×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نفحات الإعجاز / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
كتاب نفحات الاعجاز لـ العلوي الخوئي (ص ١ - ص ٢١)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


الحمد لمن أنزل القرآن، بأفصح لسان وأبلغ بيان، والصلاة والسلام على من بلّغه أحسن إبلاغ، وأقام به الحجّة على من تمرّد عليه وزاغ، وعلى آله الأطهار.

وبعد، فقد وقع ـ في جملة ما وقع ـ بيدي كتيب صدر من المطبعة الانكليزية الامريكانية، ببولاق مصر، سنة ١٩١٢، وهو يدعى "حسن الايجاز في ابطال الاعجاز" فحملني تصفح صفحاته على أن حملت القلم على الفور، وكتبت هذه السطور حسب الميسور، على ما أنا فيه من قصور الباع، وقلّة الاطلاع، وانشغال الذهن، وحداثة السن.

كما عرفني تحامل كاتبه أن بضاعته بذاءة كلمة، وهفوات قلمه، فكتبت هذا المختصر في بعض ما عليه من الرد والنقد، والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل.

٤

تمهيد

القرآن، وما أدراك ما القرآن، كتاب جاء به بشر مبلغا أنه وحي يوحى (علّمه شديد القوى)(١) في العصر الوحيد في رُقىّ الفصاحة والبلاغة ـ في نوع العرب ـ وقيام سوقهما وعموم أدبهما.

وكانت دعوة القرآن باهضة لأهل ذلك العصر، مضادة لأهوائهم، مهددة لطاغوتهم في جميع شؤونهم، وكانوا هم أهل السلطة والصولة، والاقتدار والثروة، وأهل اللسان الراقين في الفصاحة والبلاغة، فاحتجّ القرآن ونبيّه بجلالة مقامه بحيث يعجزون عن معارضته والاتيان بمثله.

وكم تحدّاهم(٢) في ذلك بطلب المعارضة تعجيزاً، فلمّا عجزوا تنازل في تعجيزهم إلى "عشرة سور من مثله"(٣) فلمّا عجزوا تنازل معهم إلى الإتيان (بسورة مثله)(٤) وقد كان لهم بالمعارضة أحسن مندوحة تقوم لهم بها الحجّة، وتظهر الغلبة، ويخلد لهم الذكر، ويسمو الشرف، ويستريحون إليها من مقاساة أهوال الحروب التي طحنتهم، ومعاناة(٥)هوان الأسر، وصَغار المغلوبية، وذلّة الانحطاط من جبروتهم، والتنازل عن ضلالهم وعوائدهم.

لكنّهم يعرفون ـ لا كغيرهم ـ أنّ الذي يُفتخر به ويُتنافس فيه من ارتفاع قدر الكلام وبلاغته إنّما يكون بمقدار مطابقته لمقتضى الحال الذي يُتكلّم فيه وجريانه على الوجوه اللازمة في ذلك، لا بمجرّد

(١) النجم ٥٣: ٥.

(٢) تحدّاهم: نازعهم.

(٣) اقتباس من سورة هود ١١: ١٣.

(٤) البقرة ٢: ٢٣.

(٥) المعاناة: الملابسة والمباشرة.

٥
تزويق(١) الألفاظ وتحوير العبارات; وقد وجدوا القرآن الكريم يعطي كل مقام حقّه من المطابقة لحقيقته ومناسباتها، بحيث لم يجدوا في ذلك شبهة غميزة(٢). مع خوضه حقّ الخوض في كل حقيقة يحوم حولها العارف الإلهي، والمصلح الديني، والمصلح السياسي، والمصلح المدني الاجتماعي، والمصلح التأريخي، والنبي المتعرّض للغيب، فيوفّي كل حقيقة حقّها على النحو الباهر، مع الاستقامة في المسلك، والاطّراد في المجرى، والانسجام في البيان.

وعلموا أنّه لا يجدي في المعارضة خيالياتهم في الغزل والنسيب والمدح والحماسة، بل لا بُدّ أن يخوضوا في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضاً ابتدائياً لا اتّباعاً تقليديّاً.

فأقعدهم عرفانهم ذلك مقعد العجز، وأوقفهم موقف الحيرة، فاحتملوا ما احتملوا من البلاء، إذ لم يجدوا لما دعاهم إليه من النصفة سبيلاً، فبان منهم العجز عن ذلك، وظهر عند القاصي والداني إعجاز القرآن وأنّه خارج عن طوق البشر.

ولو كان من ذلك شيء يرضونه أو يتوهّمون لياقته للحجّة ورواجه في سوق المحاكمة لرفعوه علماً للاحتجاج، وأنطقوه مستصرخاً للانتصار، وصارخاً في الأقطار بالظليمة، وداعياً إلى المحاكمة، وللهجت به الأندية(٣)، وعجّت بنشيده أسواق العرب، وسارت به الركبان، ودوّنت به الدفاتر، وتعنونت باسمه الحروب والمنافرات، ولكثرة الأعوان والمحامون(٤) والمدّعون، ولضجّت به اليهود والنصارى

(١) التزويق: التحسين.

(٢) الغميزة: العيب.

(٣) الأندية: جمع النادي، بمعنى المجلس.

(٤) المحامي: هو الوكيل في المحاكمة.

٦
في جزيرة العرب وفلسطين وسوريا، فكان لهم أشهي حديث يؤثر، وأجلّ سيرة تسجّل، ولكان أقرّ لعيونهم في التاريخ من أحاديث شمشون(١)ومجلة استير(٢) ورؤيا يوحنّا(٣)، وها أنت وكلّ أحد لا تحسّ لذلك همساً ولا تسمع له حسيساً.

فإن توهّم "حسن الإيجاز" أن قد جاءوا بمثله واختفى علينا فقد أخطأ وجدانه، كيف وأنّهم أهل السلطة والكثرة القاهرة وحاجتهم إلى ذلك أشدّ من حاجتهم إلى حفظ شعر امرىء القيس وغيره من الشعراء؟! فكيف يأتون بمثل هذا القرآن ويضيّعونه ولم يضيّعوا المعلّقات السبع التي علّقوها بالكعبة إعجاباً بها، فلمّا جاء القرآن أنزلوها استحقاراً في جنب جلالته كما حفظ ذلك لنا التاريخ؟!

وحينئذ فاعتراف أهل اللسان بإعجاز القرآن حسبما دلّ عليه الوجدان أوضح دليل على إعجازه، ومن لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز عن إدراك ذلك فلا ينبغي له الخوض فيه، بل يلزم عليه أن يتّبع أهل اللسان ولا يبقى هالكاً في ورطة الجهل، أعاذنا الله منه ومن الجهل بأنّا جاهلون والله الهادي إلى سواء السبيل.

ومن ظرائف الشواهد(٤) أنّ بعض المولّدين والدخلاء في اللغة العربية، في أواخر القرن الثاني وما بعده من نزول القرآن، أرادوا أن يعرفوا علم القرآن ويتعلّموا منه مجاري البلاغة وأسرار اللغة العربية

(١) هو الإصحاح (الفضل) الرابع عشر من سفر القضاة من العهد القديم الذي ينسبه اليهود والنصارى إلى الإلهام.

(٢) استير: أحد أسفار العهد القديم، استعير له اسم المجلّة مشاربهةً.

(٣) هو من جهة الكتب الإلهامية عند النصارى.

(٤) أي من الشواهد على ما قلنا: "ومن لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز...".

٧
وفذلكاتها في الكلام، فوقف بهم التعلّم في بعض الموارد على عقبات الجهل والشك، فجاء بعض النصارى، كهاشم المتعرّب(١) وغيره، فجعلوا تلك الشكوك والجهالات انتقادات على القرآن فزادوا على الجهل جهلاً آخر.

فجاء كتاب "الهدى" واوضح ببيانه في تلك الموارد أنّها في المقام السامي من فذلكات البلاغة وبراعة البيان ومزايا العربية، فانظر أقلاً إلى الجزء الأول من كتاب "الهدى" ص ٣٢١ إلى آخره لكي تعرف ماذا يصنع الجهل والتعصب، إذا عرفت ذلك فلنشرح المقصود بعون الله في ضمن اُمور:

(١) اسمه هاشم العربي، أطلق عليه"المتعرّب" لعدم اطّلاعه على القواعد العربية.

٨

الأمر الأول

لا شبهة أنّ القرآن ورد معجزاً، والمسلمون وغيرهم من أهل اللسان ـ من الأعصار السابقة إلى العصر الحاضر ـ يعرفون إعجازه، والقرآن صريح في ذلك. وإن وقع الخلاف من بعض في سبب الإعجاز فإنّه لا يضرّ بجهة أصلاً، لبداهة عجز أهل اللسان عن الإتيان بمثله ولو كان العجز بأيّ سبب من الأسباب، وهذا المقدار دليل واضح على خروجه عن طوق البشر.

على أنّ إبطال أيّة ديانة لا بُدّ وأن يكون بإبطال ما هو مسلّم بين جميع المتديّنين بها، لا بما ذهب إليه(١) بعض من المنسوبين إلى ذلك المذهب، وإلاّلبطلت الأديان بأجمعها، وذلك لاختلاف علمائهم اُصولاً وفروعاً. ألاترى انتقاد الفرقة الپرتستانية على علمائهم السابقين عملاً وقولاً واعتقاداً؟! وهل يجعل ذلك عاقل ردّاً على أصل المذهب؟! كلاّ.

فما في "حسن الإيجاز" من أنّ القرآن لم يدّع عجز البشر والناس عن مثله إلاّ على سبيل المبالغة، غير جار على طريقة الفهم لبداهة أنّ القرآن لم يتعرّض للإعجاز إلاّ في مقام الحجّة والاستدلال وإثبات أنّه كلام الله و وحي منزل على نبيّه المرسل صلوات الله وسلامه عليه وآله، ومن ثم صار عجز الشعراء والبلغاء ـ مع كثرتهم في تلك الأعصار ـ دليلاً قاطعاً على إعجازه.

(١) إشارة إلى ما نسب إلى بعض المسلمين من إنكاره عجزّ الناس عن الإتيان بمثل بلاغة القرآن.

٩

الأمر الثاني

إنْ أنكر بعضُ من يلتصق باسم الإسلام في هذا العصر دلالةَ الإعجاز على أنّ القرآن وحي الله وكلامه، كبعض البابية، فإنّ إنكاره لا يكون حجّة على المسلمين كما تشبّث به "حسن الإيجاز"، لأنّ من البديهي أنّ تلك الفرقة ليست من أهل الديانة الإسلامية، إذ أنّ كتب علي محمد ـ الذي هو مؤسّس مذهبهم ـ مشحونة بالمتناقضات وادّعاء النبوّة والإلوهية وغير ذلك. ألا ترى أنّ البابية اتّبعوا هذا الرجل في الاُمور الهائلة مع أنّهم أخفوا كتبه لشناعتها وسقوطها، فهل يحتج بأقوالهم إلاّ من هو مثلهم في السقوط؟!

على أنّ دلالة الإعجاز على الوحي إنّما هو من الاُمور العقلية التي يستقل بإدراكها العقل فلا يضّر فيه جهل فلان وإنكار فلان.

فليراجع كل عاقل وجدانه ويلاحظ أنّ عجز البشر عن الإتيان بمثل ماأتى به المدّعي للنبوة هل يكون دليلاً على صدق المدّعي كما في سائر النبوّات أم لا؟ فليت شعري ما الوجه لحسن الإيجاز في قياس القرآن بكتاب إقليدس في الهندسة بمشابهة أنّه لم يأت أحد بمثله ممّن قبله ولا ممّن بعده؟! مع أنّ عدم الإتيان لا يستلزم العجز عنه، لو سلّم أنّه لم يأت أحد بمثله سلّمنا، ولكن الذي يقبح ـ عند العقل ـ على الله تعالى إنّما هو إظهار المعجز على يد الكاذب، فلا يمتنع إظهاره على من لم يدّع النبوّة كذباً، والقرآن إنّما ورد في مقام والبرهان على النبوّة فيم يرتبط هذا المقام بغيره؟!

١٠

الأمر الثالث

لا كلام ولا إشكال في أنّ المعجزة لا بُدّ وأنّ تكون ظاهرة لكل أحد من العلماء والجهلاء، مانعة لاحتمال الخداع والتدليس.

والقرآن كذلك رغماً على إنكار "حسن الإيجاز"، غاية الأمر أنّه بالنسبة إلى أهل اللسان بإدراكهم وبلا واسطة، وبالنسبة إلى غيرهم بإخبارهم القاطع وإذعانهم المعروف، وهو كسائر المعجزات المشاهدة للحاضرين المعدودين بلا واسطة، والمعلومة لغيرهم بنقلهم.

ويفوق القرآن على سائر المعجزات بأنّ إعجازه ظاهر لجميع من يعرف البلاغة في جميع الأديان، ولا يختص ذلك بزمان دون زمان، والمشاهدة لسائر المعجزات السابقة مختصة بعدد قليل من الحاضرين في ذلك الزمان.

* * *

١١

الامر الرابع

قال صاحب "حسن الإيجاز": "إنّه يمكن عقلاً أن يأتي إنسان بأفصح العبارات وأبلغها وأحسنها نظماً وهي تحكم بأنّ الله شرّير، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فهل يُصدِّق قائلها إذا اتّخذ ذلك دليلاً على أنّ عباراته من وحي الله؟! وإلاّفما الدليل على أنّ ذلك محال؟!

فإن قيل: إنّ نسـبة الشرّ إليه تعالى دليل على بطلان أنّها وحي الله.

قلنا: "إنّ كثيرين من أهل الأديان نسبوا أمثال ذلك إليه تعالى" إنتهى محل الحاجة.

أقول: لا لوم على هذا الرجل إذا لم يعرف معنى البلاغة فتوهّم لنفسه أنّها عبارة عن تزويق الألفاظ وإن كان معناها فاسداً قبيحاً في مورده، ومن تقحّم مثل تقحّمه جدير بأن لا يعرف أنّ البلاغة التي بها يعلو قدر الكلام ويتفاخر إنّما هي مطابقته لمقتضى الحال كما ذكرناه في التمهيد. ألا وإنّ العبارات التي تحكم بأنّ الله شرّير لتخسأ وتذلّ عن أن يدنّس بها اسم البلاغة ومعناها.

ألا ترى أنّ كاتب التوراة الرائجة لمّا لم تكن عنده حقيقة القصّة في أكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نهاهماالله عنها، وأراد أن يصوّرها كشاعر خيالي، فإنّه مهما تأنّق في تزويق عباراتها وتنميق(١) محاوراتها جاء بها شنعاء شوهاء، تشوّهت ألفاظها بتشويه معانيها، فكانت من الكلام الساقط الذي تشمئزّ منه النفوس، اُنظر في الفصل

(١) التنميق: التزيين.

١٢
الثالث من التكوين.

نعم، لو ذكرت (١) في مثل كليلة و دمنة مثالاً خيالياً لملك خدوع جائر ورعيّة مغفّلين وناصح فاهم غيور لكان لها مقام في الخياليات.

وهذا كاتب إنجيل لوقا(٢) لمّا كتب من مخيّلته توبة المجدلية على يد المسيح تحذلق(٣) في تحسينها جهد خياله، ولكنّه جاء بها شوهاء سمجت ألفاظها بسماجة معانيها حيث اجترأ بها على مقام المسيح(٤)ودنّس بها قدس التوبة والتائب. اُنظر في سابع لوقا / عدد ٣٧ إلى ٤٩.

وهذا كاتب إنجيل يوحنّا لمّا أراد أن يصوّر محبّة المسيح لتلميذه يوحنّا بن زبدى ذكر لذلك حالة يجلّ(٥) عن شناعتها سائر المؤمنين فضلاً عن رسول الله وتلميذه فتلوّثت ألفاظها بقبح معانيها. اُنظر في ثالث عشر يوحنّا/ عدد ٢٢ إلى ٢٦.

ولو ذكرت هاتان القصّتان لاُناس مجهولين في رومان يمثّل غرام(٦)فلسطين(٧) لكان لها حظّ في خياليات الغرام ورقّة الغزل، وقد

(١) وذلك لأنّه نسب الكذب إلى الله تعالى والصدق والنصيحة للحيّة في أكل آدم وحوّاء من شجرة معرفة الخير والشر، فالله تبارك وتعالى ـ بزعم كاتب التوراة الرائجة ـ ملك خدوع جائر، والحية وطني فاهم غيور، والرعية المغفّلين كناية عن آدم وحوّاء.

(٢) ثالث أناجيل الأربعة المنسوبة إلى المسيح عليه السلام.

(٣) تحذلق: أظهر.

(٤) فإنّه نسب إلى المسيح عليه السلام ـ وحاشاه ـ ما يناسب الفجّار.

(٥) فإنّه ذكر ماهو المناسب للعاشق والمعشوق دون النبي وتلميذه.

(٦) الغرام: العشق.

(٧) ذكر فلسطين إشارة إلى وطن المسيح عليه السلام.

١٣
تركنا من نحو ذلك العهدين أمثالاً كثيرة.

وها فانظر إلى كلام القرآن الكريم في جميع موارده وفنونه المختلفة، وانظر إلى براعته فيها وبلاغته المعجزة بمطابقته لمقتضى الحال.

وإنّ صدور هذه المقامات الثلاثة وأمثالها الكثيرة من كتبة العهدين الرائجين لأدلّ دليل على كذب اُولئك الكتبة.

وإنّ استنادنا في صدق الرسول إلى القرآن لهو من جهات شتّى، منها:

الجهة العامّة لمعاصريه من العرب، وهي براعة كلامه في مطابقة مقتضى حقيقة الحال التي يتكّم بها في فنونه الراقية، مع تحدّيه لهم بمعارضته وفصل القضاء لهم بذلك، وعجزهم عن معارضة قليل منه بمثل كرامته، مع أنّهم من أهل اللسان والبيان بحيث يكشف ذلك عن كونه عن مصدر إلهيّ وعناية خاصّة بالرسول. وثانياً ما هو المحصّل المعقول من جوابه في قوله "فإن قيل. قلنا" فهل تراه يزعم أنّه إذا كان كثير من أهل الأديان يزعمون أنّ الله شرّير ـ تعالى شأنه ـ فإنّه يدلّ على أنّ ذلك حقيقة راهنة(١) تدلّ على صدق المتنبىء بهذا الزعم، ولا تدل على بطلان زعمه بأنّه وحي إلهي؟! أو تقول: إنّه قال ذلك ولم يدر ماذا قال ولذا سمّى كتابه "حسن الإيجاز"؟!

وثالثاً لا شبهة في أن مدّعي النبوّة لا بُدّ وأن لا يكون فيه الموانع التي يحكم العقل الفطري بامتناع وجودها في النبي:

منها كونه مكذّباً في دعواه من نبى مسلَّم النبوّة ولو كان التكذيب بعنوان عام ينطبق عليه.

(١) راهنة: أي ثابتة.

١٤
ومنها كونه فاعل اُمور قبيحة من الكذب وشرب الخمر وأمثالهما.

ومنها أن يأتي في دعواه بما هو مخالف للعقل القطعي، كالدعوة إلى الشرك، وإلى تعدّد الآلهة وتعدّد الأرباب، وإلى عبادة غير الله.

ومنها تناقض تعليماته أو أقواله.

فيتفرّع على هذا أنّ القول بأنّ الله شرّير ـ تعالى عن ذلك ـ دليل على عدم النبوّة وعلى كون المدّعي كاذباً في دعواه.

ولا يقـاس ذلك بما ذكره من أنّ كثيرين من أهل الأديان نسبوا أمثال ذلك إليه تعالى يكشف عن خطئهم في رأيهم، وهو لا يكشف عن بطلان أصل الدين ـ كما ذكرنا في الأمر الأول ـ بخلاف إسناد من يدّعي النبوّة مثله إليه تعالى فإنّه يكشف عن خطئه في عقيدته المنافي لنبوّته كما هو واضح.

ولاجل ذلك لو لم تعلمنا الشريعة المقدّسة الإسلامية نبوّة موسى وعيسى عليهما السلام، ونزول الوحي والكتاب لهم، لكُنّا من المنكرين لذلك أشد الإنكار، لما نجد في نبوّتهما، وفي كون العهدين المسمّيين بالكتاب المقّدس، اللذين يزعمهما النصارى كتب وحي وإلهام، من الموانع المذكورة في تلك الكتب البالغة فوق حدّ الإحصاء، ولا بأس أن نشير إلى بعض تذكرة للعلماء منهم وتبصرة لجهلائهم، فنقول:

الموانع من نبوّة موسى عليه السلام ـ على ما في العهدين ـ كثيرة منها ما وجدناه في الفصل العاشر من يوحنّا ما يقدح بعمومه في

١٥
رسالته ورعايته للاُمة، قال في/ عدد ٧: "الحق أقول لكم، إنّي أنا باب الخراف (٨) جميع الذين أتوا قبلي هم سرّاق ولصوص".

ومنها ما وجدناه في تعليم التوراة عن قول الله عز وجل في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج / عدد ١٣: "ولا تذكروا اسم آلهة اُخرى، ولا يسمع من فمك".

وفي الرابع من سفر التثنية/ عدد ٣٥: "لتعلم أنّ الربّ هو الإله ليس آخر سواه".

ووجدنا أيضاً في التوراة عن قول الله عزّ وجلّ في رابع الخروج/ عدد ١٦: "إنّ موسى يكون إلهاً لهارون".

وفي سابع الخروج / عدد ١: "أنا جعلتك إلهاً لفرعون".

ومنها ما في التوراة أيضاً، في رابع الخروج / عدد ١٠ إلى ١٤، أنّ موسى استعفى عن الرسالة بخطاب مع الله بغير أدب ولم يثق بوعد الله حتى حمي غضب الرب عليه.

وفي خامس الخروج / عدد ٢٢: "وقال لله: لماذا أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا أرسلتني؟!".

وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر العدد/ عدد ١١: "لماذا أسأت إلى عبدك؟!".

وفي الثاني والثلاثين من الخروج / عدد ٣٢، قال في شأن عبدة العجل: "والآن إنْ غفرت لهم وإلاّ فامحني من كتابك الذي كتبت".

وفي الحادي عشر من العدد / عدد ٢٢ و ٢٣، أنّه شكّ في قدرة الله على إشباع بني إسرائيل من اللحم، وخاطب الله بما يشبه الإنكار لذلك.

١٦
وذكرت التوراة أنّ موسى وهارون لم يؤمنا بالله كما في العشرين من العدد / ١٢.

وعصيا قوله، كما في السابع والعشرين / عدد١٤.

وخاناه، كما في الثاني والثلاثين من سفر التثنية / عدد ٥١.

والمانع من نبوّة عيسى عليه السلام ـ على ما في العهدين ـ اُمور:

منها التناقض في الكلام، فقد نقل عن المسيح أنّه قال: "إنْ كنت أشهد لنفسي فشاهدتي ليست حقّاً" كما في خامس يوحنّا / عدد ٣١.

ونقل عنه أيضاً أنّه قال: "إنْ كنت أشهد لنفسي فشهادتي حقّ" كما في ثامن يوحنّا / ١٤.

ومن التناقض في الكلام أيضاً ما في تاسع عشر متّى(١) لمّا قال له بعض الناس: "أيّها المعلّم الصالح" أنكر عليه هذا القول ـ عدد ١٧ ـ وقال: "لماذا تدعونني صالحاً؟! ليس أحد صالحاً إلاّواحد هو الله" ومثله في عاشر مرقس(٢) / عدد ١٨. والثامن عشر من لوقا/ عدد١٩.

وهذا مناقض لما يحكى عن قوله: "الإنسان الصالح" كما في ثاني عشر متّى / عدد ٣٥; وسادس لوقا/ عدد ٤٥.وقوله: "أنا هو الراعي الصالح. أمّا أنا فإنّي الراعي الصالح" كما في عاشر يوحنّا عدد ١١ و ١٤.

ومن هذا القبيل أيضاً ما في ثاني عشر متّى / عدد ٣٠: "مَن

(١) هو أول الأناجيل الأربعة.

(٢) هو ثاني الأناجيل الأربعة.

١٧
ليس معي فهو عليَّ. ومن يجمع معي فهو يفرّق" وكذا في حادي عشر لوقا / عدد٢٣.

وهذا مناقض(١) لما يحكى عن قوله "من ليس علينا فهو معنا" كما في تاسع مرقس / عدد ٤٠; وتاسع لوقا/ عدد ٥٠.

ومنها ما ذكرت الأناجيل من أنّ المسيح ـ وحاشاه ـ شرّيب خمر، أي كثير الشرب لها، كما في سابع لوقا/ عدد ٣٢ إلى ٣٥; وحادي عشر متّى / عدد ١٧ إلى ٢٠.

وأنّه قال في الخمر قول المودّع المولَع بها المتلهّف عليها، كما في السادس والعشرين من متّى / عدد ٢٧ و ٢٩; ورابع عشر مرقس / عدد ٢٣ و ٢٥; والثاني والعشرين من لوقا/ عدد ١٧ و ١٨.

وأنّه حضر مجلس العرس المنعقد للسكر وإذ نفد خمرهم عمل لهم بمعجزة ستّة أجران من الخمر، كما في ثاني يوحنّا/ عدد ١ إلى ١١.

ومنها ما نسبت الأناجيل إلى قدس المسيح ـ وحاشاه ـ من قوله ما يرجع إلى تعدّد الآلهة، كما في عاشر يوحنّا / عدد ٣٣ إلى ٣٧.

وكذا تعدّد الأرباب، كما في الثاني والعشرين من متّى/ عدد ٤١ إلى ٤٦; وثاني عشر مرقس / عدد ٣٥ إلى ٣٨; والعشرين من لوقا / عدد ٤١ إلى ٤٥.

وذكرنا عن التوراة ما يدلّ على التوحيد الربّ، بل جاء في ثاني عشر مرقس / عدد ٢٩: "الربّ إلهانا ربّ واحد".

ولا يخفى أنّ الأناجيل الثلاثة المذكورة تذكر في هذا المقام أنّ المسيح أنكر قولهم أن المسيح ابن داود. وأحتجّ لذلك بأنّ داود قال

(١) بيان المناقضة: أنّ على المسيح ولا معه محكوم بحكم من عليه بمقتضى الفقرة الاُولى، وبحكم مَن معه بمقتضى الثانية.

١٨
في المزامير عن الوحي: "قال الربّ لربّي" وكذا في ثاني أعمال الرسل / عدد ٣٤; والمراد من ذلك أوّل المزمور العاشر بعد المائة، مع أنّ الموجود فيه الأصل العبراني حتى إلى الآن: "نؤم(١) يهوه لادناي" وترجمته الحرفية: "أوحى الله لسيّدي" وهذا خال عن ضلال الكفر وتعدّد الأرباب..

فليت شعري من اين جاء هذا التحريف؟! هل جاء من المسيح ـ وحاشاه ـ؟! أو من كتبه الأناجيل والأعمال؟! أم يقول النصارى: جاء من تحريف اليهود للمزامير؟!

لا، لا، فإنّ التوحيد الحقيقي يشهد بأنّ التحريف وضلال الكفر وسخافة الاحتجاج المناقض لافتخار العهد الجديد بكون المسيح ابن داود، كله جاء من كتبة الأناجيل والأعمال، كما أنّ النصارى الذين ترجموا المزامير حرّفوا تراجمهم تأسّياً بتحريف الأناجيل، فانظر واعجب.

والموانع من كون العهدين كتب وحي وإلهام اُمور كثيرة:

منها ما وجدناه فيها من إسناد القبائح والشرور إلى الله تبارك وتعالى وإلى الانبياء عليهم السلام الممتنع ذلك في حقهم بحكم العقل القطعي.

فمنها ما في ثالث التكوين من خوف الله تبارك وتعالى من آدم أن يأكل من شجرة الحياة لأنّه صار مثل الله في معرفة الخير والشر/ عدد ٢٢.

ومنها مصارعة يعقوب مع الله تبارك وتعالى، حتى أنّه لم

(١) أو: نأم.

١٩
يقدر على يعقوب، فطلب منه أن يطلقه فلم يطلقه حتى باركه(١)، اُنظر في الثاني والثلاثين من التكوين / عدد ٢٤ إلى ٣١.

ومنها ما في العشرين من أشعيا، من أنّ الله أمر نبيّه أشعيا أن يمشي عرياناً وحافياً بين الناس ثلاث سنين; عدد ١ إلى ٥.

ومنها ما في الرابع من حزقيال، من أنّ الله أمر نبيّه حزقيال أن يأكل كعكاً من خبز الشعير الذي يخبزه أمام عيون بني إسرائيل على الخرء الذي يخرج عن الإنسان; عدد ١٢ إلى ١٥.

ومنها ما في أوّل هوشع، من أنّ الله أمر نبيّه هوشع أن يأخذ لنفسه امرأة زنا وأولاد زنا.

ومنها ما في الثامن عشر من التكوين / عدد ٨; والتاسع عشر/ عدد ٣، من أكل الله عزّ وجلّ من طعام إبراهيم ولوط.

ومنها ما في تاسع التكوين / عدد ٢١، فشرب نوح من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه.

ومنها ما في سابع لوقا/ عدد ٣٣: "لأنّه جاء يوحنّا المعمدان(٢) لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فتقولون به شيطان (٣٤) جاء ابن الإنسان(٣)يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشرّيب خمر" ونحوه في حادي عشر متّى / عدد ١٩.

ومن جملة الموانع ما وجدناه فيهما من التناقضات في النقل والحكايات:

فمنها ما ورد في السابع والعشرين من متّى / عدد ٤٤ في

(١) اي أعطاه البركة، وهي النبوّة.

(٢) يوحنّا المعمدان هو الذي كان يغسّل الناس تطهيراً لهم قبل المسيح.

(٣) هو نفس المسيح.

٢٠