×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرة في كتاب الفِصَل في الملل والاهواء والنحل / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

التأليف؟! أدب العلم؟! أدب العفَّة؟!

(أأُلقي الذِّكرُ عَليه مِنْ بينِنا بَلْ هُوَ كذّابٌ أشِر * سيَعلمونَ غداً مَنِ الكذّابُ الاشرِ)(١) .

(١) القمر: ٢٥-٢٦.

١٢١

الرأي العام في ابن حزم الاندلسي
المتوفّى ٤٥٦ هـ

ما عساني أن أكتب عن شخصيّة أجمع فقهاء عصره على تضليله، والتشنيع عليه، ونهي العوام عن الاقتراب منه، وحكموا بإحراق تآليفه ومدوّناته مهما وجدوا الضلال في طيّاتها، كما في لسان الميزان ٤: ٢٠٠.

ويُعرِّفه الالوسي عند ذكره بقوله: الضالّ المُضلّ، كما في تفسيره ٢١: ٧٦.

ما عساني أن أقول في مؤلِّف لا يتحاشا عن الكذب على الله

١٢٢
ورسوله، ولا يبالي بالجُرأة على مقدَّسات الشرع النبويِّ، وقذف المسلمين بكلّ فاحشة، والاخذ بمخاريق القول وسقطات الرأي.

ما عساني أن أذكر عن بحّاثة لا يُعرف مبدؤه في أقواله، ولا يستند على مصدر من الكتاب والسنّة في آرائه، غير أنّه إذا أفتى تحكّم، وإذا حكم مان، يعزو إلى الاُمّة الاسلاميّة ما هي بريئةٌ منه، ويضيف إلى الائمّة وحفّاظ المذهب ماهم بُعداء منه، تعرب تآليفه عن حقِّ القول من الرأي العام في ضلاله، وإليك نماذج من آرائه:

قال في فقهه (المحلّى) ١٠: ٤٨٢، مسألة: مقتولٌ كان في أوليائه غائبٌ أو صغيرٌ أو مجنون، اختلف الناس في هذا. ثمَّ نقلَ عن أبي حنيفة أنّه يقول: إنَّ للكبير أن يَقْتُلَ ولا ينتظر الصغار، وعن الشافعي: إنَّ الكبير لا يستقيد حتى يبلغ الصغير. ثمّ أورد على الشافعية بأنّ الحسن بن علي قد قتل عبد الرحمن بن ملجم ولعليّ بنون صغار، ثمَّ قال: هذه القصّة ـ يعني قتل ابن ملجم ـ عائدةٌ على الحنفيّين بمثل ما شنّعوا على الشافعيِّين سواء سواء; لانَّهم والمالكيِّين لايختلفون في أنَّ مَن قتل آخر على تأويل فلا قَود في ذلك، ولا خلاف بين أحد من الاُمَّة في أنَّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً (رضي الله عنه) إلاّ متأوِّلاً مجتهداً مقدِّراً على أنَّه صواب، وفي ذلك قول عمران بن حطّان شاعر الصفريَّة:

يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها إلاّليبلغ من ذي العرش رضوانا
١٢٣
إنّي لاذكره حيناً فأحسبه أوفى البريَّة عند الله ميزانا
أي لاُفكّر فيه ثمَّ أحسبه، فقد حصل الحنفيّون في خلاف الحسن بن عليّ على مثل ماشنَّعوا به على الشافعيِّين، وما ينقلون أبداً من رجوع سهامهم عليهم، ومن الوقوع فيما حفروه(١) .

فهلمّ معي نُسائل كلُّ معتنق للاسلام أين هذه الفتوى المجرَّدة من قول النبيِّ (صلى الله عليه وآله) في حديث صحيح لعليّ (عليه السلام): «قاتلك أشقى الاخرين» ـ وفي لفظ: «أشقى الناس»، وفي الثالث: «أشقى هذه الاُمة» ـ كما أنَّ عاقر الناقة أشقى ثمود؟! أخرجه الحّفاظ الاثبات والاعلام الائمّة بغير طريق، ويكاد أن يكون متواتراً على ما حدّد ابن حزم التواتر به، منهم:

إمام الحنابلة أحمد في المسند ٤: ٢٦٣، والنسائي في الخصائص: ٣٩، وابن قتيبة في الامامة والسياسة ١: ١٣٥، والحاكم في المستدرك عن عمّار ٣: ١٤٠، والذهبيُّ في تلخيصه، وصحّحاه، ورواه الحاكم عن ابن سنان الدؤلي: ١١٣، وصحَّحه وذكره الذهبيُّ في تلخيصه، والخطيب في تأريخه عن جابر بن سمرة ١: ١٣٥، وابن عبد البرّ في الاستيعاب (هامش الاصابة) ٣: ٦٠ ذكره

(١) حكاه عنه ابن حجر في تلخيص الخبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ط هند، سنة ١٣٠٣، ص ٤١٦ «المؤلّف».

١٢٤
عن النسائي ثمّ قال: وذكره الطبري وغيره أيضاً، وذكره ابن إسحاق في السير، وهو معروف من رواية محمّد بن كعب القرظي عن يزيد بن جشم(١) عن عمّار بن ياسر، وذكره ابن أبي خيثمة من طرق، وأخرجه محبُّ الدين الطبريُّ في رياضه عن عليّ من طريق أحمد وابن الضحاك، وعن صهيب من طريق أبي حاتم والملا.

ورواه ابن كثير في تأريخه ٧: ٣٢٣ من طريق أبي يعلى، و ص ٣٢٥ من طريق الخطيب، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ٦: ٤١١ عن ابن عساكر والحاكم والبيهقي، و ص ٤١٢ بعدَّة طرق عن ابن عساكر، و ص ٤١٣ من طريق ابن مردويه، و ص١٥٧ من طريق الدارقطني، و ص ٣٩٩ من طريق أحمد والبغوي والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبي نعيم وابن عساكر وابن النجّار.

وأين هذا من قوله الاخر (صلى الله عليه وآله) لعلي: «ألا أخبرك بأشدِّ الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول الله، قال: فإنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود وخاضب لحيتك بدم رأسك»، رواه ابن عبد ربّه في العقد الفريق ٢: ٢٩٨.

(١) كذا في النسخ، والصحيح عن أبي يزيد بن خثيم «المؤلف».

١٢٥
وأين هذا من قوله الثالث (صلى الله عليه وآله): «قاتلك شبه اليهود وهو يهود»، أخرجه ابن عدي في الكامل(١) ، وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع ٦: ٤١٢.

وأين هذا ممّا ذكره ابن كثير في تأريخه ٧: ٣٢٣ من أنَّ علياً كان يكثر أن يقول: «ما يحبس أشقاها؟» وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ٦: ٤١١ بطريقين عن أبي سعد وأبي نعيم وابن أبي شيبة، و ص ٤١٣ من طريق ابن عساكر.

وأين من قول أمير المؤمنين الاخر لابن ملجم: «لا أراك إلاّ من شرّ خلق الله» رواه الطبري في تأريخه ٦: ٨٥، وابن الاثير في الكامل ٣: ١٦٩.

وقوله الاخر(عليه السلام): «ما ينظر بي إلاّ شقيّ» أخرجه أحمد باسناده كما في البداية والنهاية ٧: ٣٢٤.

وقوله الرابع لاهله: «والله لودّدت لو انبعث أشقاها» أخرجه أبو حاتم والملا في سيرته كما في الرياض ٢: ٢٤٨.

وقوله الخامس: «ما يمنع أشقاكم» كما في الكامل ٣: ١٦٨، وفي كنز العمّال ٦: ٤١٢ من طريق عبد الرزّاق وابن سعد.

(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣: ٧١٤.

١٢٦
وقوله السادس: «ما ينتظر أشقاها» أخرجه المحاملي كما في الرياض ٢: ٢٤٨.

ليت شعري أيَّ اجتهاد يؤدِّي إلى وجوب قتل الامام المفترض طاعته؟ أو أيّ إجتهاد يسوِّغ جعل قتله مهراً لنكاح امرأة خارجيّة عشقها أشقى مراد(١) ؟ أو أيَّ مجال للاجتهاد في مقابل النصِّ النبويِّ الاعزِّ؟ ولو فتح هذا الباب لتسرَّب الاجتهاد منه إلى قتلة الانبياء والخلفاء جميعاً، لكن ابن حزم لا يرضى أن يكون قاتل عمر أو قتلة عثمان مجتهدين، ونحن أيضاً لا نقول به.

ثمَّ ليتني أدري أيّ اُمّة من الاُمم أطبقت على تعذير عبد الرحمن بن ملجم في ما ارتكبه؟ ليته دلَّنا عليها، فإنّ الاُمَّة الاسلاميّة ليس عندها شيءٌ من هذا النقل المائن، اللهمّ إلاّ الخوارج المارقين عن الدين، وقد اقتصّ الرجل أثرهم واحتجَّ بشعر قائلهم عمران.

اللهمّ ما عمران بن حطّان وحكمه في تبرير عمل ابن ملجم من إراقة دم وليّ الله الامام الطاهر أمير المؤمنين؟ ما قيمة قوله حتى يُستدلّ به ويُركن إليه في أحكام الاسلام؟ وما شأن فقيه «ابن حزم» من الدين يحذو حذو مثل عمران ويأخذ قوله في دين الله،

(١) راجع الامامة والسياسة ١: ١٣٤، تأريخ الطبري ٦: ٨٣، مستدرك الصحيحين ٣: ١٤٣، الكامل في التأريخ ٣: ١٦٨، البداية والنهاية ٧: ٣٢٨.

١٢٧
ويخالف به النبيَّ الاعظم في نصوصه الصحيحة الثابتة ويردّها ويقذف الاُمّة الاسلامية بسخب خارجيّ مارق؟ وهذا معاصره القاضي أبو الطيّب طاهر بن عبد الله الشافعي(١) يقول في عمران ومذهبه هذا:
إنّي لابرأ ممّا أنت قائلهُ عن ابن ملجم الملعون بهتانا
ياضربةً من شقيٍّ ما أراد بها إلاّ ليهدم للاسلام أركانا
إنّي لاذكره يوماً فألعنه دنياً وألعن عمراناً وحطّانا
عليه ثُمَّ عليه الدهر متَّصلاً لعائن الله اسراراً وإعلانا
فأنتما من كلاب النّار جاء به نصُّ (الشريعة برهاناًوتبياناً)(٢)
وقال بكر بن حسّان الباهلي:
قل لابن ملجم والاقدار غالبةٌ هدَّمتَ ويلك للاسلام أركانا
قتلتَ أفضل من يمشي على قدم وأوَّل الناس إسلاماً وإيمانا

(١) من فقهاء الشافعية، قال ابن خلكان في تأخريخه ١: ٢٥٣، كان ثقة صادقاً ديّناً ورعاً، عارفاً باُصول الفقه وفروعه، محقّقاً في علمه، سليم الصدر، حسن الخلق، صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء، ولد بآمل ٣٤٨ هـ، توفي ببغداد ٤٥٠ هـ «المؤلّف».

(٢) مروج الذهب ٢: ٤٣ «المؤلّف».

١٢٨
وأعلم النّاس بالقرآن ثُمّ بما سنَّ الرسول لنا شرعاً وتبيانا
صهر النبيّ ومولانا وناصره أضحت مناقبه نوراً وبرهاناً
وكان منه على رغم الحسود له مكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان في الحرب سيفاً صارماً ذكراً ليثاً إذا ما لقى الاقران أقرانا
ذكرتُ قاتله والدمع منحدرٌ فقلتُ: سبحانَ ربِّ الناس سبحانا
إنّي لاحسبه ما كان من بشر يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عُدَّت قبائلها وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الاُولى التي جلبت على ثمودَ بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها قبل المنيَّة أزماناً فأزمانا
١٢٩
فلا عفا الله عنه ما تحمَّله(١) ولا سقى قبر عمران بن حطّانا
لقوله في شقيّ ظلَّ مجترماً ونال ما ناله ظلماً وعدوانا
(ياضربة من تقيٍّ ما أراد بها إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا)
بل ضربة من غويّ أورثته لظى(٢) وسوف يلقى به الرحمن غضبانا
كأنَّه لم يرد قصداً بضربته إلاّ ليصلى عذاب الخلد نيرانا(٣)
قال ابن حجر في الاصابة ٣: ١٧٩: صاحب الابيات بكر بن حمّاد التاهرتي، وهو من أهل القيروان في عصر البخاري، وأجازه عنها السيد الحميري الشاعر المشهور الشيعيّ وهو في ديوانه. انتهى.

وفي الاستيعاب ٢: ٤٧٢ أبو بكر بن حمّاد التاهرتي، وذكر له

(١) في الكامل: فلا عفا الله عنه سوء فعلته «المؤلف».

(٢) في الكامل: بل ضربة من غوي أوردته لظى «المؤلف».

(٣) مروج الذهب ٢: ٤٣، الاستيعاب في ترجمة أمير المؤمنين، الكامل لابن الاثير ٣: ١٧١، تمام المتون للصفدي: ١٥٢ «المؤلف».

وانظر الاستيعاب (هامش الاصابة) ٣: ٥٨.

١٣٠
أبياتاً في رثاء مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) أوّلها:
وهزَّ عليٌّ بالعراقين لحيةً مصيبتها جلّت على كلّ مسلم
وقال محمّد بن أحمد الطيب(١) ردّاً على عمران بن حطّان:
يا ضربةً من غدور صار ضاربها أشقى البريَّة عند الله إنسانا
إذا تفكّرتُ فيه ظلتُ ألعنه وألعن الكلب عمران بن حطّانا
على أنّ قتل الامام المجتبى لابن ملجم وتقرير المسلمين له على ذلك صحابيِّهم وتابعيِّهم، حتى أنَّ كلّ أحد منهم كان يودُّ أنّه هو المباشر لقتله، يدلّنا على أنّ فعل اللعين لم يكن ممّا يتطرَّق إليه الاجتهاد، فضلاً عن أن يُبرِّره، ولو كان هناك إجتهاد فهو في مقابلة النصوص المتضافرة، فكان من الصالح العام لكافَّة المسلمين إجتياح تلك الجرثومة الخبيثة، وهو واجب أيّ أحد من الاُمّة الاسلامية، غير أنّ إمام الوقت السيِّد المجتبى تقدّم إلى تلك الفضيلة كتقدُّمه إلى غيرها من الفضائل.

فليس هو من المواضيع التي حرَّرها ابن حزم فتحكّم أوتهكم

(١) يوجد البيتان في كامل المبرّد ٣: ٩٠ ط محمد بن علي صبيح وأولاده، وليس من أصل الكتاب كما لا يخفى «المؤلّف».

١٣١
على الشافعيَّة والحنفيَّة والمالكيَّة، وإنّما هو من ضروريّات الاسلام في قاتل كلِّ إمام حقٍّ، ولذلك ترى أنّ القائلين بإمامة عمر بن الخطاب لم يشكّوا في وجوب قتل قاتله، ولم يرَ أحد منهم للاجتهاد هناك مجالاً، كما سيأتي في كلام ابن حزم نفسه: أنّه لم ير له مجالاً لقتلة عثمان.

فشتّان بين ابن حزم وبين ابن حجر، هذا يبرّر عمل عبد الرحمن، وذاك يعتذر عن ذكر إسمه في كتابه لسان الميزان(١) ، ويصفه بالفتك وأنّه من بقايا الخوارج في تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٨.

وابن حجر في كلامه هذا إتّبع أثر الحافظ أبي زرعة العراقيّ في قوله في طرح التثريب ١: ٨٦: إنتدب له «لعليٍّ» قومٌ من الخوارج فقاتلهم فظفر بهم، ثمّ انتدب له من بقاياهم أشقى الاخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وكان فاتكاً ملعوناً فطعنه.

ومن نماذج آرائه

قوله في الفِصَل ٤: ١٦١ في المجتهد المخطئ: وعمّار (رضي الله عنه) قتله أبو الغادية يسار ابن سبع السلمي، شهد (عمّار) بيعة الرضوان، فهو

(١) لسان الميزان ٣: ٤٣٩.

١٣٢
من شهداء الله له بأنَّه علمَ ما في قلبه وأنزل السكينة عليه (رضي الله عنه)، فأبو الغادية رضي الله عنه متأوّلٌ مجتهدٌ مُخطئ فيه باغ عليه مأجورٌ أجراً واحداً، وليس هذا كقتله عثمان (رضي الله عنه); لانَّهم لا مجال للاِّجتهاد في قتله، لانّه لم يقتل أحداً، ولا حارب، ولا قاتل، ولا دافع، ولا زنا بعد إحصان، ولا ارتدّ، فيسوغ المحاربة تأويلٌ، بل هُم فسّاقٌ محاربون سافكون دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان، فهم فُسّاقٌ ملعونون. إنتهى.

لم أجد معنى لاجتهاد أبي الغادية (بالمعجمة) وهو من مجاهيل الدنيا، وأفناء الناس، وحُثالة العهد النبويِّ، ولم يعرَّف بشيء غير أنّه جُهنيٌّ، ولم يُذكر في أيِّ معجم بما يُعرب عن إجتهاد، ولم يُرو منه شيءٌ من العلم الالهي سوى قول النبي (صلى الله عليه وآله): «دمائكم وأموالكم حرام»، وقوله: «لاترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعجَّبون من أنّه سمع هذا ويقتل عمّاراً(١) ولم يفه أيُّ أحد من أعلام الدين إلى يوم مجييء ابن حزم باجتهاد مثل أبي الغادية.

ثمّ لم أدر ما معنى هذا الاجتهاد في مقابل النصوص النبويّة في عمّار، ولستُ أعني بها قوله(صلى الله عليه وآله) في الصحيح الثابت المتواتر لعمار:

(١) الاستيعاب ٢: ٦٨٠، والاصابة ٤: ١٥٠ «المؤلّف».

١٣٣
«تقتلك الفئة الباغية»(١) ، وفي لفظ: «الناكبة عن الطريق»، وإن كان لا يدع مجالاً للاجتهاد في تبرير قتله، فإنّ قاتله مهما تأوّل فهو عاد عليه ناكبٌ عن الطريق، ونحن لانعرف إجتهاداً يُسوّغ العدوان الذي استقلّ العقل بقبحه، وعاضده الدين الالهي الاقدس. وإن كان أوَّله معاوية أو ردَّه لمّا حدَّث به عبد الله بن عمرو وقال عمرو بن العاص: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله؟ بقوله: إنّك شيخٌ أخرق، ولاتزال تُحدِّث بالحديث، وأنت ترحض في بولك، أنحن قتلناه؟ إنّما قتله عليٌّ واصحابه جاؤا به حتّى ألقوه بين رماحنا(٢) .

وبقوله: أفسدتَ عليَّ أهل الشام، أكلّ ما سمعتَ من رسول الله تقوله؟

فقال عمرو: قُلتها ولستُ أعلم الغيب، ولا أدري أنَّ صفّين تكون، قُلتها وعمّار يؤمئذ لك وليّ، وقد رَويتَ أنت فيه مثل ما رَويتُ، ولهما في القضيّة معاتبةٌ مشهورةٌ وشعرٌ منقولٌ، منه قول عمرو:

(١) ذكر تواتره ابن حجر في الاصابة ٢: ٥١٢، وتهذيب التهذيب ٧: ٤٠٩ «المؤلف».

(٢) تأريخ الطبري ٦: ٢٣، وتأريخ ابن كثير ٧: ٣٦٩ «المؤلف».

١٣٤
تعاتبني إن قلتُ شيئاً سمعتُه وقد قلتَ لو أنصفتَني مثلَه قَبلي
أنعلُك فيما قلت نعلٌ ثبيتَهُ وتزلق بي في مثل ما قلتُه نعلي!
وما كان لي علمٌ بصفّين أنّها تكون وعمّار يحثُّ على قَتلي
ولو كان لي بالغيبِ علمٌ كتمتُها وكابدتُ أقواماً مراجلُهم تغلي
أبى الله إلاّ أنّ صدرَك واغرٌ عليَّ بلا ذنب جنيتُ ولا دخلِ
سوى أنّني والراقصات عشيّة بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل
وأجابه معاوية بأبيات منها:
فيا قبَّح الله العتابَ وأهله ألم تر ما أصبحتُ فيه من الشُّغل؟
فدعْ ذا ولكن هل لك اليوم حيلةٌ تردُّ بها قوماً مراجلُهم تَغلي؟
١٣٥
دعاهم عليٌّ فاستجابوا لدعوة أحبَّ إليهم من ثرى المال والاهل(١)
كما لستُ أعني ما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله): «إذا اختلف الناس كان ابن سُميّة مع الحقِّ»(٢) .

وإن كان قاطعاً للححاج فإنّ المناوئ لابن سميَّة (عمّار) على الباطل لا محالة، ولا تجد إجتهاداً يبرر مناصرة المُبطل على الُمحقّ بعد ذلك النصّ الجليِّ.

وإنّما أعني ما أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٨٧ وصحَّحه، وكذلك الذهبيُّ في تلخيصه، بالاسناد عن عمرو بن العاص: انّي سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول: «اللّهمَّ أولعت قريش بعمّار، إنَّ قاتل عمّار وسالبه في النار».

وأخرجه السيوطيُّ من طريق الطبراني في الجامع الصغير ٢: ١٩٣، وابن حجر في الاصابة ٤: ١٥١.

وأخرج السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ٧: ٧٣ قوله (صلى الله عليه وآله) لعمّار: «يدخل سالبك وقاتلك في النار» من طريق ابن عساكر، وج ٦: ١٨٤ من طريق الطبراني في الاوسط، و ص ١٨٤

(١) شرح نهج البلاغة ٢: ٢٧٤ «المؤلف».

وانظر الطبعة المحقّقة من شرح نهج البلاغة ٨: ٢٧-٢٨.

(٢) جمع الجوامع للسيوطي، كما في ترتيبه ٦: ١٨٤ «المؤلف».

١٣٦
من طريق الحاكم.

وأخرج الحافظ أبو نعيم وابن عساكر ـ كما في ترتيب جمع الجوامع ٧: ٧٢ ـ عن زيد بن وهب قال: كان عمّار بن ياسر قد ولع بقريش وولعت به فغدوا عليه فضربوه، فجلس في بيته، فجاء عثمان بن عفان يعوده فخرج عثمان وصعد المنبر فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «تقتلك الفئة الباغية، قاتل عمار في النار».

وأخرج الحافظ أبو يعلى وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع ٧: ٧٤ عن عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية، بشِّر قاتل عمّار بالنار».

وفي جمع الجوامع كما في ترتيبه ٧: ٧٥، و ج ٦: ١٨٤ من طريق الحافظ ابن عساكر عن اُسامة بن زيد قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله): «ما لهم ولعمّار، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار؟ قاتله وسالبه في النار»، أخرجه ابن كثير في تأرخيه ٧: ٢٦٨.

وفي ترتيب الجمع ٧: ٧٥ من طريق ابن عساكر عن مسند علي: «إنّ عمّاراً مع الحقِّ والحقُّ معه، يدور عمّار مع الحقّ أينما دار، وقاتل عمار في النار».

وأخرج أحمد وابن عساكر عن عثمان، وابن عساكر عن اُم سلمة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية، قاتلك في

١٣٧
النار» كنز العمال ٦: ١٨٤(١) . وأخرجه عن اُم سلمة ابن كثير في تأريخه ٧: ٢٧٠ من طريق أبي بكر بن أبي شيبة.

وأخرج أحمد في مسنده ٤: ٨٩ عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَن عادى عمّاراً عاداه الله، ومَن أبغض عماراً ابغضه الله». وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٩١ بطريقين صحّحهما هو والذهبي، والخطيب في تأريخه ١: ١٥٢، وابن الاثير في اُسد الغابة ٤: ٤٥، وابن كثير في تأريخه ٧: ٣١١، وابن حجر في الاصابة ٢: ٥١٢، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ٧: ٧٣ من طريق ابن أبي شيبة وأحمد، وفي ٦: ١٨٤ من طرق أحمد وابن حبّان والحاكم.

وأخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٣٩٠ باسناد صحَّحه هو والذهبيُّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلفظ: «مَن يسبُّ عمّاراً يسبّه الله، ومَن يبغض عمّاراً يبغضه الله، ومَن يسفّه عمّاراً يسفّهه الله» ورواه السيوطي في الجمع كما في ترتيبه ٧: ٧٣ من طريق ابن النجّار والطبراني بلفظ: «مَن سبّ عماراً سبّه الله، ومَن حقّر عمّاراً حقّره الله، ومّن سفّه عمّاراً سفّهه الله».

وأخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٣٩١ باسناده بلفظ: «مَن يحقِّر عمّاراً يحقِّره الله، ومَن يسبّ عمّاراً يسبّه الله، ومّن يبغض عمّاراً

(١) انظر الطبعة المحقّقة من كنز العمال ١٣: ٥٣٩ / ٣٧٤١١.

١٣٨
يبغضه الله» وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ٧: ٧٣ من طريق أبي يعلى وابن عساكر، وفي ٦: ١٨٥ عن أبي يعلى وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي في المختارة.

وأخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٣٨٩ باسناد صحّحه هو والذهبي في تلخيصه بلفظ: «مَن يسبّ عمّاراً يسبّه الله، ومَن يعاد عمّاراً يعاده الله».

وأخرج أحمد في المسند ٤: ٩٠ باسناده بلفظ: «مَن يُعاد عمّاراً يعاده الله عزّوجلّ، ومَن يبغضه يبغضه الله عزوّجلّ، ومّن يسبّه يسبّه الله عزوّجل».

فأين هذه النصوص الصحيحة المتواترة(١) من اجتهاد أبي الغادية؟ أو أين هو من تبرير ابن حزم عمل أبي الغادية؟ أو أين هو من رأيه في اجتهاده ومحاباته له بالاجر الواحد؟ وهو في النار لا محالة بالنصِّ النبوي الشريف، وهل تجد بغضاً أو تحقيراً أعظم من القتل؟

وهناك دروسٌ في هذه كلّها يقرأها علينا التأريخ، قال ابن الاثير في الكامل ٣: ١٣٤: إنّ أبا الغادية قتل عمّاراً، وعاش إلى زمن الحجّاج، ودخل عليه فأكرمه الحجّاج وقال له: أنت قتلتَ

(١) على ما اختاره ابن حزم من حدّ التواتر في سائر الاحاديث «المؤلف».

١٣٩
ابن سُميّة؟ يعني عمّاراً، قال: نعم، فقال: مَن سرّه أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سُميّة، ثم سأله أبو الغادية حاجته فلم يجبه إليها، فقال: نُوطِّئ لهم الدنيا ولا يُعطونا منها ويزعم أنّي عظيم الباع يوم القيامة، فقال الحجّاج: أجل والله مَن كان ضرسه مثل اُحد، وفخذه مثل جبل ورقان، ومجلسه مثل المدينة والربذة انّه لعظيم الباغ يوم القيامة، والله لو أنّ عمّاراً قتله أهل الارض كلّهم لدخلوا كلّهم النار، وذكره ابن حجر في الاصابة ٤: ١٥١.

وفي الاستيعاب (هامش الاصابة) ٤: ١٥١: أبو الغادية كان محبّاً في عثمان وهو قاتل عمّار، وكان إذا استأذن على معاوية وغيره يقول: قاتل عمّار بالباب، وكان يصف قتله له إذا سئل عنه لايباليه، وفي قصّته عجبٌ عند أهل العلم روى عن النبي قوله: «لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، وسمعه منه ثمّ قتل عمّاراً.

وهذه كلّها تنمُّ عن غايته المتوخّاة في قتل عمّار واطّلاعه ووقوفه على ما أخبر به النبي الاقدس في قاتل عمار، وعدم ارتداعه ومبالاته بقتله بعدهما، غير أنّه كان بطبع الحال على رأي إمامه معاوية ويقول لمحدّثي قول النبيِّ بمقاله المذكور: إنّك شيخٌ أخرق، ولاتزال تُحدّث بالحديث، وأنت ترحض في بولك.

١٤٠