثني عليه خيرا. فقال له الزبير:

لأعرفنك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي

فقال: يا زبير أتقول هذا! أترى أني أحب أن يموت مثل هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وهو علي ساخط (١).

(٣٠٤)
ابن عباس وعمر

عن ابن عباس، قال: قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد صلى الله عليه وآله وذلك قبل أن يطعن. فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟ قال: أصاحبكم؟ يعني عليا عليه السلام، قلت: نعم والله هو لها أهل في قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وصهره وسابقته وبلائه. وقال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة.

قلت: فأين أنت عن طلحة؟ قال: فإن فيه الزهو والنخوة. قلت:

عبد الرحمن؟ قال: رجل صالح على ضعف فيه. قلت: فسعد؟ قال: ذلك صاحب مقنب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير؟ قال: وعقة لقس مؤمن الرضا كافر الغضب شحيح، وإن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه (٢).

(١) البحار: ج ٨ ص ٣٣٠ ط الكمباني عن مجالس المفيد.

(٢) البحار: ج ٨ ص ٣٣٦ بروايتين ط الكمباني. راجع الغدير: ج ٧ ص ١٤٥ عن البلاذري، ويأتي نظيره ج ٣ ص ١٣٨

٢٠