×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظر (عج) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الكُرة الأرضية كلَّها ليملأها قسطاً وعدلاً؟ ألا يحتاج إلى ما يوصله إلى أعلى درجات اليقين، بأنّه هو المهدي المنتظر المقصود والموعود به لتلك الـمَهمَّة العظيمة؟

ومن هنا يظهر الإشكال عند إخواننا أهل السنة؛ حيث يعتقدون أنّه مع انقطاع الوحي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، انقطع اتصال الملائكة بأولياء الله في الأرض، وبشكل عامّ يعتبرون دعوى نزول الملائكة على أحد من الخلق بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منكرًا من القول، ويتّهمون من يقول بذلك بأنه يدَّعي النبوَّة لمن تنزل عليهم الملائكة، أو يتّهمونه بالغلو، وغير ذلك من التَّهم؛ ولذا يشنُّون على الشيعة الإمامية الحملات الإعلامية القاسية، لوجود روايات ـ عند الإمامية ـ تذكر نزول بعض الملائكة على الزهراء (عليها السلام) بعد وفات النبي (صلّى الله عليه وآله) لمواساتها (عليها السلام)، ويعتبرون ذلك من الغلوُّ، ويعتقدون أيضاً أنّه لا يوجد معصوم من بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله).. لذا نسألهم:

كيف يَعرِف المهدي المنتظر ـ باليقين الذي لا يخالطه شكٌّ ـ أنّه هو المهدي الموعود؟ مع العلم أنّه قد ظهر في المجتمعات السنية والزيدية مَن ادِّعى لنفسه المهدوية، ولكن لم يفلحوا، ولم يقبلهم عامّة الأُمَّة.

فالمهدي يلزم أن يتوفَّر على اليقين بكونه هو المهديُّ المنتظر الموعود، وهذا اليقين لا يمكن أن يتحقَّق إلاَّ من أحد طريقين:

فإمّا أن يحصل له اليقين المذكور من خلال نزول الملائكة عليه، أو أن

٢١

يخبره معصومٌ قولُه حجة بأنّه هو المهدي المنتظر الموعود. وكِلا الطريقين عند أهل السنة والزيدية ممنوع وغير ممكن.. فكيف يَعرِف ويتيقّن المهدي أنّه هو المهدي المنتظر حقيقةً؟

فلم يبقَ لهم إلَّا طريقٌ واحدٌ، وهو الوصول إلى ذلك اليقين المذكور من خلال المنامات، وهذا الطريق بإجماع الأمَّة لا يوجب العلم الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يُقيم حدًّا من حدود الله عزّ وجلّ، فكيف بالمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) الذي يُريد أن يقوم بمهمة صعبة للغاية، يحتاج في تنفيذها إلى أن يدخل في معارك ضارية، قد يُقتل فيها ملايين البشر، أضف إلى ذلك أنّنا ـ والتاريخ يشهد بذلك ـ نعرف أناسًا في منتهى التديُّن والإخلاص، ولكنْ كلُّ واحد منهم يرى في مناماته أنّه هو المهدي المنتظر، ولذا يخبرون بعض الناس بذلك، وتتكوّن لهم جماعات صغيرة ثمّ يموتون، أو ينصرفون عن دعواهم، وتنتهي مسألتهم، أو قد يهجم عليهم عوامّ الأمَّة بتحريك من العلماء، فتقتلهم أو تطردهم، فما حكم هؤلاء؟.. وهل يحقُّ لنا عدم قبول دعواهم؟ وهم في الواقع صادقون في أنّهم رأوا تلك المنامات، بل قد تحصل رؤيا أو أكثر لدى بعض الناس بما يؤيِّد دعواهم، فهل يصحُّ أن نقبل هذه الطريق كطريق لمعرفة مسألة مُهمَّة كمسالة المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)؛ مع ما نلاحظه في هذه الطريقة من الفوضى؟

إذاً سيرجع الجميع إلى رأي ومذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وهو القول بأنّ الملائكة تنزل على أولياء الله، وتبلّغهم أوامر الله عزّ وجلّ، أو أنّه لا بدّ

٢٢

من معصوم قبل المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) يُخبره بأنّه هو المهدي المنتظر. وهذا هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فمن فكّر مليًّا في هذه الأُمور، ودرس القضية من جميع نواحيها، وأنصف فطرته وعقله؛ فسوف يرى أنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو المذهب الوحيد الذي تنسجم فيه تلك البشائر النبوية مع الواقع.. وأمَّا مهديٌّ ليس لديه دليلٌ على أنّه هو المهدي المنتظر إلَّا مجرَّد أحلام ومنامات، كيف يستطيع أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويُزيل الظَّلمة والعتاة، ويُدمِّر أهل الشرك والعناد؟.. إنّه أمر واضح لمن أراد أن يتدبَّر فيه ويتأمّل.

وهذا الإشكال نفسه يُطرح على إخواننا الزيدية أيضاً، حيث يقولون بانقطاع العصمة الفردية عن أهل البيت (عليهم السلام) بعد الحسين، وانقطاع اتصال الملائكة بأهل البيت (عليهم السلام) بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ولا زلتُ أتذكّر جيّداً، حينما سألت يوماً أحد كبار علماء الزيدية هذا السؤال:

كيف يَعرِف المهدي أنّه هو المهدي الموعود؟

فسكت قليلاً، ثم قال: المهدي لا يعرف أنّه هو المهدي المنتظر، بل هو رجل من أهل البيت (عليهم السلام)، يدعوا الناس لإحياء الإسلام، ويواجه الظلمة والمتكبرين، وينتصر عليهم انتصارات عظيمة، وبعد أن يملأ الأرض عدلاً وقسطاً؛ يعرف أنّه هو المقصود بتلك الروايات الـمُبشِّرة بالمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) من قبل الرسول (صلّى الله عليه وآله).

٢٣

فكان هذا هو جواب ذلك العالم الكبير. وهذا الجواب لم يرفع تلك الشبهة من ذهني في ذلك الحين، بل رأيته قد زاد الإشكاليةَ تعقيدًا؛ إذ ما هو حكم الذين يقاتلونه، وهم لا يعرفون أنّه المهدي، في حين أنّه لم يدَّعِ ذلك ليُلزمهم الحجة باتِّباعه؟

فمثلاً: إذا قرَّر المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) الذي لم يَعرف بمهدويَّته بعد، إذا قرَّر فتحَ بعض البلاد؛ فإنَّ أحرارَ تلكَ البلاد سينظرون إليه كغازٍ ومهاجم يقصد استعمار بلادهم.. فلا هم يعلمون أنَّه المهديُّ المنتظر الذي تجب عليهم طاعته والانقياد لأوامره، ولا هو بالذي يعلم ذلك حتَّى يخبرهم فيُتمَّ الحجَّةَ عليهم.

فهذا إشكال أكبر من إشكالي الأول، وكان ذلك الجواب، كالمثل القائل: (وزاد في الطين بلة).

٢٤
٢٥

المسألة الثالثة


المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) بإجماع المسلمين سيكون من علماء هذه الأُمَّة، والسؤال هنا هو:

هل هو ـ أي المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) ـ سيكون عالماً مجتهداً، كبقية علماء المسلمين، بحيث لا يجوز للعلماء المجتهدين تقليده، والأخذ برأيه في المسائل الفرعية الفقهية، أم أنّه ـ أي المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) ـ سيكون عالماً معصوماً، قوله كقول الرسول (صلّى الله عليه وآله)، يجب على العالم والجاهل والمجتهد والمقلِّد أن يطيعوه في جميع المجالات؟

إنَّ الواضح من الروايات المجمع عليها أنّه واجب الطاعة على الجميع بلا استثناء، وفي جميع الأمور، السياسية منها والعقائدية والفقهية وغيرها، ولو لم يكن الأمر كذلك لما استطاع الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، فهو إذا أراد ـ مثلاً ـ أن يُحرِّم بعض الأمور الفقهية التي اجتهد فيها المجتهدون وأباحوها، فإن حرَّمها الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) ولم يقبل قوله المجتهدون، وأصرَّ كلُّ

٢٦

واحد منهم على ما أفتى به حسب علمه واجتهاده، فلن يتحقَّق ـ مع هذه الحالة ـ العدل الموعود به على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله).

إذًا لا بدّ لجميع المسلمين أن يستثنوا الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) من أنّه عالم مجتهد كبقية علماء الأُمَّة، ويجب عليهم جميعاً ـ شيعةً وسنّةً ـ القول بأنّ لديه ميزة خاصّة، تلزم بها طاعته بشكل مطلق في جميع الأمور كبيرها وصغيرها، وهذه هي العصمة التي لا يوجد القول بها للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) إلاَّ في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ومن هنا يلزم جميع المسلمين الرجوع إلى هذه العقيدة المنسجمة مع كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبشارته.

وأذكر هنا قصة ترتبط بهذه المسألة:

لـمَّا عرف بعض زملائنا من مُبَلِّغي الزيدية ومُرشديهم إيماننا بالعقيدة الإمامية، ضجُّوا علينا ضجّة كبيرة، ووتَّروا الأوضاع علينا بصورة غير طبيعيَّة، وفي تلك الظروف بدأ بعضهم يقول على المنابر: إنّ الجعفرية أخطر من الوهابية.

فقلتُ لهم: لا يجوز لكم ذلك.. وإذا كنتم أتباعًا لعلماء الزيدية فأنا على يقين من أنّهم لا يقولون بهذا المقال، ولا يرضونه أبداً، وقد عاشرتُ كبارهم سنين، فلم أسمع منهم مثل هذه المجازفات.

ولكنّ أولئك المجموعة من المبلِّغين والمرشدين لم يعتنوا بكلامي، وأصرُّوا على القول بأنّ كبارهم وعلماءهم لهم نفس النظرة والعقيدة بالنسبة

٢٧

إلى الجعفرية.

فاتَّفقنا ـ أنا وثلاثة من كبارهم ـ على أن نذهب إلى صنعاء، ونسأل علماء الزيدية هناك بهذا السؤال، وهو: هل الجعفرية أخطر من الوهابية على الزيدية أم لا؟

واتّفقنا على ألَّا يقوم أحد بفعل أي مقدِّمات تجعل الجواب في صالحه، فصمّمنا على أن نبدأ بالعلَّامة السيد حمود عباس المؤيد نائب مفتي الجمهورية اليمنية، ولـمَّا وصلنا إلى جامع النهرين، وهو جامعه الذي يستقرُّ فيه، وجدناه جالسًا في المحراب، وبجواره السيد محمّد المنصور(١)، فتقدّم أحد الإخوان المبلِّغين، وبدأ يتكلَّم مع فضيلة العلامة المؤيد حفظه الله تعالى، ويقول له: الجعفرية بدأت تهاجم الناس في عقائدهم، وهناك مؤسَّسات كبيرة تدعمهم لنشر الكتب، أخذ يتكلَّم بهذا الكلام، وينقض بذلك اتِّفاقنا، ولـمَّا سكت، قال لي السيد المؤيد حفظه الله تعالى: ما تقول يا ولدي، وقبل أن أتكلَّم تكلَّم ذلك الشخص، وقال: يقول: المعصومون اثنا عشر، فقال السيد المؤيد حفظه الله تعالى: ما فيه معصومين إلَّا الخمسة ـ وهو يهزُّ رأسه يميناً وشمالاً ويُكرِّر ويقول ـ: ما فيه معصومين إلا الخمسة.. يقصد أهل الكساء، وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم صلوات الله. وكان بجانبه السيد محمد المنصور هو الآخر أخذ يُكرِّر نفس العبارة ويقول: ما

(١) وهو من أكبر علماء الزيدية في اليمن ولا يقلّ شأنًا عن السيد حمود عباس المؤيد.

٢٨

فيه معصومين إلاّ الخمسة.. وأضاف السيد محمّد المنصورحفظه الله تعالى: والإمام الخميني عظيم عظيم..

فقلت للسيِّد المؤيد حفظه الله تعالى: لماذا الخمسة فقط؟

فقال: لأنّه توجد آية من القرآن الكريم تذكر ذلك، أي عصمة الخمسة أهل الكساء ـ يقصد آية التطهير ـ فقلت له: سيدنا هناك روايات كثيرة تبيّن استمرار العصمة في أهل البيت (عليهم السلام)، مثل حديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث الأمان، وحديث "لا تقدموهم فتهلكوا..."، وحديث "رزقوا علمي وفهمي..." وغيرها.. ألا يدلّ مجموع هذه الروايات على استمرار العصمة في أشخاص آخرين من أهل البيت (عليهم السلام) بعد أصحاب الكساء (عليهم السلام)؟

فقال: تلك رواياتٌ، ونحن نريد لإثبات ذلك المُدَّعى آية من القرآن مثل آية التطهير، فتحيَّرتُ في هذا الأمر، وأحسست بالحرج، وقلت في نفسي: من أين آتي له بآية مثل آية التطهير وتكون في غير أصحاب الكساء من أهل البيت (عليهم السلام)؟

فخطر في بالي أن أسأله هذا السؤال وهو: هل المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم؟

فلما سألته قال: المهدي؟! قلت: نعم.

فإذا بوجهه يتغيَّر لونه إلى الحُمرة.. ثمّ قال: المهديُّ معصوم.

٢٩

لم أكد أصدق ما سمعتُ منه، وذلك لشدّة إنكاره عليّ القول بعصمة غير الخمسة أهل الكساء (عليهم السلام)، ولكنّه كان رجلاً من أهل التقوى، ومن هذه حاله فلا يستنكف أن يعترف بالحقيقة حتّى لو كانت خلاف قوله ونظره.. وقلت له حين ذاك: سيدنا إذاً ما هو دليلك على عصمة المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) في حين أنّه لم يُذكَر في آية التطهير؟

فقال: الروايات؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يملأ الأرض قسطًا وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً وهو ليس معصومًا؟

فقلت له: سيِّدي دليلنا على عصمة الأئمة الاثني عشر هي الروايات أيضًا، والتي ذكرتُ آنفاً، فكيف يكون أهل البيت (عليهم السلام) الثقل الثاني بعد القرآن وقُرَنَآءه، وسـفينة نوح، وأمان أهل الأرض و.. ولا يكونون معصومين؟

لم يجب السيد المؤيد حفظه الله تعالى، واختار السكوت، ثمّ قال: هيّا نذهب إلى البيت ونتكلّم هناك.

ولـمَّا وصلنا إلى البيت أكرمنا، وقدّم لنا بعض المأكولات، فلمَّا جلسنا قليلاً سألته ذلك السؤال الذي سافرنا من أجله، وقلت له: هؤلاء الإخوان يقولون في المساجد: إنّ الجعفرية أخطر من الوهابية.. فما رأيكم في قولهم هذا؟

فقال: لا؛ هذا غير صحيح، الجعفرية إخواننا، ونحن نحبهم، وأنا

٣٠

أفتخر أنّي أوّل من دافع عن الجعفرية في اليمن، فقد دافعت عنهم في الاجتماع الذي عقده الشيخ عبد المجيد الزنداني(١)، واستضاف فيه كبار علماء اليمن وطلب منّا في ذلك الاجتماع الإفتاء بكفر الجعفرية، حيث قال: إنّ خطر الجعفرية مقبل على اليمن، وهم لديهم قرآن آخر غير هذا القرآن ـ قال السيد المؤيد حفظه الله تعالى ـ فقلت له ـ أي للزنداني ـ: من أخبرك بهذا؟ قال: أحد المؤمنين أخبرني أنّه رأى ذلك القرآن بنفسه. قال السيد المؤيد حفظه الله تعالى: لا بدّ أن نرى هذا القرآن بأنفسنا؛ لنفتي عن يقين. فارتبك الزنداني وظهر منه تلعثُمٌ في المقال وتأتأةٌ وتلكُّؤ.

قال السيد المؤيَّد حفظه الله تعالى: عند ذلك قمتُ من المجلس وقلت له: ما سمعنا بهذا، إذا كان لديهم قرآن آخر كما تقول فأتِ به، وخرجت من المجلس، وتبعني بقيَّة العلماء، وانفضَّت تلك الجلسة.

ثمَّ طلب السيد المؤيد حفظه الله تعالى منّا جميعاً أن نتّحد ونتعاون لنشر فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ثمّ قال لي: يا ولدي الناس ما قبلونا ونحن متلاينون مع المخالفين، فكيف يقبلونكم؟

فقلت له: سيِّدنا أنا لا يهمّني قبول الناس وعدم قبولهم؛ لأنّي أريد أن يرتاح ضميري بما أعتقده.

(١) والزنداني من علماء الوهابية ومؤسسيها في اليمن.

٣١

ثمّ ذكر السيّد قصة وهو يخاطبني فقال: ذات مرّة ذهب أحد المرشدين إلى منطقة عشائرية وبدأ يعظهم ويذكرهم في الخطبة، وأثناء الكلام ذكر لهم قصة ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين إنسانًا، وعندما أوصل عدد القتلى إلى مئة تاب، وغفر الله له. فقام رجل من طرف المسجد في أثناء الخطبة وقال للخطيب: يا رجل! أنت الآن تكلّم بدوًا وعشائر بهذا الكلام، وهم بعد سماعهم هذه القصة سوف يقتل بعضهم بعضاً، ويؤمِّلون بعد ذلك التوبة والمغفرة.

وقد فهمتُ من هذه القصة، أنّ السيّد المؤيّد حفظه الله تعالى يريد أن يقول لي: يا ولدي بعض الحقائق يجب ألَّا تقال؛ لأنّ الناس سوف يستخدمونها في الشر، وليسوا أهلاً لها، فهذا الخطيب الذي أراد بذكر هذه القصة أن يفتح عند الناس باب الأمل في الله سبحانه ويخرجهم من القنوط، لكنّه لم يدرك الخطر، وهو أنّه بين عشائر مسلَّحة سوف تتساهل بقتل الأبرياء، وتؤمِّل التوبةَ.

فكأنّ السيد حفظه الله تعالى يريد أن يقول لي: الجعفرية حقيقة عظيمة ولكن يجب ألَّا تُقال إلاَّ في مجالس خاصّة.. هذا ما فهمتُ والله أعلم(١).

(١) ولهذا السلوك الحكيم شواهد في تاريخ علماء المسلمين، فمن ذلك ما في كتاب «المستغيثين» لابن بشكوال (ت ٥٧٨ هـ) ص٢٧: «كان عند سفيان الثوري مُخبَّآت لبني هاشم، لا يُهديها لكلِّ إنسان ضنّاً بها...».

٣٢
٣٣

المسألة الرابعة


ثبت عند جميع المسلمين صحّة الروايات القائلة أنّ المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، وقد نقلنا بعض تلك الروايات في آخر هذا البحث.. والسؤال هنا موجَّه إلى أولئك الذين يتصوّرون أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم نساء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) مع الخمسة أصحاب الكساء، كبعض أهل السنة، وإلى من يتصوَّرون أنّ أهل البيت هم الخمسة أهل الكساء فقط، كبعض الزيدية وبعض السنة.. فهؤلاء جميعًا يوجّه إليهم السؤال التالي:

كيف سيكون المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، وأهل البيت قد تُوفِّي آخرهم قبل أكثر من الف سنة ـ حسب هذا التصوّر المفترض ـ؟

هذا السؤال لا يكون فيه إشكال بالنسبة لكثير من الزيدية الذين يقولون بأنّ أهل البيت مع القرآن بدليل حديث الثقلين، ولا يكون فيه أي إبهام للإمامي المعتقد ببقاء أهل البيت (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، ولكنْ كثيرٌ هم أولئك الذين يتصوّرن أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد انقرضوا، ولم يبقَ منهم أحد، لا سيَّما أهل السنة والوهابية، فإذا كان الأمر كما يتصوّرون، فكيف سيكون

٣٤

المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام) كما تدلّ عليه كلُّ تلك الروايات المجمع عليها، وهو ما ينفي التصوّر الذي يفترضه أهل السنة والوهابية على الخصوص.

٣٥

المسألة الخامسة


وردت الروايات عند جميع المسلمين بوصف المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بـ(المنتظر)، وقد لاحظنا كتبًا كثيرة لأهل السنة، وخصوصًا لقدمائهم؛ كُتبت حول المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، ولا يكادون يذكرونه إلاَّ ويذكرون هذه الصفة له، وهي كونه منتظراً، بل كثيرًا ما يلتزمون بذكر هذا الوصف (المنتظر) في عناوين الكتب التي كتبوها حول الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، من قبيل كتاب "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" للفقيه ابن حجر المكِّي، ومن قبيل كتاب "فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر" لمؤلِّفه مرعي بن يوسف الحنبلي، ومن قبيل كتاب "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح" للقاضي محمد بن علي الشوكاني، وغير ذلك..

والسؤال هنا هو: كيف يكون المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)،وهو لم يولد ولم يوجد على وجه الأرض ليكون منتظراً، أي كيف ينتظر الناس عدماً؟

فهذه التسمية النبوية للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، لم تكن عبثاً، ولم تكن مجرّد مصادفة، وقد أكَّد عليها النبي (صلّى الله عليه وآله)، حتّى صارت مشهورة عند جميع

٣٦

المسلمين، ولا يختلف اثنان في تسمية الإمام المهدي بـ(المنتظر)، والانتظار يكون للغائب الحي الـمُؤمَّل رجوعُه؛ ولذا نسأل إخواننا السنة والزيدية عن حكمة هذه التسمية النبوية واتفاقها مع عقيدة الإمامية.. ألا يدعو ذلك ـ على أقل تقدير ـ إلى التأمُّل والتدبُّر في تلك النبوءة المحمّدية الصادقة؟(١).

(١) ومن الملاحظ أنَّ الأنبياء عليهم السلام كانوا بصورة عامّة يتميَّزون بألقاب وصفات مخصوصة، كوصف «الخليل» لإبراهيم عليه السلام، ووصف «الكليم» لموسى عليه السلام، ووصف «روح الله» لعيسى عليه السلام.. وهكذا بالنسبة لبقية الأنبياء عليهم السلام. وليس بخافٍ أنَّ هذه الصفات ليست إطلاقات عبثية، بل كلٌّ منها يشير إلى خصوصية في شخصية هذا النبي أو ذاك، يتميَّز بها، وتظهر بارزةً من بين ملامح شخصيته وخصائصه وسماته الأخرى في حياته. والأمر نفسُه نلاحظه بالنسبة إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام.. فـ «السجّاد» و «زين العابدين» للإمام علي بن الحسين عليهما السلام، و «الباقر» للإمام محمد بن علي عليهما السلام، و «الصادق» للإمام جعفر بن محمد عليهما السلام.. والأمر نفسه يقال بالنسبة إلى وصف «المنتظر» بالنسبة إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ فإنَّ هذه الصفة لا بُدَّ أن نبحث عن إشراقها وتحقُّقها في حياته الشريفة، خصوصًا وأنَّنا نعلم أنَّ هذا النوع من الأوصاف إنَّما تُستَقى من الوحي الكريم، وهو ما لا نحتمل في حقِّه أدنى لَغْويَّة. ويزيد الأمر وضوحًا أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بشَّر بظهور شخصيات إصلاحيّة في الأُمَّة، مثل اليماني، والخراساني، والقمي، وبعض أئمة المذاهب حسب اعتقاد السنة.. ولكنَّ أحدًا منهم لم يُسَمَّ بالمنتظر، بخلاف الأمر في بشرى المهدي؛ حيث خُصَّ (عجّل الله فرجه الشريف) بهذا الوصف دون غيره، فلاحظ.

٣٧

المسألة السادسة


ورد أيضاً في الروايات أنّ المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) ـ كما سيتضح في آخر البحث ـ أنَّه يصلِّي بعيسى (عليهما السلام).. فكيف يصلِّي رجل غير معصوم حسب قول السنة والزيدية بنبي من الأنبياء أولي العزم، مثل عيسى (عليه السلام)، والذي كان يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله؟

هذا مع أنّ المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) يعرض على نبي الله عيسى (عليه السلام) إمامة الصلاة فيأبى إلاَّ أن يكون مؤتمّاً بالمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) كما هو واضح في الروايات الواردة في آخر البحث.

وقد حاول جمع كثير من علماء السنة تأويل هذه الروايات؛ لأنّهم شعروا بأنّ لها مدلولاً عظيمًا لا ينسجم مع اعتقاداتهم في أهل البيت (عليهم السلام)، فهم لا يرون لهذا الأمر مثيلاً في سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) حتّى يقيسوا هذه الحادثة عليها، فيقولون ـ مثلاً ـ قد صلَّى الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)خلف غير المعصوم رافضًا إمام الصلاة بعد أن عُرضت عليه.. فلا يوجد شئ من هذا القبيل في سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله). وكلُّ ما أورده أهل السنة في هذا الموضوع ـ على

٣٨

فرض صحته ـ هو أنّه (صلّى الله عليه وآله) انضمّ إلى جماعة قد شُكِّلت قبل تواجده، بينما لم يرد في التاريخ أنّه عُرض عليه (صلّى الله عليه وآله) إمامة الصلاة فأبى وقدّم غير المعصوم وائتَمَّ به.

عندما لم يجد أهل السنة مخرجاً من هذا المأزق اضطرُّوا إلى البحث عن طرق أخرى لحلّ هذه المشكلة، فهم لا يستطيعون أن يقولوا إنّ عيسى بن مريم ليس من أُمّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فهو ـ أي عيسى (عليه السلام) ـ لا يسعه إلاّ أن يكون من أتباع النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) كما جاء في الحديث عنه عليه وآله الصلاة والسلام: "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي"(١)، ولا يستطيعون أن يقولوا: إنَّ عيسى ليس معصومًا وليس من أولي العزم، فاضطر ابن أبي ذئب إلى تفسير الحديث بقوله: "فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه [وآله]" فحاول بهذا التأويل الغريب للرواية إلى القول بأنّ الإمامة هنا ليست في الصلاة، ولكن بمعنى الحكم والإدارة، وقد كان ابن أبي ذئب يحاول إثبات هذا المراد ولكن على استحياء؛ لأنَّ الروايات الكثيرة تردُّ على تأويله هذا بصراحة، كما يلاحظ القارئ ذلك في ما أوردناه من أحاديث في آخر هذا البحث.

كما أنّه لم يقبل عامّة علماء السنة هذه المحاولة غير الموفَّقة من ابن أبي ذئب، فحاولوا إيجاد حلٍّ آخر لهذه الرواية، وقالوا ـ كما نقلناه عنهم في آخر

(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي: (٥/٧٤).

٣٩

هذا البحث ـ: إنّ المقصود بتقديم روح الله عيسى (عليه السلام) للمهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في الصلاة والاقتداء به هو تكريم هذه الأُمَّة، ونسوا أنَّ عيسى (عليه السلام) لا يسعه أن يكون من غير هذه الأمّة، فهو كغيره مُلزَم بأن يكون من أتباع محمد (صلّى الله عليه وآله) كما في الحديث عنه عليه وآله الصلاة والسلام: "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي"(١) ولا فرق بين عيسى وموسى وبقية الأنبياء (عليهم السلام) في ذلك، فأيٌّ منهم يأتي في زمان ما بعد بعثة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فلا بدّ له من أن يكون من أتباعه، وعليه سيكون عيسى (عليه السلام) من أمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله)، سواء صلَّى عيسى (عليه السلام) بالمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) أو العكس فكلاهما من أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله).

لذلك فالقول بأنَّ تقديم عيسى عليه السلام للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) للصلاة والائتمام به من أجل تكريم أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله).. هذا القول يعتبر غفلة عن هذه الحقيقة، وهي كون عيسى (عليه السلام) من أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله) أيضًا.

بالإضافة إلى أنَّ هذا التأويل يعتبر فرارًا من ظاهر النص بدون داعٍ منطقي، فظاهر فعل عيسى (عليه السلام) هو تكريم للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) وتبيين لمقامه وقدره كما هو واضح. وهذا التكريم والاحترام من قبل عيسى (عليه السلام) ـ وهو من الأنبياء أولي العزم ـ للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)لا ينسجم مع ما يعتقده أهل السنة والزيدية حول المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، نعم.. ينسجم مع عقيدة الإمامية بدون أيِّ إشكال.

(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي: (٥/٧٤).

٤٠