×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرية عدالة الصحابة / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

السلطة وبين الطلقاء لهم قناعة سياسية مشتركة تقوم على عدم تمكين الهاشميين من أن يجمعوا مع النبوة الخلافة، وبهذا التحالف قطع دابر المعارضة وحجمت. وتم تكريس مبدأ عدم جواز جمع الهاشميين للنبوة والخلافة معا.

وهكذا فقدت العترة الطاهرة حتى نصيبها من امتيازات الشرف التي كانت مخصصة بموجب الصيغة السياسية التي سادت قبل الإسلام وعزلت تماما وحجمت أنظر إلى قول الفاروق مخاطبا العباس وبني هاشم: " إي والله وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبها " (١). وبلغت الاستهانة بها حدا أنه حتى عبد الله بن الزبير هم بأن يحرق بيوت الهاشميين على من فيها لولا أن تدخل أهل الخير.

ومعنى ذلك أن أي قبيلة من القبائل التي حاصرت الهاشميين في شعاب أبي طالب ثلاث سنين وأرسلت مندوبها للاشتراك بقتل النبي هي أسعد حظا من الهاشميين، والفرد منها أولى وأحق برئاسة الدولة من أي هاشمي، فالرئاسة والولاية حلال لكل الناس وحرام على أي هاشمي من الناحية العملية، كل ذلك من أجل عدم تمكين الهاشميين من الجمع بين النبوة والخلافة، وهل جزاء الاحسان إلا الاحسان ؟

ض - التكييف الشرعي لمقولة لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة

هذه مقولة جاهلية من كل الوجود، وتتعارض معارضة تامة مع النصوص الشرعية، ومع النظم السياسية المشتقة من العقائد الإلهية، فداود نبي وورثه ابنه سليمان فجمع كل واحد منهم النبوة والخلافة معا، وأوتي الأنبياء وذرياتهم الحكم والنبوة والكتاب، ولم يعترض عليهم أحد لأن الفضل بيد الله والخلافة منصب ديني وبالدرجة الأولى ودنيوي والخليفة قائم مقام النبي، ومن مهام النبوة البيان والحكم وعملية البيان والحكم عملية فنية تماما واختصاص.

ومن هو على علم بالتقاطيع الأساسية للنظام السياسي الإسلامي تبين له بأقل

(١) راجع الإمامة والسياسة ص ١٥.

٢٨١
جهد ممكن أن هذه المقولة نسفت نسفا تاما النظام السياسي الإسلامي كنظام إلهي، وفرغته تماما من مضمونه وحولته من الناحية العملية إلى نظام وضعي لا يختلف عن الأنظمة الوضعية إلا بالشكل " سياسيا "، بل والأهم من ذلك أن رئاسة الدولة صارت غنيمة وطعمة يأكلها الغالب والغالب وحده، وبعد أن يغلب يجلس على كرسي النبي " أو حصيرته " ويلبس جبة الإسلام فإذا هو خليفة، فإن غلب الطليق الذي قاتل الإسلام بكل فنون القتال حتى أحيط به فأسلم رغبة أو رهبة فإنه يتأمر على المهاجر الذي قاتل مع الإسلام كل معاركه، ويصبح ولي الله المخصص شرعا لرئاسة الدولة الإسلامية مجرد مواطن عادي من رعاياه، يتكلم الجاهل، ويسكت العالم، يتقدم المحاصر " بالكسر " ويتأخر المحاصر " بالفتح ". كل هذا من أجل إنصاف القبائل الأخرى ومنع الهاشميين من أن يجمعوا مع النبوة الخلافة، أو بتعبير أدق من أجل العودة عمليا إلى الصيغة السياسية التي كانت سائدة قبل الإسلام ولكن بثوبها الجديد، فالصيغة السياسية الجاهلية كانت تقوم على اقتسام مناصب الشرف بحيث تأخذ كل قبيلة نصيبها من هذه المناصب، وبتطبيق المقولة أصبحت القبائل تتداول رئاسة الدولة وبنفس الوقت تتشارك بالشرف والمناصب أثناء عملية التداول، أما الأحكام الإلهية المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي فهي موضوع آخر، فهي لا تستجيب للصيغة السياسية التي وجدت قبل الإسلام في مكة.

٢٨٢
٢٨٣

النتائج التي ترتبت على تكريس مبدأ عدم جواز جمع الهاشميين للنبوة والخلافة

١ - النتيجة الأولى

زوال الفوارق نهائيا بين الذين قاتلوا الإسلام بكل فنون القتال حتى أحيط بهم فأسلموا، وبين أولئك الذين قاتلوا مع الإسلام كل معاركه حتى أعز الله دينه ونصر نبيه وأقام دولة الإيمان، فالكل مسلم لا فرق من الناحية السياسية بين هذا وذاك، فكلهم مسلم وكلهم في الجنة، فالهاشمي الذي حاصرته قريش ثلاث سنين هو تماما مثل أي شخص كان على الشرك واشترك بالحصار، ألم يسلم ذلك الشخص ؟ أليس الإسلام يجب ما قبله ؟ فلو أن حمزة سيد الشهداء رجع إلى الدنيا فهو تماما كوحشي من الناحية العملية السياسية، فالقاتل كالمقتول تماما، والمهاجر كالطليق، والجاهل كالعالم، ولو غلب الجاهل لكان لزاما على العالم أن يطيعه سياسيا وأن يتبعه وينقاد إليه، بل على العكس، فلو كان هنالك هاشمي عالم كعلي بن أبي طالب وكان هنالك أنصاري بدرجته أو أقل علما منه، فالأنصاري العالم مقدم على الهاشمي.

أنظر إلى قول الفاروق رضي الله عنه بوجود علي بن أبي طالب وهو يقول: لو أدركت معاذ بن جبل لوليته، ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته. خالد قاتل الإسلام في أحد وفي أكثر من وقعة وعلي قاتل مع الإسلام في كل مواقعه، ومع هذا فالأولى هو خالد حتى أن الفاروق لو أدرك سالم مولى أبي حذيفة وهو من الموالي ولا يعرف له نسب في العرب لولاه الخلافة وأمره على علي بن أبي طالب مع أن علي بن أبي طالب هو ولي سالم وعمر ومولى أبي عبيدة ومولى كل مؤمن ومؤمنة " باعتراف الفاروق وبإقراره "....

٢٨٤

النتيجة الثانية: زرع بذرة الخلاف ونموها

طالما أن لا فرق بين المهاجر والطليق ولا بين القاتل والمقتول ولا بين المحاصر " بالفتح " والمحاصر " بالكسر " ومن حق كل واحد أن يفهم الإسلام وأن يستقطب حول هذا الفهم فمعنى ذلك وجود مرجعيات متعددة ووجود مفاهيم متعددة وقناعات متعددة وكل فريق يزعم أنه على الحق، ففريق يذهب إلى الشمال وآخر إلى اليمين وثالث إلى الشرق ورابع إلى الغرب وخامس إلى الشمال بزاوية كذا.... الخ، ولا يوجد مرجع يعتبر كلامه حجة يقينية شرعية يقر بها الجميع، بهذا الجو زرعت بذرة الخلاف ونمت بأرض خصبة، فلو قال علي (عليه السلام) كلاما وقال واحد من الطلقاء كلاما آخر فالذي يزن القولين هو السامع، لأنه عمليا لا فرق بين علي وأي طليق، فكلاهما في الجنة وكلاهما مسلم فهم صحابة أي لا يقرون عمليا بأي ترجيح شرعي لقول علي، فكيف يرجح بين المتساويين وكيف يفرق بين المتعادلين تماما ؟ فهذه قطعة ذهبية تتساوى حجما وشكلا ومقدارا وقيمة مع قطعة أخرى، فخذ ما شئت وإياك والتمييز، فالوفاق الحاصل وفاق ظاهري وتحت هذا الظاهر ينمو الخلاف ويشب ثم يتحول إلى سرطان عاجلا أم آجلا، يمزق وحدة الأمة ويخرجها من إطار الشرعية إلى الغامض والمجهول.

النتيجة الثالثة: رئاسة الدولة حق للجميع إلا لهاشمي

بمعنى أنه لا شئ على الاطلاق يمنع أي مسلم من أن يتولى رئاسة الدولة الإسلامية شريطة أن يتمكن من الوصول إليها والاستحواذ عليها، وانقياد الجميع له وتسليمهم له بالغلبة والسلطان شريطة أن لا يكون من بني هاشم لأنهم اختصوا بالنبوة والنبوة تكفيهم.

هذا الحق حول الطمع برئاسة الدولة إلى كابوس بغيض وإلى آلية مزعجة سلبت الأمة قرارها واستقرارها، وحولتها إلى حقل تجارب لكل الطامعين بالرئاسة، وعطلت نظامها السياسي والشرعي.

أما من أي قبيلة هذا الرئيس ؟ ما هو علمه ؟ ما هو دينه ؟ ما هي سابقته ؟ من

٢٨٥
الذين سيحكمهم ؟ تلك أمور ثانوية لا قيمة لها من الناحية العملية ولا يعول عليها لأن الغالب غالب والحصول على رضوان المغلوب فن قائم بذاته.

ما الذي يمنع يزيد بن معاوية وهو المشهور بعهره وفجوره من أن يكون رئيسا للدولة الإسلامية لأنه ابن معاوية الرئيس، ومن الذي يمنع الحسين بن علي بن أبي طالب سيد شباب أهل الجنة في الجنة بالنص وريحانة النبي من هذه الأمة بالنص، والإمام الشرعي لهذه الأمة بالنص، فما الذي يمنعه من أن يكون أحد رعايا يزيد وأحد الذين يتأمر عليهم، فكلاهما مسلم، وكلاهما في الجنة، يزيد القاتل المجرم في الجنة والحسين الإمام المقتول في الجنة، فكلاهما صحابي!!! ومن ينقد هذا الرأي فهو زنديق لا يواكل ولا يشارب ولا يصلى عليه.

النتيجة الرابعة: اختلاط الأوراق

اختلط الحابل بالنابل والحق بالباطل والخير بالشر والعلقم بالشهد، وأصبح المتأخر كالمتقدم واللاحق كالسابق، والمجاهد كالقاعد، والقاتل كالمقتول والمحاصر كالمحاصر " بالفتح والكسر " ومن وقف مع الإسلام تماما مثل من وقف ضده، ومن قاتل الإسلام تماما كمن قاتل معه. لقد دخل الجميع بدين الله وشاهد النبي أو شاهدوه، فكلهم صحابة وكلهم في الجنة.

وضاع الصادقون، وتفرقوا في الأمصار وأصبحوا على حد تفسير معاوية كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود وانهار النظام السياسي الإسلامي وتأخر المتقدمون وتقدم المتأخرون، ولله عاقبة الأمور.

٢٨٦
٢٨٧

الفصل الثامن
مقدمات الانقلاب

١ - مع النبي على فراش الموت

النبي في بيته، يجلس على فراش الموت، وجبريل الأمين لا ينقطع عن زيارته. النبي على علم بمستقبل هذه الأمة، وقد أدى دوره كاملا وبلغ رسالات ربه، وبين للمسلمين كل شئ على الاطلاق، وهو على علم تام بما يجري حوله، ومدرك أنه السكون الذي يسبق العاصفة والصمت الذي يسبق الانفجار، فإذا ثارت العاصفة، وحدث الانفجار ستنسف الشرعية السياسية ونسفها سيجرد الإسلام من سلاحه الجبار ويتعطل المولد الأساسي للدعوة والدولة.

لكن مثل النبي لا ينحني أمام العاصفة، ولا يسكت حتى يحدث الانفجار ولا يقعده شئ عن متابعة إحساسه العميق بالرأفة والرحمة لهذه الأمة، وبالرغم من كمال الدين وتمام النعمة والبيان الإلهي الشامل لكل شئ تحتاجه الأمة، بما فيه كيف يتبول المسلم وكيف يتغوط.

إلا أنه أراد أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي بعده وحتى لا تضل، وحتى تخرج بسلام من المفاجآت التي تتربص بها تنتظر موت النبي لتفتح أشداقها، فتعكر صفو الإسلام، وتعيق حركته وتغير مساره.

بيت النبي (ص) يغص بعواده من أكابر الصحابة فاغتنم النبي الفرصة وأراد أن يلخص الموقف لأمته ويذكر بالخط المستقبلي لمسيرة الإسلام، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):

" قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ". ما هو الخطأ بهذا العرض

٢٨٨
النبوي ؟ من يرفض التأمين ضد الضلالة ؟ ولماذا ولمصلحة من ؟ ثم إن من حق كل مسلم أن يوصي، ومن حق أي مسلم أن يقول ما يشاء قبيل موته والذين يسمعون قوله أحرار فيما بعد بإعمال هذا القول أو إهماله، هذا إذا افترضنا أن محمدا مجرد مسلم عادي وليس نبيا وقائدا للأمة. فتصدى عمر بن الخطاب له ووجه كلامه للحضور وقال: إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: " قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لا تضلوا بعده أبدا ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله: قوموا عني " (١).

وفي رواية ثانية أن الرسول (ص) عندما قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا تنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: هجر رسول الله. قال النبي: " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " (٢).

وفي رواية ثالثة: قال النبي (صلى الله عليه وآله): " ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " فقالوا: إن رسول الله يتهجر " (٣).

وفي رواية ثالثة للبخاري أن النبي قال: " ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " قال عمر بن الخطاب: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وأكثروا اللغط، قال النبي: " قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع.... " (٤).

(١) صحيح بخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج ٧ ص ٩ وراجع صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية ج ٥ ص ٧٥ وصحيح مسلم بشرح النووي ج ١١ ص ٩٥ ومسند الإمام أحمد ج ٤ ص ٣٥٦ ح ٢٩٩٢ وشرح النهج لابن أبي الحديد ج ٦ ص ٥١.

(٢) راجع صحيح بخاري ج ٤ ص ٣١ وصحيح مسلم ج ٢ ص ١٦ ومسند الإمام أحمد ج ١ ص ٢ و ج ٣ ص ٢٨٦.

(٣) راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ١٦ و ج ١١ ص ٩٤ - ٩٥ بشرح النووي ومسند الإمام أحمد ج ١ ص ٣٥٥ وتاريخ الطبري ج ٢ ص ١٩٣ والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٣٢٠.

(٤) راجع صحيح بخاري ج ١ ص ٣٧.

٢٨٩
رواية بلفظ رابع للبخاري:

قال النبي (صلى الله عليه وآله): " ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما شأنه أهجر ؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه فقال: " ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه.... " (١).

رواية بلفظ خامس للبخاري:

قال النبي (ص): " ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا "، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر ؟ استفهموه فقال النبي:

" ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه.... " (٢).

رواية بلفظ سادس للبخاري:

قال النبي (ص): " هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده "، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي قال: " قوموا عني " (٣).

وفي رواية أن عمر بن الخطاب قال: إن النبي يهجر.... (٤)، وقد اعترف الفاروق أنه صد النبي عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الأمر لعلي (٥).

(١) راجع صحيح بخاري ج ٥ ص ١٣٧ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٢ - ١٩٣.

(٢) راجع صحيح بخاري ج ٢ ص ١٣٢ و ج ٤ ص ٦٥ - ٦٦.

(٣) صحيح بخاري ج ٨ ص ١٦١.

(٤) راجع تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي الحنفي ص ٦٢ وراجع سر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص ٢١ (٥) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج ٣ ص ١١٤ سطر ٢٧ الطبعة الأولى مصر وبيروت و ج ١٢ ص ٧٩ سطر ٣، بتحقيق محمد أبو الفضل و ج ٣ ص ٨٠٣ دار مكتبة الحياة و ج ٣ ص ١٦٧ دار الفكر.

٢٩٠

تحليل المواجهة

١ - أطراف المواجهة

الطرف الأول: هو محمد رسول الله وخاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمام الدولة الإسلامية " رئيسها ".

الطرف الثاني: هو عمر بن الخطاب أحد كبار الصحابة ووزير من أبرز وزراء دولة النبي (ص) والخليفة الثاني من خلفاء النبي فيما بعد.

مكان المواجهة: بيت النبي.

شهود المواجهة: كبار الصحابة رضوان الله عليهم.

النتائج الأولية للمواجهة

١ - الانقسام

إن الحاضرين قد انقسموا إلى قسمين:

القسم الأول: يؤيد الفاروق في ما ذهب إليه من الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما يريد، وحجة هذا الفريق أن الفاروق من كبار الصحابة وأحد وزراء النبي (ص) ومشفق على الإسلام، وأن النبي مريض وبالتالي فلا داعي لإزعاجه بكتابة هذا الكتاب. ثم إن القرآن وحده يكفي فهو التأمين ضد الضلالة ولا داعي لأي كتاب آخر يكتبه النبي.

القسم الثاني: يرفض المواجهة أصلا بين التابع والمتبوع، وبين نبي ومسلم وبين رسول يتلقى تعليماته من الله وبين مجتهد يعمل بما يوحيه له اجتهاده، وبين رئيس دولة ونبي بنفس الوقت وبين واحد من وزرائه، ويرى هذا القسم أن تتاح الفرصة للنبي ليقول ما يريد ولكتابة ما يريد لأنه نبي وما زال نبيا حتى يتوفاه الله، ولأنه رئيس الدولة وما زال رئيسا للدولة حتى يتوفاه الله ويحل رئيس آخر محله. ثم على الأقل لأنه مسلم يتمتع بالحرية كما يتمتع بها غيره، ومن حقه أن يقول ما يشاء وأن يكتب ما يشاء ثم إن الأحداث والمواجهة تجري في بيته فهو صاحب البيت ومن

٢٩١
كتاب نظرية عدالة الصحابة للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٢٩٢ - ص ٣١٤)
٢٩٢
يبايع (١)، وهو نفسه الذي أشار على أبي بكر الصديق بأن يترك لأبي سفيان ما بيده من الصدقات ليضمن ولاءه (٢)، وأشار عليه بأن يعين يزيد بن أبي سفيان قائدا لجيش الشام. وهو القوة الهائلة التي وضعت الاستقرار لدولة أبي بكر ولم يطل بقاء الصديق في الحكم طويلا، فانتقل إلى جوار ربه وورث عمر دولة آمنة مستقرة، وانتقلت إليه السلطة بيسر وسهولة وبدون معارضة، وكان الانتقال خطوة طبيعية تتبع خطوة، وعاجلا أم آجلا سيكتشف الباحثون أن للفاروق قدرة هائلة على التخطيط والتنظير ما توفرت لأحد قط من أقرانه فقد قام بدور الهيئة التأسيسية لعصر ما بعد النبوة ورتب كل شئ لمستقبل الحكم في الإسلام، فلن يجمع الهاشميون الخلافة والنبوة أبدا، وستكون الخلافة تداولا في غيرهم، وحقا خالصا لمن غلب بغض النظر عن شرعية أو عدم شرعية وسائل الغلبة.

٣ - بروز فكرة التغلب وترجيح التابع على المتبوع

نبتت بهذا المواجهة فكرة التغلب وترجيح التابع على المتبوع أو المساواة بين التابع والمتبوع، وخلق حالة من الشبهات والحيرة مع من يكون الصواب، هل هو مع التابع أو مع المتبوع ؟.

فحجة الفاروق أن النبي قد اشتد به الوجع، وكتابة الكتاب بمثل هذه الحالة قد تشكل خطرا، وشايع الفاروق بذلك مجموعة من الصحابة، وهذا شك، وحجة الطرف الآخر أن محمدا ما زال نبيا وسيبقى نبيا حتى تصعد روحه الطاهرة إلى باريها، وأنه لا ينطق عن الهوى وهذا يقين، فترك اليقين إلى الشك غير معقول!! والمرض ليس مانعا من القول.

حادثتان مشابهتان

الأولى: لقد مرض الصديق واشتد به الوجع كما يجمع على ذلك كل أتباع

(١) الإمامة والسياسة ص ١٣.

(٢) راجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج ١ ص ٣٠٦ - ٣٠٧ تحقيق حسن تميمي مكتبة الحياة.

٢٩٣
الملة: " فلما تم لأبي بكر ما أراد من المشورة دعا عثمان خاليا - أي وحده - وقاله له: أكتب أما بعد، ثم أغمي عليه من شدة الوجع فكتب عثمان " فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا ". فلما أفاق أبو بكر من إغمائه قال لعثمان:

اقرأ علي، فقرأ عليه ما كتب فقال أبو بكر: أراك خفت أن يختلف الناس إن اقتتلت نفسي في غشيتي ؟ قال عثمان: نعم. قال أبو بكر: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله، وأقرها أبو بكر " (١)، تلك حقيقة بالإجماع.

الثانية: مرض عمر نفسه. قال طبيبه: لا أرى أن تمسي، فما كنت فاعلا فافعل فقال لابنه عبد الله: ناولني الكتف فمحاها، وقال من شدة الوجع: والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله فقال لابنه: ضع خدي بالأرض، فلم يفعل، فلحظه وقال: ضع خدي بالأرض لا أم لك الويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر الله لعمر (٢).

وبالرغم من شدة وجع أبي بكر فقد أوصى وكتب ما أراد، وبالرغم من شدة وجع عمر فقد أوصى وكتب ما أراد، ورتب أمر الشورى، واطمأن أن عثمان سيكون الخليفة، واطمأن أنه لا يسلط هاشمي على رقاب الناس حتى ولو كان ذا قوة وذا أمانة، ونفذت بدقة وصية الاثنين، وسمح لهما بقولها، وسمح لهما بالتوصية، وبالرغم من اشتداد الوجع بكل واحد منهما، فعندما كتب كل واحد منهما وصيته كان ما زال رسميا على رأس عمله خليفة للمسلمين ومن حقه أن يمارس عمله ما دام حيا أو لم يعزل.

تلك حقيقة مسلم بها بالإجماع وقول واحد لا خلاف عليه، فكيف يسمح لأبي بكر ولعمر بالتوصية وكتابة ما أراد، مع أن المرض قد اشتد بكل واحد منهما أكثر من اشتداده برسول الله (ص) ويحال بين الرسول وبين كتابة ما أراد!!.

(١) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ٤٢٩ و ص ١٧٦ من نظام الحكم للقاسمي و ص ٣٧ من سيرة عمر لابن الجوزي و ج ٢ ص ٨٥ من تاريخ ابن خلدون و ص ١٢٠ من كتابنا النظام السياسي في الإسلام على سبيل المثال فقط.

(٢) راجع الإمامة والسياسة ص ٢١ - ٣١ والطبقات لابن سعد و ص ١٢٠ - ١٢١ من كتابنا النظام السياسي على سبيل المثال.

٢٩٤
ألا يحق لمحمد (صلى الله عليه وآله) ما يحق لأبي بكر وعمر (رضي الله عنهما). هذا مع الافتراض أن محمدا على قدم المساواة مع أبي بكر وعمر!!

وهذا افتراض مرفوض شكلا وموضوعا، لأن محمدا نبي مرسل من الله وإمام، بينما أبو بكر وعمر من الأتباع، ومحمد يوحى إليه، وقد أكد وقال أكثر من مرة: " إن أكثر ما كان يأتيه الوحي كان يأتيه وهو مريض " (١).

والله يقول: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * ويقول:

* (وما صاحبكم بمجنون) * * (ما ضل صاحبكم وما غوى) * * (إن هو إلا وحي يوحى) * فكيف يتحول بطرفة عين من كانت هذه صفاته وملكاته إلى رجل حاشا له يهجر!! ؟ ولا يؤمن على كتابة وصية!!.

ومع أن هذه حقائق دامغة لا قوة في الأرض تستطيع أن تنكرها أو تدافع عنها، ومع أن هذه الواقعة نسفت مستقبل الإسلام كله، وكانت هي البذرة التي انطلقت منها كل المآسي والنكبات التي حلت بالمسلمين، إلا أن أهل السنة يتجاهلونها تماما ولا يفكرون بها إلا أنها مجرد قصة.

وهكذا، وعمليا رجح قول التابع على قول المتبوع، فأصبح التابع مرجعا والمتبوع متفرجا، وتم للتابع ما أراد وغلبت مشيئته واستقطب الناس لها ووجدت واقعيا فكرة الغلبة وأثمرت، واعتبرت الغلبة فيما بعد مبدأ شرعيا وأجيز للأمة أن تتفرج على الصراع بين متغالبين ثم تقف في النهاية مع الغالب مهما كانت صفاته ومهما كان دينه ؟ (٢).

فطمع المتبوع بالتابع وتقدم المفضول على الأفضل، ومن هنا فلا ينبغي أن ندهش إذا رأينا معاوية بن أبي سفيان يعتلي سدة الخلافة وهو الطليق ابن الطليق ومن المؤلفة قلوبهم، وينازع بالخلافة أول من أسلم وولي الله بالنص، ومولى كل مؤمن ومؤمنة بالنص، ويحاول أن يقنع المسلمين بأنه أفضل من علي وأصلح للأمة منه، ولا ينبغي أن نندهش إذا وجدنا في عصور الإسلام من يقول: هذا مجتهد وهذا

(١) راجع الطبقات لابن سعد ج ٢ ص ١٩٣.

(٢) راجع نظام الحكم للقاسمي ص ٢٤٤ - ٢٤٥ وكتابنا النظام السياسي ص ١٥٣

٢٩٥
مجتهد وكلاهما في الجنة.

وما ينبغي أن ندهش عندما يطالب مروان بن الحكم بالخلافة وهو ابن الحكم بن العاص الذي كان محظورا عليه أن يدخل المدينة في زمن الرسول وأبي بكر وعمر، حتى تولى الخلافة عثمان فأدخله معززا مكرما واتخذ ابنه مروان رئيسا لوزرائه وزوجا لابنته.

لقد تداعت الفوارق بين التابع والمتبوع وبين المتقدم عند الله وفي الإسلام والمتأخر في موازين الله والإسلام، فالوليد بن عقبة يتأمر على الحسين بن علي والوليد يعظ وعلى الحسين أن يسمع وعظ هذا الواعظ، والوليد يصلي بالناس صلاة الصبح أربعا وهو سكران ويسأل المأمومين إن كانوا يرغبون بالزيادة، وبعد ذلك فإنه لا حرج أن يكون هذا الرجل إماما للحسين بن علي بن أبي طالب وأميرا عليه ومرجعا يمكن للحسين إذا أراد أن يسأله في أمور دينه ودنياه!!!.

٤ - ظفر الغالب ونجاحه

أصبح الغالب - أي غالب وأيا كان - هو الظافر، وهو سيد الموقف وهو إمام المسلمين ورئيس دولتهم وهو مرجعهم في كل الأمور الدينية والدنيوية وهو الحائز لكل وسائل القوة، بيده السيطرة الكاملة على كل موارد الدولة يعطي لمن يشاء ويمنع العطاء عمن يشاء، لا رقيب عليه إلا الله ومقدار دينه، وهو القائد العام لجيوش الإسلام يستعملها لتحقيق الأمنين الخارجي والداخلي ولتطويع الرعية رغبة ورهبة، وهو المسيطر سيطرة تامة على وسائل الإعلام، فلو شاء جعل الأبيض أسود ولو شاء جعل الأسود أبيض، ويمكنه بسيطرته على وسائل الإعلام أن يجعل القزم عملاقا وأن يحول العملاق إلى قزم، وتحول مؤيدوه إلى واجهة له بيدهم الحل والعقد، ومع الأيام أصبحوا مراجع، فهم يتبنون وجهة نظر الغالب ويستعملون وسائله المرجعية، فهم سادات المجتمع وهم الفراقد المتألقة، وإذا سار معهم أي واحد قادوه إلى نقطة الارتكاز ومحور الهداية - أي عين ما يراه الغالب - وعزف العامة على ذات الوتر، واتحدت الأمة على هذه الشاكلة، وكلما مضت سنة ترسخت هذه السنة وتوطدت، وكلما مر عقد ضربت جذورها في الأرض وأصبحت رأيا عاما وقناعة وعقيدة سياسية.

٢٩٦

عزل العترة الطاهرة

بهذا المناخ نادت العترة الطاهرة بالشرعية، وقالت إن لها حقا وتطالب به، ولكن الناس يحولون بينها وبين حقها الشرعي، كانت معارضة أبي الحسن لأبي بكر معارضة متحضرة وشرعية ومنطقية جدا بشهادة بشير بن سعد أول من بايع أبا بكر حيث قال عندما سمع حجة الإمام: " لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان " (١). ولكن تبقى السلطة سلطة، وتبقى المعارضة معارضة، ولا يمكن بالفطرة للقائمين على السلطة بأي مقياس أن تثق سياسيا بالمعارضة ولا أن تسلم للمعارضة مكتسباتها، ولكن لأن فاطمة بنت محمد بجانب الإمام علي، فقد رؤي عدم قتله، بالرغم من أنه هدد بالقتل إن لم يبايع ورؤي عدم إكراهه على البيعة تقديرا لفاطمة.

ولم تتخذ أية إجراءات فعالة ضد الإمام وزوجته الزهراء عندما كانا يطوفان ليلا في مجالس الأنصار ويسألان النصرة فكان الأنصار يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به فيقول علي: أفكنت أدع رسول الله في بيته لم أؤمنه وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟

فتقول فاطمة: ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي ولقد صنعوا ما الله حسبهم عليه وطالبهم (٢).

ومع هذا فالنتيجة المنطقية كانت عزل الإمام بعد وفاة فاطمة وعزل شيعته، وتجلت الرغبة بعزل الإمام عن بني هاشم خاصة محاولة السلطة اجتذاب العباس إليها بإغرائه ببعض الأمر له ولعقبه، ولكن العباس رفض ذلك رفضا قاطعا ورد ردا حاسما على السلطة (٣).

وبالمعيار الموضوعي فإنه إذا قدر للشخص العادي أن يختار بين السلطة وبين خصومها، فإنه سيختار جانب السلطة لأنها هي الجانب الأقوى خاصة وأن معارضات

(١) الإمامة والسياسة ص ١٢ على سبيل المثال.

(٢) الإمامة والسياسة ص ١٢ على سبيل المثال.

(٣) الإمامة والسياسة ص ١٥ - ١٦.

٢٩٧
أهل البيت تتابعت وكاد حبل الود أن ينقطع نهائيا بينهم وبين السلطة عندما هم عمر بإحراق بيت فاطمة على من فيه ولكن الله سلم (١).

ولقد بلغ من حجم القناعة لدى السلطة أنها اقتنعت بأنه لا يجوز لبني هاشم أن يجمعوا مع النبوة الخلافة كوسيلة لمنع الاجحاف الهاشمي، وآمنت السلطة أن قريش قد اهتدت عندما أخذت بهذا المبدأ (٢).

والأهم من ذلك أنه قد وضع شرطا بأنه لا يجوز أن يسلط هاشمي على رقاب الناس حتى ولو كان ذا قوة وأمانة، وقد نفذ هذا الشرط بدقة في عهدي أبي بكر وعمر، وكان عمر يحرص على أن لا يتولى أعماله أي مؤيد لهم.

فعزل علي وعزل شيعته، وتعايش الإمام مع الشيخين وتعايشت شيعته، وقدم أهل البيت في زمنهما على الجميع في العطايا، فكانوا يبدأون بآل محمد ثم ببقية الناس، وأمن الإمام وأهل البيت وشيعتهم على أرواحهم وأموالهم، وكانا يستشيران الإمام ويرجعان إليه في كثير من الأمور، واستقرت الأحوال وساعد على استقرارها فتوح البلدان وعدم تدنس الشيخين بشهوة.

وبعد فترة من استلام عثمان للخلافة بدأ الصحابة يتراجعون من حوله، وبدأ الأمويون ينزلون في بلاطه، فانفض الصحابة جميعا من حوله، والتف الأمويون عليه وغص بهم بلاطه.

ولم يأت الأمويون بجديد، فآل البيت وشيعتهم حرموا الأعمال في زمن الشيخين، وغير وارد أن يتولوها في زمن عثمان، ولأن الإمام وشيعته لا يمكن أن يسكتوا على أخطاء بني أمية وهم حاشية عثمان وعماله، اعتبروا أن أمر أهل البيت بالمعروف ونهيهم عن المنكر معارضة للأمويين لأنهم أمويون، فلذلك ضاقوا ذرعا

(١) راجع مراجع التحريق.

(٢) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٣ ص ٢٤ آخر سيرة عمر من حوادث سنة ٢٣، وراجع علامة المعتزلة ابن أبي الحديد وشرح النهج مجلد ٣ ص ٩٧ و ١٠٧ وقد نقلها عن الإمام أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد، وراجع كتابنا النظام السياسي ص ١٤٩ وما فوق ص ٦، مروج الذهب ج ٢ ص ٣٥٣ للمسعودي.

٢٩٨
بعلي وبشيعته وتراكمت هذه المعارضة مع تركات الماضي بين الهاشميين والأمويين، وما زالت تكبر وتكبر حتى حدثت المواجهة المسلحة بين الأمويين برئاسة معاوية والي الشام وبين الأمة برئاسة إمامها ووليها علي، وانتصرت القوة على الشرعية وتوج معاوية ملكا حقيقيا على الأمة، وسمي العام بعام الجماعة.

وبدأ عهد جديد لمطاردة آل محمد ملئ بالدمع والدم، فأبيدوا إلا من كتبت له الحياة، وفرضت مسبتهم وشتمهم في الأمصار، ورددت الأمة المسبات والشتائم وراء الحكام. وطوردت شيعة آل محمد، ولم يجيزوا لأحد من أهل البيت أو لأحد من شيعتهم شهادة، ومحوا من الديوان كل من يظهر حبه لعلي وأولاده وأسقطوا عطاءهم ورزقهم " (١).

الاستيلاء على السلطة

١ - استذكار وربط الأحداث

قال النبي (ص) كما أسلفنا: " هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " ولما أتم النبي هذه الجملة قال الفاروق موجها كلامه لمن حضر: " إن النبي قد اشتد به الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله " وعلى الفور انقسم الحاضرون إلى قسمين:

القسم الأول يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله، والقسم الآخر يقول ما قاله عمر، فأكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، حتى بلغ الأمر بالقسم الذي أيد عمر أن قالوا:

" حاشا للرسول، هجر رسول الله " إن " رسول الله يهجر " ورسول الله يسمع ويرى، عندئذ قال رسول الله: " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " (٢).

(١) راجع تاريخ ابن عساكر ج ٣ ص ٤٠٧ وراجع معاوية في الميزان للعقاد ص ١٦، وراجع شيخ المضيرة للشيخ محمود أبو رية ص ١٨٠.

(٢) نحن أهل السنة نعتبر صحيحي البخاري ومسلم من أصح كتب الحديث على الاطلاق وقد روى البخاري تلك الحادثة الأليمة بست روايات ولها كلها نفس المضمون ورواها مسلم أيضا، وراجع إن شئت صحيح البخاري ج ٧ ص ٩، وصحيح مسلم ج ٥ ص ٧٥ و ج ١١ ص ٩٥ بشرح النووي و ج ٤ ص ٨٥ صحيح البخاري وصحيح مسلم ج ٥ ص ٧٥ و ج ١١ ص ٨٩ - ٩٤ بشرح النووي.

٢٩٩

٢ - النجاح الساحق

نجح الفاروق بشق الحاضرين إلى قسمين: ١ - جماعة تؤيده وهو التابع، وجماعة تؤيد النبي وهو المتبوع، فأزال الفوارق بين التابع والمتبوع. ونجح الفاروق ومؤيدوه بالحيلولة بين النبي وبين كتابة ما يريد.

الخياران

فإذا أصر النبي على كتابة الكتاب الذي يريد، ففريق الفاروق يرى أن النبي حاشا له: هجر، يهجر وفي ذلك كارثة على الدين كله، وإذا عدل النبي عن كتابة الكتاب الذي أراد ففريق الفاروق عندئذ يرى أن الرسول قد اشتد به الوجع وحسبنا كتاب الله، فاختار النبي العدول عن كتابة الكتاب، وصدم خاطره الشريف هذا القول الموجع " هجر يهجر " فقال: " دعوني...... ".

ثوب الشرعية

الفاروق لم يخرج عن إطار الشرعية من حيث الشكل، فهو لا يدعو إلى باطل، فهو يقول مخاطبا من حضر: " عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اشتد به الوجع "، فهو حريص على أن لا يكتب النبي هذا الكتاب، وحريص على تقديم واجبات الاحترام الرسمية للنبي حيث قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اشتد به الوجع ".... وحريص على التمسك بالقرآن، وهو وحده يكفي ولا حاجة لكتاب النبي، فكامل هذه التصرفات ترتدي ثوب الشرعية.

وهذا عين موقف فريق أمير المؤمنين عمر.

٣٠٠