×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرة في كتاب الصراع بين الاسلام والوثنية / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

الصفات بقيودها المخصّصة، فلو كان عيسى على نبيِّنا وآله وعليه السلام يُحيي كلَّ الموتى بإذن الله، أو كان خَلق عالماً بشراً من الطين باذن ربِّه بدل ذلك الطير الذي أخبر عنه بقوله: (إنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله) «آل عمران ٤٩»، لم يكن يُشارك المولى سبحانه في صفته الاحياء والخلق، والله هو الوليّ، وهو محيي الموتى، وهو الخلاّق العليم.

وإنّ الملك المصوِّر في الارحام، مع تصويره ما شاء الله من الصور وخلقه سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها(١) ، لم يكن يشارك ربَّه في صفته، والله هو الخالق البارئ المصِّور، وهو الذي يصِّور في الارحام كيف يشاء.

(١) عن حذيفة مرفوعاً: إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله اليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: ياربّ أذكر أم انثى؟ فيقضي ربك ماشاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا ربّ أجله؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثمّ يقول: يا ربّ رزقه؟ فيقضي ربّك ما شاء ويكتب الملك، ثمّ يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ذلك شيئاً ولا ينقص. أخرجه أبو الحسين مسلم في صحيحه، وذكره ابن الاثير في جامع الاُصول و ابن الدبيع في التيسير ٤ ص ٤٠.

وفي حديث آخر ذكره ابن الدبيع في تيسير الوصول ٤ ص ٤٠: اذا بلغت «يعني المضغة» أن تخلق نفساً بعث الله ملكاً يصورها، فيأتي الملك بتراب بين اصبعيه فيخط في المضغة ثم يعجنه ثم يصورها كما يؤمر فيقول: أذكر أم انثى؟ أشقي أم سعيد؟ وما عمره؟ وما رزقه؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله فيكتب الملك «المؤلِّف».

١٠١
والملك المبعوث إلى الجنين الذي يكتب رزقه وأجله وعمله ومصائبه وما قدّر له من خير وشرٍّ وشقاوته وسعادته ثمّ ينفخ فيه الروح(١) لا يشارك ربّه، والله هو الذي لم يكن له شريكٌ في الملك وخلق كلَّ شيء فقدَّره تقديراً.

وملك الموت مع أنّه يتوفَّى الانفس، وأنزل الله فيه القرآن وقال: (قل يتوفّاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم) «السجدة ١١»، صحَّ مع ذلك الحصر في قوله تعاليع: (ألله يتوفّى الانفس حين موتها) ، والله هو المميت ولا يشاركه ملك الموت في شيء من ذلك، كما صحّت النسبة في قوله تعالى: (الَّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) «النحل ٢٨»، وفي قوله تعالى: (الَّذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين) «النحل ٣٢»، ولا تعارض في كلِّ ذلك ولا إثم ولا فسوق في إسناد الاماتة إلى غيره تعالى.

(١) عن ابن مسعود مرفوعاً: ان خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح.

أخرجه البخاري في باب ذكر الملائكة في صحيحه ومسلم وغيرهما من أئمة الصحاح إلاّ النسائي وأحمد في مسنده ١ ص ٣٧٤، ٤١٤، ٤٣٠، وأبو داود في مسنده ٥ ص ٣٨، وذكره ابن الاثير في جامعة، وابن الدبيع في التيسير ٤ ص ٣٩.

١٠٢
والمَلك لا يغشاه نوم العيون(١) ولا تأخذه سِنة الراقد بتقدير من العزيز العليم وجعله، ومع ذلك لا يشارك الله فيما مدح نفسه بقوله: (لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ) .

ولو أنَّ أحداً مكّنه المولى سبحانه من إحياء موتان الارض برمّتها لم يشاركه تعالى والله هو الذي يحيي الارض بعد موتها.

فهلمَّ معي نسائل القصيمي عن أنَّ قول الشيعة بأنَّ الائمّة إذا شاءوا أن يعلموا شيئاً أعلمهم الله إيَّاه، كيف يتفرَّع عليه القول بأنَّ الائمّة يشاركون الله في هذه الصفة صفة علم الغيب؟ وما وجه الاشتراك بعد فرض كون علمهم بإخبار من الله تعالى وإعلامه؟

وقد ذهب على الجاهل أنَّ الحكم بأنَّ القول بعلم الائمّة بما كان وما يكون ـ وليس هو كلّ الغيب ولا جلّه ـ وعدم خفاء شيء من ذلك عليهم يستلزم الشرك بالله في صفة علمه بالغيب، تحديدٌ لعلم الله، وقولٌ بالحدِّ في صفاته سبحانه، ومَن حدَّه فقد عدَّه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. والنصوص الموجودة في الكتاب والسنّة على أن لا يعلم الغيب إلاّ قد خفيت مغزاها على المغفَّل ولم يفهم منها شيئاً (ومِن النّاس مَن يجادل في الله بغير علم ويتَّبع كلَّ شيطان مريد)(٢) .

(١) راجع الخطبة الاُولى من نهج البلاغة وشروحها.

(٢) الحج: ٣.

١٠٣
ونُسائل الرَّجل: كيف خفي هذا الشرك المزعوم على أئمّة قومه؟ فيما أخرجوه عن حذيفة قال: أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما كان وما يكون إلى يوم القيامة(١) ، وما أخرجه أحمد إمام مذهب الرجل في مسنده ج ٥ ص ٣٨٨ عن أبي ادريس قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: والله إنّي لاعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنةٌ فيما بيني وبين السّاعة.

وقد جهل بأنَّ علم المؤمن بموته وإختياره الموت واللقاء مهما خيّر بينه وبين الحياة ليس من المستحيل، ولا بأمر خطير بعيد عن خطر المؤمن فضلاً عن أئمّة المؤمنين من العترة الطاهرة، هلاّ يعلم الرجل ما أخرجه قومه في أئمَّتهم من ذلك وعدّوه فضائل لهم؟ ذكروا عن ابن شهاب(٢) قال: كان أبو بكر ـ ابن أبي قحافة ـ والحارث بن كلدة يأكلان حريرة أُهديت لابي بكر فقال الحارث لابي بكر: إرفع يدك يا خليفة رسول الله إنَّ فيها لسمّ سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتّى ماتا في يوم واحد عند إنقضاء السنة.

(١) صحيح مسلم في كتاب الفتن، مسند أحمد ٥ ص٣٨٦، البيهقي، تاريخ ابن عساكر ٤ ص٩٤ تيسير الوصول ٤ ص ٢٤١، خلاصة التهذيب ٦٣، الاصابة ١ ص ٢١٨، التقريب ٨٢ «المؤلِّف».

(٢) ك ـ مستدرك الصحيحين ـ ٣ ص ٦٤، صف ـ صفة الصفوة ـ ١ ص ١٠، يه ـ البداية والنهاية لابن الاثير ـ ١ ص١٨٠ «المؤلّف».

١٠٤
وذكر أحمد في مسنده ١ ص ٤٨ و ٥١، والطبري في رياضه ٢ ص ٧٤ إخبار عن موته بسبب رؤيا رآها، وما كان بين رؤياه وبين يوم طعن فيه إلاّ جمعة.

وفي الرياض ج ٢ ص ٧٥ عن كعب الاخبار إنّه قال لعمر: يا أمير المؤمنين أعهد بأنَّك ميِّت إلى ثلاثة أيّام، فلمَّا قضى ثلاثة أيَّام طعنه أبو لؤلؤة فدخل عليه الناس ودخل كعب في جملتهم فقال: القول ما قال كعب.

وروي إنّ عيينة بن حصن الفزاري قال لعمر: إحترس أو اخرج العجم من المدينة، فإنّي لا آمن أن يطعنك رجلٌ منهم في هذا الموضع. ووضع يده في الموضع الذي طعنه فيه أبو لؤلؤة.

وعن جبير بن مطعم قال: إنّا لواقفون مع عمر على الجبل بعرفة إذ سمعت رجلاً يقول: يا خليفة! فقال أعرابيٌّ من لهب من خلفي: ما هذا الصوت؟ قطع الله لهجتك والله لا يقف أمير المؤمنين بعد هذا العام أبداً. فسببته وأدَّبته، فلمّا رمينا الجمرة مع عمر جاءت حصاة فأصابت رأسه ففتحت عرقاً من رأسه فسال الدم، فقال رجلٌ: أشعر أمير المؤمنين أما والله لا يقف بعد هذا العام ههنا أبداً. فالتفت فإذا هوذلك اللهبي، فوالله ماحجّ عمر بعدها.خرَّجه ابن الصحّاك.

وإن تعجب فعجبٌ إخبار الميِّت وهو يُدفن عن شهادة عمر في

١٠٥
أيّام خلافة أبي بكر، أخرج البيهقي عن عبدالله بن عبيدالله الانصاري قال: كنتُ فيمن دفن ثابت بن قيس وكان قتل باليمامة(١) فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمّد رسول الله، أبو بكر الصدّيق، عمر الشهيد، عثمان البرّ الرَّحيم. فنظرنا إليه فإذا هو مِّيت. وذكره القاضي في «الشفاء» في فصل إحياء الموتى وكلامهم.

وعن عبدالله بن سلام قال: أتيتُ عثمان وهو محصورٌ أُسلِّم عليه فقال: مرحباً بأخي مرحباً بأخي، أفلا أُحدِّثك ما رأيت الليلة في المنام؟ فقلت: بلى. قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد مثّل لي في هذه الخوخة ـ وأشار عثمان إلى خوخة في أعلى داره ـ فقال: حصروك؟ فقلت. نعم فقال: عطشوك؟ فقلت: نعم. فأدلى دلواً من ماء فشربت حتّى رُويت، فها أنا أجد برودة ذلك الدلو بين ثديي وبين كتفي. فقال: إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم؟ فاخترت الفطر(٢) .

وعنه قال: إنّي رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) البارحة و أبابكر و عمر فقالوا لي: صبراً فإنَّك تفطر عندنا القابلة.

(١) بلدة باليمن على ستة عشر مرحلة من المدينة، وكانت وقعة اليمامة في ربيع الاول سنة اثنتي عشرة هجرية في خلافة أبي بكر «المؤلِّف».

(٢) الرياض النضرة ٢ ص ١٢٧، الاتحاف للشبراوي ٩٢ «المؤلِّف».

١٠٦
عن كثير بن الصلت عن عثمان قال: إنّي رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامي هذا فقال: إنَّك شاهدٌ معنا الجمعة (ك ـ مستدرك الصحيحين ـ ٣ ص ٩٩).

وعن ابن عمر: انّ عثمان أصبح يحدِّث الناس قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام قال: يا عثمان أفطر عندنا غداً، فأصبح صائماً وقتل من يومه.

قال محبّ الدين الطبري في «الرِّياض» ٢ ص ١٢٧ بعد رواية ما ذكر: واختلاف الروايات محمولٌ على تكرار الرؤيا فكانت مرَّة نهاراً ومرَّة ليلاً.

وأخرج الحاكم في «المستدرك» ٣ ص ٢٠٣ بسند صحَّحه إخبار عبدالله بن عمرو الانصاري الصحابي ابنه جابر بشهادته يوم أُحد، وأنَّه أوَّل قتيل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان كما أخبر به.

وذكر الخطيب البغدادي في تأريخه ٢ ص ٤٩ عن أبي الحسين المالكي أنَّه قال: كنتُ أصحب خير النساج ـ محمّد بن اسماعيل ـ سنين كثيرة ورأيت له من كرامات الله تعالى ما يكثر ذكره غير أنَّه قال لي قبل وفاته بثمانية أيّام: إنّي أموت يوم الخميس المغرب، فأُدفن يوم الجمعة قبل الصَّلاة وستنسى فلا تنساه. قال أبو

١٠٧
الحسين: فأنسيته إلى يوم الجمعة فلقيني من خبَّرني بموته فخرجت لاحضر جنازته فوجدت الناس راجعين فسألتهم لِمَ رجعوا فذكروا أنّه يدفن بعد الصَّلاة، فبادرت ولم ألتفت إلى قولهم فوجدت الجنازة قد أُخرجت قبل الصَّلاة أو كما قال. وهذه القصَّة ذكرها ابن الجوزي أيضاً في المنتطم ٦ ص ٢٧٤.

غيض من فيض

توجد في طيِّ كتب الحفّاظ ومعاجم أعلام القوم قضايا جمَّة في اناس كثيرين عدّوها لهم فضلاً وكرامةً تنبأ عن علمهم بالغيب وبما تخفي الصّدور، ولا يراها أحدٌ منهم شركاً، ولا يسمع من القصيمي ومن لفَّ لفَّه فيها ركزاً، وأمثالها في أئمَّة الشيعة هي التي جسَّها القوم، وألقت عليهم جشمها، وكثر فيها منهم الرطيط، وإليك جملةٌ من تلكم القضايا:

١ ـ قال أبو عمرو بن علو ان: خرجت يوماً إلى سوق الرحبة في حاجة فرأيتُ جنازة، فتبعتها لاُصلّي عليها، ووقفت حتّى يدفن الميِّت في جملة الناس، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمّد، فلححت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله «إلى أن قال»: فخطر في قلبي: أن زر شيخك الجنيد، فانحدرت إلى بغداد، فلمّا جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال لي: ادخل أبا عمرو،

١٠٨
تذنب بالرّحبة ونستغفر لك ببغداد. تأريخ بغداد ٧ ص ٢٤٧، صف (صفة الصفوة لابن الجوزي) ٢ من ٢٣٦.

٢ ـ قال ابن النّجار كان الشيخ «أبو محمَّد عبدالله الجبائي المتوفّى ٦٠٥ هـ» يتكلّم يوماً في الاخلاص والرِّياء والعجب وأنا حاضرٌ في المجلس، فخطر في نفسي: كيف الخلاص من العجب؟ فالتفت إليَّ الشيخ وقال: إذا رأيت الاشياء من الله وأنّه وفقك لعمل الخير وأخرجك من البين سلمت من العجب. هب (شذرات الذهب) ٥ ص ١٦.

٣ ـ عن الشيخ علي الشبلي قال: احتاجت زوجتي إلى مقنعة، فقلت: عليَّ دين خمسة دراهم فمن أين أشتري لك مقنعة؟ فنمتُ فرأيتُ من يقول لي: إذا أردت أن تنظر إلى ابراهيم الخليل فانظر إلى الشيخ عبدالله بن عبد العزيز. فلمّا أصبحت أتيته بقاسيون فقال لي: ما لك يا علي؟ أجلس وقام إلي منزله وعاد ومعه مقنعة في طرفها خمسة دراهم، فأخذتها ورجعت. هب (شذرات الذهب) ٥ ص ٧٤.

٤ ـ قال أبو محمَّد الجوهري سمعتُ أخي أبا عبدالله يقول: رأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله)في المنام فقلت: يا رسول الله أيّ المذاهب خير؟

١٠٩
وقال قلت: على أيِّ المذاهب أكون؟ فقال: ابن بطة ابن بطة(١) . فخرجت من بغداد إلى عكبرا، فصادف دخولي يوم الجمعة، فقصدت الشيخ أبا عبدالله ابن بطة إلى الجامع، فلّما رآني قال لي إبتداءً: صدق رسول الله، صدق رسول الله. هب (شذرات الذهب) ٣ ص ١٢٣.

٥ ـ قال أبو الفتح القوّاس: لحقتني إضاقة وقتاً من الزّمان، فنظرت فلم أجد في البيت غير قوس لي وخفّين كُنت ألبسهما، فأصبحت وقد عزمت على بيعهما، وكان يوم مجلس أبي الحسين بن سمعون، فقلت في نفسي: أحضر المجلس ثمَّ انصرف فأبيع الخفّين والقوس. قال: وكان القوّاس قلَّ ما يتخلّف عن حضور مجلس ابن سمعون، قال أبو الفتح: فحضرتُ المجلس فلمّا أردت الانصراف ناداني أبو الحسين: يا أبا الفتح لا تبع الخفَّين ولا تبع القوس فإنَّ الله سيأتيك برزق من عنده. تأريخ ابن عساكر ١ ص ٢٧٦.

٦ ـ قال الحافظ ابن كثير في تاريخه ١٢ ص ١٤٤: قدم الخطيب أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي، وكان يحضر في مجلسه في بعض الاحيان أكثر من ثلاثين ألفاً من الرِّجال والنساء، قال بعضهم: دخلتُ عليه وهو يشرب مرقاً، فقلت في نفسي: ليته

(١) هو الحافظ أبو عبدالله عبيدالله بن محمد الفقيه الحنبلي العكبري توفي سنة ٣٨٧ هـ «المؤلِّف».

١١٠
أعطاني فضله لاشربه لحفظ القرآن، فناولني فضله فقال: اشربها على تلك النيّة. قال: فرزقني الله حفظ القرآن.

٧ ـ قال أبو الحارث الاولاسى: خرجت من حصن اولاس أُريد البحر فقال بعض اخواني: لا تخرج فإنّي قد هيَّأت لك «عُجَّة» حتّى تأكل قال: فجلست فأكلت معه ونزلت إلى الساحل وإذا أنا بابراهيم بن سعد (أبو إسحاق الحسني) العلوي قائماً يصلّي فقلت في نفسي: ما أشكّ إلاّ أنَّه يريد أن يقول: امش معي على الماء، ولئن قال لي لامشينَّ معه، فما استحكم الخاطر حتّى قال: هيه يا أبا الحارث أمش على الخاطر. فقلت: بسم الله فمشى هو على الماء، فذهبت أمشي فغاصت رجلي، فالتفت إليَّ وقال لي: يا أبا الحارث، العجَّة أخذت برجلك، فذهب وتركني. طب (تأريخ بغداد للخطيب البغدادي) ٦ ص ٨٦، كر (تأريخ الشام لابن عساكر) ٢ ص ٢٠٨، صف (صفة الصفوة لابن الجوزي) ٢ ص ٢٤٢.

٨ ـ كان ابن سمعون محمَّد بن أحمد الواعظ المتوفّى ٣٨٧ هـ يعظ يوماً على المنبر وتحته أبو الفتح بن القوّاس، فنعس ابن القوّاس فأمسك ابن سمعون عن الوعظ حتّى استيقظ، فحين استيقظ قال ابن سمعون: رأيتَ رسول الله في منامك هذا؟ قال: نعم. قال: فلهذا أمسكتُ عن الوعظ حتّى لا ازعجك عمّا كنت فيه. تأريخ بغداد ١ ص ٢٧٦، المنتظم ٧ ص ١٩٩، تاريخ ابن كثير ١١ ص ٣٢٣.

١١١
٩ ـ روي عن ابن الجنيد أنَّه قال: رأيت ابليس في المنام وكأنَّه عريان فقلت: ألا تستحي من الناس؟ فقال: وهو لا يظنّهم ناساً ـ: لو كانوا ناساً ما كنت ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة، إنّما الناس جماعةٌ غير هؤلاء. فقلت: أين هم؟ فقال: في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي واتعبوا جسدي، كلّما هممت بهم أشاروا إلى الله عزَّ وجلَّ فأكاد أحترق. قال: فلمّا انتبهت لبست ثيابي ورحت إلى المسجد الذي ذكر فإذا ثلاثة جلوس ورؤوسهم في مرقعاتهم، فرفع أحدهم ر.سه إلىَّ وقال: يا أبا القاسم لا تغترّ بحديث الخبيث وأنت كلّما قيل لك شيءٌ تقبل. فإذا هم: أبو بكر الدقّاق، وأبو الحسين النوري(١) ، وأبو حمزة محمَّد بن علي الجرجاني الفقيه الشافعي. ذكره ابن الاثير كما في تأريخ ابن كثير ١١ ص ٩٧، وابن الجوزي في صفة الصفوة ٢ ص ٢٣٤.

١٠ ـ جاء يوماً شابٌّ نصرانيٌّ في صورة مسلم إلى أبي القاسم الجنيد الخزّاز فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول الني (صلى الله عليه وآله): «أتَّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله»؟ فأطرق الجنيد ثمَّ رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم، قال: فأسلم الغلام. تاريخ ابن كثير ١١ ص ١١٤.

(١) توفي في سنة ٢٩٥ هـ، ومن جملة العجائب المذكورة في ترجمته في تأريخ ابن كثير ١١ ص ١٠٦ أنه صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لامن أهله ولا من غيره «المؤلِّف».

١١٢
وحُكي عن أبي الحسن الشاذلي المتوفّى ٦٥٦ هـ قوله: لولا لجام الشريعة على لساني لاخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة. هب (شذرات الذهب) ٥ ص ٢٧٩.

العجب العجاب

وأعجب من هذه كلّها دعوى الرَّجل من القوم أنَّه يرى اللوح المحفوظ ويقرأه، فتؤخذ منه تلكم الدعاوى الضخمة، وتذكر في سلسلة الفضائل، وتأتي في كتبهم حقائق راهنة من دون أيّ مناقشة في الحساب.

قال ابن العماد في شذرات الذهب ٨ ص ٢٨٦ في ترجمة المولى محيي الدين محمَّد ابن مصطفى القوجوي الحنفي المتوفّى ٩٥٠ هـ صاحب الحواشي على البيضاوي ومؤلَّفات أُخرى: كان يقول إذا شككت في آية من القرآن أتوجَّه إلى الله تعالى فيتَّسع صدري حتّى يصير قدر الدنيا، ويطلع فيه قمران لاأدري هما أيّ شيء، ثمَّ يظهر نورٌ فيكون دليلاً إلى اللوح المحفوظ فأستخرج منه معنى الاية.

وقال في ج ٨ ص ١٧٨ في ترجمة المولى بخشي الرومي الحنفي المتوفّى ٩٣١ هـ: رحل إلى ديار العرب فأخذ عن علمائهم وصارت له يدٌ طولى في الفقه والتفسير (إلى أن قال): كان ربّما يقول: رأيتُ

١١٣
في اللوح المحفوظ مسطوراً كذا وكذا فلا يخطئ أصلاً.

وقال اليافعي في مرآة الجنان ٣ ص ٤٧١: أنَّ الشيخ جاكير المتوفّى سنة ٥٩٠ هـ كان يقول: ما أخذتُ العهد على أحد حتّى رأيتُ اسمه مرفوعاً في اللوح المحفوظ من جملة مريدي.

وقال في المرآة ج ٤ ص ٢٥: كان الشيخ ابن الصّباغ أبو الحسن عليّ بن حميد المتوفّى ٦١٢ هـ لا يصحب إلاّ مَن يراه مكتوباً في اللوح المحفوظ من أصحابه، وذكره ابن العماد في شذراته ٥ ص٥٢.

توجد جملة كثيرة من هذه الاوهام الخرافيَّة في طبقات الشعراني، والكواكب الدريَّة للنووي، وروض الرَّياحين لليافعي، وروضة الناظرين للشيخ أحمد الوتري وأمثالها.

(الَّذينَ كَذَّبوا بآياِتنا سَنَستدرِجُهم مِنْ حيثُ لا يَشعِرونَ) (الاعراف: ١٨٢)

١١٤

الان حصحص الحق

الان حقّ علينا أن نُميط الستر عن خبيئة أسرارنا، ونُعرب عن غايتنا المتوخّاة من هذا البحث الضافي حول الكتب.

الان آن لنا أن ننوّه بأنّ ضالّتنا المنشودة هي إيقاظ شعور الاُمّة الاسلامية إلى جانب مهمّ فيه الصالح العام والوئام والسّلام والوحدة الاجتماعيّة، وحفظ ثغور الاسلام عن تهجّم سيل الفساد الجارف.

(يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيري بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ)(١) .

(١) يونس: ٧١.

١١٥
أُنشدكم بالله أيّها المسلمون، هل دعايةٌ أقوى من هذه الكتب إلى تفريق صفوف المسلمين، وتمزيق شملهم، وفساد نظام المجتمع، وذهاب ريح الوحدة العربيّة، وفصم عرى الاُخوّة الاسلاميّة، وإثارة الاحقاد الخامدة، وحشّ نيران الضغائن في نفوس الشعب الاسلامي، ونفخ جمرة البغضاء والعداء المحتدم بين فرق المسلمين؟!

(يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ)(١) : هذه الكتب يُضادّ صراخها نداء القرآن البليغ، هذه النعرات المشمرجة(٢) تُشيع الفحشاء والمنكر في الملا الديني، هذه الكلم الطائشة معاول هدّامة لاُسّ مكارم الاخلاق التي بُعث لتتميمها نبيّ الاسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذه الالسنة السّلاقة اللسّابة البذّاءة مدرسات الاُمّة بفاحش القول وسوء الادب وقبح العشرة وضدّ المداراة وبالشراسة والقحّة والشياص، هذه التعاليم الفاسدة فيها دَحْسٌ لنظام المجتمع ودحلٌ بين الفرق الاسلاميّة، وهتكٌ لناموس الشرع المقدّس وعبثٌ بسياسة البلاد وصدعٌ لتوحيد العباد، هذه الاقلام المسمومة تمنع الاُمّة عن سعادتها ورقيّها وتولد العراقيل في مسيرها ومسربها وتمحو ما خطته يد الاصلاح في صحائف القلوب وتحيي في

(١) غافر: ٣٨.

(٢) الشمراج: المخلط من الكلام بالكذب، والشمرج: الباطل «المؤلف».

١١٦
النفوس ما عقمته داعية الدين.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ)(١) : إنّ الاراء الدينيّة الاسلامية إجتماعية يشترك فيها كلّ معتنق بالاسلام، إذ لا تمثّل في الملا إلاّباسم الدين الاجتماعي، فيهمُّ كلّ إسلاميّ يحمل بين جنبيه عاطفةً دينيّةً أن يدافع عن شرف نحلته، وكيان ملّته، مهما وجد هناك زلّةً في رأي، أو خطأً في فكرة، ولا يسعه أن يفرّق بين باءة وأُخرى، أو يخصّ نفسه بحكومة دون غيرها (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)(٢) ، بل الارض كلّها بيئة المسلم الصّادق والاسلام حكومته، وهو يعيش تحت راية الحق، وتوحيد الكلمة ضالّته، وصدق الاخاء شعاره أينما كان وحيثما كان.

هذا شأن الافراد وكيف بالحكومات العزيزة الاسلاميّة؟ التي هي شعب تلك الحكومة العالميّة الكبرى، ومفردات ذلك الجمع الصحيح، ومقطّعات حروف تلك الكلمة الواحدة، كلمة الصدق والعدل، كلمة الاخلاص والتوحيد، كلمة العزّ والشرف، كلمة الرُقي والتقدّم.

فأنّى يسوغ لحكومة مصر العزيزة أن تُرخّص لنشر هذه

(١) يونس: ٥٧.

(٢) النجم: ٢٣.

١١٧
الكتب في بلادها؟ وتُشوّه سمعتها في أرجاء الدنيا؟ وهي ثغر الاسلام المستحكم من أوّل يومه، وهي مدرسة الشرق المؤسّسة تحت راية الحقّ بيد رجال العلم والدين.

أليس عاراً على مصر بعدما مضت عليها قرون متطاولة بحسن السمعة أن تُعرّف في العالم بأُناس دجّالين، وكتّاب مستأجرين، وأقلام مسمومة، وأن يقال: إنّ فقيهها موسى جار الله، وعالمها القصيمي، ومصلحها أحمد أمين، وعضو مؤتمرها محمّد رشيد رضا، ودكتورها طه حسن، ومؤرّخها الخضري، وأُستاذ علوم إجتماعها محمّد ثابت، وشاعرها عبد الظاهر أبو السَّمح.

أليس عاراً على مصر أن يتملّج ويتلمّظ بشرفها الدُّخلاء من ابن نجد ودمشق فيؤلّف أحدهم كتاباً في الردّ على الاماميّة ويسمّيه «الصراع بين الاسلام والوثنية» ويأتي آخر يُقرِّظه بشعره لا بشعوره ويعرّف الشيعة الاماميّة بقوله:

ويحمل قلبهم بغضاً شنيعاً لخير الخلق ليس له دفاعُ
يقولون: الامين حبا بوحي وخان وما لهم عن ذا ارتداعُ
فهل في الارض كفرٌ بعد هذا؟ ولمن يهوى متاعُ
فما للقوم دينٌ أو حياءٌ بحسبهم من الخزي «الصراع»
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ)(١) ، أيحسب

(١) الحديد: ١٦.

١١٨
امرئٌ مصريٌّ انّ إشاعة هذه الكتب، وبثّ هذه المخاريق والنسب المفتعلة، ونشر هذه التآليف التافهة حياةٌ للاُمّة المصريّة، وايقاظٌ لشعور شعبها المثقّف، وإبقاءٌ لكيان تلك الحكومة العربيّة العزيزة، وتقدّم ورقيٌّ في حركاتها العلمية، الادبيّة، الاخلاقيّة، الدينيّة، الاجتماعيّة؟

أسفاً على أقلام مصر النزيهة، وأعلامها المحنّكين، ومؤلّفيها المصلحين، وكُتّابها الصادقين، وعباقرتها البارعين، وأساتذتها المثقّفين، ورجالها الاُمناء على ودايع العلم والدين.

أسفاً على مصر وعلمها المتدفّق، وأدبها الجمّ، وروحها الصحيحة، ورأيها الناضج، وعقلها السليم، وحياتها الدينيّة، وإسلامها القديم، وولائها الخالص، وتعاليمها القيّمة، ودروسها العالية، وخلايقها الكريمة، وملكاتها الفاضلة.

أسفاً على مصر وعلى تلكم الفضائل وهي راحت ضحيّة تلك الكتب المزخرفة، ضحيّة تلك الاقلام المستأجرة، ضحيّة تلك النزعات الفاسدة، ضحيّة تلك الصحائف السوداء، ضحيّة تلك النعرات الحمقاء، ضحيّة تلك المطابع المأسوف عليها، ضحيّة أفكار أُولئك المحدَثين المتسرّعين (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ)(١) ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ قَالُوا إِنَّمَا

(١) الفجر: ١١-١٢.

١١٩
نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ)(١) .

أليست هذه الكتب بين يدي أعلام مصر ومشايخها المثقّفين؟ أم لم يوجد هناك مَن يحمل عاطفةً ينيّة، وشعوراً حيّاً، وفكرةً صالحة يُدافع عن ناموس مصره المحبوبة قبل ناموس الشرق كلّها؟

والعجب كلُّ العجب انّ علاّمة مصر(٢) يُري للمجتمع انّه الناقد البصير فيقرّظ كتاباً(٣) قيّماً لعربيٍّ صميم عراقيّ يُعدّ من أعلام العصر ومن عظماء العالم ويُناقش دون ما في طيّه من الاغلاط المطبعيّة ممّا لا يترتّب به على الاُمّة ولا على فرد منها أيّ ضرر وخسارة بمثل قوله: كلّما، صوابه: كلّ ما. شرع، صوابه: شرح. شيخنا، صوابه: شيخا.

مرحباً بهذا الحرص والاستكناه في الاصلاح والتغاضي عن تلكم الكوارث، مرحباً بكلاءة ناموس لغة العرب والصفح عن دينه وصالح ملّته، مرحباً بهذه العاطفة المصلحة لتآليف مشايخ

(١) البقرة: ١١-١٢.

(٢) الاُستاذ أحمد زكي «المؤلف».

(٣) أصل الشيعة وأُصولها، لشيخنا العلاّمة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء «المؤلف».

١٢٠