×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرية عدالة الصحابة / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

عن طاعة ولي أمرها، ومن يفعل ذلك فلا غضاضة على الخليفة لو قتله حتى قتلا باعتباره خارجا على الجماعة وشاقا لعصا الطاعة، وطامع بالسلطة وحريص عليها وموقف الشرع واضح: " لا نولي هذا الأمر من طلبه...... الخ " وهذا ما حدث بالضبط.

ما هي الحجة الشرعية لهؤلاء الثلاثة

بماذا احتج هؤلاء الثلاثة حتى أعطتهم الأنصار المقادة ؟ وهل كانت حجتهم شرعية فعلا ؟ بمعنى أن لها وجودا في الشرع ؟ احتج أبو بكر وعمر بالقرابة من النبي وأن أقارب النبي هم أولى بسلطانه.

ملخص حجة أبي بكر التي احتج بها على من حضر من الأنصار

قال أبو بكر: " فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس تبع لنا، ونحن عشيرة رسول الله، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة ".

ملخص حجة عمر التي احتج بها على من حضر من الأنصار

" إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيها وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة " (١).

جواب الأنصار

قالت الأنصار: " لا نبايع إلا عليا ". قال بعض الأنصار: " لا نبايع إلا عليا " (٢) حدث هذا وعلي غائب بإجماع الأمة، فكيف لو كان حاضرا

(١) راجع فيما تقدم على سبيل المثال الإمامة والسياسة ص ٦.

(٢) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٨ وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج ٢ ص ٢٦٥.

٣٢١
لهذا الاجتماع ؟.

تمن وتبرير

لو أن الثلاثة المهاجرين قبلوا خلافة علي لما حدث أي إشكال ولسار النظام السياسي الإسلامي سيرا طبيعا، ولكن يتعذر عليهم ذلك فلا يجوز أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة، فقد أخذوا النبوة وهي لهم خالصة لا يشاركهم بها أحد، ويجب أن تكون الخلافة لبطون قريش خالصة لا يشاركهم بها هاشمي قط.

الخليفة واحد من ثلاثة

تجاهل الثلاثة قول الأنصار " لا نبايع إلا عليا "، وقال أبو بكر: " إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن الجراح أو عمر فبايعوا من شئتم ". فقال عمر: " معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا..... أبسط يدك أبايعك ".

أول من بايع

لما رأى بشير بن سعد أن المهاجرين الثلاثة لم يقبلوا بولاية علي أدرك أن البيعة واقعة لا محالة، فأراد أن يكون له السبق فقال: " إن محمدا رسول الله رجل من قريش وقومه أحق بميراثه، وتولي سلطانه..... " ثم قفز وكان أول من بايع أبا بكر. (١) ويجدر بالذكر أن بشيرا هذا هو ثاني اثنين من الأنصار وقفا مع معاوية ضد علي فيما بعد.

تنصيب الخليفة ومبايعته

لما رأت الأوس موقف سعد بن عبادة سيد الخزرج ورأت موقف المهاجرين الثلاثة وما آلت إليه الأمور أدرك أسيد بن حضير أن أبا بكر سيكون الخليفة فقال لجماعته: قوموا بايعوا أبا بكر ففعلت الأوس ذلك، وحتى ينال الخزرج جزءا من هذا الشرف ولا يأخذه الأوس وحدهم بايع أكثرية من حضر.

(١) راجع في كل ما تقدم الإمامة والسياسة ص ٨ - ٩.

٣٢٢

المكافأة

أصبح بشير بن سعد من أقرب مستشاري الخليفة ونائبيه، فهو نفسه الذي أشار على أبي بكر وعمر بعدم قتل سعد بن عبادة، وأصبح أسيد بن حضير قائد قوى الأمن الداخلي - إن صح التعبير - فهو نفسه الذي ساعد عمر بقيادة السرية التي ذهبت لتطويع بني هاشم والزبير والممتنعين عن البيعة وأخرجتهم بالقوة، يساعده في ذلك سلمة بن أسلم (١).

شيوع الخبر والمبايعة

أقبل الخليفة وأبو عبيدة وعمر، وقد بايع الصديق من بايع، وكان الناس مجتمعين في المسجد الشريف فصاح بهم عمر: ما لي أراكم حلقا شتى، قوموا بايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار، فقام عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوا، وقام سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا... ومن الطبيعي أن من كان في المسجد من الأنصار بايعوا أيضا عندما أشيع أن الأنصار قد بايعت، خاصة وهم يرون بشير بن سعد، وأسيد بن حضير، وسلمة بن أسلم يتصرفون وكأنهم جزء من السلطة الجديدة......

أما علي والعباس ومن معهم من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، مما اضطر نائب الخليفة أن يتحرك بسرية من المؤيدين فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم ويذهبوا لإخراجهم للبيعة بالقوة ولو استدعى الأمر أن يحرقوا بيت فاطمة بنت محمد الذي اجتمعوا فيه. ولكن الله سلم وخرجوا لما شاهدوا الحطب وأدركوا عزم عمر على إحراق بيت فاطمة فبايعوا. وقد أثبتنا حادثة التحريق أكثر من مرة ولا عجب في ذلك، فإن فاطمة ليست أعظم من أبيها محمد رسول الله ومع هذا حيل بينه وبين كتابة ما يريد وقيل عنه حاشا له: " هجر استفهموه إنه يهجر " كما وثقنا ذلك.

(١) راجع الإمامة والسياسة ص ٩ وما فوق.

٣٢٣

المواجهة الغير متكافئة بين الولي والسلطة الجديدة

الولي من بعد النبي قد جرد من كل سلطاته، وأتي به إلى أبي بكر بالقوة وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله) وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا تبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.

كلام الولي هذا لا يستحق حتى رد السلطة، فقال له عمر على الفور: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا، ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه. فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا ابن عم إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور أرى أبا بكر أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به فسلم لأبي بكر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي عليه السلام: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أولى بهذا الأمر ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، والمدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى،

٣٢٤
فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا.

حكم لأول من بايع

من الطبيعي أن السلطة لا تملك ردا على حجة الإمام لأنها قاطعة، وكان بشير بن سعد أول من بايع أبا بكر حاضرا لمواجهة الإمام المنطقية مع السلطة، فقال لعلي في حضرة أركان السلطة الجديدة: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان (١).

تحرك

خرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة عليها السلام على دابة ليلا في مجالس الأنصار يسألهم النصرة، فكانوا يقولون: قد سبقت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا عنه، فيقول علي: أفكنت أدع رسول الله (ص) في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم. (٢) وأدرك الإمام أن الأمة قد غدرت به كما يبين رسول الله (ص).

إذلال الولي وتهديده بالقتل إن لم يبايع

هددت السلطة - كما أسلفنا - بحرق بيت فاطمة على من فيها إن لم يخرج المتعاطفون مع الولي، فقيل لعمر: إن في البيت فاطمة، فقال: وإن. وأدرك المتواجدون في بيت علي أن عمر جاد في عزمه على حرق بيت فاطمة فخرجوا فبايعوا بالقوة، إلا عليا صاحب البيت، فوقفت فاطمة على باب بيتها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقنا... وأرسل أبو بكر من يدعو عليا وعلي يرفض، ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب

(١) راجع فيما تقدم على سبيل المثال الإمامة والسياسة ص ١١ - ١٢.

(٢) راجع على سبيل المثال الإمامة والسياسة ص ١١ - ١٢.

٣٢٥
وابن أبي قحافة ؟ فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تتفطر. إلا أن عمر القوي الذي لا يعرف اللين ولا تأخذه في الحق لومة لائم بقي ومعه قوم فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا: بايع، فقال:

إن لم أفعل فمه ؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. قال علي: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا (أخوة النبي لعلي ثابتة). فقال عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جانبه. فلحق علي بقبر رسول الله يصيح ويبكي وينادي: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ".

محاولة لاسترضاء الزهراء

بعد إلحاح تمكن الفاروق والصديق من مقابلة الزهراء، فقالت لهما:

نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: " رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ". قالا: نعم سمعناه. قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه. فأخذ أبو بكر ينتحب وهي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها ثم خرج باكيا (١).

أبو بكر يهم بالتنازل عن الخلافة

فاجتمع الناس إليه لما خرج فقال لهم: " يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه. لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني ببيعتي ".

ومن الطبيعي أن من حوله سيرفضون ذلك ويعللون هذا الرفض تعليلا شرعيا (٢).

(١) راجع فيما تقدم الإمامة والسياسة ص ١٢ - ١٣.

(٢) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ١١ وما فوق وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام.

٣٢٦

الموقف النهائي للولي

لقد استقر الأمر للسلطة الجديدة، وأصبح الولي مجرد مواطن عادي لا حق له على أحد، إن شاءت السلطة قربته منها وإن شاءت أبعدته عنها، فهي صاحبة الحق الواقعي بذلك بحكم الغلبة، لقد ضاعت الخلافة منه مع أنها حق خالص من الله ورسوله له. واستمراره بالمعارضة قد يؤدي لقتله، ومبررات القتل كثيرة فيمكن أن يسند له جرم شق عصا الطاعة والخروج على الجماعة ومنازعة الأمر أهله...... الخ.

ثم إنه لا أحد معه إلا أهل بيته، وهو يصف حاله بتلك الفترة فيقول:

" ونظرت فإذا ليس معي إلا أهل بيتي فظننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى وشربت على الشجا وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم " (٢).

وقال يوما " فجزت قريش عني الجوازي فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن أمي (فهو مؤمن أن الحق له) (٢)، وأجمعوا على منازعتي أمر هو لي.... وقد قال قائل: إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، بل أنتم والله الأحرص، وإنما طلبت حقا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض رسول الله حتى يومنا هذا " (٣).

ولم يكن أمامه إلا الاحتفاظ بحقه في الخلافة والاحتجاج على من عدل عنه بها على وجه لا تشق بها للمسلمين عصا، ولا تقع بينهم فتنة ينتهزها عدوهم، فقعد في بيته حتى أخرجوه كرها، ولو أسرع إليهم ما تمت له حجة ولا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه في خلافة المسلمين، وحين رأى أن حفظ الإسلام ورد عادية أعدائه موقوف في تلك الأيام على الموادعة والمسالمة شق بنفسه طريق الموادعة وآثر مسالمة القائمين في الأمر احتفاظا بالأمة واحتياطا على الملة

(١) راجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج ١ ص ٦٢.

(٢) راجع شرح النهج ج ٣ ص ٦٧.

(٣) راجع شرح النهج ج ٢ ص ١٠٣ و ص ٣٧ ج ١، وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ١٣٥.

٣٢٧
وضنا بالدين وإيثارا للعاجلة على الآجلة وقياما بالواجب شرعا وعقلا من تقديم الأهم في قيام التعارض على المهم (١).

سر كراهية قريش لولاية علي

مكمن السر في التربية السياسية القريشية القائمة على اقتسام البطون القريشية لمناصب الشرف في الجاهلية بحيث يختص كل بطن بنصيب ما من هذه " الشركة " التي لا غنى عن وجودها، فجاءت النبوة الهاشمية فنسفت صيغة قريش السياسية، واختص الهاشميون بالنبوة بحكم القدر الذي لا مفر منه ولا محيد عنه رغم كفاح بطون قريش المرير لإبطال هذه النبوة، فحاز الهاشميون شرف النبوة وحدهم ولم يشاركهم بهذا الشرف أحد وحال حياة النبي نصب عليا بن أبي طالب ليكون الولي والخليفة من بعده بأمر من ربه، لأن عليا هو الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب والأقدر على قيادة سفينة الإسلام

الخوف من وقوع المحظور

فإذا تمت مبايعة علي كخليفة من بعد النبي، فمعنى ذلك أن الهاشميين قد جمعوا الخلافة مع النبوة وذهبوا بالشرف كله، ولم يتركوا لبطون قريش شيئا من هذا الشرف، وهذا أمر لا يمكن قبوله بكل الموازين، ولا يمكن التسليم له بأي ثمن، فقد دخلت قريش بالإسلام، والإسلام ساوى بينها، والإسلام يجب ما قبله، فما الداعي لاستمرار الهاشميين بالسبق والتمييز والانفراد ؟

القسمة العادلة

لقد أخذ الهاشميون النبوة واختصوا بها وحدهم ولم يشاركهم بها أحد من بطون قريش، ولن يشاركهم بها أحد مستقبلا، وهذا شرف ما بعده شرف. والهاشميون والبطون أخوه.

(١) المراجعات للإمام شرف الدين العاصمي ص ٣٣٢ - ٣٣٤ وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ٣٣ وما فوق
٣٢٨
فما هو الغلط إذا اختصت بطون قريش بالخلافة وحدها ولم يشاركها أحد من بني هاشم بهذا الشرف ؟ إن هذه القسمة هي الحل وهي أقرب الحلول للعدل.

للهاشميين النبوة وحدهم ولا يشاركهم بها أحد من البطون، والخلافة لبطون قريش تتداولها بينها ولا يشاركهم بها أي هاشمي.

بطون قريش تتصرف كفريق واحد

ومن هنا فإن كافة بطون قريش تصرفت طوال التاريخ كفريق واحد لا فرق بين بطن وبطن طالما أن للجميع هدف واحد وهو منع الهاشميين من الجمع بين الخلافة والنبوة.

ففي سقيفة بني ساعدة قال أبو بكر مخاطبا الحاضرين من الأنصار: " إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عبيدة بن الجراح أو عمر، فبايعوا من شئتم منهما "، فقال عمر: " معاذ الله أن يكون ذلك، وأنت بين أظهرنا " (١). ومن الطبيعي أن لأبي عبيدة نفس الموقف، فلا فرق بين الثلاثة فكلهم أخوة وكلهم من فريق، ولكن عندما قالت الأنصار: لا نبايع إلا عليا، رفض الثلاثة هذا العرض مجتمعين (٢).

وعندما هم أبو بكر بالتنازل عن الخلافة تصدت له قريش وأبت عليه ذلك، فقريش مجمعة على ذلك. انظر إلى قول الولي: " فجزت قريش عني الجوازي فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن أمي " (٣). وقال مرة: " اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي أمرا لي " (٤). ثم إنه عندما أراد أبو بكر أن يستخلف من بعده كتب له الوصية عثمان فقال أبو بكر: أكتب ثم أغمي عليه فكتب عثمان: " إني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا "، وعندما أفاق الخليفة من إغماءته قال له

(١) الإمامة والسياسة ص ٩ (٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٨ وشرح النهج ج ٢ ص ٢٦٥.

(٣) ج ٣ ص ٦٧ من شرح النهج.

(٤) راجع شرح النهج ج ٢ ص ١٠٣ و ج ١ ص ٣٧ من الشرح.

٣٢٩
اقرأ.... فقال أبو بكر: " لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها " (١). فلا فرق على الاطلاق بين عمر وعثمان فكلاهما أخوة ومن نفس الفريق، وقبيل وفاة عمر قال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته ووليته، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته، ولو أدركت خالد بن الوليد... ولو أدركت سالم مولى أبي حذيفة...

إنه لا فرق بين أبي عبيدة وخالد فكلاهما من نفس الفريق، ولا يوجد أي خطأ بتولية معاذ بن جبل وهو من الأنصار، وما كان جائزا أن يتولى أنصاري الخلافة لأنها محصورة بمن كانت النبوة فيهم حسب رأي الفاروق آنذاك، وما هو الخطأ بأن يتولى الخلافة رجل من الموالي كسالم مولى أبي حذيفة، المهم أن لا يتولاها علي بالذات أو أي هاشمي. ويوم تشاور الخمسة لأن طلحة كان غائبا، لو لم يكن علي بالصورة لما تعقدت الأمور ولبايعوا عثمان فورا فهو أول من بايع الصديق بعد عمر وأبي عبيدة من المهاجرين، وهو الذي كتب، إني أستخلف عليكم عمر، وهو المرشح الوحيد لخلافة عمر، فقد كان يعرف بالرديف في زمن عمر ومن يدقق بوصية عمر يكتشف بأقل جهد بأن عثمان هو الفائز بكل الحالات.

وعند عودة طلحة أعلن عثمان عن استعداده للتنازل لطلحة إن رغب بذلك، ولم لا فكلهم أخوة، وكلهم فريق، وغايتهم واحدة، وهي عدم تمكين الهاشميين من أن يجمعوا الخلافة مع النبوة. بل ولا مانع من أن يتولى الخلافة عبد الله بن عمر بعد أبيه، بل شاروا على الفاروق بذلك فقالوا له: يا أمير المؤمنين استخلفه إن فيه للخلافة موضعا، فكل قريش فريق ولا فرق بينها على الاطلاق.

(١) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ٤٢٩ وسيرة عمر لابن الجوزي ص ٣٧ وتاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٨٥.

٣٣٠
٣٣١

الفصل الحادي عشر
تجريد الهاشميين من كافة الحقوق السياسية

لم تكتف بطون قريش بالحيلولة بين علي ورئاسة الدولة الإسلامية بل حرمت على أي هاشمي ممارسة أي وظيفة عامة، فأبو بكر لم يستعمل أي هاشمي، وعمر كذلك وعثمان كذلك (١).

قال عبد الرحمن بن عوف: " أبايعك على شرط أن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس "، أي عدم توليه هاشمي، فقال علي عند ذلك: " ما لك ولهذا إذا قطعتها في عنقي فإن علي الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم "، قال عبد الرحمن: " لا والله حتى تعطيني هذا الشرط "، قال علي: " والله لا أعطيكه أبدا " (٢). ومعنى ذلك أنه لا يجوز للخليفة أن يستعمل هاشميا حتى ولو كان ذا قوة وذا أمانة وتلك منتهى الصرامة، ولا داعي للتذكير بأن عبد الرحمن نفذ بدقة وصية عمر.

ما هي الغاية من عدم استعمال الهاشمي ؟

الفاروق يجيب على ذلك، فقد هم مرة أن يستعمل ابن عباس ولكنه تردد وأخبر الفاروق ابن عباس بتردده ولما سأله ابن عباس لماذا يخشى منه ويتردد في توليته فقال الفاروق: " يا ابن عباس إني خشيت أن يأتي علي الذي هو آت - يعني يموت -

(١) الإمامة والسياسة ص ٢٤.

(٢) الإمامة والسياسة ص ٢٦ - ٢٧.

٣٣٢
وأنت على عملك فتقول: هم إلينا ولا هلم إليكم دون غيركم..... " (١).

معنى ذلك أن الفاروق يريد أن يطمئن أنه حتى بعد موته بأن الخلافة لن تؤول لعلي أو لأي هاشمي، وهذا قمة الوفاء لشعار لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة.

برح الخفاء وباحت الأسرار

قسمت بطون قريش قسمة خارجية، فخصصت لبني هاشم النبوة لا يشاركهم بها أحد من هذه البطون. فالنبوة خالصة لبني هاشم أما الخلافة - حسب هذه القسمة - فهي خالصة لبطون قريش مجتمعة تتداولها بينها لا يشاركها فيها هاشمي على الاطلاق. واعتقدت هذه البطون أن هذه القسمة عادلة تماما لذلك قررت بالإجماع أن لا تمكن الهاشميين من أن يجمعوا الخلافة مع النبوة. ولكنها لا تدري كيف تفعل، هل تجعل هذه القسمة ملزمة للجميع ؟ ولا تدري كيف تضع قرارها موضع التنفيذ، لأنها أسلمت متأخرة فتأخرت. وبينما كانت البطون حائرة في أمرها لا تدري ماذا تفعل، برز ابن قريش البار عمر بن الخطاب معبرا عن ضميرها ومترجما قسمتها، ومنفذا لقرارها ومبررا القسمة وشرعية القرار، فاستحق بحق لقب ابن بطون قريش البار.

فعمر هو الذي حال بين رسول الله وبين كتابة ما يريد بحجة أن المرض قد اشتد برسول الله، وأن كتاب الله وحده يكفي ولا حاجة لكتابة الكتاب الذي أراد رسول الله كتابته، وأعوان عمر هم الذين أيدوا رأيه وتطرفوا بتأييد هذا الرأي حتى بلغ بهم التطرف حدا أن قالوا: هجر رسول الله، استفهموا إنه يهجر، وحتى اختلفوا وتنازعوا مع الفريق الذي أيد رسول الله، وما كان لهذا الفريق أبدا أن يقول ما قال لولا ثقته المطلقة بالفاروق ومعرفته اليقينية بمضمون هذا الكتاب. فقد أدرك عمر بثاقب بصيرته أن النبي (ص) يريد أن يجدد عهوده للولي، فحال بينه وبين كتابة ما

(١) راجع مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٣٥٣ - ٤٥٤ وقد نقلنا حرفيا هذه القصة في باب المرجعية.

٣٣٣
يريد بحجة أن المرض قد اشتد به، فرأى أنه ليس من الصواب أن يكتب النبي وصيته لأن المرض قد اشتد به والفاروق نفسه لا يرى غضاضة من أن يكتب الصديق وصيته عند اشتداد المرض، ولا حرج على الفاروق نفسه لو كتب وصيته عند اشتداد المرض به مع أن المرض قد اشتد به وبالصديق أكثر مما اشتد برسول الله. وحادثة الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما أراد ثابتة لم يخلق بعد الذي سينكرها أو سيقوى على تبريرها، وحادثة وصية الصديق أثناء مرضه، ووصية الفاروق أثناء مرضه ثابتة كطلوع الشمس من المشرق، وهاتان الوصيتان هم أسس نظام الخلافة التاريخي.

تصريح الفاروق بأسباب المنع

حاور الفاروق يوما ابن عباس فقال له: كيف خلفت ابن عمك ؟ قال: فظننته يعني عبد الله بن جعفر، قال: فقلت: خلفته مع أترابه، قال عمر: لم أعن ذلك إنما عنيت عظيمكم أهل البيت، قال: قلت: خلفته يمتح بالضرب وهو يقرأ القرآن قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟ قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله نص عليه ؟ قال ابن عباس قلت:

وأزيدك: سألت أبي عما يدعي من نص رسول الله (ص) عليه بالخلافة فقال:

صدق. قال عمر: قد كان من رسول الله في أمره ذروا - أي المكان المرتفع - من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع - يمتحن في أمره - وقتا ما ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته (١).

رأي الفاروق بشعار لا ينبغي أن يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة

قال عمر لابن عباس في حديث طويل دار بينهما: يا ابن عباس، أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد (صلى الله عليه وآله)، قال ابن عباس: فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدري، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم بجحا بجحا ؟، فاختارت قريش

(١) راجع شرح النهج لعلامة المعتزلة مجلد ٣ ص ١٠٥ وقد نقلها عن تاريخ بغداد.

٣٣٤
لأنفسها فأصابت ووفقت. قال فقلت: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت، قال: تكلم، قال ابن عباس فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريش اختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك:

إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة فقال:

* (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) *.

فقال عمر: هيهات يا ابن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك فتزيل منزلتك مني. فقلت: يا أمير المؤمنين فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول: حرفوها عنا حسدا وبغيا وظلما. قال ابن عباس فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والعالم، وأما قولك حسدا فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون.

فقال عمر: هيهات هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول.

قال فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (١).

فرط الوفاء لهذا الشعار

لم يكتف الفاروق بالعمل على ترجمة شعار " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون النبوة مع الخلافة " إلى واقع وسيادة هذا الشعار في حياته، إنما عمل الفاروق وبكل قواه حتى يسود هذا المبدأ حتى بعد وفاته، فهو حريص كل الحرص على أن لا تؤول رئاسة الدولة الإسلامية لعلي أو لأي هاشمي بعد وفاته مثل حرصه على أن لا يتولى

(١) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٣ ص ٢٤ آخر سيرة عمر من حوادث سنة ٢٣ وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد مجلد ٣ ص ١٠٧ أخرجه الإمام أحمد بن أبي الطاهر في تاريخ بغداد بسنده المعتبر إلى ابن عباس وراجع شرح النهج تحقيق أبي الفضل ج ١٢ ص ٥٢ وراجع تاريخ الطبري ج ٤ ص ٢٢٣ و ج ٢ ص ٢٨٩ وراجع عبد الله بن سبأ للعسكري ج ١ ص ١١٤ وملحق المراجعات ص ٢٦٢.

٣٣٥
أي هاشمي أي عمل من أعمال الدولة الإسلامية حتى ولو كان هذا الهاشمي ذا قوة وذا أمانة. فشرط عدم توليه الهاشمي حتى ولو كان ذا قوة وذا أمانة لم يكن من عبد الرحمن بن عوف إنما كان تنفيذا حرفيا لوصية الفاروق وهو على فراش الموت، ونورد ثانية مقاطع من الواقعة التي رواها المسعودي في مروجه:

عندما مات عامل حمص، أرسل عمر إلى ابن عباس وهم بتوليته ثم عدل والسبب كما يذكره الفاروق:

" يا ابن عباس، إني خشيت أن يأتي علي الذي هو آت - يعني موت عمر - وأنت في عملك فتقول: هم إلينا ولا هم إليكم دون غيركم " (١).

فالفاروق يريد أن يموت وهو مطمئن البال بأنه أيا من الولاة لن يدعو لبني هاشم ولن يساعد دعوتهم لترأس الدولة الإسلامية. ومن أجل هذا وضع الشرط " عدم جواز تولية الهاشمي حتى ولو كان ذا قوة وذا أمانة " كما وثقنا ذلك مرارا. وهذا منتهى الوفاء لشعار " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون النبوة والخلافة " ولا أحد من البطون يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة من الوفاء لهذا الشعار، ولم يفرض هذا القيد على أي بطن من بطون المسلمين قط إلا على الهاشميين.

هل أمر الله بهذا الشعار ؟

هذا الشعار جاهلي من كل الوجوه كما أثبتنا مرتين، فما أمر الله به، ولا أمر به رسوله، ولا تقره عقيدة الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، بل وهو يتعارض تعارضا كاملا مع النصوص الشرعية القولية والفعلية كالنصوص المتعلقة بتنصيب علي بن أبي طالب وليا من بعد النبي (ص) والتي عرضناها ووثقناها، ويتعارض مع النصوص الواردة بضرورة التمسك بالعترة أهل البيت واعتبارهم أحد الثقلين، وسفينة النجاة وحزب الله، وأمان الأمة من الاختلاف، وأن الشرف والرئاسة لمحمد وآله، ولتأكيد هذه الحقيقة جعل الله الصلاة على محمد وآله ركنا من أركان الصلاة المفروضة، وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة فارجع إليه.

(١) راجع مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٣٥٣ - ٣٥٤.

٣٣٦

إذا لماذا يتمسك الفاروق بهذا الشعار ويخلص له ؟

لأن الفاروق - حسب اجتهاده - يرى أن هذه القسمة " النبوة للهاشميين والخلافة للبطون قسمة عادلة " وأن قريش عندما قسمت هذه القسمة قد اهتدت ووفقت تماما - كما وثقنا ذلك - ثم من باب سد الذرائع، فلو جمع الهاشميون النبوة مع الخلافة فإن ذلك إجحافا ويؤدي لإجحاف بني هاشم على بطون قريش، والإجحاف ليس من الإسلام. أما علي بالذات فهو صغير السن بالنسبة لغيره، وهو غير مؤهل ليكون وليا على المسلمين من بعد النبي، ولكل ما أشرنا من أسباب، وللحرص على الإسلام تبنى الفاروق هذا الشعار وأخلص له بالرغم من إدراكه بأنه يتعارض مع ظاهر النصوص، لأن الفاروق لا يتعامل مع الظواهر إنما يتعامل مع البواطن ومآلات الأمور.

ما هو موقف الفاروق كحاكم وكنائب للحاكم من الولي ومن العترة الطاهرة ؟

الفاروق حريص على مستقبل الإسلام والمسلمين حتى عندما كان وزيرا فعندما أراد النبي (ص) أن يكتب وصيته، ورأى الفاروق أن هذه الوصية قد تشكل خطرا على مستقبل الإسلام والمسلمين تصدى للنبي الكريم نفسه وعارض كتابة الوصية واستقطب حوله مجموعة كبيرة من المعارضين، فتمادوا بمعارضتهم للنبي حتى قالوا للنبي (ص) ومواجهة: رسول الله هجر، استفهموه إنه يهجر!!!

والفاروق هو نفسه الذي رتب أمر اختيار الخليفة وتابع الأحداث دقيقة بدقيقة حتى نصب الخليفة الجديد في غياب كل قريش وغياب العترة الطاهرة وغياب عميدها، وذلك حرصا على مصلحة المسلمين ووحدتهم. وحتى لا يجمع الهاشميون النبوة مع الخلافة فيجحفوا على قومهم، والفاروق بطبيعته يكره الاجحاف والظلم.

والفاروق لا يتساهل في ما يمس أمن الدولة ووحدة الأمة، فأمن الدولة ووحدة الأمة فوق كل اعتبار، فإذا اعتقد أن الاخلال بأمن الدولة أو تعريض وحدة الأمة

٣٣٧
للخطر يصدر عن بيت فاطمة بنت محمد نفسها، فلا مانع يمنع من حرق بيت فاطمة على من فيه، لأن القانون يسري على الجميع بما فيهم فاطمة، وقد هم الفاروق حقيقة بحرق بيت فاطمة بعد أن جاء بالحطب، ولكن المعارضة خرجت وعدل عن حرق بيت فاطمة. وبالرغم من ذلك فإن الفاروق هو الذي اقترح على الصديق أن يذهب بعد الحادثة ويعتذر للزهراء.

والفاروق لا يتهاون بمن يتخلف عن البيعة كائنا من كان حتى ولو كان الولي من بعد النبي نفسه، فعندما رفض علي مبايعة أبا بكر هدده الفاروق بالقتل إن لم يبايع، ومع هذا يقول لمن استصغر شأن الولي: " هذا مولاي ومولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة ". وكان يرجع إليه يستشيره في كثير من الأمور، وكثيرا ما قال: اللهم إني أعوذ بك من معضلة ليس فيها أبو حسن، وقد وثقنا كل ذلك في هذه الدراسة وفي كتابنا " النظام السياسي في الإسلام ".

والفاروق نفسه هو واضح شرط عدم جواز توليه الهاشمي وتسليطه على رقاب الناس حتى لو كان هذا الهاشمي ذا قوة وذا أمانة، وذلك من باب سد الذرائع - حسب رأيه - حتى لا يجمع الهاشميون النبوة والخلافة معا فيؤدي ذلك لإجحافهم على بطون قريش.

وبالرغم من ذلك كان يبدأ بآل محمد عند توزيع العطايا ويقدمهم على نفسه وعلى آل أبي بكر كما يروي البلاذري في فتوح البلدان.

وباختصار، فإن للفاروق أسلوبه ومنهجه الخاص بفهم الدين، ولا يجد حرجا ولا غضاضة بالجهر بهذا الأسلوب وهذا المنهج حتى بمواجهة النبي نفسه، وحادثة الرزية - كما يسميها ابن عباس - خير مثال على ذلك.

وقد يبلغ به الأمر حدا أن يواجه بأسلوبه ومنهجه النص القرآني نفسه وعلى سبيل المثال قوله تعالى * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) *. فالنص القرآني يحدد الجهات المستفيدة من الصدقات وعلى سبيل الحصر ويعتبر هذا التحديد فريضة إلهية مثل أي فريضة.

٣٣٨
ثم لاح للفاروق أن سهم المؤلفة قلوبهم لا ضرورة له، وهم لا يستحقونه، وإعطاء هذا السهم للمؤلفة قلوبهم بعثرة لمال الله، فالله نصر الإسلام وأعز دينه، ولا حاجة لتأليف القلوب بالمال، وبجرة قلم أسقط سهم المؤلفة قلوبهم، ومنع عنهم الحق الذي رتبه الله لهم، ولم يمنعه عن ذلك علمه بأن الرسول نفسه قد أعطى المؤلفة قلوبهم هذا السهم بالرغم من مجئ نصر الله والفتح. وسهم الخمس مثال، ومتعة الحج شرعت على عهد النبي وظلت قائمة حتى نهى عنها الفاروق وفي زمن النبي وأبي بكر " الطلقات " يجب أن تكون متفرقة، فجاء عمر وقال: إن المسلمين يستعجلون الأمر وإن الأوفق أن يكون الطلاق ثلاث مرات، فجعل صيغة " أنت طالق ثلاثا " تحل محل الطلاق ثلاث مرات..... الخ.

الفاروق يندفع كالإعصار، فلا شئ يقف في طريقه ولا شئ يمنعه من أن يقول ما يعتقد أنه الحق بمواجهة أي كان، فقد كانت له الكلمة العليا في زمن الصديق، لأن الصديق مدين له باستخلافه، ولو شاء عمر لكان هو الخليفة الأول بدلا من الصديق، وكانت له الكلمة العليا في زمنه لأنه هو الخليفة، وكانت له الكلمة المسموعة في كل بطون قريش، لأنها تعرف أنه وحده منع الهاشميين من أن يجمعوا الخلافة والنبوة ولولاه لجمعوهما، وكانت له الكلمة العليا عند بني أمية بالذات، فهو الذي عين يزيد بن أبي سفيان ومعاوية وثبتهما على ولاية الشام، وهو الذي أوصى عمليا لعثمان الأموي، فغزت محبته قلوب قريش، وامتدت لبقية المجتمع المسلم، وسرت كالعافية، ومما ساعد على توطيدها أنه لم يتدنس بشهوة كما يقول الإمام العاملي.

على مفترق الطرق

الإنهيارات

اهتزت الأرض من تحت أقدام الذين آمنوا، ومادت بهم حتى والنبي على فراش الموت، وحدثت سلسلة هائلة من الإنهيارات المتلاحقة والانهيار يتبعه بالضرورة انهيار، والانهيار التام وارد لا محالة، أما متى ؟ فالله وحده هو الذي يعلم، وقد بدأت سلسلة الإنهيارات عندما حالوا بين الرسول وبين كتابة ما يريد،

٣٣٩
وبموته وقبل دفنه، أبرم الذين حالوا بين رسول الله وبين كتابة ما يريد الأمر وقبضوا على زمام السلطة في غياب قريش كلها وغياب العترة الطاهرة، وغياب عميدها، وغياب الأكثرية الساحقة من المسلمين، وواجهوا الجميع بدولة حقيقية تلبس رداء الشرعية كاملا وبأمر قد أحكم تماما.

الحكم والمعارضة

برز القائمون على أمر كحكام حقيقيين بيدهم الحول والقوة، وقد استقام لهم الأمر وبايعهم الأتباع وسلموا لهم الأمارة والمرجعية، فهم حكم حقيقي وسلطة واقعية.

ووجد الولي من بعد النبي نفسه وحيدا مع القرآن، والقرآن معه يدور حيث دار (١)، وحيدا مع الحق والحق معه يدور حيث دار (٢)، وقرار التعيين الإلهي بأنه الهادي (٣)، وقرار الحق بالبيان عند الاختلاف بعد وفاة النبي (٤)، وأنه كالنبي حجة على المسلمين يوم القيامة (٥)، وأنه يتمتع بكافة المنازل التي كان يتمتع بها هارون مع

(١) راجع المناقب للخوارزمي ص ١١٠ والمعجم الصغير للطبراني ج ١ ص ٥٥ والجامع الصغير للسيوطي ج ٢ ص ٥٦ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ج ٢ ص ٥٦... الخ.

(٢) راجع تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج ١٤ ص ٣٢١ وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٣ ص ١١٩ ح ١١٦٢ وغاية المرام ص ٥٣٩ ومنتخب الكنز ج ٥ ص ٣٠ من مسند الإمام أحمد الهامش..... الخ.

(٣) على سبيل المثال ترجمة علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٢ ص ٤١٧ ومسند الإمام أحمد ج ٥ ص ٣٤ الهامش وتفسير الطبري ج ١٣ ص ١٠٨ وابن كثير ج ٢ ص ٥٠٢ والشوكاني ج ٣ ص ٧٠ والرازي ج ٥ ص ٢٧١ والمستدرك ج ٣ ص ١٢٩ - ١٣٠، والدر المنثور للسيوطي ج ٤ ص ٤٥.... الخ.

(٤) على سبيل المثال المناقب للخوارزمي ص ٢٣٦، ومنتخب الكنز ج ٥ ص ٣٣ من مسند الإمام أحمد، وترجمة علي من تاريخ ابن عساكر ج ٢ ص ٨٨ ح ١٠٠٨ و ١٠٠٩.

(٥) على سبيل المثال ترجمة علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٢ ص ٢٧٣ ح ٧٩٣ - ٧٩٥ ومسند الإمام أحمد ج ٥ ص ٩٤ ومناقب علي لابن المغازلي والميزان للذهبي ج ٤ ص ١٢٨.

٣٤٠