×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرية عدالة الصحابة / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

والأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع وتطبيق أحكام العقيدة عليهم، ولأنه لا أحد يعرف على وجه الجزم واليقين المتصف بهذه الصفات إلا الله لذلك حصر بنفسه حق اختيار هذا الإمام أو المرجع أو الولي وتقديمه للناس، وخول هذا الإمام صلاحية بيان العقيدة في كل زمان وصلاحية المرجعية وصلاحية الجمع بين الولاية على الأتباع والمرجعية في الدين والدنيا والحكم بين الناس على ضوء أحكام هذا الدين عليه.

من هو هذا الإمام ؟

إمام الأمة في كل زمان هو عميد أهل بيت النبوة، لماذا عمادة أهل البيت بالذات ؟ لأن القرآن ثقل وأهل البيت ثقل آخر، وإن الهداية لا تدرك إلا بالتمسك بالثقلين، والضلالة على المدى البعيد وبالنتيجة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالثقلين وهذا ليس اجتهادا إنما هو نص شرعي ثابت في القرآن والسنة بفروعها الثلاثة القول والفعل والتقرير (١)، ولأن الله يبين لنا أنهم للمسلمين بمثابة سفينة نوح من ركبها في كل زمان نجا ومن تخلف عنها غرق (٢)، ولأنهم من جهة ثالثة الأمان من الاختلاف وقد أعدهم الله لذلك (٣)، ولأنهم ذرية محمد فكل نبي من الأنبياء جعل الله ذريته في

(١) راجع على سبيل المثال:

راجع صحيح الترمذي ج ٥ ص ٣٢٨، وصحيح مسلم باب فضائل علي ج ٢ ص ٣٦٢ و ١٥ ص ١٨١ بشرح النووي وتفسير ابن كثير ج ٤ ص ١١٣ ومصابيح السنة للبغوي ص ٢٠٦ وجامع الأصول لابن الأثير ج ١ ص ١٨٧ وإحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف ص ١١٤ والفتح الكبير للنبهاني ج ١ ص ٥٠٣ والصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٤٧ و ٢٢٦ والدر المنثور للسيوطي ج ٦ ص ٦ و ٣٠٦ وذخائر العقبى للطبري ص ١٦ والمعجم الصغير للطبراني ج ١ ص ١٣٥ وكنز العمال ج ١ ص ١٥٤ والطبقات لابن سعد ج ٢ ص ١٩٤ والسيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٢١ الهامش لزين وحلاق وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص ٢١..... الخ.

(٢) رجع على سبيل المثال: تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك والصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٨٤ و ٢٣٤ وتاريخ الخلفاء للسيوطي وإسعاف الراغبين للصبان الشافعي ص ١٠٩ ومجمع الزوائد للهيثمي ج ٩ ص ١٦٨ والمعجم الصغير للطبراني ج ٢ ص ٢٢ وحلية الأولياء لأبي نعيم ج ٤ ص ٣٠٦ والجامع الصغير للسيوطي ج ٢ ص ١٣٢ ومسند الإمام أحمد ج ٥ ص ٩٢ الهامش.

(٣) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٤٠ وإحياء الميت للسيوطي بهامش وذخائر العقبى

٢٦١
صلبه وجعل ذرية محمد في صلب علي ومن بطن فاطمة (١).

من هو صاحب الإختصاص بتعيين الخليفة من بعد النبي الإمام ؟

الأعلم بالعقيدة والأفهم لأحكامها والأفضل بين أتباعها والأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع وتطبيق أحكام العقيدة لا أحد يعرفه على وجه الجزم واليقين إلا الله سبحانه وتعالى، لذلك فهو المختص بتعيين الخليفة من بعد النبي ومن هنا فإن الله قد اختار عليا بن أبي طالب خليفة وإماما ومرجعا للأمة بعد نبيها وأمر الله رسوله أن يعد خليفته وأن يوطد له، حتى أصبح الأعلم بعد النبي، والأفهم بعد النبي والأفضل بعد النبي والأنسب بعد النبي، وهو المؤهل والمخول بممارسة كافة الوظائف الدينية والدنيوية التي كان يمارسها رسول باستثناء النبوة فلا نبي بعده، وقد بين الله لنا من خلال رسوله أن عليا مع الحق والحق مع علي يدور حيث دار لذلك هو موضع ثقة على حد تفسير ابن خلدون في الفصل ٣٠ من مقدمته.

من هو المختص بتعيين الخليفة الذي يلي خليفة النبي

طالما أن الخليفة بعد النبي مباشرة " علي بن أبي طالب " على الحق ومع الحق، وأن الحق معه يدور حيث دار، وطالما أنه مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا الحوض على النبي (ص)، وطالما أنه الأفضل والأنسب بين الأتباع والأعلم والأفهم بشهادة الله ورسوله فهو المخول بتعيين الخليفة الذي يليه، وكل إمام يعين بنص من سبقه فهم أبناء النبي بنص القرآن الكريم وآية المباهلة تصفع كل مكابر على وجهه وتلوي أنفه، فعندما نزل قوله تعالى: * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * (٢)، وقد

للطبري ص ١٧ والجامع الصغير للسيوطي ج ٢ ص ١٦١ والفتح الكبير للنبهاني ج ٣ ص ٣٦٧ ومسند الإمام أحمد ج ٥ ص ٩٢ وإسعاف الراغبين للصبان الشافعي بهامش نور الأبصار ص ١٢٨..... الخ.

(١) راجع الصواعق المحرقة ص ١١٢ و ج ٣ ص ١٦٤ من الحاكم وقال إنه جمع وراجع كنز العمال ج ٦ ص ١٥٢ والمناقب للخوارزمي ص ٢٧.

(٢) آية ٦١ من سورة آل عمران.

٢٦٢
أجمعت الأمة على أن هذه الآية نزلت على النبي (ص) في فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) (١)، فالحسن والحسين بحكم هذه الآية وحدهما أولاده فبأي حديث بعده تؤمنون ؟! وأي لغة يمكن أن تحملنا على ترك التقليد واتباع الحق وإعمال العقل!!.

ولأنهم على الأقل من قريش، وقريش عشيرة النبي (ص) والخلافة في قريش (٢)، وناصية قريش بالنص الشرعي هم بنو هاشم، وناصية هاشم هم بنو عبد المطلب، وناصية عبد المطلب هم محمد وأهل بيته (٣)، لأن الله قد طهرهم، وآية التطهير لا تخفى على أحد، فإن قالوا إنها في النساء فكيف تكون أزواج الرجل طاهرات وأولاده غير ذلك!! أو على الأقل من باب رد الاحسان لأنهم حوصروا ثلاث سنين في شعاب أبي طالب.

(١) راجع صحيح مسلم ب فضائل علي ج ٢ ص ٣٦٠ و ج ١٥ ص ١٧٦ بشرح النووي وصحيح الترمذي ج ٤ ص ٢٩٣ والمستدرك على الصحيحين للحاكم ج ٣ ص ١٥٠ وصححه ومسند الإمام أحمد ج ١ ص ١٨٥ وترجمة علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ١ ص ٢١ وتفسير الطبري ج ٣ ص ٢٩٩ و ٣٠٠ والكشاف للزمخشري ج ١ ص ٣٦٨ - ٣٧٠ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ٣٧٠ - - ٣٧١ وتفسير القرطبي ج ٤ ص ١٠٤ وأحكام القرآن للجصاص ج ٢ ص ٢٩٥ - ٢٩٦ وأسباب النزول للواحدي ص ٥٩ وأحكام القرآن لابن عربي ج ١ ص ٢٧٥ والتسهيل لعلوم التنزيل للكلبي ج ١ ص ١٠٩ وزاد المسير لابن الجوزي ج ١ ص ٣٩٩ وفتح القدير للشوكاني ج ١ ص ٣٤٧ وتفسير الفخر الرازي ج ٢ ص ٦٩٩ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٩٦ والدر المنثور للسيوطي ج ٢ ص ٣٨ - ٣٩ والصواعق المحرقة لابن حجر ص ٧٢ والمناقب للخوارزمي ص ٦٠ و ٩٦ والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ١١٠ وأسد الغابة لابن الأثير ج ٤ ص ٢٦ والإصابة لابن حجر العسقلاني ج ٢ ص ٥٠٩ ومشكاة المصابيح للعمري.... الخ.

(٢) راجع كنز العمال ج ١٢ ص ٢٥ نقله عن أحمد في مسنده وعن الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن وعن الحاكم في المستدرك وقد روى قرابة مائة حديث تفيد أن الأمر في قريش وقد روى هذه الأحاديث كل أصحاب السنن راجع الأحاديث ٣٣٧٨٩ - ٣٣٨٩٠ ج ١٢ من الكنز.

(٣) كنز العمال ج ٢ ص ٤٣ نقله عن الحاكم في مستدركه وعن البيهقي في سننه وعن الطبراني في الكبير وعن ابن عساكر فراجع ج ١٢ ص ٤٣ و ٥٨ من الكنز للمتقي الهندي.

٢٦٣
وهؤلاء الأئمة اثنا عشر (١) وهؤلاء هم الأئمة الأطهار وليسوا الحكام، لأن الحكام من قريش بالمئات وليسوا اثني عشر فقط (٢).

الحكمة من حصر الإمامة بأولاد محمد

لأن الله طهرهم وأعدهم لذلك فلا خطر على الأمة منهم، ولقطع دابر التنافس والخلاف على منصب الإمامة إذ بغيرهم يتحول الملك لمن غلب، فيحكم أمة محمد الغالب بغض النظر عن دينه وعلمه وأمانته، فإذا كان منصب الإمام محصور بعمادة أهل البيت تطيب نفوس الجميع لأن حاكمهم هو ابن النبي (ص)، فيعم الاستقرار وتهنأ النفوس وتهدأ الأطماع.

دور الأمة بتعيين الإمام

الأمة المؤمنة الجادة الصادقة الواعية تبحث عن الأعلم بالعقيدة والأفهم لأحكامها، لأن هذه العقيدة هي المنظومة الحقوقية الإلهية، وهي بمثابة القانون النافذ والمسؤول الأول عن تطبيق هذا القانون هو الإمام، فإذا لم يكن الإمام هو الأعلم والأفهم فيقع المحظور.

والأمة من جهة ثانية تبحث عن أفضل أفرادها لأن من مصلحة الجميع ومن بواعث فخر الجميع أن يحكم الأفضل، والأمة العاقلة المؤمنة الواعية تبحث عن الأنسب ليقودها على درب الله ولا يستطيع أي فرد من أفرادها، ولا أي جماعة من جماعاتها ولا هي مجتمعة أن تعرف على سبيل الجزم واليقين من هو الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب.

إن يعرف ذلك على وجه الجزم واليقين هو الله سبحانه وتعالى، لذلك رحمة بعباده المؤمنين يتلطف فيخبرهم على وجه الجزم واليقين أن هذا هو صاحبكم الذي تبحثون عنه وهو المؤهل لقيادتكم وقيادة مسيرة الإيمان في العالم.

(١) راجع كنز العمال ج ١٢ ص ٢٤ وقد نقله عن البخاري ومسلم.

(٢) ويمكن لمن أراد معرفة أسماء حكام قريش وعددهم أن يراجع مروج الذهب للمسعودي.

٢٦٤
كتاب نظرية عدالة الصحابة للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٢٦٥ - ص ٢٩١)
٢٦٥
الشرعي، فإن هذا الحاكم لن يهنأ قبل أن يموت هذا الزوج الشرعي، حتى يستحوذ على قلب زوجته وجسدها معا وحتى لا تعود الزوجة لزوجها الشرعي خلسة.

الأئمة الشرعيون

١ - علي بن أبي طالب       ٢ - الحسن بن علي
٣ - الحسين بن علي       ٤ - زين العابدين بن الحسين
٥ - ابنه محمد الباقر       ٦ - ابنه جعفر الصادق
٧ - ابنه موسى الكاظم       ٨ - ابنه علي الرضا
٩ - ابنه محمد الجواد       ١٠ - ابنه علي الهادي
١١ - ابنه الحسن العسكري       ١٢ - ابنه محمد بن الحسن المهدي

إستكشاف المستقبل أمام الولي وخليفة النبي

أدى رسول الله الأمانة، وبلغ الرسالة، وبين كل شئ، ونصب ولي عهده وخليفته من بعده، كما أمره الله، وبلغ أفراد الأمة وجماعاتها بذلك، ثم أعلن القرار الإلهي أمام مائة ألف مسلم، وهنأ الجميع عليا بذلك وعلى رأس المهنئين عمر بن الخطاب، ولاح أن كل شئ في مكانه الصحيح، وأن الأمور ستجري رخاء وبريح ملائمة. ولم يكتف النبي بذلك، إنما نقل أصحابه ذهنيا معه وكشف أمامهم بعض مضايق المستقبل، فقال أمام كبار أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر.

قال أبو بكر: أنا هو ؟ قال النبي: لا، قال عمر: أنا هو ؟ قال النبي: لا ولكنه خاصف النعل يعني عليا. قال أبو سعيد الخدري: فبشرناه فلم يرفع رأسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) " (١).

(١) راجع مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي ج ١ ص ٦٤ والمناقب للخوارزمي الحنفي ص ١٨٣ ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص ١١٥ وترجمة علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٣ ص ١٣٧ وقريب منه في خصائص النسائي ص ١٣١ ومسند الإمام أحمد ج ٥ ص ٣٧ الهامش وحلية الأولياء ج ١ ص ٦٧ وأسد الغابة ج ٣ ص ٢٨٢ والرياض النضرة للطبري ج ٢ ص ٢٥٢ و ٢٥٣ وذخائر العقبى ص ٦٧ ومناقب علي لابن المغازلي ص ٢٩٨ وشرح النهج لابن أبي
٢٦٦
وها هو النبي يكشف لخليفته الأمور فيقول له: أما أنت ستلقى بعدي جهدا.

فقال علي: في سلامة ديني ؟ قال النبي: نعم في سلامة دينك (١).

ولم يكتف النبي بذلك، إنما أخبر وليه وخليفته من بعده أن الأمة ستغدر به بعد وفاته (٢).

والأهم أنه سيقاتل، إذ قال له النبي: " يا علي ستقاتلك الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني " (٣).

ويحاول النبي بكل جهوده لتنبيه الأمة فيقول مرة لأحد أصحابه: " يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا، حق على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه " (٤).

نسف الصيغة السياسية الجاهلية

الترتيبات الإلهية المتعلقة بمنصب رئاسة الدولة نسفت تماما الصيغة السياسية الجاهلية، فالقيادة في نظر الإسلام اختصاص وعمل فني تماما يتصدى له الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب للقيادة من بين أتباعه بغض النظر عن بطنه أو قبيلته.

الحديد بتحقيق أبي الفضل ج ٢ ص ٢٧٧ ومجمع الزوائد ج ٩ ص ٣٣ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٧٣ والصواعق المحرقة لابن حجر ص ٧٤ والإصابة للعسقلاني ج ٢ ص ٣٩٢ وكنز العمال ج ١٥ ص ٩٤.... الخ وراجع ملحق المراجعات ص ١٦١ - ١٦٢.

(١) راجع المستدرك للحاكم ج ٣ ص ١٤٠ وتلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك ونظم السمطين للزرندي الحنفي ص ١١٨ ومنتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد ج ٥ ص ٣٤ وفضائل الخمسة ج ٣ ص ٥٣ والملحق ص ١٦١.

(٢) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج ٦ ص ٤٥ بتحقيق أبي الفضل والبداية والنهاية لابن كثير ج ٦ ص ٢١٨ وفضائل الخمسة ج ٣ ص ٥١ وتلخيص الشافعي للطوسي ج ٣ ص ٥١.

(٣) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٣ ص ١٧١ والغدير للأميني ج ٣ ص ١٩٣ ومنتخب الكنز ج ٥ ص ٣٢ من مسند الإمام أحمد الهامش.

(٤) راجع مجمع الزوائد ج ٣ ص ١٣٤ وترجمة علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٣ ص ١٢٣ وذكره عنهم في إحقاق الحق ج ٧ ص ٣٤٣ راجع ملحق المراجعات ص ١٦٤.

٢٦٧
بينما الصيغة السياسية الجاهلية قائمة على اعتبار القيادة بمثابة شركة لكل بطن هذه البطون سهم في هذه الشركة فقد توصلت هذه البطون إلى صيغة سياسية قائمة على اقتسام مناصب الشرف " المناصب السياسية " في ما بينها من قيادة ورفادة وسقاية ولواء وسفارة.... الخ ولاح لهذه البطون أنها أفضل صيغة إذ ليس فيها غالب ولا مغلوب، فالمناصب السياسية قدر مشترك بين البطون وفق هذه الصيغة ولا مصلحة لأي بطن في تغيير هذه الصيغة، مما جعلها عنوان عقيدة سياسية وأثرا مأثورا مما تركه الأولون، ومن غير الجائز الخروج عليه، وحاولت القبائل المكية أن تمنع ظهور نبي من بني هاشم، وقاومت بكل قواها ولكنها فشلت، فكأن نبوة بني هاشم قدر لا مفر منه، فإذا أخذ الهاشميون النبوة فهذا قدر لا محيد عنه، فهل تكون الخلافة أو الملك قدر أيضا، فمن غير المعقول أن يعطي الله الهاشميين النبوة والخلافة معا ؟، ومن هنا فإن الترتيبات الإلهية المتعلقة بالخلافة من بعد النبي أثارت حفيظة قريش وحدها وتمخض هذا الحسد عن شعار: " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون النبوة مع الخلافة " ولكن هذا الشعار كان ملجوما بوجود النبي (ص) ولكن الفرصة مهيأة لظهوره. وربطا منهجيا للموضوع فإنني أسوق معالجتي التاريخية لهذا الموضوع مرة ثانية في هذا الباب لتكتمل الصورة وليتم استيعاب الموضوع.

٢٦٨
٢٦٩

الانقلاب

٢٧٠
٢٧١

الفصل السابع
المناخ التاريخي الذي ساعد على نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية

أ - بطون قريش

تتكون قريش من خمسة وعشرين بطنا (١)، وأشرف هذه البطون على الاطلاق وأفضلها بالنص الشرعي " بنو هاشم بن عبد مناف " (٢)، ويليهم بالشرف بنو عبد المطلب بن عبد مناف، وبنو الحارث بن عبد مناف. وبنو أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وبنو نوفل بن عبد مناف.... وهم سادة قريش، فقد ساروا بعد أبيهم ويقال لهم المجبرون وهم أول من أخذ العصم لقريش فانتشروا من الحرم، فقد أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام، وأخذ عبد شمس حبلا من النجاشي، وأخذ نوفل حبلا من الأكاسرة، وأخذ المطلب حبلا من حمير، فاختلفت قريش بهذه الأسباب إلى بلاد العالم وكان يقال لهم: أقداح النضار لفخرهم وسيادتهم على العرب (٣).

(١) راجع مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٢٩١.

(٢) راجع السيرة الحلبية ج ١ ص ٣ - ٤ لعلي برهان الدين الحلبي وراجع الجامع للأصول في أحاديث الرسول لعلي ناصيف مجلد ٣ ص ٤١٩ وما فوق وراجع السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية ج ١ ص ٤ - ١١ وراجع الطبقات لابن سعد، وراجع الخطبة ١٨٥ ص ١٥٦ ج ٢ من شرح النهج لابن أبي الحديد.

(٣) راجع الطبقات ج ١ ص ٧٥ وتاريخ الطبري ج ٢ ص ١٨٠ وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ٩٣.

٢٧٢

ب - الصيغة السياسية

وصلت بطون قريش إلى صيغة سياسية قائمة على اقتسام مناصب شرف في ما بينها " المناصب السياسية " من قيادة ولواء وندوة وسقاية ورفادة وسفارة لأسهم السياسة المحددة في هذه الصيغة أقصى ما استطاعت البطون أن تنتزعه، ولاح لهذه البطون أنها أفضل صيغة سياسية على الاطلاق، إذ ليس فيها غالب ولا مغلوب، فالمناصب السياسية قدر مشترك بين البطون ولا مصلحة لأي بطن بتغيير هذه الصيغة، لأنه لو حاول التغيير فلا يعرف على وجه الجزم واليقين عواقب محاولته فقد يفقد حقه، ثم إن الأمور قد استقامت ونظمت أمور ولاية البيت الحرام، فارتاحت كل البطون لهذه الصيغة، ومع الأيام أصبحت عنوان عقيدة سياسية وأثرا مأثورا مما تركه الأولون ومن غير الجائز الخروج عليه من قبل أي كان.

ت - محاولات لزعزعة الصيغة

في السنين العجاف لم يكن لمكة غير هاشم، يطعم الناس ويساعدهم وقيل له أبو البطحاء وسيد البطحاء ولم تزل مائدته منصوبة في السراء والضراء، وكان يحمل ابن السبيل ويؤمن الخائف (١)، فخشي أمية بن عبد شمس وحسده فتكلف أن يصنع ما يصنع هاشم فعجز عن ذلك، فعيرته قريش، فدعا هاشما للمنافرة فأبى ثم تنافرا على خمسين ناقة وعلى الجلاء عن مكة عشر سنين، فقضى الحكم بأن هاشما أشرف من أمية، فنحرت النوق وجلى أمية إلى الشام، فكانت هذه بذرة العداء الأولى بين البيتين الهاشمي والأموي ولعل الذي دفع أمية هو الحسد لهاشم والخشية من أن يشكل هاشم خطرا على هذه الصيغة لأن القيادة بيد بني عبد شمس وبروز نجم مثل هاشم قد يزعزع الصيغة كلها ويستخف الناس (٢).

ث - إشاعة النبوة

أشيع في مكة أن نبيا سيبعث، وأنه سيكون من سلالة عبد مناف. وممن

(١) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٨٠ والسيرة الحلبية ج ١ ص ٥ والطبقات لابن سعد ج ١ ص ٧٦، و ج ٢ ص ١٧٩ من تاريخ الطبري.

(٢) راجع السيرة الحلبية ج ١ ص ١٥ وكتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ١٧٠ - ١٧٢.

٢٧٣
استقرت في أذهانهم هذه الإشاعة أبو سفيان، فقد كان على علاقة وطيدة بأمية بن أبي الصلت، وأبو سفيان موقن أن هذا النبي سينسف الصيغة السياسية، وسيأخذ منه القيادة، وطالما أن القيادة لبني أمية فإن هذه النبوة من أكبر الأخطار، ولكنه اطمأن بعد عذاب ومعاناة، فالشائعة تقول: إن النبي من بني عبد مناف ولا يوجد حسب رأيه من هو جدير بالنبوة سواه (١)، فمن المؤكد أنه سيكون النبي المرتقب.

ج - إعلان النبوة

أعلن محمد الهاشمي أنه النبي المرتقب الذي اختاره الله لهداية العرب خاصة والجنس البشري عامة وأن برهانه على هذه النبوة هو كلام الله، واتبعه نفر قليل ممن عرفوا بالحصافة وبعد النظر أو من أولئك الذين مستهم البشرية مسا أليما.

ح - احتضان الهاشميين للنبي

احتضن الهاشميون محمدا بكل قوة، وهددت زعامة قريش بفشل محمد، وأشيع أنه قد قتل، فجمع أبو طالب بني هاشم وأعطى كل واحد منهم حديدة صارمة وسار مع الهاشميين والمطلبيين ونادى: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به ؟

قالوا: لا، فأخبر الخبر وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة فقال أبو طالب: والله لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحدا حتى نتفانى وإياكم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكسارا " أبو جهل " (٢).

خ - حفاظا على الصيغة السياسية وحسدا لا حبا بالأصنام

قاومت بطون قريش بقيادة أبي سفيان محمدا وبكل أساليب المقاومة، ولم ينثن وأمام إصرار ورفض بني هاشم لفكرة تسليمه، اتفقت بطون قريش بدون استثناء وعلى ما يلي: -

١ - مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة، فقاطعتهم قريش كلها بما فيهم بني عدي وبني تيم وحصروهم في شعاب أبي طالب ثلاث سنين واضطروهم أن يأكلوا ورق

(١) السيرة الحلبية ج ١ ص ٨٠.

(٢) راجع الطبقات لابن سعد ج ١ ص ٢٠٢ - ٢٠٣.

٢٧٤
الشجر من الجوع واضطر أطفالهم أن يمصوا الرمال من العطش. تلك حقيقة كالشمس لا يجادل بها أحد، ولم يركع محمد ولم يركع الهاشميون وأبطل الله كيد بطون قريش وزعامتهم وفشل الحصار بعد مقاطعة استمرت ثلاث سنين.

٢ - عندما سمعت قريش أن محمدا سيهاجر إلى يثرب بعد أن تمكن من إيجاد قاعدة له، قررت بطون مكة بالإجماع أن تقتل محمدا، فاختاروا من كل قبيلة رجلا حتى يضربه هؤلاء الرجال دفعة واحدة، فيضيع دمه بين القبائل ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه لأنه إن ذهب إلى يثرب نجح وسلبهم القيادة والشرف، وباللحظة التي أجمعوا أمرهم دخلوا فوجدوا عليا ابن أبي طالب نائما في فراشه، وجن جنون القيادة المكية وخصصت الجوائز لمن يقبض على محمد حيا أو ميتا.

وفي الطرف الآخر كان محمد وصاحبه ودليلهما المشرك يشقون طريقهم سالمين بإذن الله وتلك حقيقة ساطعة كالشمس لا تحتاج إلى دليل (١).

د - حروب من أجل الصيغة السياسية وحسدا لا حبا بالأصنام

لم تيأس بطون قريش وقيادتها من هزيمة محمد وبني هاشم ودينهم، ولم ييأس محمد والهاشميون وأصحابه من هزيمة الشرك وقيادته، وانقسم العرب أثلاثا، قسم مع قريش وقيادتها المشركة، وقسم قليل مع محمد، والقسم الثالث تربص يتبع الغالب، واشتعلت الحروب في بدر وأحد، وجيشت زعامة قريش بالتحالف مع اليهود جيش الأحزاب وزحفت إلى المدينة المنورة فاعتصم النبي (ص) بالمدينة وفشلت الأحزاب وفوجئت قريش وقيادة الشرك بجند الله يدخل مكة عاصمة الشرك وركعت زعامة مكة واضطرت للدخول في الإسلام، وبركوعها ركع كل العرب، ودانت الجزيرة لدولة النبي، وأخذ العرب يدخلون في دين الله أفواجا.

ز - النبوة الهاشمية قدر لا مفر منه

رفضت بطون قريش بزعامتها الأموية الدين المحمدي ونبوة محمد الهاشمي

(١) راجع على سبيل المثال السيرة الحلبية ج ١ ص ٨٠ والطبقات لابن سعد ج ١ ص ٢٠٨ - ٢٠٩ والسيرة الحلبية ج ١ ص ٣٣٢.

٢٧٥
بكل أصناف الرفض وألوانه، وقاومت بكل فنون المقاومة، لا وفاء للأصنام ولكنها تكره أن يأتي الدين عن طريق هاشمي وتكره أن تكون للهاشميين القيادة، وأن تهز الصيغة السياسية، وأخيرا فوجئ أبو سفيان بجند الله قرب مكة، ويوقفه العباس فيرى جند الله، فيدخل الرعب في قلبه، وينتزع منه فتيل المقاومة ويفصح قائد الحزب عن حقيقة تصوراته لدعوة محمد فيقول: ما رأيت ملكا مثل هذا لا ملك كسرى ولا ملك قيصر ولا ملك بني الأصفر (١)، ويجره العباس إلى محمد فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله "، فيقول أبو سفيان: لقد ظننت أنه لو كان مع الله إلها غيره لما أغنى عني شيئا، قال (صلى الله عليه وآله): يا أبا سفيان ألم يئن لك أن تعلم أني رسول الله ؟

قال أبو سفيان: أما والله فإن في النفس حتى الآن منها شئ. صاح العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، هنا فقط بعد ذكر ضرب العنق وبعد الإحاطة وضعف الحيلة أسلم لينجو بنفسه، ودهش أبو سفيان وهو ينظر للنبي فقال في نفسه: ليت شعري بأي شئ غلبني، فأوحى الله إلى نبيه بما في صدر أبي سفيان فقال له الرسول " غلبتك بالله ".

وأدركت بطون قريش أن النبوة الهاشمية قدر لا مفر منه ولا محيد عنه، ولا علاقة لها باختيارها، ولو كان لها أي دور بهذا الاختيار لما قبلت أبدا أن يكون النبي من بني هاشم، والنبوة الطاهرة لن تتكرر، وأنه لن يلحق أي بطن من بطون قريش ببني هاشم، فقد سبقوا تماما وأدركت بطون قريش أن صيغتها السياسية قد اهتزت ونسفت تماما، وأضمرت العمل على وقف ما تعتبره زحفا هاشميا للجمع بين النبوة والملك وحيازة الشرف كله.

أكثر البطون اندفاعا لوقف ما يسمى بالزحف الهاشمي

كل بطون قريش مجمعة على أن النبوة الهاشمية قد هزت هزا عنيفا الصيغة السياسية التي كانت قائمة على اقتسام مناصب الشرف بين القبائل المكية. وكل البطون رفضت هذه النبوة الهاشمية باستثناء بني المطلب بن عبد مناف حيث وقفوا مع

(١) السيرة الحلبية ج ٣ ص ٧٩ وما فوق، وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام.

٢٧٦
الهاشميين لكن أكثر البطون رفضا واندفاعا لوقف الزحف الهاشمي والحيلولة بين جمع الهاشميين الملك والنبوة هم بنو أمية وذلك لعدة أسباب منها:

١ - ماض طويل من الشحناء والعداوة والحسد لبني هاشم حتى قبل الإسلام.

٢ - بسبب النبوة الهاشمية فقد الأمويون القيادة.

٣ - الهاشميون قتلوا سادات بني أمية فهم لا يكرهونهم فحسب بل يحقدون عليهم وهند أم معاوية وزوجة أبي سفيان عكست مقدار هذا الحقد، فهي لم تكتف بقتل حمزة إنما مثلت بجثمانه الطاهر، ولكن مع انتصار النبوة وشمول نور الإسلام وتأخر الأمويين عن دخوله وذكريات مساعيهم الطويلة في محاربته يتعذر عليهم الجهر والمنادات علنا بمنع الهاشميين من أن يجمعوا مع النبوة الملك.

ز - التيار الغلاب

لقد تحولت مقولة لا ينبغي أن يجمع الهاشميون النبوة مع الملك إلى تيار غلاب ولكنه ساكن ومستقر في النفوس وملجوم بوجوده (صلى الله عليه وآله) وبالشرعية وبوحدة الصحابة الصادقين تحت قيادته، فلو فقد عنصر من هذه العناصر الثلاثة فستهتز الشرعية، وسيتحول الصحابة الصادقون إلى شعرة بيضاء في جلد ثور أسود على حد تعبير معاوية وسيأخذ الأمر من يغلب.

س - القرابة الطاهرة الأساس الشرعي للخلافة الراشدة

عندما دخل المهاجرون الثلاثة إلى سقيفة بني ساعدة احتجوا بما يلي: فقال أبو بكر: " نحن عشيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله، (صلى الله عليه وآله)... ".

قال عمر: " لا يجتمع سيفان في غمد واحد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم... لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه نحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو

٢٧٧
متورط في هلكة " (١)، قالت الأنصار كلها: " لا نبايع إلا عليا، وعلي غائب. قال بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليا " (٢).

وسريعا أبرم الأمر للصديق رضي الله عنه ودعي علي لمبايعة أبي بكر، فقال علي: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأخذونه منا غصبا أهل البيت. ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا... الخ.

ص - الانقلاب وانفلات التيار الغلاب

وعمر على فراش الموت يتفكر بمستقبل أمة محمد ويقلب الأمر على وجوهه المختلفة قال: لو أدركت أبا عبيدة باقيا استخلفته ووليته، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته.... ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته، ولو أدركت سالم مولى أبي حذيفة وليته.... الخ.

وسالم من الموالي ولا يعرف له نسب في العرب، ومعاذ من الأنصار ويوم السقيفة لم يكن جائزا تولية الأنصار، وخالد من بني مخزوم ومن الطبقة العاشرة من طبقات الصحابة حيث هاجر في الفترة الواقعة بين صلح الحديبية وفتح مكة.

قال عمر لابن عباس أثناء خلافته: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ قال ابن عباس: فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدري، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، قال:

فقلت: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت، قال:

تكلم، قال ابن عباس فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها

(١) راجع الإمامة والسياسة ص ٦ - ٨.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٨ وراجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج ٢ ص ٢٦٦.

٢٧٨
فأصابت ووفقت فلو أن قريش اختارت لأنفسها من حيث اختيار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: * (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) *. فقال عمر: هيهات يا ابن العباس قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك عليها فتنزل منزلتك مني. فقلت: يا أمير المؤمنين فإن كان حقا فما ينبغي أن تنزل منزلتي منك، وإن كان باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول صرفوها عنا حسدا وبغيا وظلما. قال ابن عباس: فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسدا فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون، فقال عمر: هيهات هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين مهلا لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..... " (١).

والواقعة التي يرويها المسعودي في كتابه مروج الذهب والتي جرت بين ابن عباس وبين الفاروق (رضي الله عنهما) تؤكد حدوث الانقلاب الفكري وانفلات التيار المغلوب الذي كان ساكنا في النفوس وملجوما أثناء حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبل أن تتأسس دولة الخلافة الراشدة، وسأورد النص الحرفي لهذه الواقعة.

النص الحرفي للقصة

ذكر عبد الله بن عباس أن عمر أرسل إليه فقال: يا ابن عباس، إن عامل حمص قد هلك وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم وفي نفسي منك شئ وأعياني ذلك فما رأيك في العمل ؟ قال ابن عباس: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك. قال عمر: ما تريد إلى ذلك ؟ قال ابن عباس: أريده، فإن كان شئ أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت، وإن

(١) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٣ ص ٢٤ وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج ٣ ص ١٠٧ أخرجه الإمام أحمد أبو الفضل بن أبي الطاهر في تاريخ بغداد، راجع مجلد ٢ ص ٩٧ من شرح النهج وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام.

٢٧٩
كنت بريئا من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإني قلما رأيتك طلبت شيئا إلا عاجلته.

فقال: يا ابن عباس إني خشيت أن يأتي علي الذي هو آت (يعني موت عمر) وأنت في عملك فتقول: هلم إليها، ولا هلم إليكم دون غيركم إني رأيت رسول الله استعمل الناس وترككم.

قال: والله قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك ؟

قال عمر: والله ما أدري أضن بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيصبح العتاب ولا بد من عتاب، وقد فرغت لك من ذلك فما رأيك.

قال ابن عباس: قلت: أرى ألا أعمل لك. قال: ولم ؟ قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك ؟ قال: فأشر علي ؟ قلت: إني أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا عليك (١).

من فرط حرصه على مصلحة المسلمين يريد حتى بعد موته أن يتأكد بأن الهاشميين لن يسلطوا على رقاب الناس، ولن يحكموا أمة محمد!!.

وبالإجمال تحولت هذه المقولة إلى تيار غلاب أفصح عن ذاته وفرض نفسه كقناعة عامة تؤمن بها السلطة وآمنت بها الأكثرية الساحقة على اعتبار أن هذه المقولة هي الوسيلة المثلى لمنع الاجحاف الهاشمي وإنصاف البطون القريشية لتتداول الخلافة في ما بينها كرد على النبوة الهاشمية أو كتعويض لها عن الإختصاص الهاشمي بالنبوة وأخيرا على اعتبار أن هذه المقولة مظهر من مظاهر هداية قريش وتوفيقها على حد تفسير الفاروق.

وباستمالة أبي سفيان إلى جانب السلطة، وترك ما بيده من الصدقات التي جمعها، وتولية ابنه يزيد قائدا على جيش الشام وتعيين ابنه الثاني قائدا من قواد يزيد ثم خلافته لأخيه يزيد كوال على الشام بعد وفاته، كل هذا كون حلفا حقيقيا بين

(١) راجع المجلد الثاني ص ٢٥٣ - ٢٥٤ من مروج الذهب للمسعودي.

٢٨٠