×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 01) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

إقامتها في مقام إبراهيم ـ الذي يرى فيه آثار قدميه ـ هو تكريم لأبي الأنبياء وليس عبادة للمقام.

ومن مجموع ما تقدم يتبيّن أنّ ليس كلّ تكريم وخضوع واحترام هو عبادة، وإلاّ للزم أن نعتبر جميع البشر بما فيهم الأنبياء (سلام الله عليهم) مشركين لأنّهم كانوا يحترمون من يجب احترامه!.

تعريف العبادة:

قد ذكرت عدّة تعريفات للعبادة، ويمكن القول بأنّ أفضل هذه التعاريف وأجمعها هو التعريف الآتي: " هي الخضوع عن اعتقاد بالوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله "(١).

ويستفاد من هذا التعريف أنّ للعبادة عنصران مقومان:

١ ـ خضوع لفظي أو عملي.

٢ ـ عقيدة خاصة تدفع إلى الخضوع.

فالخضوع اللفظي يكون بالكلام الدال على التذلل للمعبود، والخضوع العملي يكون بعمل خارجي كالركوع والسجود مما يدل على ذلته وخضوعه لمعبوده، أمّا العقيدة فهي عبارة عن اعتقاد بالوهية المخضوع له واعتقاد بربوبيته واعتقاد باستقلاله في فعله.

الاعتقاد بالإلوهية:

إنّ الاعتقاد بالالوهية لا يكون إلاّ لله، فإذا كان لغيره يكون شرك، ويتضح هذا الكلام عندما نعرف أنّ الموحدين والوثنيين جميعاً يعتقدون بالوهية

١- أنظر: مفاهيم القرآن للعلامة جعفر سبحاني: ١ / ٤٠٤.

٢١
معبوداتهم سواء كان إلهاً صادقاً أم كاذباً، كبيراً أم صغيراً، وهذا المعنى هو المقوّم لصدق العبادة، وحيث أنّ العبادة لا يستحقها إلاّ من كان إلهاً، نرى القرآن يؤكد بأنّه لا إله إلاّ الله حتى تتخصص العبادة به سبحانه دون غيره، فيقول جلّ وعلا: ( الَّذِينَ يَجعَلونَ مَعَ اللهِ إلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلمُونَ )(١)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَـهاً آخَرَ )(٢)، ويقول تعالى: (وَاتَّخذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكوُنُواْ لَهُمْ عِزّاً )(٣)، ويقول تعالى: ( أئِنّكُم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ ءالِهةً أُخْرَى )(٤)، إذن فغير الله لا يستحق العبادة لأنّها من شؤون الإلوهية ومن خصائصه سبحانه لا غير.

ولذا نرى خضوع المحب لمحبوبه لا يعد خضوعاً عن عبادة، لأنّه لم يصدر عن الاعتقاد بالإلوهية.

معنى الإله في القرآن:

إنّ الآيات الدالة على وحدة الإله صريحة في أنّ المراد من الإله، هو الخالق المتصرف المدبر الذي بيده أزمّة أمور الكون، كما في قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَـه إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعضُهُم عَلَى بَعْض )(٥)، وقوله تعالى: ( لَو كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا )(٦)، وقوله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ مَعهُ ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابتَغَوْاْ إِلى ذِي الْعَرشِ سَبِيلا )(٧).

١- الحجر: ٩٦.

٢- الفرقان: ٦٨.

٣- مريم: ٨١.

٤- الانعام: ١٩.

٥- المؤمنون: ٩١.

٦- الأنبياء: ٢٢.

٧- الإسراء: ٤٢.

٢٢

الاعتقاد بالربوبية:

الربوبية ـ من الرب ـ وهي الإصلاح والتدبير والتربية، والله سبحانه ربّ العالمين ( رَبُّ السَّمَواتِ وَالأَرِض )(١)، والعبادة من شؤون الله وحده دون غيره لأنّه سبحانه حصر الربوبية به دون غيره ( إنَّ اللهَ رَبِي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ )(٢)، و(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )(٣)، وقول المسيح (عليه السلام) في قوله تعالى: ( يبَنيِ إِسرَائيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبّيِ وَرَبَّكُمْ)(٤)، وعليه فالربّ هو من بيده مصير الخاضعين له وشؤونهم الدنيوية والأخروية من وجود وحياة وآجل وعاجل، والخضوع المقرون بهذا الاعتقاد يضفي عليه عنوان العبادة.

أمّا الاعتقاد باستقلال المخضوع له في فعله، فيعني كونه قائماً بنفسه لايفتقر ولا يحتاج إلى غيره، ومن هذا المنطلق إذا خضع الإنسان لموجود وهو لا يرى الاستقلالية في وجوده وفعله، فلا يكون خضوعه عبادة لذلك الموجود، فالعبادة هي الخضوع أمام موجود مع الاعتقاد بأنّه مستقل في ذاته.

الفرق بين التكريم والعبودية:

يستنتج مما تقدم: إنّ الشعائر والطقوس التي يقوم بها شيعة أهل البيت(عليهم السلام)ومعظم المسلمين من تعظيم قبور الأئمة والأولياء والصلحاء ليست عبادة لغير الله، وإنّما هي من مصاديق التكريم والاحترام، لأنّها لم تنطلق من اعتقادهم بالوهية عباد الله الصالحين ولا ربوبيتهم على نحو الاستقلال، بل تنطلق عن الاعتقاد

١- الصافات: ٥.

٢- آل عمران: ٥١.

٣- الأنبياء: ٩٢.

٤- المائدة: ٧٢.

٢٣
بكونهم عباد مكرّمون يجب احترامهم.

فالتبرك وتقبيل الأضرحة وأبواب المشاهد التي تضم أجساد الأنبياء والأولياء لا يعد عبادة لصاحب القبر والمشهد لفقدان مقومها، وإنّ إقامة الصلاة في مشاهد الأولياء تبركاً بالأرض التي تضمنت جسد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو الإمام(عليه السلام)، في الحقيقة هو كالتبرك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتباعاً لقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)(١).

وكذا التوسل والاستغاثة والتشفع بالأولياء لا يعد عبادة، لعدم الاعتقاد بالوهيتهم وربوبيتهم، بل يعدّ من التوسل بالأسباب، لأنّ الله سبحانه جرت حكمته أن يقضي حوائج عباده ببركتهم وشفاعتهم، وذلك لأنّهم مقربون لديه مكرمون عنده، قد أذن الله لهم بالشفاعة بإذنه، فقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ)(٢).

درء شبهة الشرك بالعبادة:

من هنا يتبين أنّ تشبيه القائمين بهذه الأعمال من المسلمين بالوثنيين تشبيه في غير محله، وقياس مع الفارق، لأنّ الوثنيين كانوا يعبدون الأصنام على أنّها أرباب مستقلة لها التصرف في الكون، فهي التي تمطر الناس إذا استغاثوا بها وتدفع البلايا عنهم إذا دعوها واستنجدوا بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: (مِنْ دُونِهِ) في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ

١- البقرة: ١٢٥.

٢- البقرة: ٢٥٥.

٢٤
زُلْفى...)(١).

فكان اعتقادهم أنّ هؤلاء الأرباب يقربونهم إلى الله، وهو الإلـه الكبير عندهم الذي خلق الكون وأوجده ثم فوض أمر التدبير فيه إلى هذه الأرباب المزعومة، وأين هذا مما يفعله المسلمون من عبادة الله وحده لا شريك له عند مقامات الأولياء وأضرحتهم!.

والقياس الصحيح والتشبيه الوجيه، هو أن يقاس زائري الأضرحة والطائفين حولها بالطائفين حول الكعبة والبيت الحرام والساعين بين الصفا والمروة، فالطائف حول البيت العتيق والساعي بين الصفا والمروة لم يعبد الأحجار وإنّما عبد الجبّار الذي اصطفى هذه الأماكن ودعا إلى عبادته فيها، وهكذا حال زائر قبر الولي وإن افترى من افترى بتشبيه عبّاد الرحمن بعبّاد الأوثان.

الاهتداء بنور معارف أهل البيت(عليهم السلام):

يقول الأخ إبراهيم: " بمرور الأيام إزدادت بصيرتي وارتقى مستواي المعرفي بعلوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، فلهذا قرّرت بعد إكمال دراستي الأكادميّة في عاصمة بلدي أن أنتقل إلى إحدى الحوزات العلمية الشيعيّة، لأرتشف من علوم آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاستطعت بعد ذلك ـ بحمد الله ـ أن أشيّد خزين معرفي واسع في قلبي من علوم أهل البيت(عليهم السلام)، وقد أعانني هذا الرصيد العلمي كثيراً لأعبر أشواط الحياة، متخطياً كل الصعاب بعزم راسخ وإرادة لا تلين ".

١- الزمر: ٣.

٢٥
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٢) إبـراهيم مختار سماكي
(مالكـي / مالي)




ولد عام ١٩٦٧م في مدينة " باماكو " عاصمة جمهورية مالي(١).

تحوّل من المذهب المالكي وتشرف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام ١٩٩١م في دولة " غانا ".

بداية التعرف على التشيع:

يقول الأخ إبراهيم: " نشأت في أوساط عائلة سنّية تعتنق المذهب المالكي، فتلقيت أفكار ورؤى البيئة التي كانت تحيطني، وقبل اكمالي للمرحلة الثانوية في المدارس الأكاديميّة سافرت إلى غانا لأحمل على عاتقي مهمة تدريس المواد الإسلامية المختلفة هناك، فأمضيت مدّة خمس سنوات في هذا المجال، وخلال تواجدي في غانا طرق سمعي وجود مذهب يسمى بالشيعة، وقد قيل لي: إنّهم يختلفون عن أبناء العامة بأمور كثيرة، وأنّ أذانهم وصلاتهم وقرآنهم

١- جمهورية مالي: تقع ضمن دول غرب افريقيا، يبلغ عدد سكانها قرابة (١٢) مليون نسمة، يشكل المسلمون ٩٠% منهم أغلبهم على المذهب المالكي، أمّا أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فعددهم بحدود مائة ألف نسمة.

٢٦
و... يختلف عما عندنا!

وبدافع المعرفة والاطلاع على هذه الطائفة بدأت بتتبع مراكزهم وجمع كتبهم والاحتكاك بهم... وكنت أقارن بينهم وبين أبناء العامة لا سيّما المالكية، وأوّل ما واجهت من خلال المطالعة والتتبع في كتب الشيعة ومعرفة تراثهم أنّهم قد تعرّضوا للفرية والتشنيع، إمّا بسبب العداء الطائفي، وإمّا بسبب عدم الاطلاع على تراثهم، والحقيقة أنّ كلا الأمرين مخجل!

ولقد كانت لكتبهم ـ لا سيّما كتب المستبصرين ـ دور كبير في فتح آفاقي الفكريّة، وتوسيع إدراكي في فهم الحوادث التاريخيّة، خصوصاً تلك التي تلت وفاة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع هذا كنت أرجع إلى الصّحاح لأتحقق بنفسي، لأنّ دأب الشيعة كان الاستدلال بكتب أبناء العامة وذكر ماورد فيها.

ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) في القرآن والسنة:

ومن المسائل التي استوقفتني كثيراً وجعلتني أبحث عنها بدقّة، هي ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) من خلال القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، فهنالك آيات كالمباهلة والإنذار والتبليغ و...، وأحاديث كالمنزلة والثقلين والطير والغدير و...، دلّت بشكل قاطع على إمامته ووجوب تقديمه والاقتداء به ".

وهذه النصوص القرآنية والنبوية وردت بشكل واضح، وذكرها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف متعدّدة، وذلك ليرسخ حقيقة ثبوت الإمامة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، وتتجلى هذه الحقيقة لكلّ مسلم لو أمعن النظر في هذه الآيات والأحاديث التي منها:

١ ـ قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ

٢٧
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)(١).

وهي نازلة في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام)، كما جاء في كتب الحديث والتفسير والفقه، ونصّ عظماء الجمهور على تواتر هذا الخبر وصحّته والركون إليه، كأصحاب الصحاح وغيرهم(٢)، وأجمعوا على أنّها نزلت في حقّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه أثناء الصلاة(٣).

ووجه دلالتها على الإمامة: هو أنّ الله تعالى أثبت الولاية له ولرسوله ولمن آتى الزكاة في حال ركوعه، وذلك ظاهر من سياق الآية، والذي آتى الزكاة هو أمير المؤمنين(عليه السلام) دون غيره، كما ثبت من إجماع أهل النقل، والمراد من الولاية هنا ملك التصرّف، وهذا معنى الإمامة.

٢ ـ قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)(٤).

حيث أمر الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينصّب عليّاً للناس وتبيان فضله ومكانته يوم الغدير، وقد أخرج ذلك متواتراً أئمة التفسير والحديث والتاريخ، وروى هذه الحادثة مائة صحابي! حيث خطب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمحضر مائة ألف من المسلمين أو

١- المائدة: ٥٥.

٢- إنّ هذا ممّا اتفق عليه المفسّرون وغالب المحدّثين في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام): كابن الأثير الجزري في جامع الأصول: ٨ / ٤٩٩ (٦٥١٥)، والواحدي في أسباب النزول:٢٠١ (٣٩٦)، والطبري في الرياض النضرة: ٢ / ١٧٩ (١٦١٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٢ / ٣٥٧، والنسائي في سننه: ٥ / ١٣٥ (٨٤٨١)، وابن أبي حاتم الرازي في التفسير الكبير: ٤ / ٣٨٣، الطبراني في المعجم الأوسط: ٤ / ٣٥٧ (٦٢٣٢).

٣- من الذين اعترفوا بإجماع المفسّرين على نزول الآية في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) بخصوص هذا الموقف: القاضي الايجي في كتابه المواقف: ٣ / ٦٠١، والشريف الجرجاني في شرح المواقف: ٨ / ٣٦٠، وسعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد: ٥ / ٢٧٠.

٤- المائدة: ٦٧.

٢٨
يزيدون، وقال فيما قال: " من كنت مولاه فعليّ مولاه..."، وقد احتجّ بذلك الكثير من الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام) (١).

٣ ـ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اْلإِسْلامَ دِيناً)(٢).

وقد روى الجمهور أنّ هذه الآية نزلت يوم غدير خم بعد أن أخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)البيعة لعليّ(عليه السلام)، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ بن أبي طالب من بعدي، ثمّ قال: من كنت مولاه فعليٌ مولاه... "(٣).

والمولى في اللغة بمعنى أولى، والأولى هو الأحقّ والأملك، وذلك معنى الإمامة.

٤ ـ قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٤).

وقد ذكر المفسّرون(٥)، وروى الأئمّة كأحمد وغيره أنّها نزلت في رسول

١- أنظر: شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ١٩٢ (٢٤٩)، الدرّ المنثور للسيوطي: ٣ / ١٩، فتح القدير للشوكاني: ٢ / ٦٠، روح المعاني للآلوسي: ٣ / ٣٥٩، التفسير الكبير للفخر الرازي: ٤ / ٤٠١، فرائد السمطين للجويني: ١ / ١٥٨ (١٢٠)، عمدة القاري للعيني: ١٨ / ٢٧٦، ينابيع المودة للقندوزي: ١ / ١٥٩.

٢- المائدة: ٣.

٣- أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: ٣ / ١٩، شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ١٥٨ (٢١٣)، تاريخ بغداد للخطيب: ٨ / ٢٨٩ (٤٣٩٢)، البداية والنهاية لابن كثير: ٥ / ١٥٢، مناقب الخوارزمي: ١٣٥ (١٥٢)، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٢٣٧، وذكرها ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير: ١ / ١٧، وغيرها.

٤- الأحزاب: ٣٣.

٥- أنظر: ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ٣ / ٤٨٦، الطحاوي في مشكل الآثار: ١ / ٢٢٢ ـ ٢٣٨، الحسكاني في شواهد التنزيل: ٢ / ١٠ (٦٣٧)، ابن جرير الطبري في تفسيره: ٢٢ / ٥ ـ ٨، السيوطي في الدرّ المنثور: ٦ / ٦٠٤.

٢٩
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) (١).

وفيها إخبار من الله تعالى بإرادته إذهاب الرجس عنهم، والرجس هنا هو رجس الذنوب، وأقله طهارتهم وصدقهم.

ولقد أجمعوا ـ أي المخصوصين بالآية ـ على أنّ الإمامة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، وإجماعهم هذا حجّة واجبة الاتباع، إضافة إلى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)طالب بالخلافة ليقوم بشؤونها، فتكون مطالبته صادقة وصحيحة.

٥ ـ قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)(٢).

وقد تواترت الأخبار عن عبد الله بن عبّاس وغيره، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أخذ يوم المباهلة بيد عليّ والحسن والحسين وجعلوا فاطمة وراءهم(٣)، كما أجمع المفسّرون(٤) على أنّ (أَبْناءَنا) إشارة إلى الحسن والحسين(عليهما السلام)، (وَأَنْفُسَنا )إشارة إلى الإمام عليّ(عليه السلام)، فقد جعله الله تعالى نفس النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو

١- أنظر: مسند أحمد: ٦ / ٢٩٢ (٢٦٥٥١)، صحيح مسلم: ٤ / ١٨٨٣ (٢٤٢٤)، المستدرك للحاكم: ٣ / ١٥٨ (٤٧٠٥)، سنن الترمذي: ٥ / ٢٦٢ (٣٢٠٥ ـ ٣٢٠٦)، ٦ / ١٢٥ (٣٧٨٧)، ١٧٤ (٣٨٧١)، الصواعق المحرقة لابن حجر: ٢ / ٤٢١.

٢- آل عمران: ٦١.

٣- أنظر: صحيح مسلم: ٤ / ١٨٧١ (٢٤٠٤)، مسند أحمد: ١ / ١٨٥ (١٦٠٨)، سنن الترمذي: ٦ / ٨٦ (٣٧٢٤)، تحفة الأحوذي: ٨ / ٢٧٨ (٣١٨٦)، مستدرك الحاكم: ٣ / ١٦٣، سنن البيهقي: ٧ / ١٠١ (١٣٣٩٢).

٤- أنظر: تفسير الطبري: ٣ / ٣٠٠، تفسير ابن كثير: ١ / ٣٧٩، تفسير الدرّ المنثور للسيوطي:٢ / ٢٣١، الكشّاف للزمخشري: ١ / ٥٦٤، أسباب النزول للواحدي: ٦١ (٢٠٩).

٣٠
المساوي له في الكمال والتصرّف و...

وهذه الآية أدلّ دليل على علوّ رتبته(عليه السلام)وأحقيّته بالخلافة، لأنّ الباري حكم بمساواته لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يسوغ لمسلم أن يقدّم أحداً على نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

ولهذا ترى أمير المؤمنين(عليه السلام) استدلّ بهذه الآية عندما احتجّ في الشورى على الحاضرين بجملة من فضائله ومناقبه و...، وكانت آية المباهلة من صميم تلك الاحتجاجات.

٦ ـ قوله تعالى: (... إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد)(١).

وقد روى الجمهور عن ابن عبّاس قوله: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا المنذر وعليّ الهادي، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون "(٢).

ودلالتها ليست مقصورة على أصل الهداية، بل على كمال الهداية.

والملفت هنا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المنذر فلا منذر معه في وقته، فكذلك الهادي فلا هادي معه في وقته.

٧ ـ قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً...)(٣).

فلم يعمل بذلك أحّد من الصحابة إلاّ عليّ(عليه السلام) إلى أن نسخت(٤)، وهي تدلّ

١- الرعد: ٧.

٢- أنظر: المستدرك للحاكم: ٣ / ١٤٠، التفسير الكبير للرازي: ٧ / ١٤، تفسير فتح القدير للشوكاني: ٣ / ٧٠، تفسير الطبري: ١٣ / ١٠٨، ينابيع المودّة للقندوزي: ١ / ٢٩٦، شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ٢٩٣ (٣٩٨)، فرائد السمطين للجويني: ١ / ١٤٨ (١١٢). ٣- المجادلة: ١٢.

٤- أنظر: تفسير الطبري: ٢٨ / ١٩، أحكام القرآن للجصاص: ٣ / ٤٢٨، أسباب النزول للواحدي: ٤٣٢، سنن النسائي: ٥ / ١٥٢ (٨٥٣٧)، الدرّ المنثور للسيوطي: ٨ / ٨٤، التفسير الكبير للرازي: ١٠ / ٤٩٥، ينابيع المودّة للقندوزي: ١ / ٢٩٩، تفسير ابن كثير: ٤ / ٣١٨، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٤٦ (١٤٨٣)، مستدرك الحاكم: ٢ / ٥٢٣ (٣٧٩٤)، وغيرها.

٣١
على أفضليته بمسارعته إلى قبول أمر الله عزّوجلّ والعمل به، وبالخصوص بعد أن بخل الآخرين.

٨ ـ قوله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ )(١).

فقد روى علماء الجمهور أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)(٢)، لبيان أفضليّته على الجميع، والأفضل هو الأولى بالإمامة.

٩ ـ قوله تعالى: ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ )(٣).

وقد أجمع المفسّرون أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لمّا خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مهاجراً إلى المدينة، فخلفه لقضاء دينه وردّ ودائعه(٤)، وأصغر دلالاتها فضله واجتهاده في طاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبذل النفس له.

١- التوبة: ١٩.

٢- أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: ٤ / ١٤٦، تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٤١، تفسير الطبري: ١٠ / ٩٦، جامع الاصول لابن الأثير: ٨ / ٦٦٣ (٦٥١٤)، التفسير الكبير للرازي: ٦ / ١٢، أسباب النزول للواحدي: ٢٤٨ (٤٩٤)، ينابيع المودّة للقندوزي: ١ / ٢٧٧.

٣- البقرة: ٢٠٧.

٤- أنظر: شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ٩٦ (١٣٣ ـ ١٣٧)، ينابيع المودّة للقندوزي: ١ / ٢٧٣، التفسير الكبير للفخر الرازي: ٢ / ٣٥٠، تذكرة الخواص لابن الجوزي: ٤٠، فرائد السمطين للجويني: ١ / ٣٣٠ (٢٥٦)، تاريخ دمشق لابن عساكر: ٤٢ / ٦٨.

٣٢
١٠ ـ قوله تعالى: (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ اْلأَكْبَرِ)(١).

فقد ورد في مسند أحمد وغيره: هو عليّ(عليه السلام) حين أذّن بالآيات من سورة البراءة، حيث أنفذها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي بكر وأتبعه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعليّ(عليه السلام)، فرّده ومضى علي(عليه السلام)، وقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " قد اُمرت أن لا يبلّغها إلاّ أنا أو واحد مني "(٢).

والوجه في فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنفاذ الأوّل وردّه بعدها، لا يخرج بعد لحاظ التنزيه عن العبث والهوى، إلاّ تنبيهاً لفضل الثاني وتنويهاً بأسمه وتشخيصه للناس.

وأمّا السنّة فالأخبار المتواترة فيها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) أكثر من أن تحصى، وقد روى جمهور أبناء العامة وأصحاب الأئمّة(عليهم السلام) هذه الأحاديث في مصنّفاتهم، وذكروها في مرويّاتهم، ونقتصر على نزر يسير منها:

الأوّل: عن سلمان قال: " يا رسول الله من وصيّك؟... قال(صلى الله عليه وآله وسلم): فإنّ وصيّي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب "(٣).

الثاني: قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام): " أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة

١- التوبة: ٣.

٢- أنظر: مسند أحمد: ٣ / ٢٨٣ (١٤٠٥١)، شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ٢٣٥ (٣١٥)، الدرّ المنثور للسيوطي: ٤ / ١٢٢، مجمع الزوائد للهيثمي: ٧ / ٢٩، تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٣٣، التفسير الكبير للرازي: ٥ / ٥٢٣، البداية والنهاية لابن كثير: ٧ / ٢٥٠، ذخائر العقبى للطبري: ٦٩.

٣- أنظر: فضائل الصحابة لابن حنبل: ٢ / ٦١٥ (١٠٥٢)، مجمع الزوائد للهيثمي: ٩ / ١١٣، كفاية الطالب للكنجي: ٢٩٣، شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ٧٧ (١١٥)، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٩٩ (٣ـ١٣٧٤)، ذخائر العقبى للطبري: ٧١، المعجم الكبير للطبراني: ٦ / ٢٢١ (٦٠٦٣).

٣٣
موسوعة من حياة المستبصرين (ج١) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٣٤ - ص ٥٦)
٣٤
من طاعة الله تعالى "(١).

السادس: عن أم سلمة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة "(٢).

السابع: ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنّه لا يجوز على الصراط إلاّ من كان معه كتاب بولاية عليّ بن أبي طالب "(٣).

إنقاذ النفس من الضلالة:

يقول الأخ إبراهيم: " لم تبق لي هذه الآيات والأحاديث مجالا للشكّ في أحقيّة الإمام عليّ(عليه السلام) بقيادة الأمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ أحداث الخلافة التي جرت في السقيفة، وتجرّي بعض الصحابة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي توفي فيه، وما جرى على أهل البيت(عليهم السلام) من تعدّي بُعيد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) و...، كلّ هذه الأحداث جعلتني أتأمّل في معتقداتي.

فقرّرت إنقاذ نفسي بعد أن اتّضحت لي الأمور، وكشف الغطاء الذي ستره البعض، وتوجهت إلى الله تعالى ليوفقني في سلوك النهج الصحيح والسبيل الموصل إليه، فهداني جلّ وعلا للتمسّك بعدل الكتابة وثقله، عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الكرام(عليهم السلام)، فأعلنت استبصاري في " غانا " عام ١٩٩١م ".

١- أنظر: فرائد السمطين للجويني: ١ / ١٧٨ (١٧٨)، ينابيع المودّة للقندوزي: ٢ / ٢٨٧، ذخائر العقبى للطبري: ٦٥، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: ٢ / ١٠٦، مستدرك الحاكم: ٣ / ١٣١ (٤٦٧١)، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٠٦ (١٣٢١)، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٢٠٦.

٢- أنظر: تاريخ بغداد: ١٤ / ٣٢٠ (٧٦٤٣)، مجمع الزوائد للهيثمي: ٧ / ٢٣٥ و ٩ / ١٣٤، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٤٤٩.

٣- أنظر: المناقب لابن المغازلي: ٢٤٢ (٢٨٩)، فرائد السمطين للجويني: ١ / ٢٨٩ (٢٢٨)، ينابيع المودّة للقندوزي: ٢ / ١٦٢، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١١٨ (١٣٦٧)، ذخائر العقبى للطبري: ٧١.

٣٥
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٣) إبـراهيم وتـرى
(مالكي/ ساحل العاج)




ولد بقرية " سوكو " التابعة لمدينة " بوندوكو " في ساحل العاج(١) عام ١٩٨٠م، من عائلة تعتنق المذهب المالكي.

تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٩٩٣م في بلاده، بعد أن تجلت له الحقائق من خلال البحث والتتبع.

بداية الالتفات إلى الحقيقة:

يقول ابراهيم: " لازلت أتذكر ذلك اليوم الذي طرق سمعي فيه كلمة الشيعة، إذ كنت أنذاك طالباً في مدرسة التربية والتعليم الإسلامي، وكنت أحبّ مادة التاريخ، وفي أحد الأيام كان الدرس يرتبط بالعهد الأُموي، فتطرّق الأستاذ في الدرس حول أهم الأحداث التي وقعت خلال فترة حكم الأمويين، ومنها واقعة

١- ساحل العاج: تقع في الجزء الغربي من أفريقيا وتطل على المحيط الأطلسي، يبلغ عدد سكانها قرابة (١٨) مليون نسمة، تتجاوز نسبة المسلمين ٥٠%، أغلبهم من أتباع المذهب المالكي، أمّا الشيعة فيوجد عدّة آلاف من أهل البلد إضافة إلى عشرات الآلاف من المهاجرين.

٣٦
الطفّ! فأشار الأستاذ بشكل عابر إلى مجريات واقعة الطفّ، وذكر أنّ الخليفة يزيد بن معاوية قتل الحسين(عليه السلام) وأهل بيته بصورة فجيعة وبادر إلى إبادة الشيعة في هذه الواقعة، ثم أشار الأستاذ إلى بعض الأفعال المروّعة التي ارتكبها معسكر يزيد ضدّ الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.

التعرف على الشيعة:

فتأثرت من أعماق كياني بواقعة الطفّ الدامية التي كان ضحيتها ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، وتداعى في ذهني كيف تجرأ يزيد بارتكاب هذه الأفعال الشنيعة وهو الخليفة يوم ذاك!

ثم وقع تساؤل في نفسي: ياترى من هم الشيعة الذين ذكرهم الأستاذ وقال: إنّ يزيد أبادهم؟ وماهي صلتهم بالحسين(عليه السلام)؟

فلما أنتهى الدرس توجهت إلى الأستاذ لأستفسر منه حول الشيعة الذين ذكرهم، فقلت له: من هم هؤلاء وماهي صلتهم بالحسين(عليه السلام)، ولماذا أمر الخليفة يزيد بقتلهم وقتل ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فأجابني الأستاذ: إنّ الشيعة طائفة إسلامية تعتقد بإمامة عليّ بن أبي طالب وولده، وتقول بأنّه الأحق بالخلافة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ لهؤلاء معتقدات تغاير ما عليه المسلمون وهي عقائد ضالة ومنحرفة، وهم أناس خرافيون لا يستندون إلى دليل منطقي أو برهان عقلي فيما يذهبون إليه.

ثم أضاف الأستاذ قائلاً: ويمكن تمييز هؤلاء عن غيرهم بكيفية أدائهم للصلاة، فهم يسجدون على التربة، ثم قال لي: ويمكنك للمزيد من التعرف عليهم أن تذهب إلى (آدم وترى) لأنّه أصبح منهم وانتمى إلى التشيع، فأحبذ أن تلتقي به لتجد الانحراف الفكري عنده بصورة مباشرة وتلمس أفكاره الضالة بوضوح.

٣٧

المفاجأة باستبصار أحد أقربائي:

استغربت من كلام الأستاذ عندما أنبأني بأنّ آدم قد انتمى إلى التشيع!، فقلت في نفسي: إنّه خير من أستفسر منه حقيقة هؤلاء الناس الذين لا قوا ما لاقوا يوم عاشوراء.

فقصدته وأخبرته بما جرى بيني وبين أستاذي حول واقعة الطفّ، وطلبت منه أن يبيّن لي ما عنده ويذكر لي أسباب انتمائه لهؤلاء الناس؟، فقبل مني ذلك واتفقنا معاً على موعد معيّن لنتحدث في هذا الموضوع.

وفي الموعد المقرّر، بدأ الأخ آدم الحديث قائلا: إنّ الأحداث التي تلت وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة، ويحتار الباحث في تعيين الانطلاقة في البحث.

فقلت له: الأفضل أن نشرع من البداية كي تتضح الأمور، فبدأ آدم بالحديث عن مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتجرؤ بعض الصحابة عليه واتهامهم له (صلى الله عليه وآله وسلم)بالهجر والهذيان، وما جرى بعد وفاة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من أحداث في السقيفة، وانتهاك القوم لحرمة بيت فاطمة(عليها السلام) و...، ثم تدرّج في الأحداث التي وقعت بعد تولي يزيد لأمر الخلافة ".

شخصية يزيد بن معاوية:

إنّ شخصية يزيد معروفة وواضحة لمن له أدنى مراجعة لكتب التاريخ، لأنّ الإنسان مخبوء تحت لسانه، والأقوال المنقولة عن لسان يزيد تكشف بوضوح حقيقة أمره، كما أنّ يزيد لم يكن من أمثال المنافقين ليخفي سريرته، بل كان يجهر بالفسق والفجور قولاً وعملاً منذ نشأته حتى تنصيبه للخلافة، وورد أنّه قال بعد موت أبيه معاوية وافضاء الأمر إليه: " قد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر عن

٣٨
جهل، ولا أشتغل بطلب علم "(١).

فهو يقرّ بعنجهيته ولهوه وجهله، ويفرض على أُمة الإسلام وجوده ويهدّد من يخالفه بالإرهاب والقتل، ولم يكن ما صدر من يزيد إلاّ لأنّ الترف باعد بيّنه وبين الدين، فجعله شخصية دكتاتورية لا يهمها سوى اشباع غرائزها وتحقيق نزواتها مهما كلف الأمر.

كما أنّ معاوية كان قد مهّد له الأجواء والأرضية ليعبث بها كيف ما شاء، فاستغل يزيد هذا الأمر وارتكب ما تهواه نفسه، فكان يزيد يفتقد الحدّ الأدنى من المقومات التي تجعله مؤهلاً لمنصب الخلافة، بحيث أقرّ بذلك الدعي زياد بن أبيه ـ وهو من عُرف ببغيه وسوء سريرته ـ وكتب إلى معاوية بشأن البيعة ليزيد: " ويزيد صاحب رَسْلَة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد "(٢)، ويزيد معروفاً بالتهوّر وعدم الاتزان، حيث قال عنه البلاذري: " لا يهم بشيء إلاّ ركبه "(٣).

وبمراجعة ما ذكره المؤرخون عن مقاطع حياته تنكشف بوضوح شخصية يزيد المستهترة، ويعود السبب الكبير في ضعف صلة يزيد بالدين هو ترعّرعه ـ كما يسأتي في الأجواء المسيحية التي نشأ فيها ـ وهذه الأجواء هي التي جعلته عاجزاً عن النفاق والتظاهر بالورع والتقوى، والتلبس بلباس الدين، وجعلته مجاهراً بارتكاب المحرمات واقتراف الآثام(٤).

١- أنظر: مروج الذهب للمسعودي: ٣ / ٦٥، العقد الفريد لابن عبد ربه: ٥ / ١٢٤، البداية والنهاية لابن كثير: ٨ / ٩٩.

٢- أنظر: تاريخ الطبري: ٥ / ٣٠٢، تاريخ ابن عساكر: ٣٨ / ٢١٢. ٣- أنساب الأشراف: ٥ / ٢٩٩.

٤- أنظر: تاريخ العرب لفيليب حتي: ٢ / ٢٥٨، سمو المعنى في سمو الذات لعبد الله العلايلي: ٥٩ ـ ٦١، الدولة العربية وسقوطها لولهاوزن: ١٣٧ ـ ١٣٨، تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان: ١٢٩، رسائل الجاحظ: ٣ / ٧٢.

٣٩
وكان الإمام الحسين(عليه السلام) يعلم أنّ تولي يزيد للخلافة سوف يؤدي إلى اضمحلال الدين، وتفشي الضلال في أوساط الأمة، فلهذا كتب إلى معاوية جواباً على رسالته ووصف فيها يزيد بدقة وبصراحة: "... وفهمت ما ذكرت عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأمة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، تريد أن توهم الناس في يزيد! كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً "(١).

ولكن معاوية كان يريد أن يحول الخلافة إلى ملكيّة فلم يبالي بما قيل له، بل حاول تمهيد أرضية الحكم لإبنه وبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك، حتى وصل به الحدّ أن أمر بوضع أحاديث تروّض الناس على الخضوع والذل، وترسّخ عقيدة الجبر في أوساط الأمة، ليؤهل بذلك الأرضية لرضوخها في قبول إبنه كخليفة لله يجب السكوت على تصرفاته مهما كانت، كما في حديث: " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنّه من فارق الجماعة شبراً، فمات إلاّ مات ميتة جاهلية "(٢).

وكان هذا الاسلوب إحدى طرق التضليل الديني الذي ابتدعه معاوية لتثبيت ملكه وملك بني أُمية! حيث قال له يزيد بعد أن تمّت له البيعة بولاية العهد: " والله ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا؟! فقال له معاوية: كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته "(٣).

١- أنظر: الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ١ / ٢٠٨.

٢- أنظر: صحيح البخاري: ٦ / ٢٥٨٨ (٦٦٤٦)، صحيح مسلم: ٣ / ١٤٧٧ (١٨٤٩).

٣- أنظر: الكامل للمبرد: ٢ / ٦٣٦.

٤٠