×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرية عدالة الصحابة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

مضمون عدالة الصحابة عند أهل السنة

تعني عدالة الصحابة فيما تعنيه، أن كل من عاصر الرسول أو ولد في عصره، لا يجوز عليه الكذب والتزوير، ولا يجوز تجريحه، ولو قتل آلافا، وفعل المنكرات. وعلى أساس ذلك فجميع الطبقة الأولى من الأمويين، كأبي سفيان وأولاده، وجميع المروانيين بما فيهم طريد رسول الله وأولاده، والمغيرة بن أبي شعبة وولده عبد الله الذي كان في حدود العاشرة من عمره حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع ذلك نسبوا إليه مجموعة من الأحاديث كتبها على النبي في صحيفة يسمونها الصادقة. فجميع هؤلاء من العدول ومروياتهم من نوع الصحاح ولو كانت في تجريح علي وأهل البيت، وفي التقريظ والتقديس لعبد الرحمن بن ملجم. هذه المرويات يجب قبولها ولا يجوز ردها لأن رواتها من العدول، والعادل لا يتعمد الكذب، والذين اتبعوا معاوية وسايروه طيلة ثلاثين عاما من حكمه، هؤلاء كلهم على الحق والهدى، وحتى الذين سموا الحسن بن علي وقتلوا الحسين وأصحابه، وفعلوا ما فعلوا من الجرائم في الكوفة وغيرها كانوا محقين ومن المهتدين بحجة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال بزعمهم: " أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم " (١). وهذا الحديث ضعفه أئمة أهل الحديث فلا حجة فيه وطعن فيه ابن تيمية (٢).

ما هو جزاء من لا يعتقد بهذا الرأي ؟

بأقل أقوال أهل السنة: " إذا رأيت الرجل ينقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق. والذين ينقصون أحدا على الاطلاق من أصحاب رسول الله هم زنادقة والجرح أولى بهم " (٣). ومن عابهم أو انتقصهم فلا تواكلوه ولا تشاربوه ولا

(١) راجع ص ٨١ و ٨٢ من كتاب آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم للسيد مرتضى الرضوي.

(٢) المرجع السابق ص ٩١ وقد نقل عن محب الدين الخطيب وعن المنتقى للذهبي.

(٣) راجع الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ص ١٧ و ١٨.

٢١
تصلوا عليه) (١).

ما هو سر هذا التشدد والصرامة عند أهل السنة ؟

ذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة. وهؤلاء الذين ينقصون أحدا من الصحابة يريدون أن يخرجوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح أولى بهم وهم زنادقة (٢).

استذكار

يقصد أهل السنة بالصحابة ما قصده ابن حجر عند تعريفه للصحابي بدءا من خديجة وعلي وزيد بن حارثة وأبي بكر وانتهاء بآخر طفل رأى الرسول أو رآه الرسول، ويستحسن أن نرجع لعرضنا لتحليل ابن حجر لتعريف الصحابي.

محاولة للتخفيف من هذا الغلو

قال المارزي في شرح البرهان: " لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما أو زاره لماما، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " انتهى (٣).

استنكار المحاولة ودفنها

والجواب على ذلك أن التغييرات المذكورة خرجت مخرج الغالب وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة. وأما كلام المازري فلم يوافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء. وقال الشيخ صلاح العلاني: هذا قول غريب يخرج

(١) راجع ص ٢٣٨ من كتاب الكبائر للحافظ الذهبي وراجع آراء علماء المسلمين ص ٨٥ للسيد مرتضى.

(٢) راجع الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ص ١٧ و ١٨.

(٣) الأعراف: ١٥٧، راجع الإصابة في تمييز الصحابة ص ١٩.

٢٢
كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن العاص وغيرهم ممن وفد عليه (صلى الله عليه وآله) ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف. وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر (١).

الآثار المترتبة على هذا التعميم

المساواة العشوائية، فالصحابة حسب رأي أهل السنة متساوون بالعدالة، فجميعهم عدول، فالقاعد كالمجاهد، والعالم كالجاهل، ومن أسلم عن اقتناع تماما كمن أسلم لينجو بروحه، والسابق كاللاحق، والمنفق كالمقتر، والعاصي كالمطيع، والطفل المميز تماما كالراشد، ومن قاتل الإسلام في كل المعارك تماما كمن قاتل مع الإسلام كل معاركه. فعلي عليه السلام الذي قاتل مع الإسلام كل معاركه هو تماما كأبي سفيان الذي قاد كل الحروب ضد الإسلام، وهو تماما كمعاوية ابن أبي سفيان وحمزة عليه السلام وهو المقتول وسيد الشهداء تماما مثل قاتله (وحشي) وعثمان بن عفان المبشر بالجنة هو تماما مثل عمه الحكم بن العاص والد خلفاء بني أمية، وهو طريد رسول الله وطريد صاحبيه. وقد لعنه الرسول ولعن ولده (٢)، و عبد الله بن أبي سرح الذي افترى على الله الكذب وارتد عن الإسلام وأباح الرسول دمه ولو تعلق بأستار الكعبة (٣) هو تماما كأبي بكر، و عبد الله بن أبي زعيم المنافقين تماما كعمار بن ياسر...... الخ.

كيف لا ؟ فكلهم صحابة وكلهم عدول وكلهم في الجنة ولا يدخل أحد منهم النار أبدا كما نقلنا.

(١) راجع الإصابة في تمييز الصحابة ص ١٩.

(٢) راجع كنز العمال ج ١١ ص ٣٥٨ - ٣٦١ وراجع المعارف لابن قتيبة ص ١٣١ و ٤١ و ٥٤.

(٣) راجع كنز العمال ج ١١ ص ٣٥٨ - ٣٦١ وراجع المعارف لابن قتيبة ص ١٣١ و ٤١ و ٥٤.

٢٣

تساؤل واستنتاج

هل يعقل أن يكون العالم كالجاهل والقاعد كالمجاهد ومن أسلم عن اقتناع كمن أسلم خوفا ؟ هل من المعقول أن يتساوى القاتل والمقتول ؟ وهل يتساوى السابق باللاحق، والمنفق بالمقتر والعاصي بالمطيع وصادق الإيمان بالمتظاهر ؟ وأن يتساوى المؤمن والمنافق.... الخ هل يعقل أن يكون معاوية مثل علي ؟

لا الشرع يقبل هذه المساواة ولا العقل ولا المنطق وهي ظلم صارخ وخلط فظيع ينفر منه العقل وتأباها الفطرة الإنسانية السليمة (١).

نقد رأي أهل السنة

الائتلاف والاختلاف

على ضوء المعنيين اللغوي والاصطلاحي لكلمة صحابة فإنه لا بديل أمام أتباع الإسلام (الفرق الإسلامية) من الاتفاق على أن اصطلاح الصحابة يشمل كل الذين أسلموا أو تظاهروا بالإسلام وسمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو جالسوه أو شاهدوه، ولكن الخلاف يكمن في التعميم، فبينما يرى أهل السنة أن الصحابة بهذا المعنى الواسع كلهم عدول إلا أن الفرق الإسلامية الأخرى لا تقر أهل السنة على ذلك ولا توافق على هذا التعميم.

محاولة للتوفيق

الصحابة بالمعنى الواسع الذي يركن إليه أهل السنة هم كل شعب دولة النبي، أو هم كل الأمة الإسلامية التي دانت لدولة النبي (صلى الله عليه وآله)، وهم أول المخاطبين المعنيين بآيات القرآن الكريم. فعليهم طبقت أحكامه كلها، فمن أعلن إسلامه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله اعتبر مسلما ومواطنا في دولة النبي، لأن الله هو المطلع على الضمائر، العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور،

(١) راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ١٠٦ وما فوق.

٢٤
وهو وحده الذي يثيب على هذا الإسلام. وانطلاقا من هذا الاعتقاد، فقد كان النبي يكتفي بالظاهر ويترك البواطن لله. وسلوك الإنسان متروك للمستقبل ولرحمة الله وتأثير المجتمع المسلم عليه، ولموقف الفرد من معارك الإيمان مع الكفر تحت قيادة النبي أو من ينتدبه. ومن الطبيعي أن النبي لم يقل لمنافق أنت منافق، بل كان يدعو الله أن يستر على عيوب خلقه وأن يصلحهم ويهديهم، مع أن القرآن الكريم حافل بالآيات التي تقرع بشدة المنافقين المنتشرين في عاصمته المدينة ومن حولها من الأعراب. وكشفت هذه الآيات أسرارهم وفضحت أضغانهم وعالجت أمورا واقعية ووصفت وشخصت حالات فردية لأشخاص كانوا يعتبرون صحابة بل وأقيمت الحدود على الكثير منهم.

والشريعة وضعت صفات موضوعية لأعمال البر والتقوى ولأعمال الفجور.

فمن توافرت فيه صفات معينة حشرته تلك الصفات بإحدى هاتين المجموعتين، وترجمة الصفات وبيانها متروك لسلوك الإنسان ميدانيا. فالصدام مع الكفر لم يتوقف طيلة حياة النبي، والإنسان بطبعه يعكس دائما حقيقة اعتقاده بسلوكه آجلا أم عاجلا.

وبانتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، كان كل مسلم من مواطني الدولة الإسلامية يعرف حقيقة موقعه في حوض التقوى أو في بؤرة الفجور، وعرف الناس كلهم منازل بعضهم، مع أن المجتمع المسلم، خاصة مجتمع المدينة المنورة، كان مجتمع صحابة ولكل واحد من أفراده صفة صحابي لغة واصطلاحا. ثم من يأمن مكر الله وما معنى الأمور بخواتمها ؟ إنه لا بديل من تقسيم الصحابة الكرام إلى مجموعتين كبيرتين:

١ - أفاضل الصحابة: وهم الأخيار الذين قامت الدولة على أكتافهم وتحملوا سخرية وأذى الأكثرية الكافرة حتى ظهر أمر الله وتمسكوا بأمر الله ووالوا نبيه ووالوا من والاه، وانتقلوا إلى جوار ربهم وهم معتصمون بحبل الله، فهؤلاء عدول بالإجماع ولا تشذ عن ذلك أية فرقة من الفرق الإسلامية.

٢ - بقية الصحابة: وهم متفاوتون، الله أعلم بهم، فمنهم الصبي ومنهم المنافق.

فالمنافقون الأشرار جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار مع أنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويسمون أيضا صحابة بكل المعايير الموضوعية المعروفة عند أهل السنة.

٢٥

ما هي الفائدة من هذا التقسيم ؟

إن معرفة أفاضل الصحابة أمر في غاية الأهمية، فهم الذين يبايعون الإمام البيعة الخاصة، وهم ركن من أركان أهل الشورى، وهم الذين ينفذون أوامر الإسلام، وهم حكومة الإمام الفعلية، وهم الذين يقومون بتهيئة المجتمع لتلقي الذكر ولتطبيق الشريعة ولإعطاء البيعة العامة وبرضاهم يجب أن ترضى العامة وبسخطهم يسخطون.

فإذا تحقق ذلك نجت الأمة ونجوا، وإن لم يتحقق هلكت الأمة وتأخروا، ووسد الأمر لمن يغلب. وفائدة هذا التقسيم الآن هو دراسة الماضي دراسة موضوعية لمعرفة سر اختلاف المسلمين وبعثرة كلمتهم وانهيار دولتهم تمهيدا لاستشراق مستقبلهم وتوثيق خطواتهم بحيث تبقى ضمن المقصود الشرعي كطريق أوحد لتوحيدهم ثانية وإقامة دولتهم التي ينبغي أن تقوم على الأسس الشرعية حتى تدوم وتحقق غايتها ولا تنهار ثانية.

ثم إن التفضيل ضروري لمعرفة الأفضل ومن هو المستحق لملء الوظائف العامة. يقول تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، وقد فسرها الطبري بإسناد الولاية لمن هو جدير بها. وكيف يمكن تأدية هذه الأمانات في هذا المجال دون اللجوء للتفاضل ؟ إن أول من سمع بذلك هم الصحابة، ومن المعني بذلك غيرهم ؟!.

التفاضل سنة إلهية

التفاضل سنة إلهية، ومنهج من مناهج الحياة، وحافز من حوافز السمو بها تقتضيه طبيعة الحياة ويقتضيه التباين بين الخلق في القدرة والقوة والفهم، وتحقيق العدل السياسي والوظيفي من حيث وضع الشخص المناسب في المكان المناسب المؤدي لتحقيق الغاية الشرعية ووسيلة ذلك كله هو نظام التفاضل الشرعي في الإسلام على اعتبار أن التفضيل مكافأة وحافز إلهي وأن التفاضل وسيلة شرعية.

٢٦

الدليل الشرعي للتفاضل

وسيلة التفاضل مكرسة بالشريعة الإسلامية وبروحها العامة. قال تعالى:

* (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين) * * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) *. والتفضيل وارد حتى على مستوى الأسر والأقوام، فها هو سبحانه وتعالى يخاطب بني إسرائيل: * (أني فضلتكم على العالمين) * * (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) * * (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا) * * (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) * * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة) *...... الخ.

والتفضيل ضرورة لمعرفة الأفضل ومن هو المستحق لملء الوظائف العامة عملا بقوله (صلى الله عليه وآله): من ولي على عصابة رجلا وهو يجد من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله.

طبقات الصحابة

إن الصحابة شرعا وعقلا وواقعا ليسوا بدرجة واحدة. فمنهم الصادقون وهم طبقات في صدقهم، ومنهم الأقوياء وهم طبقات في قوتهم، ومنهم الضعفاء وهم أيضا طبقات في درجات ضعفهم، ومنهم المنافقون وهم أيضا طبقات في نفاقهم.

أنظر إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي رأس النفاق في المدينة: " لعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا " (١) فزعيم المنافقين حسب هذا النص صحابي، وهو صحابي بالموازين المتفق عليها عند أهل السنة.

ولو جارينا أهل السنة بحرفية فهمهم لتجمدت الحياة ولتجمد الفكر تماما. وبالرغم من أن أهل السنة قد أجمعوا أو أشاعوا الاجماع على أن الصحابة كلهم عدول، إلا أن هذا لم يمنعهم من أن يعترفوا ضمنا بأن هذا التعميم غير واقعي وغير منطقي ويتعارض مع المقصود الشرعي. ولعل تقسيمهم الصحابة الكرام إلى طبقات أكبر شاهد على

(١) راجع الطبقات لابن سعد ج ٦ ص ٦٥ وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ١٠٣.

٢٧
هذا الاعتراف حيث أن انتماء الصحابة لطبقة من الطبقات يحدد شرعا دوره في الأمور السياسية والحقوق (١) وهذه ليست مسألة اجتهادية لأن الشرع الحنيف بقرآنه وسنته قد وضع معالم تلك الطبقات. ومن هنا فإن ابن سعد تصدى لهذه الناحية فجمع الصحابة في خمس طبقات (٢). وكذلك فإن الحاكم في مستدركه قسم الصحابة إلى اثنتي عشرة طبقة.

طبقات الصحابة كما ذكرهم الحاكم في مستدركه (٣)

الطبقة الأولى: الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة كالخلفاء الراشدين.

الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة.

الطبقة الثالثة: مهاجروا الحبشة.

الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى.

الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية.

الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا بعد هجرة الرسول للمدينة.

الطبقة السابعة: أهل بدر.

الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان.

الطبقة العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.

الطبقة الحادية عشرة: الطلقاء وهم الذين أسلموا يوم فتح مكة كأبي سفيان ومعاوية.

الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوه يوم الفتح.

فأول الناس إسلاما خديجة ثم علي عليه السلام: تنبأ رسول الله

(١) راجع فتوح البلدان للبلاذري وانظر إلى طريقة عمر بن الخطاب بتسلسل العطايا ومقدارها.

(٢) ويمكن لمن أراد التوسع أن يراجع طبقات ابن سعد.

(٣) راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٢٧ - ٢٢٨ وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ١٠٨.

٢٨
كتاب نظرية عدالة الصحابة للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٢٩ - ص ٥٢)
٢٩
صحت هذه المقولة لما كانت هنالك دواعي لوجود هذا النظام ولا لسلوك منهج التفاضل باعتبار أن الجميع متساوون بالعدالة.

نظام التفاضل في الإسلام

تجنبا للخلاف والاختلاف، واستبعادا لدور المزاج والهوى، وتقزيما لأي واقع متجبر سيفرض على الأمة، فقد حدد الإسلام بنصوص قاطعة لا تحتمل الانكار والتأويل الأركان الأساسية لنظام التفاضل في الإسلام وحصرها في خمسة أركان، لتكون مسارب للفضل والعدالة وطرفا لمنازل الخير، وهي التي تحدد موقع الإنسان المسلم وتبين دوره وتحدد حجم اعتباره. وهي مجتمعة تقدم الجواب الشرعي الأمثل لكل سؤال يتعلق بالمنازل والكرامات، وهي بالتالي الطريق الأوحد لمعرفة الأعلم والأفضل والأنسب في كل أمر من الأمور.

فإذا كان الصحابة كلهم بلا استثناء عدول لا فرق بين واحد وآخر، فما الداعي لإيجاد نظام التفاضل في الإسلام ؟ وما الداعي لتشريع الحدود ووضع الأحكام ؟

أركان التفاضل أو مسارب العدالة

باستقراء أحكام العقيدة الإلهية الإسلامية، يتبين لنا أن التفاضل يقوم على خمسة أركان، وهذه الأركان بمثابة موازين أو معايير شرعية تحدد حجم الاعتبار لكل مسلم وتبين منزلته.

الركن الأول والأهم: القرابة الطاهرة، فهم قيادة الأمة السياسية والروحية بعد نبيه الكريم بالنص الشرعي القاطع. أما لماذا هم بالذات ؟ هذا فضل الله يؤتيه من يشاء لماذا أنزل الله الوحي على محمد واختاره للرسالة ؟ لماذا محمد بالذات ؟ لماذا موسى بالذات ؟ هذا أمر بيد الله تعالى. هذه القرابة هي مركز الدائرة بالنص وهي سفينة النجاة بالنص، وهم باب حطة بالنص، وهم نجوم الهدى بالنص، وهم الأسبق بالإيمان بالنص، وهم الأتقى بالنص، وهم الأعلم بالنص، وهم الأكثر بلاء بالنص، ومحبتهم مفروضة على الجميع بالنص، وعميدهم في كل زمان هو الإمام الشرعي للأمة وهو مرجعها فالنبي أولا والكتاب ثانيا، والهادي أولا والهداية ثانيا

٣٠
فمتى بعث الله رسالة بدون رسول ؟ ومتى أنزل الله كتابا إلا على عبد ؟ وسأثبت ذلك في حينه، فهم محط الولاية ومحورها.

الركن الثاني: السابقة في الإيمان.

الركن الثالث: التقوى.

الركن الرابع: العلم.

الركن الخامس: تقييم الرسول القائد أو الإمام الشرعي (المعين شرعا) ليقوم مقامه والذي بايعته الأمة المسلمة بالرضى وبمحض اختيارها بدون إكراه ولا إغراء ولا لف ولا دوران (بدون غلبة).

الحكم على هذه الموازين

تلك موازين شرعية موضوعية مستمدة من الشريعة ومن الشريعة وحدها، وهي تبين معالم العدالة لدى كل فرد - وما سواها - مع عميق الاحترام إلا مواءمة بين واقع مفروض ومثال إلهي آخذ بالأعناق، وهذه الموازين معترف بها، وكانت حجة لا تعلوها حجة في نظام الخلافة التاريخي.

فعلى سبيل المثال أرجع حجة أبي بكر على الأنصار في سقيفة بني ساعدة (١)، وارجع إلى حجة عمر في السقيفة (٢)، وارجع إلى حجة أبي عبيدة (٣).

فقد قالوا إنهم الأولى بمحمد: ١ - لأن العرب تأبى أن تولي الخلافة إلا من كانت النبوة فيهم. ٢ - إن أهل محمد وعشيرته هم أولى بميراثه وسلطانه (وهذا معيار القرابة بعينه) وقالوا: إنهم أول من عبد الله في الأرض، وهذا معيار السابقة في الإيمان والتقوى.... الخ. ثم طريقة عمر بتوزيع الأعطيات. لقد أخذ بأكثر هذه المعايير (٤).

(١) راجع الإمامة والسياسة ص ٥ - ٧.

(٢) راجع الإمامة والسياسة ص ٧ - ٨.

(٣) راجع الإمامة والسياسة ص ٨.

(٤) راجع فتوح البلدان للبلاذري.

٣١

تساؤلات

فإذا كان الصحابة كلهم عدول وكلهم في الجنة ولا يدخل أحد منهم النار، وأن الله ساوى بينهم، فما الذي منع الأنصار من أن يتولوا الخلافة ؟ ولماذا اقتنعت أكثريتهم وأعطوا القيادة للمهاجرين الثلاثة عن قناعة ؟ لماذا فرق الخليفة العادل عمر ولم يساو بينهم بالعطايا مع أنهم صحابة وكلهم عدول ولا فرق بين واحد وآخر ؟

لماذا أقيمت الحدود على بعضهم ؟ وهل يسرق العادل النزيه المضمون دخوله في الجنة ؟ أنتم لستم أفقه من الشيخين في الدين، وكفى بفقههما عندكم حجة، ليجب كل واحد منكم على هذه التساؤلات أو ليحاول، فمتى كان التقليد الأعمى طريقا للهدى ؟ لقد أنبأنا الله أنه طريق إلى النار، وقد أنعم الله علينا بالعقل لنستثمره في طاعة ومعرفة مقاصد الشريعة (١).

(١) راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ١٠١ وما فوق فقد فصلنا هذه الموازين بالقدر الذي يفهم.

٣٢
٣٣

الفصل الثالث
نقض النظرية من حيث الشكل

حجة أهل السنة منقوضة شكلا من وجهين:

الوجه الأول: حول الشهادة والشهود

إن القرآن الكريم هو الذكر، وما جاء به النبي هو بيان لهذا الذكر وترجمة له وهو من مستلزماته، وقد تكفل الله جلت قدرته بحفظه على مر الأزمان * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) *. فحفظ الذكر مضمون بضمانة إلهية ولا علاقة للصحابة الكرام بهذا الحفظ. فالدين محفوظ وثابت وبدون شهود لأن الله هو الشاهد والمتكفل بإثباته، ولأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة. فالشاهد على المسلمين هو محمد والمسلمون في كل زمان هم شهداء على الناس. ثم إن كتاب الله منزل من عند الله وليس بإمكان أحد كائنا من كان أن يزيد فيه حرفا أو ينقص منه حرفا أو أن يبدل فيه حرفا لأنه ترتيب إلهي. فقد كانت الكوكبة من آيات القرآن الكريم تتنزل على رسول الله مع التوجيه الإلهي بأي سورة توضع، وعند ما انتقل الرسول إلى جوار ربه، كان القرآن كله مرتبا بالصورة التي بين أيدينا ومكتوبا كاملا وليس في صدور الرجال فحسب كما يزعم بعض إخواننا. فالقول بأن الصحابة كلهم عدول لا يزيد الثابت ثباتا ولا المحفوظ حفظا، والقول بأن المخلصين من الصحابة فقط هم العدول لا يهز هذا الثابت ولا يؤثر على هذا المحفوظ، وإقحامهم للقرآن وحفظه لإثبات عدالة كل الصحابة لا مبرر له، لأن الفضل في ذلك كله والمنة والشكر لله تعالى، والفخر لمحمد ولآل محمد وللصادقين من الصحابة الذين التفوا حولهم. (فلو أن الآل

٣٤
الكرام سلموا محمدا لزعامة قريش أو خلوا بينها وبينه لقتلوه كما قتل كثير من الأنبياء من قبل)، ولما تحمل الآل الكرام كل سني الحصار والعذاب والألم. وبالمناسبة فإنني أتسأل: أين كان كل الصحابة والهاشميون محصورون في شعاب أبي طالب يأكلون ورق الشجر من الجوع ويمص أطفالهم الرمال من العطش ؟ هل من العدالة الوضعية أو السماوية أن يتساوى المحاصر مع المحاصر، * (ما لكم كيف تحكمون) *.

الوجه الثاني

أما القول بأن هؤلاء الذين ينقصون أحدا من الصحابة (زنادقة) فلا يستقيم لعدة وجوه، لأن الإسلام بوصفه آخر الأديان السماوية، وبوصفه الصيغة النهائية لدين الله معد ومصاغ ليفهم منه كل إنسان على قدر فهمه، والفهم الأمثل هو ما يتطابق مع المقصود الشرعي أو الغاية الشرعية من النص بحيث يكون الفهم هو عين ما أراد الله وتلك مهمة عسيرة بل واختصاص فني تماما، وإلا فما الداعي لإرسال الرسل مع الكتب وابتعاث الهادي مع الهداية ؟ وما هي الغاية إذن من وجود الأئمة ومن رئاسات الأنبياء لدول الإيمان ؟ ومن هنا فإن الإسلام شئ وفهمنا له شئ آخر يختلف حسب ثقافاتنا. فاختلاف الرأي وتباين الأفهام ليس زندقة، وهنالك من الصحابة من عاب النبي نفسه وطعن في عدالته. أنظر إلى قول ابن الخويصرة: " إعدل يا محمد والله ما أردت بهذه القسمة وجه الله " لم يقل له النبي: أنت زنديق أو منافق، قال له:

ويحك من يعدل إن لم أعدل. فهل للصحابي مكانة أعظم من مكانة النبوة ؟ فإذا كان سيد البشر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " أنا بشر أصيب وأخطئ " فكيف تعممون العدالة على جميع الصحابة وتعتبرون من يناقشكم بالأمر زنديقا ؟

نقض حجة أهل السنة يجمع أهل السنة أو يتظاهرون بالإجماع على القول وبالحرف " إن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به النبي حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، فهم الشهود وهؤلاء الذين ينقصون أحدا من الصحابة - أي واحد - يريدون أن يخرجوا شهودنا

٣٥
ليبطلوا الكتاب والسنة وهؤلاء زنادقة (١)، فمن عابهم أو انتقص منهم فلا تواكلوه ولا تشاربوه ولا تصلوا عليه " (٢).

قراءة أولية أولا: الخلط

القول بأن النبي حق والقرآن حق وما جاء به النبي حق، هذا قول لا غبار عليه ولا اختلاف فيه، وهو قدر مشترك بين كل المسلمين من سنة بمختلف فرقهم ومن شيعته بمختلف فرقها، وهم يتساوون بالإنتماء لهذا الدين ولحمل هويته الخالدة.

والدين يتكون من مقطعين: ١ - نبي الله بذاته وقوله وفعله وتقريره، و ٢ - كتاب الله المنزل من عند الله. هذا إجماع كل المسلمين، والخلاف منحصر بفهم المقصود الشرعي لهذا الدين، فلا ينبغي الخلط بين الدين وبين مفاهيمنا له. فالدين هو المركز الثابت ومفاهيمنا هي المتحركات والمتغيرات من حوله. فالدين شئ ومفاهيمنا له شئ آخر، هذه المفاهيم عمليا تختلف من فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى جماعة حسب درجة العلم وقدرة الفهم والطاقة والتجرد من الهوى. ولو كان مجديا فرض فهم واحد للنص لفرضه الله تعالى ولما كان هنالك داع للإجماع ولما كان هنالك داع للفهم أصلا. فعندما نفهم نصا معينا بفهم ما، ويفهم الآخر النص نفسه بفهم آخر ثم يدعي كل واحد منهما أن فهمه هو المقصود الشرعي، فمعنى ذلك أنه لا بد للاثنين من دراسة النص دراسة ثانية وثالثة... الخ حتى يصلا إلى مفهوم واحد للنص لأن النص الشرعي الواحد له مقصد شرعي واحد وهو عين المقصود الإلهي، إذ لو قلنا بغير ذلك لأضفينا طابع الشرعية على الفرقة والاختلاف، ولذهبت كل جماعة باتجاه مع أن مصلحة الأمة تتحقق بوحدتها لا بفرقتها، ثم إنه لا مصلحة لك ولا مصلحة لي إذا كانت النفوس خالصة لله أن يصح هذا الفهم أو ذاك، إنما مصلحتنا تتحقق بفهم المقصود الإلهي الأمثل والعمل به.

(١) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ص ١٧ - ١٩.

(٢) كتاب الكبائر للحافظ الذهبي ص ٢٣٨.

٣٦
فمن غير الجائز أن نخلط أفهامنا بالدين وبنوايا مختلفة حسنت أم ساءت، نقول: إن هذه الأفهام هي الدين، ثم نضع عقوبة لمن يخالفنا بهذه الأفهام متجاوزة دائرة الاتباع إلى دائرة التشريع المخصصة لله تعالى. فحكم الزندقة وقرار عدم المواكلة والمشاربة وعدم الصلاة على من يخالفك الرأي هو قرار لا يقره الدين، وهو عقوبة بغير نص وتصرف ممن لا يملك في ملك الغير، وهو باطل من أساسه ولا يعادل شروى نقير.

ثانيا: كلمات للتلقين

١ - الإسلام كلمة محددة ولفظ يدل على معنى بعينه وهو يعني: نبي الله محمدا بذاته وقوله وفعله وتقريره، ويعني القرآن الكريم على الصعيدين النظري والعملي، وهو مجموعة البنى الحقوقية المتكاملة التي أوحاها الله لنبيه وبينها النبي للناس، إنه العقيدة الإلهية التي أرادها الله أن تكون دينه ودين المطيعين من خلقه. وهو شئ ومعنى قائم بذاته ومستقل عن غيره.

٢ - الصحابة الكرام اتبعوا هذا الدين ووالوا نبيه على صعيدي الدعوة والدولة هم أتباع للدين وليسوا دينا أو جزءا من الدين.

٣ - المسلمون كلهم هم الذين اتبعوا الإسلام وآمنوا به، لكنهم ليسوا هم الإسلام، إنهم أتباع وشتان ما بين العقيدة والمعتقد وما بين القانون والشعب، وما بين القضاة والمتقاضين.

ثالثا: الحماية والتستر

قلنا: إن مصلحة الإسلام والمسلمين تتحقق بفهم المقصود الشرعي بالذات وهو عين المقصود الذي قصده الله تبارك وتعالى، والوقوف على هذا المقصود يحتاج إلى اختصاص وملكات خاصة والوقوف عليه مطلب الجميع وغايتهم، ولكن أناسا أنزلوا أنفسهم منازل ليست لهم واجتهدوا، وهذا حق لهم، ثم حاولوا رغبة أو رهبة أن يفرضوا هذا الاجتهاد على أبناء الملة وأغلقوا طريق البحث عن الحقيقة الشرعية وأوصدوا مسالك التحري عن المقصود الشرعي وأعلنوا بأن رأيهم هو الدين ومن

٣٧
يعارضهم زنديق... الخ وهذا ليس من حقهم لأنهم شئ والدين شئ آخر، ومخالفتهم بالرأي أو بالاجتهاد أو بالفهم ليس مخالفة للدين لأن القول بغير ذلك ترجيح بغير مرجح ووصاية من إذن شرعي بالوصاية مما يحول العملية كلها إلى تستر بالدين واحتماء به لنصرة رأي على رأي أو مذهب على مذهب. فاختلافك معي بفهم نص من النصوص الشرعية لا يجعل منك زنديقا ولا يجعل مني مرجعا وقديسا، فذلك ترجيح بغير مرجح وتقبيح بغير سند وخدمة لأولئك الذين غلبوا هذه الأمة وفرقوها إلى شيع وأحزاب بأحابيلهم السياسية الملتوية، وبمساعدة السذج من علماء السوء الذين يقفون في كل زمان ضد تفاهم هذه الأمة ووحدتها، فيقولون: هذا زنديق، وهذا رافضي، وهذا شيعي، وهذا سني، وهذا جعفري وهذا مالكي، وذلك كفر وتلك زندقة... الخ.

وتلك ألفاظ يعافها الذوق السليم، وتنفر منها الفطرة النقية، وقد ترفع عن مثل هذه الأمور حتى الكفرة من أهل الكتاب، وبالتالي هي تعبر عن ضيق الصدر وتتعارض مع مبادئ الأخوة الإسلامية وروح الإسلام العامة. الله وحده يعلم كم هو مؤذ التعصب ومثير للقرف. يقول الذهبي في رسالته التي ألفها في الرواة الثقات:

" قال أبو عمر بن عبد البر: روينا عن محمد بن وضاح قال: سألت يحيى بن معين - يحيى بن معين هذا من كبار أئمة الجرح والتعديل الذي جعلوا قوله في الرجال حجة قاطعة - سألته عن الشافعي فقال: ليس ثقة، وجعفر بن محمد الصادق وثقه أبو حاتم والنسائي إلا أن البخاري لم يحتج به " (١). أنت تلاحظ أن يحيى بن معين وهو العملاق الشهير يزعم أن الشافعي ليس ثقة، مثلما تلاحظ أن البخاري لم يحتج بالإمام جعفر الصادق واحتج بمن هو أقل من الإمام جعفر، وجعفر عليه السلام هو صاحب مذهب أهل البيت الكرام، وهو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة، وهو العالم الألمعي الذي لا يشق له غبار والذي تخرج على يديه أربعة آلاف فقيه ومحدث، وفوق ذلك كله هو الإمام السادس من أئمة أهل البيت الكرام، فهو جعفر بن محمد بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومع هذا لم

(١) راجع آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن للسيد مرتضى الرضوي ص ٩٧ - ٩٨.

٣٨
يحتج به البخاري ولم يوثقه وتجافى عن روايات أهل البيت مع أنهم صحابة بالمعنى الذي يقصده أهل السنة والصحابة كلهم عدول.

نقض نظرية كل الصحابة عدول من حيث الموضوع

يؤمن أهل السنة بالنظرية القائلة " بأن كل الصحابة بلا استثناء عدول "، تلك النظرية التي ابتدعها رجال السياسة الغالبون، كما سنثبت ذلك، ولغاية في نفس يعقوب، وألقوا في روع الغافلين الذين يحبون هذا الدين، بأن هذه النظرية جزء لا يتجزأ من دين الإسلام وفصل ثابت من فصول العقيدة الإلهية من شك فيها أو خرج عليها أو ناقشها فهو زنديق لا ينبغي أن يواكل أو يشارب أو يصلي عليه إذا مات.

حقيقة أن الصحبة شرف عظيم ومراتبها عالية، ولكنها بالمعنى اللغوي وبالمعنى الاصطلاحي المتفق عليه عند أهل الملة، هذه الصحبة تشمل كل المسلمين الذين عاصروا رسول الله. بمعنى أن كل شعب دولة النبي كانوا صحابة، لأن العبرة والمعول عليه هو:

١ - الالتقاء بالنبي.

٢ - الإيمان الصادق به كحال الصحابة الصادقين أو التظاهر بهذا الإيمان، وكحال المنافقين وكحال الذين حاربوا الإسلام بكل وسائل الحرب ثم أحيطوا واضطروا للإسلام لأن كل الأبواب قد أوصدت في وجوههم إلا باب الإسلام فولجوه، الله وحده أعلم بنواياهم.

٣ - الموت وهو على هذه الحال.

إن هؤلاء المؤمنين الصادقين، والمنافقين المتظاهرين، ومن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، لم يكونوا بدرجة واحدة حتى يقال بأنهم جميعا عدول، بل إن منهم من كان يظهر الإيمان ويبطن الكفر والعصيان، وهم الفئة المنافقة من المسلمين الذين عاصروا النبي ومات النبي وهم على قيد الحياة.

وقد كشف القرآن الكريم بأن أفراد هذه الفئة مردوا على النفاق وخانوا، وغدروا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، وابتغوا الفتنة وآذوا النبي، وقلبوا الأمور.

٣٩
وكانت راية الإسلام ترتفع كل يوم حتى بسطت دولة النبي سلطانها المبارك على الجزيرة، وأضفت هيبتها على الجميع وأكمل الله الدين، وأتم النعمة، وانتقل النبي إلى جوار ربه، وتلك الفئة المنافقة على حالها، والمسلمون متفاوتون بإيمانهم وتضحياتهم ومنازلهم.

العجب العجاب

وبدون مقدمات أو بمقدمات سياسية أصبح كل رعايا دولة النبي عدول بحجة أنهم كلهم صحابة شاهدهم النبي أو شاهدوه، وآمنوا به أو تظاهروا بالإيمان وأنهم ماتوا على هذا الإيمان مع أن النظرية قد ابتدعت في العصر الأموي (عصر خلافة الطلقاء) وقبل أن يموت جيل الصحابة بالمفهوم الآنف الذكر، أي أنهم قد حكموا بالعدالة قبل أن يتأكدوا من حسن الخاتمة، وهذه النظرية منقوضة من أساسها.

وجوه النقض

١ - أنها تتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة.

٢ - أنها تتعارض مع السنة النبوية بفروعها الثلاثة: القول والفعل والتقرير.

٣ - نظرية عدالة كل الصحابة ينقضها واقع الحال.

٤ - أنها تتعارض مع روح الإسلام العامة ومع حسن الخاتمة ومع الغاية من الحياة نفسها.

تفصيل وإثبات وجوه النقض

١ - نظرية عدالة كل الصحابة تتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة

ظاهرة النفاق

شاعت ظاهرة النفاق في زمن النبي، وبرز المنافقون كقوة حقيقية يحسب حسابها، والمنافقون هم فئة آمنت بالظاهر، فهم بأفواههم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ويرددون نفس الألفاظ والمصطلحات التي يرددها

٤٠