×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإسلام في أندونيسيا المعاصرة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

حضرموت واسسوا مدرسة اسلامية عصرية سموها ب- " جمعية الخير " في جاكرتا سنة ١٩٠١ ولاتزال هذه المدرسة قائمة مثمرة. فلا داعي لذكرها هنا بعد ان ذكرت " محمدية " و " الإتحاد الاسلامي " لأنها لاتختلف عنهما - ولو بشيئ - في نحو اتجاهها الديني.

وفي العقدين الأخيرين ظهرت في ساحة الدعوة الاسلامية مجموعة سموا انفسهم ب " السلفية " . وهم في الواقع ينحون اتجاه الحركة التجديدية ولكنهم يختلفون عن ثلاث جمعيات سابقة في نحو ممارساتهم الدينية. فالجمعيات الثلاث يهتمون باصلاح اعتقادات المسلمين من الشرك والبدعة والخرافات ويتسامحون في تطبيق الأحكام الشرعية لأن الوضع الاندونسي في نظرهم غير متاح لتطبيقها بقدر مائة بالمائة كما انهم ينصبغون بصبغة اندونسية و تلبس بالملامح الاندونسية. اما هذه المجموعة " السلفية " فيهمّهم تطبيق التعاليم الاسلامية في الاعتقادات والاحكام الشرعية الكاملة ويرون لزوم تطبيقها بمثل ما انطبق في زمان الرسول (ص) والصحابة. وحسبما ورد اليّ من عدة المصادر ان هذه الطائفة تفرقت الى فرقتين، مايتجه الى السعودية ومايتجه الى افغانستان.

٦١

الاتجاه الديني للحركة التقليدية

نهضة العلماء { NU }
(١٩٢٦)

تاريخ وخلفية نشوءها

ان الجو الديني الذي عمّ المسلمين في اندونسيا - كما قلت سابقا- هو الاتجاه التقليدي المتّسم بالتقيد بالمذهب الشافعي و اقامة الزيارات الى المقابر واكرام العلماء وغير ذلك(٥٦) الى ان ظهرت " محمدية " ثم تلتها " الإتحاد الاسلامي " و " الارشاد " (الاتجاه التجديدي) التي تهجم الممارسات الدينية التقليدية وتستوحي من الحركة الوهابية الحاكمة على جزيرة العرب فتغير ذلك الجو الديني نوعا مّا، ثم للحفاظ على ابقاء الاتجاه التقليدي والدفاع عنه من نفوذ وانتشار الحركة الوهابية قام بعض علمائهم بإنشاء جمعية اسلامية سمّوها ب " نهضة العلماء " في سنة ١٩٢٦(٥٧).

(٥٦) NU vis-à-vis Negara, Andree Fiellard ٦-٧.

(٥٧) NU vis-à-vis Negara, Andree Fiellard, ١٣, NU, Martin van Bruinessen ٢٦-٢٧ dan Gerakan Moderen Islam di Indonesia ١٩٠٠~١٩٤٢ , Deliar Noer ٢٤١-٢٤٦.

٦٢
فالخلفية التي من اجلها اسست " نهضة العلماء " هي تلك المحافظة والمدافعة عن بعض الممارسات الدينية التي حاولت على طمسها الحركات التجديدية(٥٨). ولكن لابد من الاشارة ان المحافظة على الممارسات الدينية التقليدية في مقابل الحركات التجديدية ليست هي الوحيدية التي تدفع نشوء " نهضة العلماء " ، بل هناك خلفية اخرى عبر عنها Martin van Bruinessen بخلفية خارجية او دولية.

قال المراقب المذكور ان الاحداث التي وقعت اعقاب اندهار الخلافة العثمانية التركية في سنة ١٩١٦ من استبدال الخلافة بدولة جمهورية متّسمة بالعلمانية تحت رئاسة ممصطفى كمال في سنة ١٩٢٤(٥٩) والهجوم الذي شنّه عبد العزيز بن سعود على مكة و حواليها من مناطق الحجاز سنة ١٩٢٤ اثّرت نوعاما الامة الاسلامية في اندونسيا. ثم بعد ان تغلب عبد العزيز بن سعود على الشريف حسين وصار ملكا يحكم على الحجاز يعقد المؤتمر الاسلامي الدولي في مكة سنة ١٩٢٦ و يدعو الحركات الاسلامية الاندونسية لبعث الوفدين منها، ولم يكن الوفدان من المنتمين الى الاتجاه التقليدي بل كلاهما من المنتمين الى الاتجاه التجديدي وهما Cokroaminoto

(٥٨) نفس المصادر.

(٥٩) NU, Martin van Bruinessen, ٢٨.

٦٣
كتاب الاسلام في اندونسيا المعاصرة لـ حسين محمد الكاف (ص ٦٤ - ص ٨٦)
٦٤
المذاهب: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، و الالتماس منه بتخليد الامكنة ذات التاريخ العتيق وعدم طمسها. ثم السؤال يطرح نفسه من الذي يحقّ له بعث الوفد؟. وانطلاقا من هذا السؤال اتفقوا على تأسيس جمعية تمثّل النضال الموحّد من قبل العلماء ذوي اتجاه متماثل نظائر هاشم الأشعري وعبد الوهاب حسب الله ويشري سنوسي وماس علوي ورضوان عبد الله وغيرهم " (٦١).

وقال في صفحة اخرى حول الغرض الاساس من تأسيس هذه الجمعية،

" ان الغرض من تأسيس " نهضة العلماء " هولأجل يقوم العلماء المنتمين الى اهل السنة والجماعة بإجراء التحقيقات و توليد الكتب الدينية وتنمية الثقافة والدعوة و...و... " (٦٢).

وخلاصة الكلام، ان جمعية " نهضة العلماء " المنتمية الى الاتجاه التقليدي تأخرت في قيامها من الجمعيات المنتمية الى الاتجاه التجديدي الا ان هذا الاتجاه الديني التقليدي نفسه قد شاع ذائعا بقرون قبل الاتجاه الديني التجديدي. وان الغرض من تأسيسها هو الحفاظ ابقاء الممارسات الدينية التقليدية كالتقليدي لأئمة المذهب و تقديس المقابر ومقابلة الحركات التجديدية.

(٦١) NU dalam Tantangan ٢-٣ dan Gerakan Moderen Islam, Deliar Noer ٢٤٤.

(٦٢) نفس المصدر ٧.

٦٥
فهذه الجمعية لم تكن تتأثر بالحركة الوهابية مثلما تأثرت الجمعيات " محمدية " و " الإتحاد الاسلامي " و " الارشاد " . وفي هذا السياق، قال اسعد شمس العارفين،

" ان نشوء هذه الجمعية لايمكن ان يعتبر ظاهرة عفوية سيما اذا اربط بحركة العلماء المتمسكين بأحد المذاهب الأربعة: الحنفي، المالكي، الشافعي والحنبلي التي جرت منذ أمد طويل قبل نشوء جمعية " نهضة العلماء " . وان التمسك بأحد المذاهب الأربعة في ممارسة الدين لمصداق اوضح في اتباع دين الاسلام على طريقة اهل السنة والجماعة التي وضع لبنتها -في اندونسيا- الأولياء التسعة منذ مايقرب خمسة قرون ماضية " (٦٣).

وفي هذا السياق ايضا قال احد المراقبين الغربيين،Andree Feillard،

" قبل مجيئ الحركة التجديدية كان المسلمون في اندونسيا بشكل عام يتبعون مذهب الشافعي، ذلك لأن انتشار الاسلام في جنوب شرق آسيا كان من خلال ارتباطاتهم بالأجانب -سواء أكانوا تجارا او دعاة - الآتين من اليمن و الحجاز المنتمين الى مذهب الشافعي " (٦٤)

(٦٣) نفس المصدر ٣.

(٦٤) NU vis-a-vis Negara, Andree Feillard.

٦٦

معالم " نهضة العلماء "

من اللازم ان اوفي الكلام عن معالم اتباع جمعية " نهضة العلماء " المتمثلة البارزة عن الاتجاه التقليدي:

أ- التقليد بالامام الشافعي

يتضح هذا المعلم في القانون الاساسي للجمعية في فصل ثان، " ان الغرض من هذه الجمعية هو التمسك الوطيد على احد المذاهب الأربعة: الامام محمد بن ادريس الشافعي، الامام ملك بن انس، الامام ابوحنيفة النعمان والامام احمد بن حنبل، و العمل بما تقتضيه مصلحة دين الاسلام " (٦٥).

كما يتضح هذا المعلم ايضا في مدارسها التي يدرس فيها الفقه على مذهب الشافعي ككتاب " فتح القريب " و " السفينة " و " فتح الوهاب " و " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " .

بخلاف الحركات التجديدية التي حرضت المسلمين الى الرجوع الى الكتاب والسنة و حرمت التقليد الى ائمة المذاهب.

ب- التعلق بالعلماء

يتميز اتباع هذه الجمعية بتعلقهم الشديد بالعلماء حتى اشتهر في السنتهم ان القول هو قول العلماء(ان القول ماقاله الحذام)،

(٦٥) NU, Martin van Bruinessen, ٤٢.
٦٧
ولايتجرّؤون مخالفة ما حدّده علماءهم من فتاواهم او تصريحاهم الاجتماعية والسياسية بل يسلمون كل مايرتبط بحياتهم اليهم،ولا يرون حاجة الى مراجعة القرآن والسنة مؤمنين بأن اقوالهم وافعالهم غير خارجتين من القرآن والسنة.

وتلك العلاقة اشتدت فيما بين العلماء و تلاميذهم، قال عن هذه العلاقة المراقب الغربي، " ان الطلاب يعكفون للدرس عند اساتذتهم الذين قد يتمثلون بمثابة الشيوخ في الطريقة الصوفية. والمدارس قامت من خلال منتجات ارضية وتبرعات لا من مال طلابها، والطلاب -عادة - من عوائل القرى، وفي هذه المدارس يمتلك العلماء السلطة الكبيرة. وللعلماء ايضا دور كثير في اوساط المجتمع القروي وهم مقدّمون في مجالات الدين و وعاظ في قضاياهم الشخصية " (٦٦).

والتقدير الى العلماء و التعلق بهم كهذا لا يوجد بين اتباع جمعيات تجديدية. اضف الى ذلك، ان اتباع هذه الجمعية يكمنون المحبة لذرية الرسول - صلى الله عليه وآله - ويرجعون اليهم في مايتعلق بالشئون المعنوية، فلسلالة الرسول مكانة خاصة في قلوبهم. بخلاف الجمعيات التجديدية التي قد ينكر بعض اتباعها وجود ذلك النسب المتصل الى الرسول - صلى الله عليه وآله واذا آمنوا بوجوده فيعتبرون الذرية بمثل غيرهم لايملكون أي ميزة نسبية وعرقية.

(٦٦) NU vis-à-vis Negara, Andree Fiellard, ٤.
٦٨

ج- عقد المراسيم الدينية

والفارق البارز الأخر بين هذه الجمعية وجمعيات تجديدية هو ان اتباع هذه الجمعية يعقدون في كثير من ساعاتهم المراسيم الدينية كمناسبة ايام وفيات كبار علمائهم وزيارة ضرائحهم وقراءة سيرة الرسول (ص) قرائة نثرية ونظمية وعلى صورة خاصة في عدة مناسبات - خاصة في كل ليلة جمعة.

كان تبجيل العلماء وذرية الرسول (ص) بتقبيل ايديهم والخضوع امامهم مما نقدته الحركات التجديدية بشدة، كما نقدت زيارة ضرائحهم ظانّين ان ذلك من الشرك والخروج من التوحيد، فتقع الحوارات بل الجدالات بينهما الا انها بمضيّ الزمان هدأت في غير عوام المسلمين.

فأما موقف الجمعية في مجال السياسة فلا يختلف كثيرا من موقف جمعية " محمدية " لأنها لم تذكر في قانونها الأساسي عنصرا سياسيا في مقابلة القوة الاحتلالية الهولندية والتسلط على الدولة. نعم، بعض افرادها متوغلون في السياسة كوهب حسب الله ومحبوب جنيدي(٦٧).

(٦٧) نفس المصدر ١٦.
٦٩
والجدير بالذكر، ان علماء هذه الجمعية كانوا في ايام الاحتلال يصدرون فتوى للطلاب بالتشبّه بملابس الغرب كالبنطلون و الحذاء.(٦٨)

ثم بعد الاستقلال انضمّت " نهضة العلماء " كجمعية الى حزب " مجلس شورى اسلام " كمحمدية و الإتحاد الاسلامي. وبعد حدوث الخلافات داخل الحزب خرجت منه وتخلّصت من السياسة وعادت الى ما لأجله اسست الجمعية من عدم التدخل في السياسة.

(٦٨) نفس المصدر.
٧٠

سادة باعلوي

ومما لايعتريه اي ريب وتؤكده كتب التاريخ والحديث ان الرسول (ص) قد ترك ابنته الطاهرة السيدة فاطمة الزهراء -ع- ومنها خرج الامامان الحسن والحسين -ع- ثم منهما كثر وانتشر السادة المنسوبة الى الرسول (ص) حتى ملأوا العالم الاسلامي تصديقا لقول الله تبارك وتعالى وترويحا لقلب الرسول (ص) الحزين بموت ابنه القاسم و تعييبا لشانئه الأبتر " انا أعطيناك الكوثر " (٦٩). فقد بارك الله تعالى اقطار العالم الاسلامية بوجود هذا النسل اذ قاموا طوال العصور في كل من جيل اسلامي وارض اسلامية بنشر الاسلام والدفاع عن تعاليم جدّهم، ويمكن القول بالتأكيد - وليست في هذا القول حاجة الى ذكر دليل وشاهد لبداهته - ان لا يخلو بقعة من بقاع الأرض الاسلامية من وجود السادة حيث عاشوا وتلاحموا مع الشعوب المختلفة ودفنوا في اوساطها محترمين مبجّلين نتيجة مساعيهم المشكورة المذكورة.

ومن هؤلاء السادة سادة باعلوي المنسوبون الى السيد علوي بن عبيد الله بن احمد المهاجر بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر

(٦٩) التفسير الكبير للامام الفخر الرازي في تفسير سورة الكوثر.
٧١
الصادق(٧٠) بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب عليهم السلام(بن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله -ص)(٧١). فكلمة " سادة باعلوي " اطلقت على كل سيد ذي نسب متصل الى السيد علوي بن عبيد الله ولا تطلق على كل سيد بأجمعه، فليس كل سيد باعلويا. هذه الطائفة من السادة نشأوا في حضرموت ثم انتشر بعض منهم الى مناطق جنوب شرق آسيا كاندونسيا ومليسيا وتايلندا وفليبين وسنغافورا وبعض المناطق في افريقا بغية نشر الاسلام ثم تناسلوا فيها.

والجدير بالذكر ان هؤلاء السادة مجموعة لها اصالتها واتجاهها الديني ومزاجها النفسي الخاصة لها قد تختلف عن بقية السادة المترامية في العالم الاسلامي فضلا عن عامة المسلمين. وفي هذه الفرصة ارى من اللازم ان اشير الى ما لهذه الطائفة من اتجاهها الديني. وذلك لان دورهم في نشر الاسلام في اندونسيا مما لا يمكن التغاضي عنه، وكان لوجودهم في اندونسيا منذ مجيئهم اليها في القرن الرابع عشر الميلادي الى يومنا هذا احتكاك ديني وثقافي فاعل مع الشعب الاندونسي و يد معطاء في نوع تدينهم. وكفي في ذلك ان الأولياء التسعة في جزيرة جاوى ما عدا Sunan Kalijaga من سادة باعلوي ونسبهم ينتهي الى السيد جمال الدين بن احمد بن عبدالله بن عبد الملك بن

(٧٠) الامام جعفر الصادق فما علا الى الامام علي بن ابي طالب أئمة الشيعة الامامية.

(٧١) شمس الظهيرة في نسب اهل البيت من بني باعلوي للسيد عبد الرحمن المشهور.

٧٢
علوي بن محمد صاحب مرباط بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن احمد المهاجر(٧٢).

الاتجاه الديني لسادة باعلوي

والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الاتجاه الديني الذي ساد سادة باعلوي؟ فقبل الجواب على هذا السؤال لابد من ان ألفت القارئ الى الاتجاه الديني لجدّ هؤلاء السادة وهو السيد احمد المهاجر بن عيسى بن محمد بن علي بن الامام جعفر الصادق. يعتبر هذا السيد اماما فاضلا وعشّا لسادة باعلوي انحدر منه نسبهم وعصبتهم. والسيد احمد في الواقع من مواليد بصرة بعراق سنة ٢٦٠ هجرية، وكان ابوه السيد عيسى وجدّه السيد محمد بن علي بن الامام جعفر الصادق من المهاجرين الاولين من المدينة الى العراق و فيها وافتهما المنية. ثم في سنة ٣١٧ هجرية هاجر السيد احمد من بصرة الى حضرموت مرورا على المدينة ومكة لِما شاهد في بصرة من فتن عمياء قاتمة انتابت بها ذرية الرسول (ص) وحروب قائمة على قدم وساق بين الخلفاء العباسيين ومناوئييهم. فكان مجيئه الى حضرموت يبارك اهلها بأحياء ارضها الصعبة ونشر الدعوة الاسلامية التي تلقّاها من أبآئه. وفي حضرموت تناسل واعقب ذريته الكثيرة(٧٣).

(٧٢) تعليق على شمس الظهيرة ج ٢ ح ٥٢٩، ضياء شهاب.

(٧٣) Thariqah 'Alawiyyah, Umar Ibrahim ١٩-٢٦.

٧٣
اختلف رأي سادة باعلوي عن مذهب السيد احمد المهاجر بين قائل بانه شيعي امامي تابع لأجداده و بين قائل بأنه سنّي من اتباع الامام الشافعي. والقول الاول يبتني على ان جدّ هذا السيد الثالث وهوجعفر الصادق امام من ائمة الشيعة واستاذ لكثير من ائمة المذاهب السنية كأبي حنيفة و مالك بن أنس(٧٤) و ان جدّه الثاني وهو على بن جعفر من كبار المحدثين الشيعة الذي عاصر ثلاث أئمة الشيعة (الامام موسى الكاظم والامام علي الرضا والامام محمد الجواد)(٧٥) فلا يمكن ان يقلد هذا السيد الى الامام الشافعي او غيره وهو بنفسه محدّث ومجتهد(٧٦). واما القول الثاني فبلحاظ ذريته من سادة باعلوي فانهم بلا شك من اتباع الامام الشافعي في الفقه و الأشعري في العقيدة والغزالي في التصوف.

ولنعد الى السؤال السالف الذكر ما هو الاتجاه الديني الذي ساد سادة باعلوي؟ فليس هناك أي شك انهم اهل السنة والجماعة ويقلدون الامام الشافعي فهم بالتالي ذو اتجاه ديني تقليدي بمثل مااتجه اليه جمعية " نهضة العلماء " ،فهما توأمان في الممارسات الدينية الا ان احدهما يمثّل المظهر العربي-الحضرمي، والأخر يبرز المظهر الاندونسي. وبينهما علاقة التكاتف في مواجهة

(٧٤) الامام الصادق والمذاهب الأربعة، اسد حيدر ١/٧٠.

(٧٥) مسائل علي بن جعفر ١٩- ٢٥.

(٧٦) Thariqah 'Alawiyyah, Umar Ibrahim ٣٧.

٧٤
الحركات التجديدية بل كان لعلماء سادة باعلوي مكانة مرموقة عند التقليديين يحترمونهم لعلمهم ونسبهم المتصل الى الرسول - ص.

مجيئ سادة باعلوي الى اندونسيا

وعندما نتكلم عن الاسلام في اندونسيا فلا يمكن ان نتغاضي عن سادة باعلوي لما لهم من يد طولى في نشرالاسلام عند الشعب الاندونسي المسلم. والعلاقة المتقابلة بين المسلمين في اندونسيا و سادة باعلوي بدأت منذ احقاب الزمان الطويل. واذا صح القول ان الأولياء التسعة ما عدا Sunan Kalijaga من هذه السلالة - كما قلت قبل الأسطر- فمجيئ سادة باعلوي الى اندونسيا -اذن- في اوائل القرن الرابع عشر. قال السيد فريد العطاس ان مجيئ سادة باعلوي بصورة جماعية وقع مابين القرن السابع عشر الى القرن العشرين الميلادي(٧٧).

والملاحظ ان الرعيل الاول من هؤلاء السادة الآتين الى اندونسيا لم يكن جماعيا بل جاؤوا افرادا لأجل نشر الاسلام في جاوى الهندوسية-البوذية على الأخص، وقد حصل بينهم وبين شعب جاوى بعد ان اسلموا على ايديهم التلاحم والاندماج الشامل فلا يكون بينهما مايسمى بفجوة اجتماعية. واما الرعيل الثاني منهم فجاؤوا جماعيا والاسلام قد انتشر في كثير من المناطق الاندونسية واندونسيا قد حكمت عليها القوة الاحتلالية الاوربية. فكان من سياسة

(٧٧) نقله ازيوماردي ازرا في تمهيده لكتاب طريقة علوية.
٧٥
القوة الاحتلالية ان خلقت الطائفية بين الشعب الاندونسي بغية إدامة سلطتها، فوضعت الشعب الاندونسي الاصيل انجازاتها الاجتماعية الخاصة لهم، كما وضعت ما يخصّ الشعب المهاجر (العرب-الحضارم والصين) حتي حدثت بينهما فجوة اجتماعية وهي في الحقيقة - ان صح التعبير- فتنة راقدة ستقوم في اي وقت ممكن، ولولا المساعي التي بذلها الرعيل الاول لما دامت العلاقة الحسنة بين الشعب الاصيل وسادة باعلوي.

٧٦

الشيعة في اندونسيا

ماذا يعني بالاتجاه الشيعي؟

ان الفرق الاساسي بين الشيعة والسنة هو التمسك و التقيد بأهل بيت النبي (ص)، حيث ان الشيعة يرون ان اهل البيت هم الثقل الثاني بعد القرآن الذي اوصى بهما النبي (ص) وانهم الخلفاء والأئمة الذين يمسكون أعنّة الامور الدينية والدنيوية من بعد وفاة النبي (ص). بخلاف اهل السنة الذين كفاهم في امور الدين الرجوع الى القرآن والسنة. كما ان البيئة الدينية التي عايشها الشيعة تختلف عن البيئة الدينية السنية فلا يعرف عند الشيعة الاتجاه الديني التقليدي و التجديدي لأنّهم معتقدون ان الطريق في فهم الشريعة على نحوين: الاجتهاد والتقليد. وهم بالتالي منقسمون الى قسمين: المجتهدون الذين لديهم كفائة علمية معترفة تؤهّلهم لمراجعة القرآن واحاديث النبي واهل بيته في فهم الشريعة بصورة مباشرة، و العوام الذين يقلدون المجتهدين في ممارسة الشريعة.

واذا كان الرجوع بصورة مباشرة الى القرآن والسنة مما يفرضه الحركة التجديدية و كذا التقليد من سمات التقليديين عند اهل السنة فكلا حالين موجودان عند الشيعة على حدة الا ان الفرق بين اهل السنة والشيعة في هذه المسألة، ان الحركة التجديدية من

٧٧
اهل السنة يفرضون الرجوع الى القرآن والسنة على كافة المسلمين واما الشيعة فيخصّون ذلك للمجتهدين فقط، و اما العوام فيجب عليهم التقليد، وعند التقليديين من اهل السنة ان التقليد بأحد الأئمة الأربعة يجب على كافة المسلمين.

تواجد الشيعة في اندونسيا

نظر بعض الناس أن الشيعة تواجدت في اندونسيا متزامنة ومجيئ الدعاة المسلمين العرب والفرس الاولين. بعض النقوش الحجرية على المقابر وبعض التقاليد التي تشبه بشيئ من تقاليد المجتمع الشيعي من المؤيدات على هذه النظرية(٧٨). وقد يدفعهم ايضا الى هذه النظرية وجود السادة المنتسبة الى الرسول صلى الله عليه وآله المنتشرة في اندونسيا. لقد ذكر العلامة محمد جواد مغنية في كتابه " الشيعة في الميزان " عن عدد الشيعة في اندونسيا حيث يقول: وفيها (اندونسيا) اليوم عدة ملايين من الشيعة الاثني عشرية " (٧٩).هذا العدد الذي ذكره يحتاج الى التثبت. وليس غرضي هنا التعرّض الى البحث عن تاريخ دخول التشيّع في اندونسيا وعدده بالتدقيق.

على أيّ حال, ان تواجد الشيعة -قلّة اوكثرة و منذ قديم او حديث - مما يشهده الواقع الاندونسي الراهن. وكان للثورة

(٧٨) راجع " دخول وانتشار الاسلام في اندونسيا " و " المملكات الاسلامية في سومطراء " في الصفحات السابقة.

(٧٩) الشيعة في الميزان، محمد جواد مغنية ٢٠٤.

٧٨
الاسلامية تحت زعامة السيد الامام الخميني في ايران اليد الطولى والدور المهمّ في ان يتعرّف الشعب الاندونسي المسلم على التشيّع, لأن المتبادر الى اذهان كثير من المسلمين فور انتصار الثورة الاسلامية على اكبر طاغوت في الدول الاسلامية هو التساؤل عمّا يحقّق هذا الانتصار من خلفيات ايدلوجية او فكرية. فإنّ وراء كلّ ثورة تغيّر الثبات بشكل جذريّ قوّةً ايدلوجية اوفكرية تلهم روّادها لتكريسها, كثورة فرنسية تسوقها القوة العلمانية. فالتشيّع كمنهاج فكريّ وعمليّ ثوّار بلاريب هوالذي يحفّز الشعب الايراني المسلم الى تغيير الثبات الملكي الذي شيّده الشاهنساهي. وقد عبّر عن خلفية هذا الانتصار زعيم الثورة السيد الخميني قائلا: " إن كل مانمتلكه انمانمتلكه من محرم وصفر " ,مؤميا بذلك الى أن إحياء مناسبة عاشوراء و الأربعين قد درّستهم روح التفاني والإيثار وما الى ذلك من نبائل الصفات.

ففي سنتي التاسعة والسبعين و الثمانين ملأ الجوّ الإعلامي في اندونسيا أنباء انتصار الثورة وماانتجته من تشكيل الجمهورية الاسلامية، ولم يعد في هاتين السنتين الحديث حول التشيّع يجلب مسامع وقلوب المسلمين لأن الثورة قد أبهرتهم وشغلتهم عن غيرها. ثم شرع عقب هذا الإعلام انتشار الكتب عن التشيّع وفي طليعتها كتاب " المراجعات " الذي تمّ له تجديد الطبع مرات عديدة، فصابوا نحو التشيّع صوبا حثيثا لعدة سنوات, ولايسدّ هذا الصوب الحثيث الا الذين سمّوا انفسهم بحركة التوحيد (السلفي) والذي همّهم

٧٩
الوحيد تصفية عقائد المسلمين من امور زعموها شركا وبدعة، فضربوا طبل الحرب على التشيّع بين عشية وضحاها ثمّ تبعا لهم بعض التقليديين من السنة فينسبون الى التشيّع أشياء و هو بريئ منها. فكان من مغبّة ذلك أن تخفّ دعوة التشيّع وتصاب بنوع من الفتور والخمود. وهذا لايعني أن دعوة التشيّع توقّفت كلّيا او انّ بؤرته خمدت ولم تعد تتوقّد، بل ولازالت المؤسسات و المنتديات العلمية الشيعية تمارس نشاطاتها وبرامجها.

ولم يجر الى الآن الفحص الإحصائي عن عدد الشيعة في اندونسيا عدا ما يقدّر بمالايبلغ خمسين الفا نسمة. وهذا العدد الأقلّ ليس بشيئ يذكر اذا قيس بكلّ سكان اندونسيا البالغ عددهم مائتين مليون نسمة.

التطور الفكري الشيعي في اندونسيا

وأقصد من الفكرة الشيعية في اندونسيا هي الافكار التي تسود المجتمع الشيعي فيها. فقد تنشأ الافكار في المجتمع الشيعي الجديد كإندونسيا-مثلا- تختلف عن الافكارالسائدة في المجتمع الذي تعرّف على التشيّع منذ مئات السنة, وهذا امر تحكمه طبيعة تشكّل المجتمع الجديد المتنقّل من الافكار والتقاليد القديمة. فالمجتمع الشيعي في اندونسيا بصفته مجتمع جديد جاءت أفراده من خلفيات مذهبية و ثقافية وعلمية متعددة ذات افكار وتقاليد قد تختلف عن افكار و تقاليد الشيعة. وعليه فإن الاعراض عن الافكار والتقاليد

٨٠