×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 02) / الصفحات: ٥٦١ - ٥٨٠

كالجسد الواحد..

إذاً، فلا يختصّ أهل البيت بذلك، ولكن إضافة إلى هذا المعنى الشامل لكلّ المؤمنين يتوفّر معنى آخر يتميّز به ودّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) عمّا سواه من ودّ بين المسلمين، وهو الاقتداء والاتّباع بلا ريب، كما كان حبّ الله هو اتّباع النبيّ(صلى الله عليه وآله); إذ ليس لحبّ الله معنى إذا قُرِن بمخالفة النبيّ(صلى الله عليه وآله) (قُل إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)(١).. فحبّ الله يستلزم اتّباع النبيّ(صلى الله عليه وآله)الذي هو سبب حبّ الله للتابعين، وهو رحمته.

إنَّ الهدف الأساسيّ والدائم للقرآن هو تهيئة وسائل وسبل الهداية والنجاة للناس بحكم أنَّه رحمة جاءت للناس عبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي ما أُرسل إلاّ رحمة بهذا القرآن. ولا يمكن أن يحدّد الله الأجر للناس مقابل هذا الدين وتلك الرحمة، ويكون هذا الأجر متضمّناً للشقاء! فهذا الأجر الذي هو مودّة العترة أحد قنوات هذه الرحمة الإلهيّة. كما لا يمكن أن تتحقّق هذه الرحمة مع المخالفة.. إذاً، لكي تنتقل الرحمة أيضاً عبر هذا الأجر ـ أي مودّة أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ لابدَّ أن تعني تلك المودة الاتّباع والاقتداء. وبهذا يتحقّق الهدف الأساسيّ للدين، وهو هداية الناس وإرشادهم لما هو خير لهم وأبقى; لأنَّ المخالفة عمداً أو تساهلا تبعد المخالف عن قنوات الرحمة تلك.

ولهذا، لا يستقيم ودّهم وحبّهم مع مخالفتهم في أمر أو نهج; لأنَّ في هذا إيذاءهم وإيلامهم بلا شكّ. ولا يلتئم ودادهم ووداد من صَدَر منه إيذاؤهم وإيلامهم ووداد من كانت منه شكواهم.

ولهذا كانت مودّة أهل البيت أعظم أجر يتلقّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) من أُمَّته.. لماذا؟

لأنَّ النبيّ الأكرم ـ الذي هو عزيز عليه ما عَنِتَ المؤمنون، حريص عليهم

١- آل عمران: ٣١.

٥٦١
في هدايتهم، رؤوف بالمؤمنين رحيم ـ لا يسرّه شيء مثل أن يرى أُمَّته في نجاة وسلامة في أمن من عذاب يوم عظيم. ولذا كان اتّباع الناس لأهل بيته في دينهم أجراً يتحقّق به رضاه وسروره لما سيجده الناس من نجاة وسلامة.

آية الانذار وحديث الدار:

النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام هم حملة هذا الدين، وهم العارفون به، والرافعون عنه ضلالات المضلِّين وأخطاء الجاهلين، وأحقاد الحاقدين، ونفاق المنافقين. وليس هذا مختصّاً بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، وإنَّما هذه مهمّة ومسؤوليّة كانت على عاتقهم منذ أن أنزل الله تعالى قوله (وَ أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ )(١) فأراد الله بذلك إعدادهم لتلك المسؤولية التي انحصر القيام بها فيهم; استمراراً لمنهاج النبيّ(صلى الله عليه وآله).

ثمَّ إنَّ هذه المسؤوليّة نالها أهل البيت في مقابل الالتزام الذي تأسّس يوم عَرَض النبيّ(صلى الله عليه وآله) هذا الدينَ على عشيرته الأقربين، طالباً منهم العون والمؤازرة في مسؤوليّة القيام بتبليغه، على أن تكون لمن يلتزم المؤازرةَ والمناصرة الخلافةُ والولاية على الناس من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله). فالتزم الإمام عليّ(عليه السلام) بذلك مؤسّساً بالتزامه هذا مسؤوليّة عترة النبيّ الكريم الذين نشأوا وتربّوا عليها أحسن تربيّة وأفضل تنشئة في كنف النبيّ(صلى الله عليه وآله)، يَرْفع إليهم كلّ يوم عِلْماً; إعداداً لهم واختصاصاً بهذا المقام، باعتباره ثواباً وأجراً لما التزم به عليّ(عليه السلام)، مؤسّساً بذلك المقامَ والمسؤوليّة الطبيعيّة لذرّيّته من أبناء الرسول(صلى الله عليه وآله).

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد أن جمع إليه أربعين نفراً من قريش من بني عبدالمطّلب: ".. يا بني عبدالمطلب، إنّي واللهِ ما أعلمُ شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه،

١- الشعراء: ٢١٤.

٥٦٢
فأيُّكم يُؤازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي؟

فقام عليّ(عليه السلام)، فقال: "أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه.

فأخذ رسول الله برقَبته; وقال: إنَّ هذا أخي ووصيّي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.."(١).

إذاً، فهذه الأولويّة في تولّي أمر المسلمين بعد النبيّ الأكرم أمر ثابت للعترة، ولا يجوز لأحد أن ينافسهم فيه وينازعهم. والقبول بهذا الالتزام لنيل هذا المقام هو إشارة واضحة إلى الإيمان والتصديق بنبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله).. فنالت ذلك العترةُ بالإيمان المبكّر الذي شعَّ في قلب سيِّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وهكذا ظلَّ الأمر فيهم إيماناً خالصاً لم تخالطه شوائب الشِّرك أو نزعات الشكّ التي أصابت البعض قبل إسلامهم وبعده.

آية المباهلة:

ثمَّ إنَّه لما حانت لحظة من لحظات الدفاع عن هذا الدين أمام افتراءات نصارى نجران، لم يستنفر الله تعالى لهذه المهمّة العظيمة غير النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأكارم.

فهؤلاء نصارى نجران يُحاجُّون النبيّ الكريم من بعدما جاءه من العلم في أمر عيسى(عليه السلام)، فيأمره الله تعالى بمباهلتهم، ولكن بعد أن يدعو أهل بيته إذ أنَّهم شركاء في الأمر، فقال له تعالى:

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَـذِبِينَ )(٢).

١- تاريخ الطبري: ٢ / ٢١٧، الكامل في التاريخ: ٢ / ٢٢، السيرة الحلبيّة: ١ / ٣٨١.

٢- آل عمران: ٦١.

٥٦٣
إنَّ هذا الأُسلوب في الدفاع عن الدين والذبّ عنه ليس في مقدور أيّ فرد من الناس; ذلك لأنَّه ليس فيه سلاح سوى سلاح الإيمان واليقين الصادق بما نزل به الوحي، بل ليس إيماناً مسبوقاً بالشرك أن يمكن أن يخالجه شكّ مِن بعد. وإنَّ الدفاع عن هذا الدين بالسيف هو دفاع لا شكّ فيه، ولكن قد يكون المدافع لا يملك إلاّ سيفه وشجاعته وحميّته، أو قد لا يملك إلاّ الرغبة في الغنائم ومكتسبات الحرب..

أمَّا الوقوف أمام النصارى، ودعوتهم إلى التوجّه إلى الله تعالى بالمباهلة ـ لتحديد الكاذب من الصادق في أمر الدين ـ فهو أمر يستوجب يقيناً بهذا الدين وربّه، لا يشوبه شيء. ولمّا كان الله تعالى لا يمكن أن يختار لهذا الأمر شخصاً شابَ إيمانَه شكٌّ وريب أو نقص وضعف.. كان إيمان العترة في أوج كماله وتمامه، فانتدبهم الله تعالى للذبِّ عن الدين بهذا السلاح الإيمانيّ التصديقيّ. فدعا الحسنَ والحسين، لقوله "أبناءنا"، ودعا فاطمة لقوله "نساءنا"، ودعا عليّاً وجاء بنفسه لقوله "أنفسنا"، إذ قصد من قوله "أنفسَنا" محمَّداً وعلياً في آن واحد، وهو يوضّح أنَّهما من نفس واحدة.

وبهذا يؤكِّد الوحي تقدّم أهل البيت في القيام بمسؤوليّة هذا الدين. ولازم ذلك عدم أهليّة غيرهم لهذه المسؤوليّة في هذا المقام المتقدّم بالذات، أي مقام أُولي الأمر. فالعامل في السفينة ليست له مهمّة الربّان فيها، وليس هو أهل لقيادتها. وإن حَذَق في وظيفته. وإنَّما هو أهلٌ لما هو فيه من وظيفة ومسؤوليّة تُدار من مقام الربّانيّة.

حديث الثقلين:

ونسبة لهذه الأولويّة في مقام القدوة والاقتداء، في جميع مناحي الحياة بلا استثناء، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) محذِّراً: "إنِّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلُّوا: كتاب

٥٦٤