×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 02) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

المؤمنين" يتصرف بهم تصرُّف السيد بعبيده، أما في السنة الثالثة فقد هدم الكعبة وأحرقها. وهذه أمور قد أجمعت الأمة على صحة وقوعها وتوثيقها!!!

موقف الإمام الحسين(عليه السلام):

في المقابل يوضح الكاتب موقف الإمام الحسين(عليه السلام) من خلافة يزيد وأساس هذا الموقف، فيقول:

"منذ اللحظة التي تأكد فيها الإمام الحسين من هلاك معاوية ومن استخلافه رسمياً لابنه يزيد من بعده قرّر الإمام وصمم تصميماً نهائياً على عدم مبايعة يزيد ابن معاوية مهما كانت النتائج.

أساس الموقف: عهد رسول الله للإمام الحسين بالإمامة والقيادة الشرعية للأمة، كما عهد بها من قبل لأبيه علي ولأخيه الحسن، فهو موقن أنه:

١ ـ إمام زمانه بعهد من الله ورسوله، وباستخلاف معاوية لابنه وتجاهله للإمام الحسين يكون معاوية قد غصب حق الإمام الشرعي بقيادة الأمة، تماماً كما فعل هو والذين من قبله بأبيه وأخيه، وهذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الأمة هي أمة محمد رسول الله، فمحمد هو الذي كوّن الأمة وأسّس دولتها والإمام الحسين كأبيه وأخيه أولى المسلمين بمحمد رسول الله، ومن جهة ثالثة فإن آل محمد وذوي قرباه هم الّذين احتضنوا النبي ودينه، وضحوا بأرواحهم لتكون الأمة وتكون الدولة، بالوقت الذي حاربه فيه الأمويون وناصبوه العداء. فهل من العدل أن يتقدم أعداء الله ورسوله على أولياء الله ورسوله، المؤهلين لقيادة الأمة قيادة شرعية!!!

٢ ـ لما تمكن معاوية من هزيمة الأمة، والاستيلاء على أمرها بالقوة والقهر والتغلب، قطع على نفسه عهد الله أن يجعل الأمر من بعده شورى بين المسلمين

٤١
ليختاروا بمحض إرادتهم من يريدون، واستخلاف معاوية ليزيد بهذه الحالة هو نقض لعهد الله.

٣ ـ الأمة كلها تعلم حال يزيد، فهو مستهتر، تارك للصلاة، شارب للخمر، وزان، ثم إنه يجاهر بفجوره ويجاهر حتى بكفره!!!(١) ومن غير الجائز شرعاً أن يتولى أمر المسلمين من كانت هذه حاله!! وفيهم ابن النبي المعهود إليه بالإمامة من الله ورسوله!!!. ولا ميزة ليزيد بن معاوية سوى أنه قد ورث ملكاً مغصوباً حصل عليه وأبوه بالقوة والقهر والتغلب!!!

٤ ـ إن الأمة كلها تعرف الإمام الحسين، وتعرف قرابته القريبة من رسول الله، وأنه المعهود إليه بإمامة الأمة وقيادتها، وتعرف الأمة كلها علمه، ودينه، ومكانته الدينية المميزة، فعندما يضع الإمام الحسين يده المباركة بيد يزيد القذرة النجسة ويبايعه خليفة لرسول الله على المسلمين!!! فإن الإمام الحسين يصدر فتوى ضمنية بصلاحية يزيد للخلافة، وبشرعية غصبه لأمر المسلمين، ويتنازل ضمنياً عن حقه الشرعي بقيادة الأمة!!! وفي ذلك مس بالدين والعقيدة.

٥ ـ إنَّ من واجب الإمام الحسين أن يرشد الأمة إلى الطريق الشرعي، فإن سلكته الأمة وأخذت به فقد اهتدت وإن تنكبت عنه فلا سلطان للحسين عليها ولا قدرة له، بل ولا ينبغي له إجبارها على الحق وجرها إليه جرّاً فعاجلاً أو آجلاً ستدفع الأمة ضريبة تنكبها عن الشرعية وتهاونها بأمر الله.

٦ ـ وبهذه الحالة فإن أقصى ما يتمناه الإمام الحسين أن لا يجبر على البيعة، وأن يترك وشأنه حتى يستبين الصبح للأمة!!!".

١- راجع روح المعاني للآلوسي: ٢٦ / ٧٣، وتذكرة الخواص لابن الجوزي: ٢ / ١٤٨، وفتوح ابن اعثم: ٥ / ٢٤١. والصواعق المحرقة لابن حجر: ١٣٤.

٤٢
موسوعة من حياة المستبصرين (ج٢) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٤٣ - ص ٦٥)
٤٣
مجموعة من القوى الكبرى التي كانت تكوِّن رعايا دولة الخلافة أو ما عرف باسم "الأمة الإسلامية" وهذه القوى هي:

١ ـ بطون قريش الـ ٢٣ وأحابيشها وموالوها وهي القوة نفسها التي كذبت النبي وقاومته وتآمرت على قتله، وحاربته ٢١ عاماً حتى أحاط بها النبي فاستسلمت واضطرَّت مكرهة لإعلان إسلامها وهي تخفي في صدورها غير الإسلام، ويزيد بن معاوية ليس غريباً على البطون، فجده أبو سفيان هو الذي قاد البطون ووحدَّها للوقوف ضد محمد، لمحاربة محمد. ومعاوية والد يزيد هو الذي قاد البطون، ووحَّدها لحرب علي، ثم إن يزيد موتور شأنه كل واحد من أبناء البطون، وتشترك بطون قريش الـ ٢٣ بكراهية آل محمد والحقد عليهم ورفضها المطلق لقيادتهم وإمامتهم وخلافتهم.

٢ ـ ووقف المنافقون من أهل المدينة وممن حولها من الأعراب، ومن خَبُثَ من ذرياتهم، ومنافقو مكة ومن حولها جميعاً مع يزيد بن معاوية، لا حباً بيزيد، ولا حباً ببطون قريش ولكن كراهية وحقداً على محمد وآل محمد وطمعاً بهدم أساسيات الدين بيد معتنقيه وقد اعتقدوا أن الفرص قد لاحت لإبادة آل محمد إبادة تامة لذلك ايدوا يزيد بن معاوية.

٣ ـ ووقفت المرتزقة من الأعراب مع يزيد أيضاً، وقد وجدت ظاهرة الإرتزاق جنباً إلى جنب مع ظاهرة النفاق، ومات النبي وبقيت الظاهرتان، والمرتزقة قوم لا مبادىء لهم إلا مصالحهم، مهنتهم اقتناص الفرص، وتأييد المواقف، وترجيح الكفات والانقضاض على المغلوب، وهم على استعداد لمناصرة من يدفع لهم أكثر كائناً من كان، ولا فرق عندهم سواء أيدوا رسول الله أم أيدوا الشيطان، فهم يدورون مع النفع العاجل حيث دار، انظر إلى قول سنان بن أنس، قاتل الإمام الحسين لعمر بن سعد بن أبي وقاص عندما جاءه طالباً المكافأة

٤٤
على قتل الحسين:


إملأ ركابي فضة أو ذهباإنّي قتلت السيّد المحجبا
وخيرهم من يذكرون النسباقتلت خير الناس أماً وأبا(١)

فاللعين يعرف الإمام الحسين، ويعرف مكانته العلية، ولكن ما يعني هذا التافه هو المال، إعطه المال وكلفه بقتل نبي يقتله مع علمه بأنه نبي، أو كلفه بقتل الشيطان يقتله إن رآه وبأعصاب باردة، لا فرق عنده بين الإثنين!!.

لقد أدركت المرتزقة بأن الإمام الحسين وأهل بيته سيغلبون وأن يزيد سينتصر وسيعطيهم بعض المال لذلك أيدوا يزيد بن معاوية.

٤ ـ الأكثرية الساحقة من الأنصار، وقفت مع يزيد بن معاوية، فقد بايعته أو قبلت به، أو تظاهرت بقبوله، فليس وارداً على الإطلاق أن تقف مع الإمام الحسين، وليس وارداً أن تعصي أمر يزيد بن معاوية، فلو طلب منها يزيد أن تميل على الإمام الحسين وأهل بيت النبوة فتحرق عليهم بيوتهم وهم أحياء لأجابته أكثرية الأنصار إلى ذلك، فللأنصار تاريخ بالطاعة، فالسرية التي أرسلها الخليفة الأول وقادها الخليفة الثاني لحرق بيت فاطمة بنت محمد على من فيه ـ وفيه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة بنت محمد وآل محمد ـ كانت من الأنصار(٢)لذلك يمكنك القول وبكل ارتياح إنَّ أكثرية الأنصار كانت سيوفهم مع يزيد وتحت تصرفه، وكانوا عملياً من حزبه ومن حزب خلفاء البطون أو على الأقل ليسوا من حزب أهل بيت النبوة!!

٥ ـ المسلمون الجدد الّذين دخلوا في الإسلام على يد جيش الخلفاء الفاتح كانوا بأكثريتهم الساحقة مع يزيد بن معاوية، لأنهم فهموا الإسلام على طريقة قادة

١- مقتل الامام الحسين، السيد المقرم، دار الاضواء، بيروت، ١٩٧٩، ص ٣٠٤.

٢- راجع تاريخ الطبري: ٢ / ٤٤٣ ـ ٤٤٤ وشرح نهج البلاغة: ١ / ١٣٠ ـ ١٣٤ لتجد أسماء الأنصار الذين اشتركوا بعملية التحريق!!!

٤٥
البطون وأبنائها، وتلقوا تعليمهم في مدارس البطون وأكثريتهم لا يعرفون أهل بيت محمد، ولا ذوي قرباه ويجهلون تاريخهم الحافل بالأمجاد، لأن الخلفاء وأبناء بطون قريش الـ ٢٣ تعمّدوا تجهيل الناس بذلك، بل وأبعد من ذلك فإن أكثريتهم يعتقدون أن علي بن أبي طالب قاتل ومجرم "حاشاه" وأنه وأهل بيت النبوة ينازعون الأمر أهله، وأنهم أعداء للدين، وإلا فلماذا فرض "الخليفة معاوية" سَبَّه ولعنه على رعايا الدولة!!! ولماذا أصدر الخليفة معاوية أمراً بقتل كل من يوالي علياً وأهل بيته!!(١) لذلك وقفت الأكثرية الساحقة من المسلمين الجدد من يزيد بن معاوية.

٦ ـ ووقف مع يزيد بن معاوية أبناء وبطون وشيع الخمسة الّذين عرفوا "بأهل الشورى" ويكفي أن تعلم بأن مذبحة كربلاء قد نُفذت على يد عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان أبوه أحد الخمسة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لمنافسة علي بن أبي طالب صاحب الحق الشرعي بالإمامة من بعد النبي!!.

٧ ـ كذلك وقف مع يزيد بن معاوية أبناء الخلفاء الّذين استولوا على مقاليد الأمور من بعد النبي، ووقفت معهم أيضاً بطون الخلفاء وشيعهم، ويكفي أن تعلم بأن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان من أكثر المتحمسين لبيعة يزيد بن معاوية، ومن أكثر المشجعين على هذه البيعة!! وهو نفسه الذي امتنع عن مبايعة علي بن أبي طالب!!

الأقليَّة التي أيّدت ثورة الإمام الحسين:

الأقلية المؤمنة التي أيدت ثورة الإمام الحسين تنقسم إلى فئتين أيضاً:

الفئة الأولى: وهي الفئة التي خرجت مع الإمام الحسين، فرافقته دربه وشاطرته قناعاته وتحليلاته، وأيدت موقفه، ونالت شرف الدفاع عنه، وقاتلت

١- راجع شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ٣ / ٥٩٥ تحقيق حسن تميم.

٤٦
بكل قواها حتى قتلت بين يديه، وهم بتعبير أدق شهداء مذبحة كربلاء ومن نجا منهم بعذر شرعي.

الفئة الثانية: وهم فئة مؤمنة، أحبوا الإمام الحسين بالفعل وتفهموا شرعية وعدالة موقفه، ولكنهم قدروا أن الحسين ومن معه لا طاقة لهم بمواجهة الخليفة وأركان دولته والأكثرية التي تؤيده، وقد اكتفت هذه الفئة بالتعاطف القلبي مع الإمام الحسين، وتصعيد خالص الدعاء لله لحفظه وسلامته، وتابعت أنباءه بشغف بالغ، ولكنها فضلت حياتها على الوقوف معه ومناصرته، ولما استشهد الإمام الحسين بكت هذه الفئة عليه بصدق وحرقة، وندمت على موقفها وتمنت لو ماتت دونه، بعد أن تيقنت أن الإمام الشرعي قد قتل، وأن قمر العز والأمل قد اختفى نهائياً من سماء العالم الإسلامي!!!

معقولية قرار الامام الحسين(عليه السلام) بالتوجه إلى الكوفة:

اقترح بعض المشفقين على الإمام الحسين(عليه السلام) أن لا يذهب إلى العراق وان يبقى في مكة أو يعود إلى المدينة أو يذهب إلى اليمن، وقد اصغى الإمام لأصحاب المقترحات وشكرهم دون الافصاح عن رأيه، وهنا يحاول الكاتب أن يبين دواعي اختيار الإمام للكوفة، فيقول:

"لقد سمعت جماعات الأمة الإسلامية كلها بامتناع الإمام الحسين عن البيعة وبخروجه من المدينة، وباستقراره مؤقتاً في مكة، وعرفت كذلك أن الإمام الحسين يبحث عن مأوى ومكان آمن، وجماعة تحميه وتحمي أهل بيت النبوة من الامويين واذنابهم، فأغمضت كل تلك الجماعات عيونها، وأغلقت آذآنها وتجاهلت بالكامل محنة الإمام الحسين وأهل بيت النبوة، وأهل الكوفة هم وحدهم الَّذين كتبوا للإمام الحسين، وأرسلوا له رسلاً ودعوه لا ليحموه فحسب بل دعوه ليكون إماماً وقائداً لهم، وليس في ذلك غرابة، فالكوفة كانت عاصمة دولة

٤٧
الخلافة في زمن الإمام علي، والأكثرية الساحقة من أهل الكوفة عرفوا فضل علي خاصة وأهل بيت النبوة، وقارنوا بين حكم الإمام علي وسيرته وبين حكم الجبابرة وسيرهم، وادركوا البون الشاسع بين هذين الخطين من الحكم، فليس عجيباً بعد أن هلك معاوية أن يدركوا أن الفرصة مؤاتية لإعادة الحق إلى أهله خاصة بعد أن سمعوا بامتناع الإمام الحسين عن البيعة وخروجه من المدينة وبحثه عن المأوى الآمن له ولأهل بيته. فالمعقول أن يصدَّقهم الناس، والمعقول أيضاً أن يصدِّقهم الإمام الحسين، ثم إنه ليس أمام الحسين أي خيار آخر فإلى أين عساه أن يلجأ، وممن سيطلب الحماية والمنعة، والأهم أن ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوه فإن كانوا صادقين بالفعل، فإن قائداً مثل الإمام الحسين له القدرة على أن يفتح بهم العالم كلّه!!

وفكرة المؤامرة بارسال الرسل والكتب، وفكرة الإختراق الأمويّ لعملية إرسال الرسل والكتب، لم تكن ببال عاقل!!.

إذاً فإن اختيار الإمام الحسين للكوفة كان اختياراً معقولاً في مثل ظروف الحسين، وخياراته المحدودة.

الإمام يقيم الحجة قبل بدء القتال:

لم يبدأ الإمام(عليه السلام) جيش الخلافة بالقتال قبل اقامة الحجة عليهم كاملة، وقد سنحت عدة فرص لأصحاب الإمام للنيل من أعداء الله لكن الإمام منعهم من ذلك. وقد صور الكاتب كيفية اقامة الحجة واهميتها، فقال:

"أحاط "الجيش الإسلامي!" بمعسكر الإمام الحسين إحاطة تامة، وأشرفوا عليه إشرافاً كاملا، فما من حركة يتحركها الإمام أو أحد في معسكره إلاّ ويشاهدها جيش الخلافة كله بوضوح تام، وما من كلمة يتلفظ بها الامام أو أحد من معسكره إلاّ ويسمعها جيش الخلافة!! إنها حالة من الاحاطة التامة!!

٤٨
إنه وإن كان ذلك الوضع من الناحية العسكرية كارثة محققة على الامام الحسين وأهل بيت النبوة ومن والاهم وأقام في معسكرهم. إلاّ أنّه من ناحية ثانية هو الوضع الأمثل لاقامة الحجة على القوم قبل القتال، فاذا تكلم الامام الحسين بذلك الوضع، فان بامكان جيش الخلافة كلّه ان يسمع كلامه، فالجيش يحيط به من كل جانب، ولا يبعدون عنه إلاّ بضع عشرات من الامتار. فكأن الله سبحانه وتعالى قد جمعهم على هذه الصورة ليمكن الامام الحسين من اقامة الحجة عليهم تمهيداً لا نزال العذاب بهم".

تجاوز حدّ التصور والتصديق:

اعتاد الكثير من الذين يمسكون بالقلم أن يبرروا للسلطات جرائمها، وان ينتقدوا إضافة إلى ذلك الثوار والأحرار الذين يقاومون الظلم ويجعلوهم السبب في المآسي التي يرتكبها الطغاة، والكاتب هنا يفعل العكس فينتقد السلطات ويبين جرائمها وعدم امكانية تبريرها، ويمتدح ابي الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام) ويبين خصائصه ومزاياه، وهذا هو الخط الصحيح لكل الكتاب الذين يريدون أن يلتزموا الحياد والانصاف في عرض الحقائق.

يقول الكاتب: "عندما تستعرض بذهنك صور كثرة جيش الخلافة، وصور عدته واستعداداته وإمكانيات وطاقات الدولة التي تدعمه، ومكانتها في العالم السياسي المعاصر لها كدولة عظمى، وتستعرض صورة الجمع الآخر الذي كان يضم الإمام الحسين وآل محمد وذوي قرباه، والقلة القليلة التي أيدتهم ووقفت معهم، فإنك لا تستطيع أن تصدّق أن مواجهة عسكرية يمكن أن تحدث بين هذين الجمعين!! وان احتمال حدوث مواجهة عسكرية أمر يفوق حد التصوّر والتصديق، فجيش الخلافة بغنى عن هذه المواجهة، لأنه ليست له على الإطلاق ضرورة عسكرية وليست هنالك ضرورة لتعذيب الإمام الحسين وأهل بيت النبي

٤٩
وذوي قرباه وصحبه وأطفالهم ونسائهم وهم أحياء، والحيلولة بينهم وبين ماء الفرات الجاري، ومنعهم من الماء، حتى يموتوا عطشاً في صيف الصحراء الملتهب!!! ثم ان جيش الخلافة لو حاصرهم يومين آخرين فقط لماتوا من العطش من دون قتال، ولَمَا كانت هنالك ضرورة لتلك المواجهة العسكرية المخجلة!!! إن أي إنسان يعرف طبيعة الإمام الحسين، وطبيعة آل محمد، وذوي قرباه يخرج بيقين كامل بأنهم أكبر وأعظم من أن يعطوا الدنية مخافة الموت، لأن الموت بمفاهيمهم العلوية الخالدة أمنية، وخروج من الشقاء إلى السعادة المطلقة!! ثم لو أن جدَّ الإمام الحسين كان رجل دين لأي ملّة من الملل لوجد الجيش ـ أي جيش ـ حتى جيوش المشركين حرجاً كبيراً لمجرد التفكير في قتله!!! ولكان وضعه الديني حاجزاً لذلك الجيش عن سفك دمه!! فكيف بابن بنت رسول الله محمد، وبإمام كالإمام الحسين!!! ثم إن قتل الرجل وأولاده وأهل بيته دفعة واحدة يُثير بالإنسان أي إنسان!! حتى إنسان العصور الحجرية شعوراً بالإشمئزاز والاستياء، لأنه عمل يعارض الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فكيف برجل كالإمام وبأهل بيت كأهل بيت النبوة!!! ويظهر لنا أن تصرفات الخليفة وأعماله، وأعمال أركان دولته، ما هي في الحقيقة إلا انعكاس لقلوب مملوءة بالحقد على النبي، وعلى آل محمد، ومسكونة بشبح الوتر والثأر كما بينّا، وسيظهر بهذا التحليل أن الَّذين وقفوا على أهبة الاستعداد لقتال الإمام الحسين وقتله، وإبادة أهل بيت النبوة لم يكونوا بشراً، إنما كانوا وحوشاً مفترسة ضارية ولكن على هيئة البشر!!! لم يعرف التاريخ البشري جيشاً بهذا الخلق والإنحطاط، ولا حاكماً بتلك الجلافة، والفساد، والحقد، إنها نفوس مريضة نتنة، وتغطي على مرضها ونتنها بالإدعاء الزائف بالإسلام، والإسلام بريء منهم، فلقد دخلوه مُكرَهين، وخرجوا منه طائعين، ألا بُعداً لهم كما بَعُدَت ثمود".

٥٠
٥١
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٣) احمد راسم النفيس
(سني / مصر)




ولد عام ١٣٧٢هـ في مدينة "المنصورة" بجمهورية مصر العربية، كان أبوه من رجال التعليم، وأما جده فكان عالماً من علماء الأزهر الشريف يقوم بالخطابة في مسجد القرية، وكان له "منتدى" يجتمع فيه المثقفون من أبناء هذه القرية، يتعلمون على يديه العلوم الدينية والفقهية والأدبية.

الأجواء التي نشأ فيها:

يقول الدكتور أحمد: تفتحت عيناي على أسماء الكتب والمؤلفات الحديثة...، وكم دارت مساجلات في بيتنا حول الشعر والأدب بين أبي (رحمة الله عليه) وبين اصدقائه من الشعراء والأدباء الذين حفلت بهم أنئذ مدينة المنصورة...، فتعلمت من أبي وجدي (رحمة الله عليهما) حبّ القراءة والاطلاع، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب اثناء طفولتي إلا كتاب واحد عجزت عن مواصلة القراءة فيه، ووهو "أبناء الرسول في كربلاء" للكاتب المصري خالد محمد خالد، حيث كنت أجهش بالبكاء في اللحظة التي أمسك فيها الكتاب وأعجز عن مواصلة قراءته....

٥٢

الأجواء الجامعية التي عاشها:

توجّه الدكتور أحمد بعد ذلك إلى الدراسة الاكاديمية حتى حصل عام ١٩٧٠هـ على الثانوية العامة بمجموع أهله للدخول في كلية الطب بمدينة المنصورة، وفي الكلية بادر الدكتور أحمد إلى الالتحاق باتحاد الطلبة، لأنّه وجده افضل مكان يتيح له العمل في المجال الثقافي، ومن هذا المنطلق تفتحت ذهنيته على الصراعات الفكرية والسياسية التي امتلأت بها الساحة المصرية في اوائل السبعينات.

فيصف الدكتور أحمد اوضاع تلك الحقبة الزمنية قائلا: كان التيار الشيوعي لا يزال نشطاً من خلال الموقع التى احتلها في الحقبة الناصرية. والواقع أن الحجم الإعلامي لهذا التيار تجاوز بكثير حجمه الحقيقي، وكان التيار الديني يتحرّك بصورة خجولة محاولا اكتساب بعض المواقع، وكان من الطبيعي أن يحدث الصدام بين التيارين المتناقضين، وخاصة أنّ التيار اليساري كان يتحرَّك بصورة مستفِزّة للجميع.

ويضيف الدكتور أحمد: في عام ١٩٧٥م وبعد سلسلة من الاستفزازات اليسارية، خضنا الانتخابات الطلابية تحت راية التيّار الإسلامي في مواجهة التيار اليساري، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة لليسار وانتصار باهر للتيار الإسلامي، وتسلمت رئاسة الطلاب بكلية طب المنصورة لعامين متتالين.

أوّل التفاتته الجادّة للتشيع:

انتصرت الثورة الاسلامية في ايران ١٩٧٩م، فكان لهذا الحدث اكبر تأثير في اعجاب الدكتور أحمد بهذا الشعب المسلم الذى تلقى الرصاص بصدره واستعذب الشهادة والتف حول قائدة بحماس حتى حقق لنفسه

٥٣
النجاح والانتصار.

يقول الدكتور أحمد: "ضايقني أن يكون ذلك الشعب "منحرف العقيدة" كما وصفه بعضهم من غير المنصفين،... وعندما حاولنا طباعة كتيّب لمناصرة الثورة الاسلامية في ايران، رفض ذلك بعض رفاقنا في العمل الثقافي، ولم يكن بوسعي يومها إلا السكوت، فليست هناك مصادر للمعرفة حول هذا الأمر".

التشنيع العام ضد التشيّع:

بقي الدكتور أحمد متأنياً في اتخاذه الموقف ازاء الثورة الاسلامية في ايران، وبقي على هذه الحالة حتى وقعت الحرب العراقية الايرانية.

فيقول الدكتور أحمد في هذا المجال: "في الآونة (١٩٨٢ ـ ١٩٨٥) كانت هذه الحرب على أشدها، وفجأة تحوّل جزء من النفط عن مساره المعهود في تمويل آلة الحرب العراقية،... وفي هذه الآونة أمطرت الساحة المصرية بوابل من الكتب الصفراء التي تتهجّم على المسلمين الشيعة، وانطلق التيار السلفي ليقوم بالدور المرسوم له في مهاجمة المسلمين الشيعة وبيان بطلان عقائدهم. ومن الواضح تماماً أنّ هؤلاء كانوا ينفذون خطاً مرسوماً ومدعوماً، بل ويحاولون الايحاء بأنّ وراء التشيع في الجمهورية الاسلامية خطاً عنصرياً فارسياً في مواجهة الاسلام العربي! وهذه مقولة تكشف بوضوح الرؤية البعثية العراقية التي امتطت ظهر السلفية".

دواعي اختياره لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):

يقول الدكتور أحمد حول أسباب تركه لانتمائه السابق وتمسكه بمذهب التشيع: كنت في سفرة عائلية في أحد أيام صيف عام ١٩٨٤ م، فعثرت في احدى المكتبات على كتاب عنوانه: "لماذا اخترت مذهب أهل البيت؟"، فاستأذنتُ في

٥٤
أخذه، ولم يكن أحد يعبأ به أو يعرف محتواه فأخذت الكتاب، وقرأته، فتعجبت، ثم تعجبت كيف يمكن لعالم أزهري هو الشيخ محمد مرعي الأمين الأنطاكي مؤلف الكتاب أن يتحول إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأرقتني هذه الفكرة آونة، وقلت في نفسي: هذا الرجل له وجهة نظر ينبغي احترامها، فلم أقرر شيئاً أنئذ واحتفظت بالكتاب.

وبعد عام وفى التوقيت نفسه، وفي المكان نفسه، عثرت على الكتاب الثاني: "خلفاء الرسول الاثنا عشر" فقرأته وفهمته ولم أقرر شيئاً، ولكنني شعرت بأنني اقترب بصورة تدريجية إلى فكر أهل البيت(عليهم السلام).

ويضيف الدكتور أحمد: مضت أيام، وكان هناك معرض للكتاب في كلية الطب بالمنصورة، فمررت به فوجدت كتاباً بعنوان "الإمام جعفر الصادق" تأليف المستشار عبد الحليم الجندي، طبعة مجمع البحوث الاسلامية ١٩٩٧م.

فقلت في نفسي: هذا كتاب عن الإمام جعفر الصادق من تأليف كاتب مصري سُنّي، وصادر من قبل مؤسسة رسمية قبل قيام الثورة الاسلامية في ايران، فأخذته وقرأته وتزلزل كياني لما فيه من معلومات عن أهل البيت(عليهم السلام) طمستها الأنظمة الجائرة وكتمها علماء السوء، فان القوم لا يطيقون أن يذكر آل محمد بخير.

فعدتُ إلى الكتابين السابقين، وأخرجت ما فيهما من المعلومات، ووجدتها جميعها من مصادر سُنية، فقلت في نفسي: لعلّ المسلمين الشيعة كذَّبوا فاوردوا على الناس ما لم يقولوه! فلنعد إلى هذه المصادر بنفسها، فقمتُ بعملية جرد دقيق لجميع هذه الكتب، سواء منها ما كان في مكتبتي الخاصة، أم كان كان في مكتبة جمعية الشبان المسلمين، وتحققت فعلاً من صحة هذه المعلومات.

٥٥

مرحلة الانتماء إلى مذهب التشيع:

يقول الدكتور أحمد: لم تمض إلا أسابيع بعد البحث الجاد والمقارنة بين المذهب السني والمذهب الشيعي إلا وكانت المسألة محسوسة تماماً من الناحية العقائدية، ثم التقيت بواحد من الأصدقاء القدامى الذي وجدته على هذا الأمر، وبدأنا في دراسة بعض الاحكام الفقهية اللازمة لتصحيح العبادات.

وكنت مشغولاً في هذا الوقت في إنهاء رسالة الدكتوراه، حتى أنني اقفلت عيادتي للتفرغ للعمل بهذه الرسالة، وقبلت في نيسان عام ١٩٨٦ وبدأت اتأهب لدخول امتحانات الدكتوراه في تخصص "الباطنية العامة". فاقبلت على القراءة العلمية وكانت راحتي ومتعتي الوحيدة إذا اصابني الملل من القراءة في الطب، هي اللجوء إلى كتب أهل البيت(عليهم السلام).

ردود الفعل الاجتماعية:

لم تمض فترة قصيرة من شيوع خبر استبصار الدكتور أحمد إلاّ وبادر أصحاب العقليات المنغلقة بالصاق تهمة الانحراف الفكري والخلل والعقلي بشخصية الدكتور، ثم تصدى البعض لتسقيط شخصيته والاطاحة بسمعته، بحيث أدى هذا الأمر إلى مقاطعة من قبل جمع غفير من الناس.

فيقول الدكتور أحمد: كنت أتساءل بيني وبين نفسى عن سر هذا العداء والشراسة في مواجهة كل من ينتمى إلى خط آل بيت النبوة، وما هي الجريمة التي ارتكبها أولئك المنتمون؟

ويضيف أيضاً: ثم اخذ التآمر شكلاً آخر، وخطّط البعض لإخراجي من عملي بالجامعة، فبذلوا اقصى جهدهم لذلك وحاولوا استخدام كل ما لديهم من وسائل، ومن هنا تم تأخير حصولي على الدكتوراه من عام ١٩٨٧م حتى ١٩٩٢ م

٥٦
ست سنوات كاملة من الضغوط الوظيفية والمعاشية كي يجبروني على تغيير عقيدتي لكنهم لم يستطعيوا أن يزعزعوا أنملة من التزامي بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

مؤلفاته:

(١) "الطريق إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)":

صدر عن مركز الغدير / بيروت سنة ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٧ م.

جاء في مقدمة الناشر: "يروى لنا في مؤلفه هذا قصه سعيه إلى هذه المعرفة وتوصله إليها في رحلة طويلة بدأت منذ نشأته في اسرة علمية واتصلت في المدرسة والمحيط والجامعة وفي دروب الحياة الملأى بالاحداث...

وتبين للمسافر في سبيل المعرفة في نهاية الرحلة، ان سفينة النجاة للامة الاسلامية تتمثل في أهل بيت النبوة، فطوبى لمن اهتدى الى هذه السفينة وانضوى تحت شراعها".

يمكن تقسيم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول يتعرض فيه إلى تعرفه على التشيع ومراحل ذلك، والقسم الثاني يتعرض لبحث الإمامة ويدعم إمامة أهل البيت من القرآن والسنة، كما يتعرض لصلح الإمام الحسن(عليه السلام) وقيام الإمام الحسين(عليه السلام).

(٢) "على خطى الحسين":

صدر عن مركز الغدير سنة ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٧م.

جاء في تقديم الناشر: "يمهد المؤلف بالحديث عن رؤيا للنبي(صلى الله عليه وآله) تكشف ان ملوك السوء سيرتقون منبره من بعده، فيحذر منهم ويدعو إلى نصرة سبطه الامام الحسين(عليه السلام)، ويعين جماعة المنافقين ثم يبحث بشي من التفصيل في تحقق

٥٧
هذه الرؤيا، فيتحدث في فصل أول، عن ابناء الشجرة الملعونة وهم روّاد الفتنة في الاسلام، وتبين أسس بوصفهم الخارجين على قيادة الامة الشرعية، ويقارن هذا الخطاب الشرعية، ويحدد مفهوم الفتنة وملابسات خديعة التحكيم واسباب وقوع فئة من المسلمين فيها، وفي فصل ثان عن قيام "ارباب السوء" ويتبين أسس شريعته، ويتبع المحاولات التي قاومت هذا النهج المزيف، وعملت على احياء قيم الاسلام. وفي فصل ثالث عن الثورة الحسينية بوصفها نهوضاً بمهمة حفظ الدين فتبين نهجها، ويتتبع مراحلها:

التمهيد، والتصميم والتخطيط، اكتمال عناصر التحرك، الهجرة الثانية: من مكة إلى الكوفة، في الطريق إلى كربلاء، ويناقش هذا السياق آراء بن كثير الذي حاول اخفاء الحقيقة وناقض نفسه، وفي فصل رابع "كربلاء: النهوض بالأمة المنكوية" ويكشف ان الموقف الحسيني معيار وقدوة، ويتجلى هذا الموقف في مواجهة إمام الحق لإمام الباطل، حيث تتبين الحقيقة وتقام الحجة، وتستنهض الأمة".

المقالات:

(١) "فقه التغيير بين سيِّد قطب والسيد محمد باقر الصدر":

نشرته مجلة المنهاج التي تصدر في بيروت ـ العدد السابع عشر ١٤٢١هـ ـ ربيع ٢٠٠٠م.

مما جاء في هذه المقالة: "التاريخ لقضية التغيير في مدرسة أهل البيت يبدأ في موعد مبكر عن التاريخ للمسألة نفسها في فكر سيد قطب، ولأسباب تختلف تماماً عن الأسباب المودعة في ملف تلك القضية عند مدرسة "الاخوان المسلمين" التي نبت فيها سيد قطب.

٥٨

مدرستان:

إذن فنحن أمام مدرستين: مدرسة ترى أنّ العلة التي ضربت الأمة الإسلامية، بعد كمالها وتمامها، إنما تنبع من تبنيها لمفاهيم خاطئة لشهادة أن لا إله إلاّ الله وتنحية الشريعة الاسلامية جانباً، ومن ثمّ انقطع وجود الأمة الإسلامية، وأصبحنا نعيش في جاهلية معاصرة، ولا خروج من هذا الظلام إلاّ بظهور طليعة تعيد اعتناق الاسلام وتجعل إعلان الشهادتين معلّقاً بتأكيد مفهوم الحاكمية واعتباره ركناً اساسياً من اركان الشهادتين. وان هذه الطليعة عليها ان تواجه البشرية كما واجهتها الطليعة الاولى من المسلمين التي التفت حول رسول الله(صلى الله عليه وآله)واستعلاء على الجاهلية المعاصرة ومواجهة لها بالقوة والجهاد والهجومي لا زالة جميع العوائق.

وبالنسبة للأمور الفقهية ومسائل الاجتهاد، فهي مسائل سهلة وميسرة، ويمكن الاستعانة بأي كتاب فقهي في مكتبة المجاهدين لتحقيق الغرض، وبخاصة أنّه لا اجتهاد مع النص، إنها وصفة سهلة ومبسطة!

أما في مدرسة الشهيد الصدر، فالأمة الإسلامية تمضي في مسيرة تكاملية تتحرك نحو غاية مطلقة هي الله عزّوجلّ، وهي في مسيرها الطويل المستمر نحو المثل الاعلى، ستواجهها المثل المنخفضة من حكام ذلك الزمان وحكام هذا الزمان، ومن "وعاظ السلاطين" فضلا عن مواجهتها لـ "مثل عليا" اخرى من صنع البشر من الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا.

فالمسألة إذن ليست مجرَّد قرار باعلان الثورة، أو اعادة اعتناق "لا إله إلا الله" من جديد، أو مواجهة المجتمع المسلم بتكفيره، بل هي مسألة مسير متواصل نحو الله لا تحدَّه حدود ولا تقيده قيود نحو المطلق في إطار أصول الدين الخمسة:

٥٩
التوحيد والنبوة والامامة والعدل والمعاد. تلك الاصول التي لم يتطرق سيّد قطب إلى الحديث عنها، باعتبار ان العامل الأساس في فكره هو مسألة تطبيق الشريعة الاسلامية، ومع ذلك لاحظنا مدى البساطة التي تعامل من خلالها مع تلك القضية الجوهرية...

لم يكن سيد قطب صاحب مشروع ثوري بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، إنها ثورية ناقصة تخاصم الهة المرحلة الراهنة. وتثني على الهة المراحل السابقة خير الثناء، وتكيل لهم جميع اصناف المديح.

وعلى كل حال، فقد ظهرت ثمار ذلك الزرع واخفقت تلك الحركات في الوصول إلى أي نتيجة نافعة لها، أو للمجتمعات التي تحركت فيها. ونحن نقول هذا من موقف الاعتبار والتأمل الحقيقي، لان المراجعة الجذرية تثبت ان الخلل الرئيسي كان بسبب موقف هؤلاء السلبي من قضية الامامة بوصفها حجر الزاوية، والركن الاساس في بناء الامة ومحاولة اعادة وجودها الفاعل إلى ساحة التاريخ".

٦٠