×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرية عدالة الصحابة / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

٣٠١

الفصل التاسع
مقاصد الفاروق وأهدافه

لقد قاومت بطون قريش النبوة الهاشمية بكل فنون المقاومة وحاربتها بكل وسائل الحرب، لا حبا بالأصنام ولا كراهية للإسلام، فليس في الإسلام ما تعافه الفطرة فيكره، لكن قريش لا تريد أن تغير صيغتها السياسية القائمة على اقتسام مناصب الشرف، ولا تريد أن يتميز البطن الهاشمي عن بقية البطون، ولا أن يتفوق هذا البطن عليها، وقد تصورت بطون قريش أن التفاف الهاشميين حول النبوة، ودفاعهم المستميت عن النبي هو إصرار هاشمي على التميز ورغبة هاشمية بالتفوق على الجميع، فحاصرت بطون قريش مجتمعة الهاشميين، وتآمرت بطون قريش مجتمعة على قتل النبي، وتعاونت بطون قريش مجتمعة على حرب النبي، ففشل الحصار، وفشلت المؤامرة، وهزمت البطون في حروبها وأحيط بها فأسلمت وأدركت أن النبوة الهاشمية قدر محتوم لا مفر منه، ولا محيد، وطالما أن النبوة قدر محتوم، ولا طاقة للبطون بمواجهة هذا القدر ومنعه، فلتكن النبوة للهاشميين خالصة لهم لا يشاركهم بالنبوة أحد من البطون، وليتوقف الزحف الهاشمي على حقوق البطون الأخرى، فالنبي قد أعد العدة لتكون الخلافة لعلي الهاشمي ولذرية النبي من بعد علي، لأنهم بعلم الله الأعلم بالإسلام، والأفهم بأحكامه، والأفضل من أتباعه، والأنسب لقيادة الأمة، والأطيب لنفوس الجميع.

الحل المثالي

لقد دخلت كل البطون في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله، وتوحيد قريش في ظلال الإسلام مصلحة شرعية وضرورة من ضرورات انتصاره وشيوعه وانتشاره في البلدان ولا يحقق ذلك إلا:

٣٠٢
١ - أن تكون النبوة خالصة لبني هاشم لا يشاركهم بها أحد غيرهم كائنا من كان.

٢ - أن تكون الخلافة لبطون قريش تتداولها فيما بينها لا يشاركها في الخلافة أي هاشمي على الاطلاق، ولا حرج لو تداولها مع البطون من غيرهم كالأنصار، وكالموالي، لأن اشتراك هذا الغير بتداول الخلافة لا يخدم التميز والتفوق الهاشمي، واستقرت بأذهانهم نهائيا مقولة " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة " وتحولت هذه المقولة إلى تيار غلاب مستقر في النفوس.

استكشاف الحل

قريش وبالإجماع قبلت النبوة الهاشمية باعتبار أنها قدر لا مفر منه وهي تتمنى لو تحقق حلمها بالحل المثالي، فلا يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة ولكن، هذه الأماني ملجومة بوجود النبي، وإمكانية تحقيقها بعد وفاته واردة ومتاحة.

اقتناع الفاروق بالمقولة وتطويرها على يديه

لسوء الحظ أن الفاروق قد اقتنع بالمقولة القريشية: " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة، وهو يلتقي هنا مع التيار الغلاب الساكن في نفوس قريش والمتأهب للظهور بعد وفاة النبي. وأضفى عليها الفاروق ثوب الشرعية فوصفها بأنها الصواب والتوفيق وأن الغاية منها منع الاجحاف الهاشمي على بطون قريش، وهكذا طور الفاروق هذه النظرية وألبسها ثوب الشرعية فشقت طريقها بيسر وسهولة وبلا حرج تختال بثوبها الشرعي مخفية أحاسيسها الجاهلية، لأن شعار " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة " شعار جاهلي من كل الوجوه، تجد جذوره مستقرة وواضحة في الصيغة الجاهلية التي سادت مكة قبل ظهور الإسلام والقائمة أصلا على اقتسام البطون القريشية لمناصب الشرف، ومن جهة أخرى فإن الخليفة المقترح من النبي (ص) وهو علي بالذات نكل ببطون قريش فليس فيها بطن إلا وله دم عند علي، فهو قاتل سادات بني أمية في بدر، وقاتل حنظلة بن أبي سفيان، وقاتل العاص بن هشام بن المغيرة، وهشام هذا هو خال أمير المؤمنين " (١)،

(١) الطبقات: ج ٢ ص ١٧ - ١٨.

٣٠٣
ثم إن عليا هو الذي كفى رسول الله كفار العرب بسيفه ورمحه، فكيف يرضى أبو سفيان عن قاتل ابنه وأولاد عمومته ؟ وكيف تتقبل هند وابنها معاوية رئاسة الذين قتلوا الأهل والأحبة ؟ عمر قد يقبل قاتل خاله، لأن الإيمان تمكن من قلبه، ولكن غيره لا يتقبل ولا يقبل، ثم إن الرسول (ص) لا لوم عليه فهو لم يقتل بيديه، إنما كان القاتل علي، فعصبت قريش دماءها بعلي ووجهت لومها وكراهيتها له مع الاحتفاظ بهويتها الإسلامية وولائها للنبي بالذات، فلو أخذت قريش بما تسميه " بالفضائل " التي أضفاها النبي (ص) على علي وسلمت له الخلافة فإن قريش لن تتحد في ظل حكمه بل ستفترق وتختلف، وسينعكس هذا الافتراق وهذا الاختلاف على مستقبل الإسلام ومستقبل الولاء للنبي بالذات، وقد تقع الفتنة مع ما تجره من عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين. بهذا وحده يمكن أن نفسر الاندفاع الهائل لأمير المؤمنين في هذا التوجه، ونفسر سر الائتلاف بينه وبين بطون قريش على شعار " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة "، حتى تحول أمير المؤمنين عمر إلى مخطط ومنظر حقيقي وأوحد لهذا التيار.

قريش تتحد ضد الولي كما اتحدت ضد النبي

وحدة الرؤى الرئيسية وحدت قريش كلها خلف شعار " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة "، فقد وقفت كل بطون قريش بلا استثناء (١) ضد النبوة الهاشمية واشتركت كل بطون قريش في مقاطعة بني هاشم ثلاث سنين بهدف القضاء على هذه النبوة وفشل الحصار، وتآمرت كل بطون قريش على قتل النبي وعبرت عن وحدتها بهذا التآمر بإرسال أحد رجالها للاشتراك في قتله، وفشلت المؤامرة ونجا النبي ثم جهزت كل بطون قريش الجيوش وحاربت النبي وفشلت، وأحيط بها فاستسلمت وأدركت أن النبوة قدر لا مفر منه وسلمت بها لبني هاشم.

لكنها عزمت وجزمت على أن لا يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة، فوقفت وقفة رجل واحد ضد علي كما وقفت كل بطونها وقفة رجل واحد ضد النبي وغايتها محددة وهي أن لا يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة وبنفس الوقت الاحتفاظ بالهوية

(١) الإمامة والسياسة ص ٧٠ - ٧٢.

٣٠٤
الإسلامية والولاء للنبوة الهاشمية بالقدر الذي لا يتعارض مع نجاح المقولة.

قريش تخطط والهاشميون يرزحون في مصابهم

قريش مدركة أن النبي ميت لا محالة في مرضه هذا، وقد أخرهم النبي (ص) بذلك وهم يصدقون النبي، وهي مدركة أيضا أن ترك الأمور على طبيعتها يؤدي حتما لفوز علي بالخلافة عندئذ يقع المحظور، فيجمع الهاشميون مع الخلافة النبوة لذلك فلا غنى لها عن التحرك بالخفاء لمنع وقوع المحظور.

والهاشميون كذلك وعلي بالذات مشغولون بمصابهم، فالنبي ميت لا محالة في مرضه هذا، وهو يعاني الألم، وألمه ألمهم لأنه النبي والسيد، وهم الأتباع المخلصون، ولأنه الأخ والقريب وابن العم والحبيب فلا أخ مثله، ولا قريب يغني عنه، ولا ابن عم يتحلى بمزاياه ولا حبيب نظيرا له على الاطلاق، لذلك انصرفوا له بكليتهم وانشغلوا به عمن سواه مفترضين أن الآخرين مثلهم.

التخطيط المحكم

كيف علم عمر بأن النبي سيوصي ذلك اليوم بالذات فحضر ؟ ومن الذي أخبره ؟

وكيف تجمع هذا الفريق الذي ما إن سمع النبي يقول: " هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده " حتى سمعوا الفاروق يرد فورا على النبي موجها الكلام لمن حضر:

" إن النبي قد اشتد به الوجع وحسبنا كتاب الله "، فردد هذا الفريق فورا: القول ما قاله عمر، وزادوا: رسول الله هجر!! استفهموه إنه يهجر كما أسلفنا وأثبتنا، فقول النبي لا يمكن أن يخلق هذا النفور الفوري. والرد العمري الفوري بجملته الشهيرة " إن الوجع قد اشتد برسول الله حسبنا كتاب الله " لا يمكن أن يخلق الاقناع الفوري.

مثل هذا الاقتناع الذي حمل أصحابه على اللفظ والخلاف والتنازع في حضرة رسول الله، والأقرب إلى الذهن والمنطق والعقل أن هنالك معرفة يقينية مسبقة لدى هذا الفريق بمضمون الكتاب الذي أراد الرسول أن يكتبه، وأن هنالك نوع من الاتفاق المسبق للحيلولة بين النبي وبين كتابة هذا الكتاب، ولو أدى ذلك إلى مواجهة مع النبي نفسه، والقول بأنه يهجر أو هجر حاشا الله، والأقرب إلى التفكير أيضا بأن هنالك رابط أو اتفاق يضمن تماسك هذا الفريق ووحدته حتى بمواجهة مع النبي

٣٠٥
نفسه، أما هل هذا الاتفاق عفوي أم ثمرة تخطيط، الله وحده يعلم، لكن المؤكد أن ظهر الشرعية قد قصم تماما في هذه المواجهة.

الثمرة الأولى لهذا التخطيط

تمكن هذا الفريق من أن يحول بين النبي وبين كتابة ما يريد، وبرز عمر بن الخطاب كأقوى رجل في هذا الفريق على الاطلاق فهو الذي خاطب الحاضرين:

" إن النبي قد اشتد به الوجع حسبنا كتاب الله "، بمعنى أنه لا حاجة لنا بكتاب النبي " هذا معنا حسبنا يكفينا " وما زاد عن الكفاية فهو لغو ولا ضرورة له. مما شجع مؤيدي هذا الرأي على القول: رسول الله هجر استفهموه إنه يهجر. حاشا لك يا رسول الله. والخلاصة أن الثمرة الأولى للتخطيط كانت الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما يريد، ولنفترض جدلا أن النبي قد أصر على رأيه ولخص الموقف وقال:

" لا تنسوا بأن الخليفة من بعدي عليا "، فإن هذا القول سيعقد مهمة الفريق وسيضطره في ما بعد لإثبات الهجر مع ما يجره ذلك على الدين نفسه من ويلات وكوارث، فلو رفعوا شعار الهجر فيما بعد لكان الدين نفسه في خطر ولما أمكن التفريق بين ما قاله النبي في هجرة المزعوم وصحوه المؤكد، ففضل النبي (ص) أن يعدل عن كتابة الكتاب ليصون الأهم وهو الدين بدلا من صيانة المهم وهو خلافة علي، فقال لهم:

" قوموا عني ما أنا فيه خيرا مما تدعوني إليه "، وحرج هذا الفريق وهو يتصور أنه المنتصر، وأنه قطف الثمرة، وأن العقبة الكبرى في طريق تحقيق الهدف قد زالت.

التخطيط لهزيمة الهاشميين

بمواجهة متكافئة وعادلة وشريفة بين قريش والهاشميين، فإن الفائز المؤكد هم بنو هاشم وقد أثبتت وقائع التاريخ ذلك، فقد حاصرت كل بطون قريش مجتمعة بني هاشم ثلاث سنين، وفشل الحصار وانتصر الهاشميون، وقد تآمرت كل بطون قريش على قتل محمد واختارت من كل بطن منها رجلا ليشتركوا بقتل النبي مجتمعين، فيضيع دمه بين القبائل، ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه، وفشلت المؤامرة ونجا النبي وانتصر الهاشميون.

وجيشت بطون قريش الجيوش وحاربت محمدا وبني هاشم، وانتصر محمد

٣٠٦
وانتصر الهاشميون بانتصاره، وهزمت كل بطون قريش وأحيط بها، وأسلمت واعترفت بالنبوة، وأدركت أنها قدر لا مفر ولا محيد عنه. فانصب هدف بطون قريش على مسامحة الهاشميين بالنبوة والإقرار بتفرد الهاشميين بها وحدهم دون أن يشاركهم بها أحد، مقابل أن تأخد بطون قريش الخلافة وتتداولها في ما بينها، ولا مانع من خروج الرئاسة منهم إلى غير قريش مؤقتا على أن لا تؤول إلى هاشمي، لأنه إذا آلت لبني هاشم فلن تخرج منهم، ويقع المحظور بجمع الهاشميين للخلافة مع النبوة، لكن وقائع التاريخ أثبتت أن الهاشميين هم الفائزون بأي مواجهة.

الترجيح بمرجح لتحقيق الهدف

أدركت قريش أن سر الانتصارات المتوالية للهاشميين على بطون قريش، وسر التميز والتفوق الهاشمي يكمن في وجود المرجح الذي ساهم بترجيح الكفة الهاشمية على كفة بطون قريش، فالمرجع للهاشميين في صراعهم ضد بطون قريش هو الله الناصر أولا وأسبابه بالترجيح ثانيا، فإجماع قريش على مقاطعة الهاشميين ظلم صارخ أخل بالتوازن، وتزويد الله للهاشميين بالصبر والأخذ بيدهم وتزويدهم بمن يؤيدهم من صفوف بطون قريش ويطلب فك هذا الحصار مرجح أدى لفشل الحصار.

ومؤامرة قريش لقتل النبي إفساد في الأرض وقتل دون سبب يوجب ذلك، ونوم علي بن أبي طالب في فراش النبي ونجاة النبي واستقراره في يثرب سبب مرجح أدى لفشل مؤامرة القتل.

وتجييش بطون قريش الجيوش ومحاربة النبي وملاحقته بلا كلل ولا ملل تماد بالباطل وإصرار عليه، والتفاف الأنصار حول النبي واحتضانه ومحاربتهم إلى جانبه وجانب الهاشميين سبب مرجح أدى لفشل كل الحروب التي شنتها بطون قريش وأسفر عن هزيمة ساحقة أدت في النهاية لانهيار الزعامة المشركة واستسلامها بالكامل.

التكافؤ والفرصة والموضوعية

إذا كان هنالك تكافؤ بالفرض بين رأي قريش وبين رأي بني هاشم، فإن الرأي الهاشمي سيسمو على رأي قريش ويثبت أنه الأصوب والأجدر، وإذا كان هنالك فرصة موضوعية لتقرع الحجة بالحجة، فإن الولي من بعد النبي سيفرغ بحجته الباهرة

٣٠٧
حجة غيره، لأن الولي مع القرآن معه بالنص، والحق مع الولي والولي مع الحق بالنص كما أثبتنا، وإذا كانت هنالك مبارزة شريفة بين الولي وبين أي كان، فإن الولي سيفوز، لأنه المنصور بإذن الله، ولكن الولي لا يستطيع أن يخطط في الظلام ولا يمكنه التآمر، ولا يمكنه معصية الله.

المرجع الذي سيهزم الولي والخطة المثلى

اهتدت قريش إلى مفصل الأمور وفيصلها اهتدت إلى الأنصار. إذا استطاعت قريش أن تضمن ولاء الأنصار لموقفها فقد حققت النصر الساحق وتحقيق هدفها، الأعظم بمنع الهاشميين من أن يجمعوا مع الخلافة النبوة، ومنع الولي من أن يكون هو الخليفة، لأنه إذا تولى علي الخلافة فسوف يقترح الحسن ليخلفه من بعده، فالإمام الحسن إمام مسمى من قبل الله وقبل رسوله، ومن له مكانة ابن بنت رسول الله حتى يعترض يوم تسميته، وبالتالي سيكون الخليفة من بعد أبيه، فإذا تولى الحسن الإمامة فسيقترح الحسين إماما من بعده، وليس بإمكان أحد أن يعترض عليه... الخ وهكذا تبقى الأمور بيد أبناء النبي الهاشميين ويجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة، فيكون فوزهم على البطون ساحقا.

ووسيلة منع ذلك كله تكمن في المرجع وفي انعدام تكافؤ الفرص، وفي السرعة والحزم:

١ - المرجع الأعظم واقعيا هم الأنصار، فإذا وقفت الأنصار مع علي فقد هزمت قريش وفق موازينها ووقع المحظور، فجمع الهاشميون الخلافة والنبوة، وإذا وقفت الأنصار مع قريش ومع هدفها هذا فإن هزيمة الهاشميين وهزيمة الولي مؤكدة وفق هذه الموازين.

وإذا أمكن تحييد الأنصار فلا يقفوا مع الولي فإن هذا إنجاز، وإمكانية تحقيق هدف قريش واردة بكل الموازين الموضوعية.

٢ - النقطة الثانية انعدام تكافؤ الفرص، فإذا وقف الولي على قدم المساواة مع قريش ومع أي زعيم من زعمائها، في فرصة متكافئة، فإن الولي سيغلب وسيقيم الحجة الشرعية على قريش مجتمعة وعلى أي زعيم من زعمائها والمهم بهذه الحالة أن

٣٠٨
لا يتكلم معه الزعيم القرشي بصفته الشخصية، ولكن يتكلم معه باسم جمع، باسم المهاجرين، باسم أكثرية الأمة، فإذا فعل الزعيم القرشي ذلك فإمكانية هزيمة الولي وفق موازينهم واردة.

٣ - السرعة القصوى بحيث يتم البت بموضوع الخلافة خلال فترة انشغال العترة الطاهرة بتجهيز النبي ودفنه، فلا يحضر منهم أحد على الاطلاق ويتم تنصيب الخليفة بغيابهم كلهم، فلا يكون لهم بعد ذلك عذر ولا مبرر للاعتراض إلا الفتنة ومواجهة دولة حقيقية لها رئيسها ونائبها وجيشها، وهم أتباع الخليفة الجديد ومبايعوه.

اجتماع السقيفة

مات النبي (ص)، غاب القمر المنير الذي أضاء الوجود بنوره، وشاع الخبر، وهرع سكان العاصمة وتجمعوا في بيت النبي وأحاطوا به يبكون نبيهم ووليهم وإمامهم الأعظم، والآل الكرام وعلى رأسهم الولي والخليفة بعد النبي منصرفون كلهم وبكليتهم إلى مصابهم الذي لا مصاب مثله، ومشغولون بتجهيز النبي لمواراته في ضريحه الأقدس.

في هذا الوقت بالذات انعقد الاجتماع في سقيفة بني ساعدة.

أسئلة بدون أجوبة

لماذا انعقد هذا الاجتماع بهذا الوقت بالذات ؟ ومن الذي دعا إليه ؟ وكيف أمكن عقده بهذا الوقت بالذات ؟ ومتى بدأ التحضير له ؟ ومن حضره على وجه اليقين من الأنصار ؟ فالسقيفة لا تتسع لكل الأنصار، وقسم كبير منهم كان بحكم المنطق في بيت النبي أو متحلقا حوله ؟ لأن من المستحيل أن يغيبوا كلهم عن النبي دفعة واحدة ؟

ومن الذي بدأ بالتحضير لهذا الاجتماع ؟ وكم استغرق التحضير له ؟ ولماذا لم يعلم بهذا الاجتماع من المهاجرين إلا عمر بالذات ؟ ومن الذي أخبره ؟ لأن عمر لم يكن في بيت النبي ولا مع المتحلقين حوله، إنما كان في مكان ما وهو يعلم أن أبا بكر في منزل النبي بالضرورة، فأتى عمر فأرسل إلى أبي بكر: أن أخرج إلي فأرسل إليه: إني منشغل، فأرسل إليه: أنه حدث أمر لا بد من حضوره، فخرج أبو بكر إليه فقال:

أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر

٣٠٩
سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومن قريش أمير، فمضيا مسرعين، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فتماشوا إليهم ثلاثتهم (١).

من الذي أتى بالخبر

يقول الطبري: إن أول من سمع خبر " اجتماع الأنصار هو عمر " (٢)، وفي رواية أخرى: " أبا بكر بلغه الخبر " (٣)، وفي رواية ابن هشام " فأتى آت إلى أبي بكر وعمر ". أما من هو هذا الذي أتى بالخبر ؟ فلا أحد يعرفه على الاطلاق لأن اسم هذا المخبر ضاع (٤).

اثنان من الأنصار

عندما سار الثلاثة باتجاه السقيفة وجدا عويم بن ساعدة الأنصاري ومعن بن عدي (٥) وهما من صفوة الأنصار، وفي رواية ثانية للطبري: فلقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة، وهما صحابيان قد شهدا بدرا.

وفي رواية أنهما قالا للثلاثة: ارجعوا واقضوا أمركم بينكم، وفي رواية ثانية:

ارجعوا فإنه لن يكون ما تريدون.

الملفت للانتباه: أنهما من الأنصار وشهدا بدرا، ومع هذا لم يحضرا اجتماع السقيفة، ولا كانا متوجهين إليه مع علمهم بالاجتماع، إنما كان اتجاه مسيرهما معاكس لاتجاه مسير الثلاثة، فقد تبادل الاثنان الحديث مع الثلاثة المهاجرين ومضى كل نفر في دربه. لأن لم يشر أحد أن الخمسة ساروا معا باتجاه اجتماع السقيفة. ثم مضمون الحوار فمرة قالوا للثلاثة: ارجعوا واقضوا أمركم بينكم، بمعنى أنه لا علاقة للأنصار بهذا الأمر، ومرة أخرى قالا: إنه لن يكون الذي تريدون بمعنى أن الأنصار

(١) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٩ (٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٩.

(٣) تاريخ الطبري.

(٤) نظام الحكم للقاسمي ص ١٢٦.

(٥) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠٦.

٣١٠
لن توليكم. فأي الروايتين أولى بالتصديق ؟.

٣١١

الفصل العاشر
تحليل موضوعي ونفي الصدفة

هنالك إجماع بين مؤرخي أهل السنة بأن أول من سمع بخبر الاجتماع هو عمر (١)، وفي رواية أخرى له أن أبا بكر بلغه الخبر (٢). وبلوغ الخبر لأبي بكر لا ينفي كون عمر هو أول من سمع الخبر وفي رواية ابن هشام: " فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال... " (٣) ثم إنه لا أحد يعرف اسم الذي أتى بالخبر لحد الآن!! إنه ليس صدفة إن يضيع اسم المخبر، مع أن هذا المخبر شخص بارز في المجتمع لأنه يعلم ما يدور في الخفاء، ولأنه أخبر عمر وأبا بكر، ومما يدل على بروز هذا الشخص أن عمر وأبا بكر أصغيا إليه وصدقاه وكلماه، فمخبر بهذا الوزن لأمر بهذه الأهمية لا يمكن أن يضيع اسمه إن وجد، مما يلقي ظلالا من الشك على وجود حقيقي لمثل هذا المخبر.

ثم إنه ليس صدفة أن تجتمع الأنصار وهم الأغلبية الساحقة من سكان العاصمة " المدينة " ولا يعلم بهذا الاجتماع من المهاجرين كلهم إلا عمر وحده! ثم لماذا ينادي عمر أبا بكر وحده ولا ينادي غيره من المهاجرين مع أن المهاجرين كلهم يلقون نظرة الوداع على نبيهم وإمامهم ويشاركون الآل الكرام مصابهم الفادح ؟ وهذا ليس صدفة أيضا، ثم أين كان الفاروق الذي لم تتحمله رجلاه عندما سمع بخبر وفاة النبي وتوعد بالموت وتقطيع أطراف من يزعم موت النبي (٤) ؟ ولما تأكد له الموت من

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٩.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠١.

(٣) ابن هشام ج ٢ ص ٦٥٦.

(٤) تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٧.

٣١٢
المفترض أنه ذهب إلى بيت نبيه وإمامه ليلقي عليه نظرة وليشارك الأمة مصابها. فإذا ذهب إلى بيت نبيه ورئيسه فكيف جاءه الخبر من دون الناس ؟ ومن الذي أتاه بهذا الخبر وكيف اهتدى إليه من بين الألوف المتواجدين في البيت المبارك أو حوله ؟ فمن المؤكد أن هذا ليس صدفة.

وحول الأنصار أنفسهم، من المؤكد قطعا أن الأنصار لم يجتمعوا جميعا فالذين اشتركوا في بدر هم الخيار، كما ورد بنص الشرع ومن غير الممكن أن يتم اجتماع الأنصار ولا يحضره البدريون وهم الخيار، فاللذان صادقا المهاجرين الثلاثة هما من أهل بدر ولو كانت غاية الاجتماع اختيار خليفة لحضره هذان البدريان أو على الأقل لما كانا خارج الاجتماع بتلك اللحظة. ثم إن النبي قد فارق الحياة وهو مسجى في بيته الطاهر، فهل يعقل أن يتركه الأنصار ولا يذهب منهم أحد لإلقاء نظرة الوداع عليه بالوقت الذي تتأهب فه العترة الطاهرة لمواراته في ضريحه المقدس ؟ هذا أمر لا يمكن تصديقه إلا بحكم التقليد الأعمى، ثم إن الأنصار على فرض اجتماعهم كلهم من أجل انتخاب خليفة عرفوا أحكام الشرع وعرفوا أن محمدا من قريش، وأن الأئمة من قريش، وعرفوا الأحكام الواردة في أهل بيت النبوة، وشهدوا تنصيب الولي والخليفة من بعد النبي في غدير خم وأوصاهم النبي بعلي وبأهل بيته وخاطبهم مجتمعين ذات مرة قائلا لهم: يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن جبريل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل (١). فكيف ينسون هذا النص أو يتناسونه جميعا ؟ كيف ينسون قضية التنصيب، وما هي علاقتهم بشعار " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة "، فهم ليسوا من قريش ولا مصلحة لهم بإبعاد آل محمد، كيف ينسون قوله (ص) عن علي: إنه وليكم بعدي، وإنه مولى

(١) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج ٩ ص ١٧٠ تحقيق أبي الفضل وحلية الأولياء لأبي نعيم ج ١ ص ٦٣ ومجمع الزوائد ج ٩ ص ١٣٢ وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص ٢١٠ وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص ٣١٣ وكنز العمال ج ١٥ ص ١٢٦ والرياض النضرة للطبري ج ٢ ص ٢٣٣ وفضائل الخمسة ج ٢ ص ٩٨ ومطالب السؤول لابن طلحة ج ١ ص ٦٠ وفرائد السمطين ج ١ ص ١٩٧ ح ١٥٤.

٣١٣
كل مؤمن ومؤمنة بعده... الخ، ما هي مصلحتهم بتجاهل هذه النصوص الواضحة القاطعة وأمثالها ؟ فالأنصار لم تجتمع لاختيار خليفة منها، وهذا أمر عسير تصديقه بكل الموازين لأن الأنصار يعرفون الولي ويعرفون الخليفة، بدليل أنهم وفي غياب علي وعندما أدركوا أن الأمر سيفلت من أيديهم قالوا: " لا نبايع إلا عليا "، وفي رواية قال بعض الأنصار: " لا نبايع إلا عليا " (١)، مما يدل على أن بعض الموجودين أرادوا مبايعة غيره إن صدقت الرواية الثانية، لكن من المؤكد أن إحدى الروايتين صادقة، وعندما غلب الأنصار على أمرهم وراجعتهم فاطمة الزهراء عليها السلام طالبة النصرة فكانوا يقولون لها: يا بنت رسول الله - قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله (ص) في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانة ؟

فتقول فاطمة: ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم ومطالبهم (٢).

وبشير بن سعد - الذي خرج عن إجماع الأنصار وكان أول من بايع أبا بكر - لما سمع حجة الإمام واحتجاجه قال مخاطبا عليا: " لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان " (٣).

من كان هذا تفكيرهم لا يعقل أن يعقدوا اجتماعا بقصد انتخاب خليفة للنبي في غياب الولي الذي نصبه النبي وليا لهم من بعده أمام أعينهم في غدير خم وقدموا بأنفسهم له التهاني، وسمعوا النبي مرات ومرات وهو يقول لهم: إنه وليكم من بعدي، وإنه مولى كل مؤمن ومؤمنة بعدي.

ثم إن سعد بن عبادة الصحابي الجليل وسيد الخزرج وصاحب المواقف التي لا تعرف المهادنة أكبر من أن يقبل الخلافة من بعده في وجود الولي وأهل بيته وشيوخ

(١) راجع على سبيل المثال ج ٣ ص ١٩٨ والإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ٨ وشرح النهج لابن أبي الحديد ج ٢ ص ٢٦٦.

(٢) راجع الإمامة والسياسة ص ١٢.

(٣) الإمامة والسياسة ص ١٢ و ص ٨.

٣١٤
كتاب نظرية عدالة الصحابة للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٣١٥ - ص ٣٤٢)
٣١٥
وبهذه الحالة فلا داعي لوجود قريش لأنها ممثلة بهؤلاء الثالثة أو على الأقل ممثلة بعمر المؤمن إيمانا تاما بهذه المقولة، والغاية أيضا أن يجري تنصيب الخليفة في غياب العترة الطاهرة كلها وخاصة عميدها علي بن أبي طالب، لأنه إن حضرت العترة الطاهرة أو حضر العميد تتغير حتما النتائج ويقيم الحجة عليهم ويقنع الأنصار. فإذا غابت العترة الطاهرة وغاب عميدها، فمن المؤكد أن الجو سيصفو لهم ويتمكنوا من تعيين أحدهم خليفة، فيبايعه مؤيدوهم من الأنصار، وإذا بايع أناس من الأوس فبالضرورة ستبايع الخزرج حتى تتقاسم المجموعتان هذا الشرف. وعندما يتم ذلك تواجه العترة الطاهرة ويواجه عميدها بمرجع وهو بيعة الأنصار، وإذا بايعت الأنصار فلن ترجع عن بيعتها. وأي مواجهة من العميد أو من العترة لن تكون بين علي وأبي بكر أو بين علي وعمر، أو بين علي وأبي عبيدة كأشخاص، إنما تكون مواجهة بين خليفة حاكم وأحد رعاياه أو بين أحد نائبي الخليفة وأحد الرعايا المحكومين للدولة، وهي مواجهة معروفة النتائج. فبمواجهة منطقية متكافئة لا قدرة للفاروق على الولي، لأن الولي باب الحكمة اللدنية، وبمواجهة متكافئة بين الفاروق والولي فإن الولي سيحسمها على مستوى القوة، لأن أفعال الفاروق بالقتال ليست كأفعال الولي، ففي معركة الخندق مثلا نادى عمرو بن ود حتى بح صوته والصحابة ومنهم الفاروق يسمعون ولم يقوى على التصدي إلا الولي. لكن عندما يكون الفاروق نائبا للخليفة فلا داعي ليواجه الولي بنفسه إنما يرسل له سرية مجتمعة وتجر الولي إلى الفاروق جرا كما حدث فعلا.

والوقت الذي اختاره الثلاثة لتنصيب الخليفة ملائم جدا لهدفهم، وهو وقت تجهيز النبي والإعداد لمواراته في ضريحه، وهذا هو الوقت المثالي لتنصيب الخليفة في غياب العترة الطاهرة وغياب عميدها، فهم منصرفون بكليتهم إلى مصابهم وذاهلون حتى عن أنفسهم بهذه الفاجعة الأليمة، بل إن المسلمين أنفسهم في حالة ذهول وبالتالي هذا هو الوقت المناسب لتنصيب خليفة بالصورة التي تتمناها بطون قريش.

ثم إن اختيار الأنصار بالذات للترجيح اختيار موفق ودقيق، فغاية بطون قريش أن لا يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة، وهذه البطون لا تحفظ لها على أي شخص

٣١٦
إذا لم يكن هاشميا، فمعارضة قريش غير واردة، فأول من بايع الخليفة هو عثمان الأموي ومن معه من بني أمية، ثم سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة (١). ولفهم دقة الاختيار لو أن قريش كلها بايعت أبا بكر ولم يبايعه الأنصار لما كان لبيعة قريش أدنى قيمة واقعية ولأمكن الإمام في ما بعد أن يقيم الحجة على قريش وأن ترجح كفته بالأنصار. ومن هنا فلا معنى لتحضير قريش لأنها فريق والثلاثة يقومون مقامها ويحققون أهدافها.

وهكذا ولأول مرة في التاريخ بقيت العترة الطاهرة خاصة والهاشميون عامة بدون مرجح واقعي يضمن لهم الفوز على بطون قريش، بعد أن تمكن الثلاثة من الانفراد بالأنصار والتعبير عن ضمير البطون القرشية، واستبعاد الهاشميين بالكامل عن الخلافة والولاية والأعمال فيما بعد.

ومن هنا نفهم سر أسلوب عمر بأخذ بيعة المهاجرين والعترة الطاهرة وعميدها بعد خروج الثلاثة من السقيفة: كان الناس في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الأنصار أبا بكر، قال لهم عمر:

ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى، قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار. فقام عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوا وقام سعد و عبد الرحمن ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهم من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا......

أنظر إلى لهجة الفاروق وأسلوبه بأخذ البيعة......

في السقيفة

الجالسون في السقيفة مجرد جماعة من جماعات الأنصار وليسوا كل الأنصار ولا نصفهم ولا ثلثهم ولا ربعهم ولا حتى عشرهم، لأن الأكثرية الساحقة من سكان المدينة من الأنصار، والقسم الأكبر منهم كان في بيت النبي أو حوله بالعقل

(١) راجع على سبيل المثال الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ١١
٣١٧
والضرورة وحتى الذين شاهدوا سعد بن عبادة ومن حوله لم ينضموا إليهم " الرجلان الصالحان " اللذان شهدا بدرا وهما عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة برواية للطبري، وبرواية أخرى عويم بن ساعدة ومعن بن عدي (١)، فلو كان اجتماعا للأنصار لما تركاه، ثم إن أسلم " التي أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السلك " لم تكن موجودة ويبدو أن عمر كان يتوقع قدومها وموقن من تأييدها بدليل قوله: " ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت النصر "، هؤلاء جاءوا بعد المبايعة مما يدل على أن موضوع اختيار الخليفة من بعد النبي ولد بقدوم المهاجرين الثلاثة وفرضه المهاجرون الثلاثة.

لأن الذي جاء بخبر اجتماع الأنصار ما زال مجهولا للآن ولا يعلم به أحد، ولأن الذي فتح المناظرة بعد قدوم المهاجرين الثلاثة ما زال مجهولا، فعندما يدخل هؤلاء المهاجرون لا بد أن يطرحوا السلام ولا بد من تكلم بعد طرح السلام. فمن هو هذا المتكلم الذي فتح المناظرة ؟ إنه تماما كالذي جاء بخبر اجتماع الأنصار وما زال مجهولا، مع أن الذين لهم أدوار أقل من دور ناقل خبر الاجتماع ومن دور فتح باب المناظرة عرفوا. كل هذا يؤكد أن هنالك مقاطع من الحقيقة مقصوصة، وجوانب من الروايات مبتورة بالرغم من تعدد الروايات وتعدد الرواة. والحقيقة أن قصة اجتماع السقيفة صيغت وأرخت تحت إشراف مؤيدي الفاروق والصديق، وتم تناول القصة وطرحها بالطريقة التي لا تثير حفيظة الحكام ولا تستفز المؤيدين والتي تصور هؤلاء الثلاثة كرواد وكأبطال لقصة تاريخية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تعدد الروايات ومضامين هذه الروايات وتناقضها مع بعضها أحيانا فما قاله " الصالحان البدريان " ورد مضمونه بروايتين متناقضتين مثلا (٢)، وسعد بن عبادة يصور في رواية كطالب للخلافة ومنافس عنيد للثلاثة يثير غضب الجموع وتوشك أن تقتله بل ويقال:

اقتلوه قتله الله (٣)، ويصور في رواية ثانية كرجل أقام الفاروق عليه الحجة فسكن واقتنع وبايع (٤)، ولا ترى تمردا من الحباب أو من غيره، لأن الأمور استقرت في

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠٥.

(٣) الإمامة والسياسة ص ١٠.

(٤) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠٣.

٣١٨
مكانها الصحيح...... الخ.

أعظم ثروة فكرية إنسانية

لو أن المهاجرين الثلاثة شاركوا العترة الطاهرة والمسلمين في تجهيز النبي لمواراته في ضريحه المقدس وبعد مواراته اتجهت جموع المشيعين إلى المسجد فأدت الصلاة المفروضة بإمامة مولى الثلاثة ومولى كل مؤمن ومؤمنة باعتراف الثلاثة، وبعد أن فرغت من صلاتها قام كل واحد من هؤلاء الثلاثة فتكلم بما يحلو له، ويبين تصوره وطرح فكره، وأتيحت الفرصة ليقول كل ذي رأي رأيه. وبعد ذلك قام الولي ببيان رأيه وحكم الشرع في كل الآراء المطروحة باعتباره هو الهادي بنص الشرع، وهو المبين للأمة بعد النبي كل أمر تختلف عليه بنص الشرع، والأنصار وجموع المسلمين يسمعون كل ذلك ويعونه ويقومون بدور المرجح ثم يبايعون الإمام الذي أرادهم الله بالنص أن يبايعوه، لو حدث ذلك لكانت ثمرة هذه المناظرة أعظم ثروة فكرية إنسانية على الاطلاق ولتغير مجرى التاريخ تماما، ولأمكن تطبيق النظام السياسي الإسلامي الذي أنزله الله على عبده، ولأمكن من خلاله انتشال الجنس البشري كله وتكوين الدولة العالمية التي تحكم الكرة الأرضية وفق أحكام الشرع.

تلك أمنية، ما تحققت لأننا تركنا النص واجتهدنا، وأمة تترك النصوص الشرعية وتعمل باجتهادها أمة هالكة لا محالة وذائقة وبال أمرها جزاء وفاقا لتبديلها نعمة الله وهدايته وتأويلها للواضحات من أوامر الله لا لشئ إلا ليتوافق هذا التأويل مع ما تهوى الأنفس.

الحجج الشرعية لأطراف السقيفة

عاجلا أم آجلا سيكتشف الباحثون أن لقاء جماعة من الأنصار مع سعد بن عبادة هو لقاء عادي من كل الوجوه، وليس له أي طابع سياسي، وإن جرى فيه حديث سياسي فما هو إلا مجرد تبادل بوجهات النظر بين أناس اجتمعوا عند مريض.

لكن الذي أعطى لقاء هذه الجماعة هذا الطابع السياسي والتأسيسي هو قدوم المهاجرين الثلاثة، لقد حوله هؤلاء المهاجرون إلى لقاء سياسي وتأسيسي اتخذوه أساسا لتنصيب الخليفة من بعد النبي بالصورة التي أرادوها. وطالما أن هذا اللقاء

٣١٩
أصبح سياسيا وتأسيسيا فما هي الحجج الشرعية التي طرحت فيه، حتى فاز بموجبها من فاز ؟.

حجة المتواجدين من الأنصار

لم تكن غاية المتواجدين من الأنصار أن ينصبوا خليفة منهم كما يحلو للرواة التركيز على ذلك، لأن كل الأنصار تعلم أن الخلافة ليست فيهم ومن غير الوارد أن يبدلوا جميعا عهد الله وعهد رسوله والنبي لم يدفن بعد. وهم يعلمون أيضا أن النبي قد نصب الولي من بعده، وأن التهاني قد قدمت لهذا الولي حال حياة النبي (ص) وكل مسلم على الاطلاق بما فيه الثلاثة يعلمون أن عليا مولى المؤمنين ووليهم مجتمعين من بعد النبي ومولى وولي كل مؤمن ومؤمنة على انفراد بما فيهم الثلاثة المهاجرين. وبالتالي وحيث أن المتواجدين لا غاية لهم ولا مطمع بتنصيب خليفة منهم ولم يطرح ذلك أصلا قبل حضور الثلاثة فمن الطبيعي أن لا تكون لهم حجة بذلك، والحجج المنسوبة إليهم لا تخلو من روح المواءمة والتسوية ومن مستلزمات إخراج القصة وتتويج أبطالها، وتبرير ما فعلوه، ثم تداولت الأمة هذه القصة تحت إشراف الأبطال وبالكيفية التي أقروها وتداولتها وسائل الإعلام الرسمية، وأهملت الروايات المتناقضة معها ثم أخذتها الأجيال اللاحقة كحقيقة مكرسة رسميا وشعبيا ونفرت واستنكرت من كل ما يعيبها باعتباره خارجا على إجماع الأمة.

غاية المهاجرين الثلاثة

المقاصد الحقيقية للثلاثة هي:

أن ينصبوا خليفة من بعد النبي، وبهذا الوقت بالذات وفي غياب العترة الطاهرة، وأثناء انشغال الجميع بتجهيز النبي ودفنه، وأن يحصلوا على بيعة من حضر، فإذا بايعهم أناس من الأوس، فبالضرورة سيبايع الحاضرون من الخزرج حتى لا ينال الأوس الشرف وحده. وتصبح للمبايعين مصلحة بتثبيت الخليفة الجديد، فيخرج من يبايعه الحاضرون كخليفة، ويخرج المهاجران الاثنان كنائبين للخليفة وخلف الثلاثة يسير الذين بايعوا الخليفة كجيش له يأتمر بأمره، ومن يتصدى لمن بايعوه أو يعارضه فإنه لا يعارض شخصا عاديا، إنما يعارض خليفة النبي، ويخرج

٣٢٠