×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظر (عج) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

لذلك حاول أهل السنة تأويل فعل عيسى (عليه السلام) بأي نحوٍ كان، ولكن كلّما حاولوا إيجاد حلٍّ من جهة فسدت عليهم جهة أخرى، وهذا ما يلاحظه المتتبِّع المتأمِّل.

وأذكر أنّي كنت في حوار مع أحد كبار علماء الزيدية في صعدة، فوصل بنا الحوار إلى المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، فسألته: هل عيسى (عليه السلام) سيصلي خلف المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)؟

فقال: الله، ـ أي مائة بالمائة (في تعبير أهل صعدة) ـ.

فقلت له: كيف يصلي المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) بعيسى ويؤمُّه في الصلاة، وهو أي المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) غير معصوم عندكم وعيسى (عليه السلام) معصوم عند الجميع؟

فقال ذلك العالم الزيدي حفظه الله: عيسى في زمن ظهور المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) لم يعد نبياً، وذلك لذهاب أُمَّته.

فقلت له: لماذا ينزع الله سبحانه عن عيسى (عليه السلام) مقام النبوة، وهو لم يقترف ذنباً؟ أضف إلى ذلك أنّكم كزيدية تعتقدون أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) معصوم وهو ليس نبيًّا فلا تنتزع العصمة عن عيسى (عليه السلام) حتى لو سلّمنا بعدم كونه نبياً في زمن ظهور المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)؟

وبعد ذلك لم يجبني وحاول الخروج من الموضوع.. وأنا لم أصرّ عليه؛

٤١

لأنَّ الهدف هو تعريف الحقيقة وليس إجبار الناس عليها، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}(١).

(١) الإسراء: ١٣.

٤٢
٤٣

المسألة السابعة


لقد وعد الله سبحانه وتعالى، رسوله إبراهيم (عليه السلام) حين وهب له مقام الإمامة بأن يجعل ذلك المقام في ذريته ـ غير الظالمين منهم ـ إلى يوم القيامة، فقال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(١).

فبشارة الرسول (صلّى الله عليه وآله) للمسلمين بظهور عيسى (عليه السلام) وصلاته خلف المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) واجتماع هذين السيدين في زمان واحد من أجل هداية البشرية، هذا كلُّه ليس من قبيل الصدفة، بل المسألة هي أنَّ هذين السيدين (عليهما السلام) بينهما تشابه كبير من جهات كثيرة، أرادت الأحاديث الشريفة أن تلفت نظرنا إليها، وتوجِّهنا إلى عدم الاستغراب لما يكون للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) من أمور من قبيل الغيبة وطول العمر وغير ذلك، فقد كان لعيسى (عليه السلام) من قبله ما يشابه ذلك، ومن أبرز جهات التشابه بينهما (عليهما السلام) ما يلي:

(١) البقرة: ١٢٤.

٤٤

١ ـ كلاهما (عليهما السلام) حجة لله تعالى.

٢ ـ كلاهما (عليهما السلام)، من أولاد إبراهيم (عليه السلام)، الذي وعده الله سبحانه وتعالى، أن يجعل مقام الإمامة في ذريته.

٣ ـ عيسى (عليه السلام) آخر حجة لله تعالى من أولاد إسحاق بن إبراهيم (عليهما السلام)، والمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) آخر حجة لله تعالى من أولاد إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام).

٤ ـ كلاهما (عليهما السلام) غاب عن قومه.

٥ ـ كلاهما (عليهما السلام) أراد الظلمة والمعاندون قتله.

٦ ـ كلاهما (عليهما السلام) موعود به لإنقاذ البشرية في آخر الزمان.

٧ ـ كلاهما (عليهما السلام) لديه آيات إلهية كبيرة.

٨ ـ كلاهما (عليهما السلام) عاش عمراً طويلاً يتجاوز مئات السنين، في حال اختفاء عن الأنظار، حتى يئس الكثير من رجوعهما (عليهما السلام).

فإذا لاحظنا هذا التشابه الكبير بينهما (عليهما السلام)، ولاحظنا الحديث الذي رواه الزيدية بسند زيدي في "كتاب عدة الأكياس في شرح معاني الأساس"، نشعر بأنّ ذلك التشابه ليس عن عبث، وأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) أرشدنا إلى ذلك التشابه مِن قَبْلُ لأجل حكمة بالغة، ومن أجل أن نأخذ الدروس والعبر، ولا نستبعد ما يفعل الله بأوليائه وحججه من إطالة للعمر، أو التغييب عن الناس، أو غير ذلك، والرواية هي كما يلي:

"روى الحسين بن القاسم العياني عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: ستأتي من بعدى فتن متشابهة كقطع الليل المظلم فيظن المؤمنون أنّهم هالكون فيها، ثمّ

٤٥

يكشفها الله عنهم بنا أهل البيت برجل من ولدي خامل الذكر، لا أقول خاملاً في حسبه ودينه وحلمه، ولكن لصغر سنِّه وغيبته عن أهله واكتتامه في عصره. على منهاجي ومنهاج المسيح في السياحة والدعوة والعبادة يُؤيِم عرسه ويخلص نفسه ويكن بدء ناصريه من أهل اليمن"(١).


*  *  *

(١) عُدَّة الأكياس في شرح معاني الأساس للعلامة شمس الإسلام أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي القاسمي: (٢/٣٨٠) طبعة دار الحكمة اليمانية.

٤٦
٤٧

تنبيهان


١ ـ لقد لاحظنا تلك المسائل المطروحة في هذا البحث، وهي في الواقع نتيجة للتدبُّر والتأمُّل في كلام المصطفى (صلّى الله عليه وآله) المروي عند جميع المسلمين، بصورة غير قابلة للإنكار، وقد أُمرنا بالتدبُّر في كلامه (صلّى الله عليه وآله)، وينبغي للمسلم المنصف أن يتدبَّر ويتأمَّل في جميع ما يسمعه من النصوص الدينية، وأن لا يأخذ دينه من أفواه الرجال فتميل به الرجال من يمين إلى شمال، وقد أمر سبحانه بالتدبُّر في كتابه، حيث قال سبحانه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}(١). فالتدبُّر في القرآن والحديث والتأمُّل فيهما، إذا كان مصحوباً بالإخلاص، وصدق النية، وعدم العجلة في الحكم، فإنَّه هو الوسيلة الصحيحة لمعرفة الحقيقة.. وهذه المسائل المطروحة في هذا البحث ما هي إلَّا نماذج بسيطة ونتائج قليلة للتدبُّر والتأمُّل في حديث المصطفى (صلّى الله عليه وآله). ولو تدبّر إخواننا من أهل السنة في الأحاديث الواردة في مصادرهم في شأن أهل البيت (عليهم السلام) لاكتشفوا الكثير

(١) النساء: ٨٢.

٤٨

من هذه الحقائق التي تنسجم مع الفطرة والعقل السليم. فلو تفكّروا مثلاً في حديث الغدير "من كنت مولاه فعلي مولاه..." وجعلوا بجواره حديث "أنت مني بمنزلة هارون من موسى..." وجعلوا بجوارهما "أنت ولي كلِّ مؤمن بعدي" وغيرها من الأحاديث النبوية التي رواها كبار محدثي السنة وصححوا الكثير منها، ـ كما هو مُوضَّح في الكتب المختصّة بهذا المجال، والتي ينبغي لكلِّ باحث مطالعتها، والتدبُّر والتأمُّل فيها ـ لوجدوا الكثير من الحقائق التي غابت عنهم، ولعرفوا عمليًّا شأن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(١). وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(٢).

وقد كنَّا فيما سبق نتَّهم الشيعة بأنّ عقائدهم ليست سوى خرافات لا يمكن للعاقل الإيمان بها، حتّى فتح الله سبحانه لنا بصر الهدى، ورأينا العكس تماماً وعلمنا أنَّ كلَّ ما توصلنا إليه من تصورات عن الشيعة كان إمَّا بسبب العجلة في الحكم، أو عدم التدبُّر الكافي للنصوص، أو بسبب

(١) النساء: ٩٤.

(٢) الحجرات: ٦.

٤٩

تصديق أعدائهم والمغرضين، أو بسبب الاكتفاء بملاحظة الظواهر التي عليها الشيعة، وعدم التدبُّر والتعمُّق في دراسة الدين، وعدم معرفة وتمييز أصول الدين من فروعه.. وغير ذلك من العوامل التي تجعل الإنسان قد يظلم الكثير من الناس بدون علم. وعليه لا بدّ من الدِّقّة ثمَّ الدِّقّة ثمَّ الدِّقّة، وبالأخصّ فيما يتعلّق بأمور الدين.

٢ ـ من الواضح أنَّ الإمامة أمر إلهيٌّ؛ لذا ينتظر الجميع للاختيار الإلهي للمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن لديه الحق في اختياره وتعيينه (عجّل الله فرجه الشريف) وقد قال تعالى في أمر الإمامة بشكل عام: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(١)، فالله سبحانه هو الذي يجعل الإمام ويختاره.

وعليه فنظريّة الشورى، ونظريّة الأربعة عشر شرطاً ـ والتي في الواقع تُعتبر شورى لكن في إطار أضيق ـ تلك النظريتان تهافتتا في مسألة إمامة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه لم يجعل الشورى في الأمور الإلهيّة، بل الذي أذن لنا فيه هو التشاور في أمورنا الخاصّة بنا فقط، فقال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(٢)، فقال: {وأمرهم} ولم يقل وأمرنا شورى بينهم. والإمامة والخلافة هما من

(١) البقرة: ١٢٤.

(٢) الشورى: ٣٨.

٥٠

الأمور التي لم يجعل الله جلّ شأنه للبشر حقَّ التصرّف فيها.. والآيات القرآنية الدالة على هذه الحقيقة كثيرة لا يسعنا ذكرها كلَّها في المقام، فمنها قوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْـهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَـهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}(١)، ومنها قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(٢)، ومنها قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَـبِيلِ الله وَالْـمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}(٣).

وأوضح من ذلك كلِّه: ما جاء في قصّة طالوت (عليه السلام)، فإنّ فيها عِبَرًا عظيمةً لكلِّ مسلم عاقل، فبنو إسرائيل كانوا على الشريعة الإلهية، وجاءوا إلى نبيٍّ لهم وطلبوا منه أن يعيِّن لهم قائداً ليقاتلوا معه في سبيل الله، فكان جوابه أنْ عيَّن لهم بأمر الله طالوت ملكاً. ولم يقل لهم: يا بني إسرائيل! أنتم الذين اختاركم الله على علم على العالمين، وهذا الأمر يرجع إليكم

(١) ص: ٢٦.

(٢) البقرة: ١٢٤.

(٣) النساء: ٧٥.

٥١

فاختاروا أفضلكم، والله سبحانه سيُمضي اختياركم.. بل اختار ذلك النبيُّ طالوتَ لهم مَلِكاً بأمر الله تعالى، وكان طالوت في أعينهم لا يستحقّ ذلك المقامَ، فحاجَّهم نبيُّ الله بأنَّ الحكمَ وقيادةَ البشر لا يحقُّ لأحدٍ أن يبتَّ فيها إلاَّ الله وحده تبارك وتعالى، فهو الذي يعطيها لمن يشاء، ولا يحقُّ للعبد أن يتدخَّل بفرض إرادته في مُلْك الله تبارك وتعالى، ولا سيما في ما هو من شؤونه تعالى التي أعلن عن اختصاصه بها، كما بيَّنَ القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَـهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَـهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْـمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(١).

فالتدبُّر في هذه الآيات يكفي لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. أضِفْ إلى ذلك أنَّ الشورى لا تكون في تشريع الأحكام الإلهية، فلا يصحُّ أن يتشاور المسلمون في تشريع الجهاد وعدم تشريعه مثلاً، بل

(١) البقرة: ٢٤٦, ٢٤٧.

٥٢

قد يجوز لهم أن يتشاوروا في كيفية إجراء هذا الحكم ووقته ومكانه فقط.. وأمر الإمامة تتعلّق به أحكام في الشريعة كبيرةٌ وكثيرةٌ، وهى جُلّ أحكام الشريعة، فكيف يُترك هذا الأمر للبشر، ولم يُترك لهم ما هو دونه من أمور الشريعة؟!

ولذا ينبغي التدبُّر والتأمُّل في جميع أمور ديننا، والسعي من أجل الوصول إلى الحقِّ، وعدم التعصُّب للآباء والأهواء وغير ذلك.

٥٣

الأحاديث الشريفة في المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)


لقد ذكرنا في ما سبق مسائل متعلِّقة بموضوع المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، من قبيل أنّه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، ومن قبيل أنّه يصلِّي بعيسى بن مريم (عليه السلام)، ومن قبيل أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، وغير ذلك..

فهذه المسائل تُعتبر من المسلَّمات بين المسلمين؛ لكثرة ما ورد فيها من الأحاديث من طرق السنّة والشيعة، ولكن ربّما يطّلع على هذا البحث من ليس له اطِّلاع كافٍ على كتب الحديث، ويتصوَّر أنَّ هذه المسائل المذكورة في هذا البحث لم ترد عند أهل السنة، وأنّها ممَّا اختصَّت به الشيعة؛ لذا أردت أن أذكر جزءاً يسيراً ممّا ورد في تلك المسائل من أحاديث وأقوال، خصوصًا من طرق أهل السنة.

ولم أذكر فيما سبق مع كلِّ مسألة ما يدلُّ عليها من الأحاديث والأقوال تجنّباً لتكرار تلك الأدلَّة؛ إذ بعض الأحاديث قد يدلُّ على أكثر من واحدة من تلك المسائل؛ فلذا أفردنا كلَّ تلك الروايات والأقوال في هذا المبحث المرتب كما يلي:

٥٤

أوَّلاً: بعض ما جاء عند أهل السنة

روى أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: "لا تقوم الساعة حتَّى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت قبله ظلماً يكون سبع سنين"(١).

وأورد الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: "سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثمَّ يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ثمَّ يؤمر القحطاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه"(٢).

وروى ابن حبَّان في صحيحه عن أبى سعيد قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "لا تقوم الساعة حتَّى يملك رجل من أهل بيتي أقنى يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت قبله ظلماً، يملك سبع سنين"(٣).

وروى ابن حبَّان أيضاً عن ابن شهاب أنَّ نافع بن أبي نافع مولى أبي قتادة أخبره أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم"(٤).

(١) مسند أحمد: (٣/١٧).

(٢) مجمع الزوائد للهيثمى: (٥/١٩٠).

(٣) صحيح ابن حبان: (١٥/٢٣٨).

(٤) المصدر نفسه: (١٥/٢١٣).

٥٥

وأخرج الطبراني في "المعجم الصغير" عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "لا تذهب الدنيا حتَّى يملك رجل من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً"(١).

وفي "المعجم الأوسط" أيضًا: عن أبي هريرة، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: "كيف بكم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم"(٢).

وأخرج البخاري في صحيحه أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم"(٣).

وأخرج مسلم في صحيحه أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم"(٤).

وأورد السيوطي في "الجامع الصغير": "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟"(٥).

وأورد المتَّقي الهندي في "كنز العمال": "كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم"(٦).

(١) المعجم الصغير للطبراني: (٢/١٤٨).

(٢) المعجم الأوسط للطبراني: (٩/٨٦).

(٣) صحيح البخارى: (٤/١٤٣).

(٤) صحيح مسلم: (١/٩٤).

(٥) الجامع الصغير للسيوطي: (٢/٢٩٩).

(٦) كنز العمال, المتقي الهندي: (١٤/٣٣٢).

٥٦

وقال القندوزي الحنفي في "ينابيع المودة لذوي القربى": "أخرج الكُنجي: بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل بكم ابن مريم (ع) فيكم وإمامكم منكم. قال: هذا حديث حسن صحيح. أيضا رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما"(١).

وفي "فيض القدير" للمناوي ما نصُّه: "(كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) أي الخليفة من قريش على ما وجب واطَّرد، أو وإمامكم في الصلاة رجل منكم، كما في مسلم أن يقال له [أي لعيسى (عليه السلام)]: صلِّ بنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أُمراء تكرمة لهذه الأمَّة. وقال الطيبي: معنى الحديث أي يؤمُّكم عيسى حال كونكم في دينكم، وصحح المولى التفتازاني أنّه يؤمهم ويقتدي به المهدي لأنّه أفضل فإمامته أولى. وفي رواية ـ بدل إمامكم منكم ـ: ويؤمكم منكم، ومعناه: يحكم بشريعة الإسلام. وهذا استفهام عن حال من يكونون أحياء عند نزول عيسى؛ كيف يكون سرورهم بلقاء هذا النبي الكريم وكيف يكون فخر هذه الأمَّة وعيسى روح الله يصلي وراء إمامهم. وذلك لا يلزم انفصال عيسى من الرسالة؛ لأنَّ جميع الرسل بعثوا بالدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل والنهي عمَّا خالف ذلك من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في

(١) ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي: (٣/٢٩٩).

٥٧
٥٨

ثانيًا: بعض ما جاء عند الشيعة

روى الشيخ الصدوق "في كمال الدين وتمام النعمة" بإسناده عن محمد ابن أبي عمير، عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):

"المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقاً، تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطًا كما ملئت جورًا وظلماً"(١).

وبإسناده أيضاً عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال:

"قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): القائم من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربي عز وجل، من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني، إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلِّين لأمَّتي عن طريقته {وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}"(٢).

(١) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ٢٨٦.

(٢) المصدر نفسه: ٤١١.

٥٩

وفي تفسير مجمع البيان: "... ويدلُّ على ذلك ما رواه الخاصّ والعامّ عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث رجلاً صالحاً من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما قد مُلئت ظلماً وجوراً"(١).

وفيه أيضاً: "... وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين (عليهما السلام)أنه قرأ الآية، وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت. يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا، وهو مهدي هذه الأمَّة، وهو الذي قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم، حتَّى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً"(٢).

وقال العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: "أخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم؟" وفيه: أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويقبض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين، واقرؤوا إن شئتم: {وإن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلِ مَوْتِهِ}

(١) تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: (٧/١٢٠).

(٢) تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: (٧/٢٦٧).

٦٠