×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرة في كتاب الصراع بين الاسلام والوثنية / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

الله (عليه السلام) قال: «كان عليّ (عليه السلام) مُحدَّثاً، وكان سلمان محدّثاً»، قال: فما آية المحدَّث؟ قال: «يأتيه ملكٌ فينكت في قلبه كيت كيت»(١) .

وبالاسناد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «منّا مَن يُنكت في قلبه، ومنّا مَن يُقذف في قلبه، ومنّا مَن يُخاطب».(٢)

وبإسناده عن الحرث النصري قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): الذي يُسأل عنه الامام وليس عنده فيه شيءٌ مِن أين يعلمه؟ قال: «يُنكت في القلب نكتاً، أو يُنقر في الاُذن نقراً»(٣) .

وقيل لابي عبدالله (عليه السلام): إذا سُئلَ كيف يُجيب؟ قال: «إلهامٌ وسماعٌ وربَّما كانا جمعاً(٤) .

وروى الصفّار بإسناده في «بصائر الدرجات» عن حمران بن أعين قال: قلتُ لابي جعفر (عليه السلام): ألستَ حدَّثتني إنَّ عليّاً كان مُحدَّثاً؟ قال: «بلى»، قلتُ: مَنْ يحدّثه؟ قال: «ملَكٌ»، قلتُ: فأقول: «إنّه نبيٌّ أو رسولٌ»؟ قال: «لا، بل مَثَله مَثل صاحب سليمان، ومَثَل صاحب موسى، ومَثل ذي القرنين، أما بلغك أنَّ عليّاً سُئل عن ذي القرنين؟ فقالوا: كان نبيّاً؟ قال: لا، بل كان عبداً أحبَّ الله فأحبَّه،

(١) أمالي الشيخ الطوسي ٢: ٢٢.

(٢) أمالي الشيخّ الطوسي ٢: ٢٢.

(٣) أمالي الشيخّ الطوسي ٢: ٢٢.

(٤) أمالي الشيخّ الطوسي ٢: ٢٢.

٨١
كتاب نظرة في كتاب الصراع بين الاسلام والوثنية للعلامة الشيخ الأميني ص ٨٢ ـ ص ١٢٤
٨٢
علماءٌ محدَّثون وليسوا بأنبياء. وهذا الوصف ليس من خاصّة منصبهم ولا ينحصر بهم، بل كانت الصدِّيقة كريمة النبيّ الاعظم محدَّثة، وسلمان الفارسي محدِّثاً. نعم كلّ الائمَّة من العترة الطاهرة محدَّثون، وليس كلُّ محدَّث بإمام، ومعنى المحدَّث هو العالم بالاشياء بإحدى الطرق الثلاث المفصَّلة في الاحاديث المتلوَّة، هذا ماعند الشيعة ليس إلاّ.

هذا منتهى القول عند الفريقين ونصوصهما في المحدَّث، وأنت كما ترى لا يوجد أيّ خلاف بينهما، ولم تشذّ الشيعة عن بقيّة المذاهب الاسلاميّة في هذا الموضوع بشيء من الشذوذ إلاّ في عدم عدّهم عمر بن الخطّاب من المحدَّثين، وذلك أخذاً بسيرته الثابتة في صفحات التأريخ من ناحية علمه ولسنا في مقام البحث عنه(١) ، فهل من المعقول أن يُعدّ هذا القول المتسالم عليه في المحدَّث لاُمّة من قائليه فضيلةً رابيةً، وعلى الاُخرى منهم ضلالاً ومنقصة؟ لاها الله.

هلمَّ معي نسائل كيذبان الحجاز عبدالله القصيمي، جرثومة النِّفاق، وبذرة الفساد في المجتمع، كيف يرى في كتابه (الصّراع بين الاسلام والوثنيّة) أنّ الائمّة من آل البيت عند الشيعة أنبياء وأنّهم يوحى إليهم، وأنَّ الملائكة تأتي إليهم

(١) سنوقفك على البحث عنه في الجزء السادس إن شاء الله «المؤلِّف».

٨٣
بالوحي، وأنّهم يزعمون لفاطمة وللائمّة من وُلدِها ما يزعمون للانبياء؟ ويستند في ذلك كلّه على مكاتبة الحسن بن العبّاس المذكور ص ٤٧ نقلاً عن الكافي.

هلاّ يعلم هذا المغفَّل؟ إنّ هذه المفتريات والقذائف على أُمّة كبيرة (أصّلَت آرائها الصالحة على أرجاء الدنيا) إنْ هي إلاّ مآل القول بالمحدَّث الوارد في الكتاب العزيز، وتكلّم الملائكة مع الائمّة من آل البيت وأُمّهم فاطمة البتول كما هو مقتضى استدلاله، وأهل الاسلام كلّهم شرعٌ سواء في ذلك.

أو للشيعيّ عندئذ أن يقول: إنّ عمر بن الخطّاب وغيره من المحدَّثين ـ على زعم العامّة عندهم ـ أنبياء يوحى إليهم، وانَّ الملائكة تأتي إليهم بالوحي؟ لكنَّ الشيعة علماء حكماء لا يخدشون العواطف بالدجل والتمويه وقول الزور، ولا يُسمع لاحد من حملة روح التشيّع والنزعة العلويّة الصحيحة ومقتفي الاداب الجعفريّة أن يتَّهم أُمّة كبيرة بالطامات، وحاشاها أن تُشوِّه سمعتها بالاكاذيب والافائك، وتقذف الاُمم بما هي بريئة منه.

أما كانت بين يدي الرَّجل تلكم النصوص الصريحة للشيعة على أنّ الائمّة علماء وليسوا بأنبياء؟ أما كان صريح تلك الاحاديث بأنّ الائمّة مَثَلهم كمثل صاحب موسى، وصاحب سليمان، وذي

٨٤
القرنين؟ أما كان في «الكافي» في الباب الذي قلّبه الرجل على الشيعة قول الامامين الباقر والصّادق: «لقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيّكم الانبياء»؟

نعم، هذه كلّها كانت بمرأى من الرَّجل، غير أنّ الاناء ينضح بما فيه، ووليد الروح الامويّة الخبيثة وحامل نزعاتها الباطلة سدكٌ بالقحَّة والسفالة، ولا ينفكُّ عن الخنى والقذيعة، ومن شأن الامويِّ أن يتفعّى ويمين ويأفك، ويهتك ناموس المسلمين، ويسلقهم بألسنة حداد، ويفتري على آل البيت وشيعتهم إقتداءً بسلفه، وجرياً على شنشنته الموروثة، ونحن نورد نصَّ كلام الرَّجل ليكون الباحث على بصيرة من أمره، ويرى جهده البالغ في تشتيت صفوف الاُمّة، وشقِّ عصا المسلمين بالبهت وقول الزّور.

قال في «الصِّراع» ج ١ ص ١: الائمّة يوحى إليهم عند الشيعة، قال في «الكافي»: كتب الحسن بن العبّاس إلى الرِّضا يقول: ما الفرق بين الرَّسول والنبيِّ والامام؟ فقال: «الرَّسول هو الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي، والنبيّ ربما يسمع الكلام، وربما رأى الشخص ولم يسمع، والامام هو الذي يسمع الكلام ولايرى الشخص» وقال: والائمَّة لم يفعلوا شيئاً ولا

٨٥
يفعلونه إلاّ بعهد من الله وأمر منه لا يتجاوزونه، وفي الكتاب نصوصٌ أُخرى متعدِّدةٌ في هذا المعنى، فالائمَّة لدى هؤلاء أنبياء يوحى إليهم، ورُسُلٌ أيضاً، لانَّهم مأمورون بتبليغ ما يوحى إليهم.

وقال في ج ٢ ص ٣٥: قد قدَّ منا في الجزء الاوَّل: أنَّ القوم يزعمون أنَّ أئمَّة أهل البيت يوحى إليهم، وأنَّ الملائكة تأتيهم بالوحي من الله ومن السَّماء، وتقدَّم قولهم: أنَّ الائمة لا يفعلون شيئاً ولا يقولونه إلاّ بوحي من الله، وتقدّم: أنّ الفرق عندهم بين محمَّد رسول الله وبين الائمَّة من ذرِّيته: أنَّ محمَّداً كان يرى الملك النازل عليه بالوحي، وأمَّا الائمَّة فيسمعون الوحي وصوت الملك وكلامه ولا يرون شخصه.

وهذا هو الفرق لديهم بين النبيِّ والامام، وبين الرُسل والائمَّة، وهو فرقٌ لا حقيقة له، فالائمّة من آل البيت عندهم أنبياء ورُسُل بكلِّ ما في كلمة النبيِّ والرَّسول من معنى; لانَّ النبيَّ الرَّسول هو إنسانٌ أوحى الله إليه رسالة، وكلّف تبلغيها

٨٦
ونشرها، سواءٌ أكان وحي الله إليه بواسطة الملك أم بلا واسطة، وسواءٌ رأى شخص تلك الواسطة أم لم يره، بل سمع منه وعقل عنه، هذا هو النبيُّ الرَّسول.

ورؤية الملك لادخل له في حقيقة معنى النبيِّ والرَّسول بالاجماع، ولهذا يقولون: الرَّسول هو إنسانٌ أوحي إليه وأُمر بالبلاغ، والنبيُّ هو إنسانُ اوحي إليه ولم يُؤمر بالبلاغ، ولم يجعلوا لرؤية الملك دخلاً في حقيقة

٨٧
النبيِّ وحقيقة الرَّسول، وهذا لا يُنازع فيه أحدٌ من الناس، فالشيعة يزعمون لفاطمة وللائمَّة من وُلدها ما يزعمون للانبياء والرُسُل من المعاني والحقائق، فهم يزعمون أنَّهم معصومون، وأنّهم يوحى إليهم، وأنَّ الملائكة تنزل عليهم بالرِّسالات، وأنَّ لهم معجزات أقلّها إحياؤهم الاموات، كما يقولون في أفضل كتبهم. إنتهى.
(إنّما يَفتري الكذِبَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بآياتِ اللهِ وَأُولئك هم الكاذِبون)     (النحل: ١٠٥)
٨٨

علم أئمة الشيعة بالغيب

شاعت القالة حول علم الائمَّة من آل محمَّد صوات الله عليه وعليهم ممّن أضمر الحنق على الشيعة وأئمتهم، فعندكلٍّ منهم حوشيٌّ من الكلام، يزخرف الزّلح من القول، ويخبط خبط عشواء، ويثبت البرهنة على جهله، كأنَّ الشيعة تفرَّدت بهذا الرأي عن المذاهب الاسلاميّة، وليس في غيرهم مَن يقول بذلك في إمام من أئمَّة المذاهب، فاستحقّوا بذلك كلَّ سبب وتحامل ووقيعة.

فحسبك ما لفّقه القصيمي في «الصِّراع» من قوله في صحيفة «ب» تحت عنوان: الائمة عند الشيعة يعلمون كلَّ شيء، والائمَّة إذا شاءوا أن

٨٩
يعلموا شيئاً أعلمهم الله إيّاه، وهم يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلاّ باختيارهم، وهم يعلمون علم ما كان وعلم ما يكون ولايخفى عليهم شىءٌ ص ١٢٥ وص ١٢٦ (من الكافي للكليني).

ثمَّ قال: وفي الكتاب نصوص أُخرى أيضاً في المعنى، فالائمَّة يُشاركون الله في هذه الصفة، صفة علم الغيب، وعلم ما كان وما سيكون، وأنَّه لا يخفى عليهم شيءٌ، والمسلمون كلّهم يعلمون أنَّ الانبياء والمرسلين لم يكونوا يشاركون الله في هذه الصفة، والنصوص في الكتاب والسُنَّة وعن الائمَّة في أنَّه لا يعلم الغيب إلاّ الله متواترةٌ لا يستطاع حصرها في كتاب. إلخ.

ج ـ العلم بالغيب ـ أعني الوقوف على ما وراء الشهود والعيان من حديث ما غبر أو ما هو آت ـ إنَّما هو أمرٌ سائغٌ ممكنٌ لعامَّة البشر، كالعلم بالشهادة يُتصوَّر في كلِّ ما يُنبَّأ الانسان من عالم غابر، أو عهد قادم لم يَرَه ولم يشهده، مهما أخبره بذلك عالمٌ خبيرٌ، أخذاً من مبدأ الغيب والشهادة، أو علماً بطرق أُخرى معقولة، وليس هناك أيُّ وازع من ذلك.

وأمّا المؤمنون خاصَّة فأغلب معلوماتهم إنّما هو الغيب من

٩٠
الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وجنَّته وناره ولقائه والحياة بعد الموت والبعث والنشور ونفخ الصور والحساب والحور والقصور والولدان وما يقع في العرض الاكبر، إلى آخرما آمنَ به المؤمن وصدَّقه، فهذا غيبٌ كلّه، وأُطلق عليه الغيب في الكتاب العزيز، وبذلك عرَّف الله المؤمنين في قوله تعالى: (الَّذينَ يُؤمنون بالغيبِ) «البقرة ٣»، وقوله تعالى: (الَّذينَ يَخشونَ ربَّهم بالغيب) «الانبياء ٤٩» وقوله: (إنَّما تُنذر الَّذينَ يخشونَ ربَّهم بالغيب) «فاطر ١٨» وقوله: (إنَّما تُنذر مَن اتِّبع الذكر وخشيَ الرّحمن بالغيب) «يس ١١» وقوله: (مَنْ خشي الرَّحمن بالغيب) «ق ٣٣» وقوله: (إنّ الذينَ يخشونَ ربَّهم بالغيب لهم مغفرةٌ) «الملك ١٢» وقوله: (جنّاتِ عدن وعدَ الله عباده بالغيب) «مريم ٦١».

ومنصب النبوَّة والرِّسالة يستدعي لمتولِّيه العلم بالغيب من شتّى النواحي مضافاً إلى ما يعلم منه المؤمنون، وإليه يشير قوله تعالى: (كلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرُّسل ما نثبِّت به فؤادك وجاءك في هذه الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين) «هود ١٢٠».

ومن هنا قصَّ على نبيّه القصص، وقال بعد النبأ عن قصّة مريم: (تِلكَ من أنباءِ الغيب نوحيها إليك) «هود ٤٩».

وقال بعد قصّة إخوان يوسف: (ذَلِكَ مِن أنباءِ الغيب نوحيه

٩١
إليك) «يوسف ١٠٢».

وهذا العلم بالغيب الخاصّ بالرُّسل دون غيرهم ينصُّ عليه بقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبة أحداً إلاّ من ارتضى من رسول)(١) نعم: (ولا يُحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء)(٢) (وما أُوتيتم من العلم إلاّ قليلاً)(٣) .

فالانبياء والاولياء والمؤمنون كلّهم يعلمون الغيب بنصٍّ من الكتاب العزيز، ولكلٍّ منهم جزءٌ مقسوم، غير أنَّ علم هؤلاء كلّهم بلغ ما بلغ محدودٌ لا محالة كمّاً وكيفاً، وعارضٌ ليس بذاتيٍّ، ومسبوقٌ بعدمه ليس بأزليٍّ، وله بدءٌ ونهايةٌ ليس بسرمديٍّ، ومأخوذٌ من الله سبحانه (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو)(٤) .

والنبيّ ووارث علمه في أُمّته(٥) يحتاجون في العمل والسير على طبق علمهم بالغيب من البلايا، والمنايا، والقضايا، وإعلامهم

(١) الجن: ٢٦ ـ ٢٧.

(٢) البقرة: ٢٥٥.

(٣) الاسراء: ٨٥.

(٤) الانعام: ٥٩.

(٥) أجمعت الامة الاسلامية على أنّ وارث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علمه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، راجع الجزء الثالث من كتابنا ص ٩٥ ـ ١٠١ «المؤلِّف».

٩٢
الناس بشيء من ذلك، إلى أمر المولى سبحانه ورخصته، وإنَّما العلم، والعمل به، وإعلام الناس بذلك، مراحل ثلاث لادخل لكلِّ مرحلة بالاُخرى، ولا يستلزم العلم بالشيء وجوب العمل على طبقه، ولا ضرورة الاعلام به، ولكلٍّ منها جهاتٌ مقتضيةٌ ووجوهٌ مانعةٌ لابُدَّمن رعايتها،وليس كلّما يُعلم يُعمل به، ولاكلّمايعُلم يُقال.

قال الحافظ الاُصولي الكبير الامام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشهير بالشاطبي المتوفّى ٧٩٠ هـ في كتابه القيِّم (الموافقات في أُصول الاحكام) ج ٢ ص ١٨٤: لو حصلت له مكاشفة بأنَّ هذا المعيَّن مغصوبٌ أونجسٌ، أو أنَّ هذا الشاهد كاذبٌ، أو أنَّ المال لزيد، وقد تحصّل (للحاكم) بالحجّة لعمرو، أو ما أشبه ذلك، فلا يصحُّ له العمل على وفق ذلك مالم يتعيّن سببٌ ظاهرٌ، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمّم، ولا ترك قبول الشاهد ولا الشهادة بالمال لذي يد على حال، فإنّ الظواهر قد تعيَّن فيها بحكم الشريعة أمرٌ آخر، فلا يتركها، إعتماداً على مجرَّد المكاشفة أو الفراسة، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النوميّة، ولو جاز ذلك لجاز نقض الاحكام بها وإن ترتبت في الظاهر موجباتها، وهذا غير صحيح بحال فكذا ما نحن فيه، وقد جاء في الصحيح: «إنَّكم تختصمون إليّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض

٩٣
فأحكم له على نحوما أسمع منه»(١) الحديث.

فقيَّد الحكم بمقتضى مايسمع وترك ما وراء ذلك، وقد كان كثيرٌ من الاحكام التي تجري على يديه يطّلع على أصلها وما فيها من حقٍّ وباطل، ولكنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يحكم إلاّ على وفق ماسمع، لا على وفق ما علم(٢) وهو أصلٌ في منع الحاكم أن يحكم بعلمه، وقد ذهب مالك في القول المشهور عنه: أنّ الحاكم إذا شهدت عنده العدول بأمر يعلم خلافه، وجب عليه الحكم بشهادتهم إذا لم يعلم تعمّد الكذب، لانّه إذا لم يحكم بشهادتهم كان حاكماً بعلمه، هذا مع كون علم الحاكم مستفاداً من العادات التي لا ريبة فيها لامِن الخوارق التي تداخلها أُمور، والقائل بحصّة حكم الحاكم بعلمه فذلك بالنسبة إلى العلم المستفاد من العادات لا من الخوارق، ولذلك لم يعتبره رسول الله (صلى الله عليه وآله)وهو الحجّة العظمى.

(١) صحيح البخاري ٣:٢٣٥، مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٠٣، كنز العمال ٥: ٨٤٧/١٤٥٣٦.

(٢) قال السيد محمد الخضر الحسين التونسي في تعليق الموافقات: لا يقضي عليه الصلاة والسلام يمقتضى ما عرفه من طريق الباطن كما حكى القرآن عن الخضر عليه السلام، حتى يكون للامة في أخذه بالظاهر أسوة حسنة. إلى أن قال: والحكم بالظاهر وإن لم يكن مُطابقاً للواقع ليس بخطأ، لانه حكم بما أمر الله.

٩٤
إلى أن قال: في ص ١٨٧. إنّ فتح هذا الباب يؤدِّي إلى أن لا يُحفظ ترتيب الظواهر، فإنَّ من وجب عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه ظاهرٌ واضحٌ، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرَّد أمر غيبيٍّ ربَّما شوَّش الخواطر وران على الظواهر، وقد فُهِمَ من الشرع سَدّ هذا الباب جملة، ألا ترى إلى باب الدعاوى المستند إلى أنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر، ولم يُستثن من ذلك أحدٌ حتّى أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتاج إلى البيِّنة في بعض ما أُنكر فيه ممّا كان اشتراه فقال: «مَن يشهد لي»؟ حتّى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين. فما ظنّك بآحاد الاُمَّة، فلو ادَّعى أكبر الناس على أصلح الناس لكانت البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر، وهذا من ذلك والنمط واحدٌ، فالاعتبارات الغيبيَّة مهملةٌ بحسب الاوامر والنواهي الشرعيَّة.

وقال في ص ١٨٩: فصلٌ: إذا تقرّر إعتبار ذلك الشرط فأين يسوغ العمل على وفقها؟ فالقول في ذلك: إنّ الاُمور الجائزات أو المطلوبات التي فيها سعة يجوز العمل فيها بمقتضى ما تقدَّم وذلك على أوجه:

أحدها: أن يكون في أمر مباح، كأن يرى المكاشف أنَّ فلاناً يقصده في الوقت الفلاني أو يعرف ما قصد إليه في إتيانه من موافقة أو مخالفة، أو يطَّلع على ما في قلبه من حديث أو اعتقاد حقٍّ أو

٩٥
باطل وما أشبه ذلك، فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه أو يتحفَّظ من مجيئه إن كان قصده بشرٍّ، فهذا من الجائز له كما لو رأى رؤيا تقتضي ذلك، لكن لا يُعامله إلاّ بما هو مشروعٌ كما تقدَّم.

الثاني: أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، فإنَّ العاقل لا يدخل على نفسه مالعلّه يخاف عاقبته، فقد يلحقه بسبب الالتفات إليها أو غيره، والكرامة كما أنَّها خصوصيّةٌ كذلك هي فتنةٌ واختبارٌ لينظر كيف تعملون، فإن عرضت حاجةٌ أو كان لذلك سببٌ يقتضيه فلا بأس. وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)يخبر بالمغيَّبات للحاجة إلى ذلك، ومعلومٌ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يخبر بكلِّ مغيَّب إطَّلع عليه، بل كان ذلك في بعض الاوقات وعلى مقتضى الحاجات، وقد أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام المصلّين خلفه: أنَّه يراهم من وراء ظهره. لما لهم في ذلك من الفائدة المذكورة في الحديث، وكان يمكن أن يأمرهم وينهاهم من غير إخبار بذلك، وهكذا سائر كراماته ومعجزاته، فعمل أُمَّته بمثل ذلك في هذا المكان أولى منه في الوجه الاوَّل، ولكنَّه مع ذلك في حكم الجواز، لما تقدَّم من خوف العوارض كالعجب ونحوه.

الثالث: أن يكون فيه تحذيرٌ أو تبشيرٌ، ليستعدَّ لكلٍّ عدَّته، فهذا أيضاً جائزٌ، كالاخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا، أولا يكون إن فعل كذا فيعمل على وفق ذلك... إلى آخره.

٩٦
فهلاّ كان من الغيب نبأ إبني نوح، وأنباء قوم هود وعاد وثمود، وقوم إبراهيم ولوط، وذكرى ذي القرنين، ونبأ مَن سلف من الانبياء والمرسلين؟!

وهلاّ كان منه ما أسرَّ به النبيُّ (صلى الله عليه وآله) إلى بعض أزواجه فأفشته إلى أبيها، فلمّا نبّأها به وقالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبَّأني العليم الخبير؟ «التحريم ٣».

وهلاّ كان منه ما أنبأ موسى صاحبه من تأويل مالم يستطع عليه صبراً؟ «الكهف».

وهلاّ كان منه ما كان يقول عيسى لاُمَّته (وأُنبِّئكم بما تأكلون وماتدَّخرون في بيوتكم) ؟ «آل عمران ٤٩».

وهلاّ كان من منه قول عيسى لبني إسرائيل: (يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مصدِّقاً لما بين يديَّ من التوراة ومبشِّراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) ؟ «الصف ٦».

وهلاّ كان منه ما أوحى الله تعالى إلى يوسف: (لتنبئنّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) ؟ «يوسف ١٥».

وهلاّ كان منه ما أنبأ آدم الملائكة من أسمائهم أمراً من الله (يا آدم أنبئهم بأسمائهم) ؟ «البقرة ٣٣».

وهلاّ كانت منه تكلم البشارات الجمّة المحكيّة عن التوراة

٩٧
والانجيل والزَّبور وصحف الماضين وزبر الاوَّلين بنبوَّة نبيِّ الاسلام وشمائله وتأريخ حياته وذكر أُمّته؟.

وهلاّ كانت منه تلك الانباء الصحيحة المرويَّة عن الكهنة والرهابين والاقسَّة حول النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ولادته؟.

ليس هناك أيّ منع وخطر إن علّم الله أحداً ممّن خلق بما شاء وأراد من الغيب المكتوم من علم ما كان أوسيكون، من علم السَّماوات والارضين، من علم الاوَّلين والاخرين، من علم الملائكة والمرسلين. كما لم يُر أيّ وازع إذا حَبا أحداً بعلم ما شاء من الشهادة وأراه ما خلق كما أرى إبراهيم ملكوت السّماوات والارض. ولا يُتصوَّر عندئذ قطُّ اشتراك مع المولى سبحانه في صفته العلم بالغيب، ولا العلم بالشهادة ولو بلغ علم العالم أيَّ مرتبة رابية، وشتّان بينهما، إذ القيود الامكانيّة البشريّة مأخوذةٌ في العلم البشريِّ دائماً لا محالة، سواءٌ تعلّق بالغيب أو تعلّق بالشهادة، وهي تلازمه ولا تفارقه، كما أنَّ العلم الالهي بالغيب أو الشهادة تؤخذ فيه قيود الاحديّة الخاصّة بذات الواجب الاحد الاقدس سبحانه وتعالى.

وكذلك الحال في علم الملائكة، لو أذن الله تعالى إسرافيل مثلاً وقد نصب بين عينيه اللوح المحفوظ الذي فيه تبيان كلّ شيء أن يقرأ ما فيه ويطلّع عليه لم يُشارك الله قطُّ في صفته العلم بالغيب،

٩٨
ولا يلزم منه الشرك.

فلا مقايسة بين العلم الذاتيِّ المطلق وبين العرضيِّ المحدود، ولا بين ما لا يكيَّف بكيف ولا يؤيَّن بأين وبين المحدود المقيَّد، ولا بين الازليِّ الابديِّ وبين الحادث الموقَّت، ولا بين التأصليِّ وبين المكتسب من الغير، كما لا يُقاس العلم النبويُّ بعلم غيره من البشر، لاختلاف طُرق علمهما، وتباين الخصوصيّات والقيود المتَّخذة في علم كلٍّ منهما، مع الاشتراك في إمكان الوجود، بل لا مقايسة بين علم المجتهد وبين علم المقلّد فيما عملما من الاحكام الشرعيَّة ولو أحاط المقلّد بجميعها، لتباين المباديء العلميَّة فيهما.

فالعلم بالغيب على وجه التأصّل والاطلاق من دون قيد بكمٍّ وكيف كالعلم بالشهادة على هذا الوجه إنّما هما من صفات الباري سبحانه، ويخصّان بذاته لا مطلق العلم بالغيب والشهادة، وهذا هو المعنيُّ نفياً وإثباتاً في مثل قوله تعالى: (قل لا يعلم مَن في السَّمواتِ والارض الغيب إلاّ الله) «النمل ٦٥»، وقوله تعالى: (إنّ الله عالم غيب السَّموات والارض إنَّه عليمٌ بذات الصدور) «فاطر ٣٨»، وقوله تعالى: (إنَّ الله يعلم غيب السَّموات والارض بصيرٌ بما تعملون) «الحجرات ١٨»، وقوله تعالى: (ثمَّ تردّون إلى عالم الغيبِ والشهادةِ فينبِّئكم بما كنتم تعملون) «الجمعة ٨»، وقوله تعالى: (عالم الغيبِ والشهادةِ هو الرَّحمن الرَّحيم) «السجدة ٦»

٩٩
وقوله تعالى: (عالم الغيبِ والشهادةِ العزيز الحكيم) «التغابن ١٨»، وقوله تعالى حكايةً عن نوح: (لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنّي ملك) «انعام ٥٠، هود ٣١»، وقوله تعالى حكايةً: (لوكنت أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير) «الاعراف ١٨٨».

وبهذا التفصيل في وجوه العلم يُعلم عدم التعارض نفياً وإثباتاً بين أدلَّة المسألة كتاباً وسُنّة، فكلُّ من الادلَّة النافية والمثبتة ناظرٌ إلى ناحية منها، والموضوع المنفيُّ من علم الغيب في لسان الادلَّة غير المثبت منه، وكذلك بالعكس. وقد يوعز إلى الجهتين في بعض النصوص الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، مثل قول الامام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) مجيباً يحيى بن عبدالله بن الحسن لَمّا قاله: جعلت فداك انَّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب؟ فقال (عليه السلام): «سبحان الله، ضع يدك على رأسي فوالله ما بقيت شعرةٌ فيه ولا في جسدي إلاّ قامت»، ثمّ قال: «لا والله ما هي إلاّ وراثة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(١) .

وكذلك الحال في بقيَّة الصفات الخاصّة بالمولى العزيز سبحانه وتعالى، فإنّها تمتاز عن مضاهاة ما عند غيره تعالى من تلكم

(١) أخرجه شيخنا المفيد في المجلس الثالث من أماليه «المؤلِّف».

أنظر الطبعة المحققة في الامالي ص ٢٣ حديث ٥.

١٠٠