×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عدالة الصحابة تقطع بصحة زواج المتعة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

رأي علمائنا الأفاضل في نكاح المتعة:

إذاً, بعد أن وجدنا تعارضاً في الروايات فمنها ما يشير إلى إباحة المتعة ومنها من يشير إلى تحريمها, قلنا أن التضارب يؤدي إلى التساقط وقلنا أن الآية لا يصح نسخها بالحديث بناء على قول الشافعي وغيره,وحللنا المسألة بأن كشفنا عن الروايات التي تؤكد صراحة أن تحريم المتعة إنما كان باجتهاد شخصي من خليفة المسلمين يومئذ عمر(ر), والآن نأتي إلى رأي علمائنا الأفاضل في حل هذا التعارض, يقول الشيخ الجزيري: "...أما ما روي من أن ابن عباس قال: أنه جائز فالصحيح أنه قال ذلك قبل أن يبلغه نسخه". انتهى.(٥٩)

إذاً فالشيخ الجزيري يرى حل التعارض بين روايات الإباحة وروايات التحريم, هو أن من روى الإباحة لم يكن قد وصله النسخ بعد, أما من روى تحريمها, فذلك لأنه قد سمع بنسخها, وهو حل جميل منطقي في ظاهره ولكن بعد التدقيق في الروايات نجد أن هذا الحل لا يصلح أبداً كما سيأتي بيانه.

أما الدكتور وهبة الزحيلي فقد عبر عن رأيه بقوله: "...كل هذا يدل على نسخ إباحة المتعة , ولعل ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين لم يبلغه الدليل الناسخ. فإذا ثبت النسخ وجب المصير إليه , أو يقال أن: إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها ثم ورد النص القاطع بالتحريم ". انتهى.(٦٠)

وكما هو واضح فإن الدكتور يقترح حلين لتعارض آراء الصحابة: الأول يشترك فيه مع الشيخ الجزيري ومع الكثير من العلماء وهو أن من أفتى من الصحابة بأن المتعة حلال كان بسبب عدم وصول النسخ إليه, بينما وصل النسخ لغيره من الصحابة فأفتوا بالتحريم. والحل الثاني الذي ارتآه فضيلته هو أن المتعة كانت موجودة قبل الإسلام كالخمر ولم يرد نص يحرمها في البداية, فكان معفواً عنها حتى ورد نص يحرمها فيما بعد.

واقتراح الدكتور أكثر من حل لقضية التعارض بين الصحابة يوضح لنا كم هي مربكة هذه المسألة بالنسبة لعلمائنا الأفاضل, فالذي يكون لديه رؤية واضحة لقضية ما فإنه يحكم فيها حكماً واحداً لا أكثر.

وفيما يلي بيان كيف أن قضية عدم وصول النسخ ليست منطقية وأن قضية أن المتعة كان معفواً عنها هي الأخرى غير واقعية:

٥٩- الفقه على المذاهب الأربعة / ج٤ ص٩١ / النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.

٦٠- موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته ص٦٥٥٧.

٢١

هل حقاً لم يصل نبأ نسخ المتعة لابن عباس ومن وافقه بالتحليل؟

إن هذا الكلام كان من الممكن اعتباره منطقياً لو أن ابن عباس مثلاً سأله فلان عن حكم المتعة فأجابه بأنها حلال دون أن يحتك ابن عباس بالذين يفتون بتحريمها كعبد الله بن الزبير مثلاً, أي لو وصلتنا الروايات فقط أمثال هذه الرواية: " عن عمار مولى الشريد قال سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح فقال ابن عباس لا سفاح ولا نكاح قلت فما هي قال المتعة كما قال الله تعالى قلت له هل لها من عدة قال نعم عدتها حيضة قلت هل يتوارثان قال لا."

فهذه الرواية وأمثالها تعرض رأي ابن عباس بأن المتعة حلال ولا تذكر أن ابن عباس التقى بمن يفتي بحرمة المتعة, فلو كانت الروايات التي وصلتنا هي كلها من هذا القبيل لكان تفسير التعارض بعدم وصول النسخ لابن عباس تفسيراً منطقياً ولكن عندما تصلنا روايات تؤكد على أن من يفتي بأن المتعة حلال قد التقى بمن يفتي بتحريمها وسمع منه ومع ذلك لم يقبل منه ذلك, فماذا يكون موقفنا منها؟! لقد وردت روايات صحيحة تؤكد أن من أفتى بالتحليل قد سمع قول من يفتي بالتحريم ومع ذلك ثبت على قوله بالتحليل, فإن كان من يفتي بالتحريم ينقل خبر نسخ ومع ذلك لم يقبل منه الذي سمع نقله ذلك فإن هذا يعني أنه يكذبه فيما ينقل عن رسول الله (ص) - والعياذ بالله -

والرواية الأولى هي:

"قال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال انك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك".(٦١)

قال النووي: يعرض برجل , يعني يعرض بابن عباس.

إذاً, هذه الرواية تقول بأن ابن الزبير (ر) قام يخطب في الناس ويصف من يفتي بالمتعة بأنه أعمى القلب وهو يقصد ابن عباس (ر) فما كان من ابن عباس إلا أن رد عليه واصفاً إياه بأنه جلف جاف إذاً, هو لا يشاركه الرأي بأن من يفتي بالمتعة بأنه أعمى القلب, بل أكد على أن المتعة كانت تفعل على عهد النبي(ص), فما كان من ابن الزبير (ر) إلا أن هدده بأنه إن فعلها فسيقتله رجماً تماماً كحد الزاني المحصن. فهذه الرواية تثبت أن ابن عباس سمع قول من يفتي بتحريم المتعة ومع ذلك ظل ثابتاً على رأيه فكيف يمكننا القول أنه لم يحدث أن التقى بمن وصله

٦١- صحيح مسلم ج٤ ص١٣٣/ كتاب النكاح / باب نكاح المتعة ..

٢٢

النسخ فينقل له ذلك؟!!ويتبين للمدقق أن ابن عباس كان في هذه الفترة قد أصيب بالعمى كما تدل الرواية والمعروف أن ابن عباس أصيب بالعمى في أواخر حياته ومن تتبع روايات أخرى تحكي الحادثة ذاتها لكن بتفصيل أكثر يتبين أن هذه الحادثة قد حصلت عندما كان ابن الزبير (ر) قد تولى رئاسة مكة والمدينة أي أن هذه الحادثة قد حصلت بعد وفاة عمر (ر), بل وفاة عثمان وعلي أيضاً, أي أن ابن عباس ظل مصراً على رأيه كل هذه الفترة, فهل يعقل أنه لم يسمع النسخ لا من النبي ولا من خلفائه الأربعة كل هذه المدة وهي تزيد عن ثلاثين سنة إن أحصينا السنوات التي فصلت بين هذه الحادثة وبين وفاة النبي (ص)؟!!

من هذا يتبين أن ابن عباس وصله خبر من يفتي بالتحريم بل والتقى به وسمع منه بنفسه ولكنه أصر على رأيه بل كان رده عنيفاً وليس رداً عادياً وذلك يضعنا أمام احتمالين: إما أن ابن الزبير(ر) ينقل إلى ابن عباس خبر نسخ آية المتعة وإما أنه مقتنع أن عمراً (ر) هو من حرمها وهو مقتنع بصواب اجتهاد عمر(ر).

فإذا كان ابن الزبير(ر) ينقل إلى ابن عباس خبر نسخ آية المتعة فهذا يعني أن ابن الزبير(ر) كان حاضراً يوم خطب النبي (ص) في الناس معلناً نسخه لها وبالتالي فالمطلوب منه وممن حضر الخطبة التي تم فيها النسخ أن ينقلوا هذا الخبر إلى الناس كي يحذروهم من أن يمارسوا المتعة بعد اليوم وهي قد صارت حراماً, وكما هو معلوم عند العلماء فإن الصحابة كلهم معصومون عن الكذب على رسول الله (ص), وبالتالي فإن ابن عباس (ر) ليس أمامه إلا أن يشكر ابن الزبير على أنه أوصل له خبر النسخ ومن ثم يتوقف ابن عباس عن الإفتاء بأن المتعة حلال ويقدِّر لابن الزبير من كل قلبه أنه أنقذه من الاستمرار على ما كان عليه, ولكن هل هذا هو ما حصل؟!

إن الرواية تدلنا كيف لم يعبأ ابن عباس بقول ابن الزبير أبداً, بل وتبادل معه عنيف الرد وهذا يعني: إما أن ابن عباس(ر) يعتبر ابن الزبير (ر) كاذباً - والعياذ بالله - فلذلك لم يصدقه فيما ينقله عن رسول الله (ص) من خبر النسخ وهذا تفسير يستهجنه العلماء!!

ويبقى التفسير المنطقي والمنسجم مع سياق الروايات هو أن ابن الزبير أصلاً لا ينقل لابن عباس خبر النسخ وهو لا يؤمن بوجود نسخ أصلاً, وإنما هو مقتنع بسداد رأي عمر(ر) عندما نهى عن المتعة, وهو يحاول أن يحمل ابن عباس على الإيمان برأي عمر(ر) ولكن ابن عباس لم يقتنع باجتهاد عمر(ر), فلكلٍ رأيه واجتهاده, وهذا التفسير أسلم من أن نتهم ابن الزبير بالكذب على رسول الله والعياذ بالله!.....وطبعاً لا ينتظر القارئ أن نقدم له نصاً حرفياً لابن الزبير وهو يقول لا بن عباس مثلاً"أنا أنقل إليك خبر نسخ الآية"..أو"أنا ألزمك بأن تلتزم باجتهاد عمر (ر)"...فهذه الرواية تدل على أنه قد سبقها حوار أو أكثر بينهما من قبل فليس من المعقول أن يبدأ ابن الزبير

٢٣

كلامه مباشرة بالكلام القاسي الشديد لابن عباس المعروف بأنه حبر الأمة إلا أن يكون ذلك تتمة لحوار طويل قد جرى بينهما قبل ذلك, أما أن يكون ابن الزبير (ر) قد افتتح حواره مع ابن عباس (ر) بهذه القسوة والعنف فهذا لا يليق بأخلاق ابن الزبير قريب أم المؤمنين عائشة (ر) والمشهور بأنه حواري رسول الله(ص).

أما الرواية الثانية فهي: "عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء قال محمد يقال انه عمر".(٦٢)

وفي فتح الباري لشرح البخاري يقرر ابن حجر أن عمر هو المقصود بقوله (قال رجل برأيه ما شاء)(٦٣).

إذاً, هذه الرواية الصحيحة يؤكد فيها الصحابي الجليل عمران بن حصين أن المتعة كان تشريعها بآية قرآنية - وهذا يتضمن إمكان نسخها بآية فقط - ثم يؤكد عمران بأنها كانت تمارس في عهد النبي (ص), بل وينفي نفياً جازماً أن تكون المتعة قد نُسخت بآية أو حديث, ثم يرد على من يقول بحرمتها بأن كلام من يحرمها مهما حاول تحريمها فإنه لن يغير من حقيقتها, وهي أنها حلال, وهو يشير بذلك إلى عمر(ر) كما هو واضح.

ومن هذا نستنتج أن عمران وصله قول من يقول بالتحريم ومع ذلك أصر على رأيه بالتحليل, وهنا نجد أنفسنا أمام احتمالين: إما أن يكون عمر(ر) ينقل خبر النسخ للناس عندئذ فلا يملك الناس بما فيهم عمران إلا أن يصدقوه وينتهوا فوراً عن المتعة وإلا فإنهم يكونوا يتهمونه بالكذب فيما ينقله عن رسول الله - والعياذ بالله - وهذا التفسير مستبعد تماماً, وإما أن من لم يمتثل لقول عمر (ر) وأصر على مخالفته, إنما فعل ذلك لمعرفته أن عمراً لا ينقل خبر النسخ أصلاً, لعدم وجود ناسخ, وإنما هو رأي ارتآه ووجد عمران ومن وافقه أنهم غير ملزمين باجتهاد عمر (ر) فإن كان مجتهداً فهم مجتهدون أيضاً, وهذا هو التفسير الذي يليق بمجتمع الصحابة (ر).

وهذه الرواية مع أن بعض طرقها جاءت تحت باب متعة الحج, وحتى لو أن جميع طرقها رويت تحت هذا الباب, فإن تصنيف الأحاديث تحت أبواب معينة هو اجتهاد من الإمام البخاري ولا يعني أن عمران قطعاً يقصد متعة الحج وليس متعة النساء, وحتى لو سلمنا أنه يقصد متعة الحج بالتحديد إلا أنها تعكس أن النهي عن متعة الحج كان باجتهاد شخصي من عمر(ر).

٦٢- صحيح البخاري ج٥ ص١٥٨ / كتاب تفسير القرآن.

٦٣- ج٨ ص ١٣٩ / باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج.

٢٤

والرواية التي ذكرناها سابقاً واضحة في أن مصدر تحريم المتعتين هو واحد: "متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء" فإما أن يكون تحريم عمر لهاتين المتعتين لنسخ وصله وهذا الاحتمال قلنا باستحالته, لأنه لو كان كذلك وعمر(ر) موضع ثقة لما كان يقدر أي صحابي أن يخالفه لأن مخالفته تعني تكذيبه فيما ينقل عن رسول الله(ص) من خبر النسخ, وبقي أن يكون تحريمه للمتعتين إنما هو باجتهاد شخصي منه, ولذلك ظهر من عارضه بعد سماعه لتحريمه لهما, وقد ثبت أن متعة الحج كان تحريمها باجتهاد شخصي ولأنها اليوم معلوم تحليلها, وبما أن الرواية الأخيرة واضحة في أن مصدر تحريم المتعتين واحد وهو عمر (ر) فثبت أن كليهما كان تحريمهما باجتهاد شخصي منه, وبالتالي ثبت حلية كل منهما.

الرواية الثالثة وقد وردت بعدة ألفاظ, وبعضها عن ابن عباس وبعضها عن علي(ر) وهذه بعض ألفاظها وطرقها:

١ - واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم} وفي حرف عنه إلى أجل مسمى، وروى عنه أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عز وجل رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي.(٦٤)

٢ - وروى عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي.(٦٥)

٣ - ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * إلى هذا الموضع: * (فما استمتعتم به منهن) * أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.(٦٦)

٦٤- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج٢ ص٤٧ / كتاب النكاح الباب الخامس في الأنكحة المنهي عنها بالشرع والأنكحة الفاسدة وحكمها / الثاني نكاح المتعة.

٦٥- الجامع لأحكام القرآن ج٥ ص١٣٠ سورة النساء/ قوله تعالى (والمحصنات من النساء..).

٦٦- جامع البيان لابن جرير الطبري ج٥ ص١٩/ قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة).

٢٥

٤ - وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال: لا. وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي.(٦٧)

٥ - قال عطاء: وسمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر, ما كانت المتعة إلا رخصة من الله عز وجل, رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي.(٦٨)

٦ - وأخبرني من أصدق أن علياً قال بالكوفة: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب - أو قال: من رأي ابن الخطاب - لأمرت بالمتعة, ثم ما زنا إلا شقي.(٦٩)

٧ - عن ابن عباس قال ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة ولولا نهي عمر بن الخطاب عنها ما زنى إلا شقي.(٧٠)

٨ - عن علي قال: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة ثم ما زنى إلا شقي.(٧١)

٩ - عن ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس يقول رحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شفا.(٧٢)

١٠ - عن ابن عباس رضي الله عنهما ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفى(٧٣).

١١ - وفي حديث ابن عباس (ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزناء إلا شفى) أي إلا قليل من الناس.(٧٤)

١٢ - قال عطاء سمعت ابن عباس يقول ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد, صلى الله عليه وسلم, فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا أحد إلا شفى والله لكأني أسمع قوله إلا شفى, عطاء القائل....الحديث قال الأزهري وهذا حديث صحيح.(٧٥)

٦٧- الدر المنثور للسيوطي ج٢ ص١٤٠ سورة النساء الآية ٢٤.

٦٨- المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ج٧ ص٤٩٧/ الحديث رقم ١٤٠٢١.

٦٩- المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ج٧ ص٥٠٠ / الحديث رقم ١٤٠٢٩.

٧٠- شرح معاني الآثار للإمام أحمد بن محمد بن سلامة الحنفي ج٣ ص٢٦ .

٧١- كنز العمال للمتقي الهندي ج ١٦ ص ٥٢٢ /رقم الحديث (٤٥٧٢٨).

٧٢- أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص ١٨٦ .

٧٣- الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج٢ ص ٢١٠ / باب حرف الشين مع الفاء / شفا: قليل .

٧٤- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج٢ ص٤٨٨ / باب حرف الشين مع الفاء /.

٧٥- لسان العرب لابن منظور ج٨ ص٣٣٠ / حرف العين فصل الميم.

٢٦

وهذه الروايات أيضاً تؤكد ما يلي:

أن علياً وابن عباس (ر) وصلهما خبر من يقول بالتحريم وهو عمر(ر), وهذا يبطل قول من علل إفتاء ابن عباس بحلية المتعة بأنه لم يصله خبر نسخها.

وأن علياً وابن عباس (ر) لم يوافقا عمراً(ر) على اجتهاده, بل اتفقا على أن المتعة هي رحمة من الله يتحصن بها الشاب عن الزنا وبنهي عمر(ر) عنها صار يُخشى على الشباب من الزنا.

وفي الروايتان الثالثة والرابعة يؤكد الحكم أن آية متعة النساء لم تُنسخ.

دعوى رجوع ابن عباس عن المتعة:

وادعى بعض العلماء أن ابن عباس نفسه قد عاد عن فتواه في أواخر حياته, وهذا الادعاء لا يقبله المنطق السليم للأسباب التالية:

لأنه يفترض أن ابن عباس إنما أفتى بالتحليل لسببين: إما أن الناقل لخبر النسخ لم يلتقِ به ولم يخبره بالنسخ, وإما أن يكون الموضوع عبارة عن اجتهاد شخصي من الذي حرم المتعة ونهى عنها وأن ابن عباس لم يقتنع بهذا الاجتهاد!

فبالنسبة للنسخ وضحنا أنه لم يكن هناك نسخ أصلاً والقائل بوجود ناسخ يتهم الصحابة بتكذيب بعضهم بعضاً - من حيث لا يدري - خاصة بعد أن ثبت التقاء الفريقين ببعضهم وسمع كل منهما ما في جعبة الثاني حول هذه المسألة, وأنه لو كان نسخاً لكان على من يقول بالتحليل أن يشكر من ينقل له خبر النسخ بكل أدب وتقدير, لأنه أنقذه من خطر الإفتاء بما هو محرم وله علاقة بالأعراض, وقد أثبتنا أن هذا لم يحدث...فكيف يعود ابن عباس في آخر حياته, وما الجديد الذي حصل في آخر حياته إذا كان قد سمع قول من قال بالنسخ ولم يتبعه منذ البداية, أفهل كان يظن أن عمراً وابن الزبير (ر) كاذبان ثم صدَّقهما في آخر حياته والعياذ بالله!

إذاً, إن تحريم نكاح المتعة كان باجتهاد شخصي من عمر(ر), فهل كان ابن عباس غير مقتنع باجتهاد عمر(ر) ثم اقتنع باجتهاده في آخر حياته, فإن كان كذلك فنحن غير ملزمين بأن نقلد ابن عباس في قناعته الجديدة, لأن القرآن والسنة بين أيدينا ولنا فيهما غنى عن ذلك, بالإضافة إلى أنه إن كان ابن عباس قد اتفق مع عمر بصواب النهي عن المتعة بالرغم من أنها كانت حلالاً في عهد رسول الله (ص) وقد توفي رسول الله دون أن ينسخها فإن اجتهادهما هذا يعني أنه محصور في حالات خاصة محدودة كأن يكون النهي عنها لظرف كانت تمر به الأمة في عهد عمر(ر), أما أن يكون اجتهادهما يؤدي إلى تحريم المتعة بشكل قاطع ونهائي فنحن نجلُّهما عن الوقوف في وجه النبي (ص) وتحريمهما لما أحل الله ورسوله (ص) قال تعالى(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا

٢٧

طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(٧٦) فليس من المعقول أن يحرما ما أحل الله وهم يعلمان ذلك خاصة أن هذه الآية رويت في معرض الحديث عن متعة النساء وكأنها موجهة خصيصاً للذين يحرمون متعة النساء, إذ تقول الرواية:

عن قيس قال قال عبد الله كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).(٧٧)

هذه الآية يرد عليها احتمالان:

إما أن عبد الله ساقها لأنه يعلم أن في زمانه من يقول بتحريم المتعة, فحذرهم من تحريم الحلال بهذه الآية الكريمة مما يدل على وصول قول محرميها إليه وعدم اعتنائه بقولهم.

أو أن النبي (ص) هو الذي تلاها لعلمه بأنه سيكون هناك من يحرمها في يوم من الأيام فحذرهم بها, وإلا فكان كافياً أن يجيب الصحابة الذين يسألون عن الاستخصاء بأن لهم في المتعة غنى عن ذلك, أما أن يتلو آية تنهى من يحرم الطيبات عن فعله فليس له معنى إن كان موجهاً من النبي إلى الصحابة في عهده لأنه لم يذكر في الرواية أن أحداً منهم قال بتحريمها والنبي بين أظهرهم يعلن حلِّيتها إلا أن نقول أنها كانت حلالاً ثم حرمها الله وهم سألوا النبي عن الاستخصاء لعلمهم بذلك, فما كان من النبي إلا أن أعلن مجدداً تحليله إياها ثم وحسب القائلين بالنسخ يكون قد حرمها بعد ذلك مرة أخرى, فهل يقول بهذا عاقل, وهل يحل الله شيئاً ثم يحرمه ثم يحله ثم يحرمه وما الحكمة في ذلك؟ وبما أن الله لا يفعل شيئاً عبثاً فلا بد أن هذا التحليل المتكرر والتحريم المتكرر إنما يكون بناء على ظروف المجتمع المتغيرة فلم لا نفعل الشيء ذاته اليوم ومجتمعنا يمر بتطورات كثيرة وخطيرة؟!

إذاً, لم يبقَ من تفسير إلا أن من تلا الآية قد وجهها كرد على من قال أو سيقول بتحريم المتعة.

وظهر لدينا أن رجوع ابن عباس أو عدم رجوعه لا يغير في القضية شيئاً ما دام الأمر اجتهاداً خاصاً بظروف معينة استثنائية خرجت عن أصل الحكم.

هذا كله إذا سلمنا جدلاً بأن ابن عباس قد عاد فعلاً عن فتواه, أما الواقع فإن ابن حزم يؤكد ثباته على فتواه إلى مماته وذلك بقوله: ".. وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف رضي الله عنهم منهم من الصحابة رضي الله عنهم أسماء بنت أبى بكر

٧٦- المائدة ٨٧.

٧٧- صحيح البخاري ج٦ ص ١١٩ / كتاب النكاح + مسلم ج٤ ص١٣٠ /كتاب النكاح/باب نكاح المتعة.

٢٨

الصديق. وجابر بن عبد الله. وابن مسعود. وابن عباس: ومعاوية بن أبى سفيان، وعمرو بن حريث. وأبو سعيد الخدري. وسلمة. ومعبد أبناء أمية بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومدة أبى بكر. وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف في إباحتها عن ابن الزبير. وعن علي فيها توقف. وعن عمر بن الخطاب انه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط وأباحها بشهادة عدلين، ومن التابعين طاوس. وعطاء. وسعيد بن جبير. وسائر فقهاء مكة أعزها الله، وقد تقصينا الآثار المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال، وصح تحريمها عن ابن عمر. وعن ابن أبى عمرة الانصاري، واختلف فيها عن علي. وعمر. وابن عباس. وابن الزبير، وممن قال بتحريمها وفسخ عقدها من المتأخرين أبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبو سليمان، وقال زفر: يصح العقد ويبطل الشرط ". انتهى.(٧٨)

من كلام ابن حزم نستنتج ما يلي:

ابن حزم يعلم أن هناك اختلافاً في الرواية عن ابن عباس لكنه بعد تحقيقه تبين له بأنه قد ثبت على فتواه بالتحليل لقوله"وقد ثبت على تحليلها..".

ليس ابن عباس وحده فقط من قال بالتحليل, بل هناك الكثير من الصحابة والتابعين, بل وجميع فقهاء مكة قالوا أيضاً بالتحليل, فإن ثبت رجوع ابن عباس عن فتواه - افتراضاً - فلم يثبت عن هؤلاء رجوعهم.

فقد قال بالمتعة الفقيه ابن جريج, وقال ابن المنذر: "جاء عن الأوائل الرخصة فيها"(٧٩), بل نقل السرخسي جوازها عن الإمام مالك وذلك بقوله"وهذا باطل عندنا جائز عند مالك بن أنس"(٨٠) وإن اتهام إمام مثل السرخسي بالكذب أو التهاون في أمانة النقل ليس أمراً هيناً.

نقل ابن حزم عن عمر (ر) أنه لم ينكر المتعة من حيث هي أنها نكاح إلى أجل, وإنما اشترط حضور الشاهدين العدلين, وهذا الخبر هو الأقرب إلى المنطق فتكون المتعة في رأي عمر (ر) حلالٌ بدون إذن ولي, وحلالٌ إذا اشترط في العقد زمن معين كأن يتزوج الرجل المرأة إلى مدة شهر إلا أنه يرى وجوب وجود شاهدين كي لا يدعي أي اثنين أنهما متزوجان ويكونان في الواقع يزنيان! وهذا يدعم استنتاجنا أن عمراً (ر) لا يمكنه أن يحرم شيئاً أحله الله وإنما استحسن أن يقيد

٧٨- المحلى ج٩ ص٥١٩/ باب لا يجوز نكاح المتعة وتفسيره وأقوال العلماء في ذلك/ ط دارالفكر.

٧٩- مجموع النووي ١٦/٢٥٤ / باب ولا يجوز نكاح المتعة ولا يحوز المحلل.

٨٠- المبسوط / المجلد الثالث/ ٥ج ص١٥٢/ باب نكاح المتعة.

٢٩
٣٠

هل كانت المتعة من الأمور المعفوِّ عنها؟

بعد أن فرغنا من الرد على من فسر تعارض آراء الصحابة في مسألة نكاح المتعة بأن السبب وصول خبر النسخ إلى بعضهم دون الآخر, نأتي الآن للاحتمال الثاني الذي أورده الدكتور وهبة الزحيلي سابقاً: " أو يقال إن إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها ثم ورد النص القاطع بالتحريم".انتهى.

إذاً, الحل الثاني لتعارض الآراء الذي يقترحه فضيلته هو أن تكون المتعة موجودة قبل الإسلام كما كان الخمر وعندما أتى الإسلام فإنه لم يحرمها مباشرة وبشكل تام, بل تدرج في تحريمها كما حرم الخمر.

أقول إن هذا الاحتمال غير وارد مطلقاً, لأن نكاح المتعة عندما يذكر في القرآن فإنه يعرف مباشرة بأنه نكاح إلى مدة محددة مقابل مهر محدد, ويفترق الزوجان بمجرد انتهاء المدة المذكورة في العقد دون الحاجة إلى التلفظ بلفظ الطلاق المعروف, كما أن المرأة التي تطلق من المتعة عليها أن تعتد فترة زمنية أقل من الفترة التي تقضيها المطلقة من الزواج الدائم عدا أن الزوجة في نكاح المتعة ليس لها نفقة ولا ترث زوجها إلا إذا اشترطت ذلك....أفيعقل أن تكون كل هذه الأحكام الفقهية التي تقترن بنكاح المتعة موجودة عند أهل الجاهلية قبل الإسلام؟!

بل إن الروايات تدل على عكس ذلك مثل:

عن عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى. قلت: هل عليها عدة؟ قال: نعم حيضة. قلت: يتوارثان، قال: لا. انتهى.(٨٥)

وهذه الرواية تدلنا على أن معاصرين لابن عباس لا يعرفون أحكام المتعة أفيكون أهل الجاهلية المشركون أعلم بها منهم؟!

ثم تأمل الرواية التالية:

عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة.. الحديث. انتهى.(٨٦)

إن هذه الرواية تدل على أن المتعة كانت بأمر مباشر من رسول الله (ص) وليس أنه قد غض الطرف عنها تمهيداً لتحريمها بشكل كامل, فالرواية تقول"أمرنا رسول الله".

٨٥- تفسير القرطبي ج٥ ص١٣٢/تفسير قوله تعالى (والمحصنات من النساء..).

٨٦- صحيح مسلم ج٤ ص١٣٢ / كتاب النكاح / باب نكاح المتعة...

٣١

ثم إن قول الخليفة (ر)" متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء" واضح بأن المتعة كانت على عهد رسول الله (ص) وهو لم يذكر أبداً أنها كانت على عهد الجاهلية أيضاً, مع أن من مصلحة عمر(ر) في هذا المقام أن يبين أن المتعة إنما هي من رواسب الجاهلية كالخمر فإن هذا أدعى لأن يقتنع الناس بنهيه عنها.

ثم ما ورد في حديث الربيع بن سبرة أن أباه حدثه انه كان مع رسول الله (ص) فقال يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة.." الحديث .... إن عبارة قد أذنت لكم وما تلاها من قوله أن "الله قد حرم" يدل على أن التحريم سبقه إذن صريح من النبي (ص) بالمتعة وليس غضاً للنظر عنها....وكذلك قول الربيع بن سبرة أن أباه غزا مع رسول الله (ص) فتح مكة قال فأقمنا بها خمس عشرة.. فأذن لنا رسول الله (ص) في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي.....الحديث. فهذه الرواية أيضاً تدل على أن ممارسة الصحابة للمتعة كان بإذن صريح في تلك الحادثة وليس مجرد سكوت منه وغض للبصر عنها, فلو كانت المتعة موجودة في الجاهلية والنبي(ص) غض الطرف عنها في بداية الأمر لما احتاج الصحابة إلى إذن من رسول الله (ص) لكي يمارسوها كما توحي الرواية في قوله"فأذن لنا".

ولنتأمل الباب الذي وردت أحاديث المتعة تحته في صحيح مسلم وعنوان الباب هو: "نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة"(٨٧) ... فعنوان الباب كما نلاحظ واضح في أن نكاح المتعة ابتدأ إباحة من قبل النبي(ص) ولم يبدأ كأمر معفو عنه ثم حُرِّم!

ثم عبارة الشافعي"لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة",تؤكد على ابتداء المتعة بالتحليل وليس بغض الطرف عنها.

مما سبق يتبين أن نكاح المتعة لا يمكن أن يكون من رواسب الجاهلية, وحتى إذا سلمنا للدكتور بذلك, فأين الدليل القاطع على تحريمها الذي أشار إليه, بعد أن بينا أن الأدلة التي ذكرت لتحريم المتعة لا ترقى لأن تكون ظنية حتى نعتبرها قطعية؟!! مع ملاحظة أن ابن عباس ومن وافقه لم يعتقدوا بما اعتقد به الدكتور من تحريمها بعد أن كان معفواً عنها. ثم إن هذا التحريم أيعقل ألا يصل ابن عباس وقد ثبت كما مر معنا أنه ثبت على قوله بحلية المتعة حتى بعد وفاة عمر , فهل كان ابن عباس مسافراً يعيش وراء البحار حتى أن تحريم المتعة لا يصله كل هذه السنوات الطويلة التي فصلت بين تحريم النبي لها قبل وفاته وبين ما بعد وفاة عمر؟

٨٧- شرح النووي ج٩ ص١٧٩ .

٣٢

ثم, ألم يُلقب ابن عباس بحبر هذه الأمة لشدة علمه و ألم يدعو النبي(ص) له بالدعاء المشهور"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"؟(٨٨)

فإن كان من دعا له رسول الله (ص) بالتفقه في الدين لا يعلم حكماً حساساً يتعلق بالأعراض كالمتعة, فما فائدة دعوة النبي له؟! ثم عندما يفسر آية (فما استمعتم به منهن) على أنها نزلت في متعة النساء ويأتي من لا يقبل تفسيره هذا فما معنى أن يدعو النبي(ص) له بأن يكون عالماً بالتأويل؟ فإما أن النبي غير مستجاب الدعوة وكلامه لا قيمة له - حاشاه - وإما أن يكون الحق مع ابن عباس ومن وافقه وهذا هو الصحيح, فالمفترض بناء على الروايات المتعددة التي تدل على تميز علم ابن عباس أن يكون رأيه الفقهي مقدماً على رأي كثير من الصحابة. بل إن ابن عباس لم يتفرد بتفسير آية(فما استمتعتم به) بأنها نكاح المتعة, فقد فسرها كذلك كما مر معنا أبي بن

٨٨- والذي ورد نحوه في المصادر التالية: / مسند أحمد ج١ ص٢٦٦/ باب مسند عبد الله بن العباس + المستدرك للحاكم النيسابوري وعلق عليه بقوله هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ج٣ ص٥٣٤ / كتاب معرفة الصحابة(ر)/ باب دعاء النبي لابن عباس + المعجم الصغير للطبراني ج١ ص١٩٧/ باب العين / باب من اسمه علي رقم الحديث (٥٤٢) + المصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٢٠ /كتاب الفضائل رقم(٣٠) / باب ما ذكر في ابن عباس (ر) + المبسوط للسرخسي ج١ ص٤٣/ باب افتتاح الصلاة + بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج١ ص١٥٩ / فصل في بيان ما يستحب للإمام أن يفعله عقيب الفراغ من الصلاة + مجمع الزوائد للهيثمي ج٩ ص٢٧٦/ كتاب المناقب / باب مناقب عبد الله بن عباس(ر) / باب جامع في علمه وما سئل عنه + فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ج٧ ص٧٨ /باب فضائل أصحاب النبي(ص)/ ذكر ابن عباس(ر) حيث يعلق ابن حجر بقوله: وكان ابن عباس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن + تحفة الأحوذي للمباركفوري ج٨ ص٢٢٦/أبواب تفسير القرآن عن رسول الله / باب ما جاء في الذي يفسرالقرآن برأيه + الآحاد والمثاني للضحاك ج١ ص٢٨٧/ الحديث رقم (٣٨٠) + الأذكار للنووي ص٣٠٩ وعلق عليه بقوله وهو حديث صحيح رقم الحديث (٩٣٣) + فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج٥ ص١٦٩/ باب كان وهي الشمائل الشريفة / حديث رقم (٦٦٨٤) + كشف الخفاء للعجلوني ج١ ص١٩٢/باب الهمزة مع الميم رقم الحديث(٥٨٢) + تفسير مجاهد ج١ ص١٠/ باب هدى للناس + تفسير الثوري ص٥ + معاني القرآن للنحاس ج١ ص٣٥٤ + تفسير القرطبي ج٤ ص١٨ + الأمثال في القرآن لابن قيم الجوزية ص٢٢/ في الحاشية رقم(٩٥) + تفسير ابن كثير ج١ص٤ + تفسير الثعالبي ج١ ص١٤١/ فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين + الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص٣٦٥ / باب ابن عباس + تاريخ بغداد للبغدادي ج١٤ ص٤٣٥ /ترجمة زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس رقم (٧٨٠٣) + تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج٦٩ ص١٧١/ ترجمة زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رقم (٩٣٥٠) + الإصابة لابن حجر ج١ ص٨٩ حيث تجدأيضاً قول لابن عمر في ابن عباس وهو"هو أعلم من بقي فيما أنزل الله على محمد(ص)" + البداية والنهاية لابن كثير ج٦ ص١٨٣/ قصة النبي مع الذي كان يصرع فدعا له...كما ورد بلفظ "اللهم فقهه في الدين" في البخاري ج١ ص٤٥ / باب ما يقول إذا دخل الخلاء وورد بلفظ "اللهم علمه الحكمة" في البخاري ج٤ ص٢١٧/ كتاب بدء الخلق / باب مناقب المهاجرين وفضائلهم. وورد بلفظ "اللهم علمه الكتاب" في البخاري ج١ ص٢٧/كتاب العلم / باب قول النبي(ص) اللهم علمه الكتاب.

٣٣

كعب وهو من أشهر كتاب الوحي وبالتالي من أولى الناس بتفسيره, بالإضافة إلى العديد ممن فسر الآية بذلك كما مر معنا.

إشارة ابن عمر (ر) إلى الأحاديث المكذوبة في هذا المجال:

عن عبد الرحمن بن نعيم الأعرجي قال سأل رجل ابن عمر عن المتعة وأنا عنده - متعة النساء - فغضب وقال والله ما كنا على عهد رسول الله (ص) زنائين ولا مسافحين ثم قال والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول يكونن قبل المسيح الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر(٨٩).

وهذا الحديث كما هو واضح يسأل فيه أحدهم ابن عمر(ر) عن متعة النساء أحلال هي أم حرام ولا بد أن سؤال الرجل ناتج عن كثرة الاختلاف واللغط في هذه المسألة في عصر ابن عمر, ولكن بدل أن يجيبه ابن عمر بأن المتعة قد نسخت وأنها حرام فإنه يجيبه بأنهم لم يكونوا من الزناة إذ مارسوها في عهد رسول الله(ص), وهذا أشد تأكيداً منه لحليتها من أن يقول للرجل بأنها حلال ويسكت. ومن الواضح أن حديث ابن عمر قد جرى بينه وبين الرجل بعد وفاة رسول الله (ص) أفيكون أيضاً لم يصله النسخ؟!..إن ابن عمر(ر) هنا لا يكتفي بأن يؤكد على حلية المتعة وإنما يحذر من الكذابين الذين يضعون أحاديث ملفقة على لسان رسول الله (ص), وينقل إلينا تنبؤ النبي(ص) بظهور هؤلاء الكذابين وبما أنه لا دخان بدون نار وبما أن السياق أحد قرائن تفسير النص فإن ابن عمر لا يفسر هذا الاختلاف في متعة النساء واللغط حولها بأن البعض وصله النسخ والبعض لم يصله النسخ وإنما اعتبر أن القضية قضية وجود أحاديث مكذوبة على رسول الله(ص) تحكي تحريم المتعة, وهي السبب في هذا التضارب في الآراء الذي أدى إلى غضب ابن عمر كما تشير الرواية.

وقد يقول قائل أن ابن عمر(ر) بقوله "ما كنا على عهد رسول الله (ص) زنائين ولا مسافحين" ,لم يقصد التأكيد على حلية المتعة وإنما العكس فهو يؤكد على أنها حرام ويشير إلى أنهم لم يمارسوا نكاح المتعة على عهد رسول الله(ص) وذلك لأن هذا النوع من النكاح هو سفاح وزنا!!

الجواب: إن تسليمنا بهذا القول يؤدي بنا إلى نتيجة خطيرة وهي تكذيب كلاً من ابن عمر(ر) وابن عباس(ر) لأن نفي ابن عمر(ر) ممارسة المتعة عن الصحابة في عهد رسول الله(ص) يخالف ما هو معلوم بالبداهة بأن متعة النساء كانت تمارس في صدر الإسلام بل في أواخره أيضاً كما تشير بعض أحاديث حجة الوداع ,كما أن اتهام ابن عمر(ر) بأن من يمارس المتعة هو من الزناة فيه

٨٩- رواه أحمد في مسنده ج٢ ص١٠٤/ مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب(ر), كما ورد نحوه في مجمع الزوائد ج٧ ص٣٣٣/ باب الكذابين الذين بين يدي الساعة + مسند أبي يعلى ج١٠ ص٦٩ رقم الحديث (٥٧٠٦).

٣٤

اتهام للصحابة الذين مارسوها في عهد النبي(ص), ثم إن تلميح ابن عمر(ر) إلى الأحاديث المكذوبة على رسول الله(ص) فيما يتعلق بمتعة النساء , إن كان يشير به إلى الأحاديث المكذوبة التي تروي حلية المتعة فيكون بذلك يكذب عدداً من الصحابة وعلى رأسهم ابن عباس فهو من الرواة الذين اشتهر عنهم رواية إباحتها, وهل أقبح من تكذيب حبر هذه الأمة؟! إذاً لتنزيه ابن عمر(ر) وابن عباس(ر) عن الكذب علينا العودة إلى التفسير الذي ابتدأنا بها تعليقنا على الحديث السابق فهو أليق بمقام الصحابة (ر).

تقديس الناس للخليفة عمر(ر) بشكل مفرط:

نقل ابن حزم:

وقال ابن عباس: ألا تخافون أن يخسف الله بكم الأرض، أقول لكم قال رسول الله (ص) وتقولون قال أبو بكر وعمر. انتهى.(٩٠)

وهذه الرواية تدلنا كم كان الناس يغلب عليهم الإفراط في تقديس الخليفتين أبي بكر وعمر(ر) إلى حد لعل الخليفتين أنفسهما لا يرضيان عنه, فهم يرجحون اجتهاد أبي بكر وعمر على حديث الرسول(ص) ذاته.

وإذا ضممنا هذا التقديس إلى الكذب على رسول الله(ص) الذي أشار إليه ابن عمر(ر) نخرج بنتيجة: أنه أصبح من الممكن جداً القول أن نهي عمر(ر) عن المتعة ومحبة الناس الشديدة له أدت إلى اختلاق بعضهم أحاديث نسبوا فيها النهي عن المتعة إلى رسول الله(ص), ليدعموا فيها موقف الخليفة في نهيه, وما علموا أولئك الجهلة أن عمراً(ر) لو أمسك بأحدهم لربما أوجعه ضرباً بدُرَّته.

العلاج كان بالمتعة ولم يكن العلاج هو الصبر فقط:

وفيما يلي الشيخ عبد الرحمن الجزيري يشرح أصل مشروعية نكاح المتعة حيث يقول: "أما أصل مشروعية نكاح المتعة، فهو أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا في قلة تقضي عليهم بمناضلة أعدائهم باستمرار، وهذه حالة لا يستطيعون معها القيام بتكاليف الزوجية وتربية الأسرة، خصوصاً أن حالتهم المالية كانت سيئة إلى أقصى مدى، فليس من المعقول أن يشغلوا أنفسهم بتدبير الأسرة من أول الأمر، وإلى جانب هذا أنهم كانوا حديثي عهد بعاداتهم التي ربوا عليها قبل

٩٠- الأحكام ج٤ ص٥٨١ / الباب١٩ في أفعال رسول الله(ص)/ فصل واختلفوا هل يدخل أهل الأهواء في الإجماع.. كما ورد نحو ذلك في المحلى لابن حزم ج١١ ص٣٥٥/ باب ذكر ما يقطع من السارق واختلاف العلماء .. ط دار الفكر.

٣٥

الإسلام، وهي فوضى الشهوات في النساء. حتى كان الواحد منهم تجمع تحته ما شاء من النساء. فيقرب من يحب ويقصي من يشاء فإذا كان هؤلاء في حالة حرب فماذا يكون حالهم؟ ألا إن الطبيعة البشرية لها حكمها. والحالة المادية لها حكمها كذلك. فيجب أن يكون لهذه الحالة تشريع مؤقت يرفع عنهم العنت، ويحول بينهم وبين تكاليف الزوجية.

وذلك هو نكاح المتعة. أو النكاح المؤقت. فهو يشبه الحكم العرفي المؤقت بضرورة الحرب وذلك لأن الجيش يحتوي على شباب لا زوجات لهم ولا يستطيعون الزواج الدائم كما لا يستطيعون مقاومة الطبيعة البشرية، وليس من المعقول في هذه الحالة مطالبتهم بإضعاف شهواتهم بالصيام، كما ورد في حديث آخر، لأن المحارب لا يصح إضعافه، بأي وجه، وعلى أي حال. فهذه الحالة هي الأصل في تشريع نكاح المتعة...وهذا هو المعقول الذي تقتضيه قواعد الدين الإسلامي، التي تعتبر الزنا جريمة من أفظع الجرائم وتحظر كل ما يثير شبهة، أو يسهل ارتكاب منكر، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} وقوله صلى اللّه عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وكفى بالزنا إثماً أنه يترتب عليه هتك الأعراض. واختلاط الأنساب. وفقد الحياء. وغير ذلك من الرذائل التي جاء الإسلام بمحاربتها، والقضاء عليها، وقد نجح في ذلك مع هؤلاء العرب نجاحاً باهراً. فقد يدرج بهم في معارج الأخلاق الفاضلة حتى وصلوا إلى نهاية ما يمكن أن يصل إليه البشر من مكارم الأخلاق. فكانوا في ذلك قدوة للعالم..". انتهى.(٩١)

يتضح مما سبق أن الشيخ يصرح بأن الأسباب التي دعت إلى تشريع نكاح المتعة هي ما يلي:

كان المسلمون المناضلون للأعداء باستمرار عاجزين عن القيام بتكاليف الحياة الزوجية.

كان المسلمون حديثي عهد بعاداتهم الجاهلية ومنها فوضى الشهوات في النساء فوجب التدرج معهم إلى أن يصبحوا قدوة العالم.

الجيش يحتوي على شباب لا زوجات لهم ولا يستطيعون الزواج الدائم ولا يستطيعون مقاومة الطبيعة البشرية وليس من المعقول مطالبتهم بإضعاف شهواتهم بالصيام، لأن المحارب لا يصح إضعافه على أي حال.

الغريب في الأمر أن هذه الأسباب ذاتها هي التي نعانيها اليوم! فلم لا تكون المتعة حلالاً في أيامنا هذه؟! هذا إذا غضضنا الطرف عن كل الأدلة التي عرضناها على أن المتعة لم تنسخ أصلاً, وإنما عمر (ر) هو من نهى عنها....فالعاجزون عن القيام بأعباء الحياة الزوجية ما أكثرهم اليوم

٩١- الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري /ج٤ ص٩١/ باب النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.

٣٦

من طلاب جامعة ومن موظفين ذو دخل محدود وغيرهم, بل حتى مناضلة الأعداء باستمرار نحن مقبلون عليها - غالباً - بعد أن نبدأ الحرب مع إسرائيل وكما تشير الوقائع, فكأن هذه الحرب هي أقرب مما كنا نتوقع بكثير.

ثم إن كان الغارق بالشهوات تدرج الله معه شيئاً فشيئاً وأباح له المتعة كنوع من التدرج, فعلى هذا يجب أن نصف المتعة لمن يأتينا تائباً من انغماسه في الخمور والزنا والنوادي الليلية كمرحلة انتقالية حتى لا نبتعد بذلك عن أسلوب رب العالمين الرحيم بعباده.

وإن كان وجود شباب لا زوجات لهم في جيش هو سبب لإباحة المتعة فما أكثر نسبة الشباب العزاب في جيوشنا وما أشد وطأة الشهوة عليهم حتى أن بعض الدول تسقي أفراد الجيش شراباً مهدئاً للشهوة على الرغم من أنه يوهن القوة.

السؤال إذاً: هل الصحابة كانوا أضعف إيماناً منا حتى يراعي الله ظروفهم ولا يطالبهم بالصبر على شهوتهم بل يشرع لهم حكماً واقعياً, ثم يتوجه لنا ويأمرنا نحن بالصبر ويحرم علينا ما أحله للصحابة الكرام, بالرغم من اشتراكنا بالظروف ذاتها؟!!........حاشا لله!!

النقطة الأخيرة التي أحب أن ألفت نظر الشيخ إليها وهي: أن النبي(ص) لم يكن يأذن بالمتعة فقط في حال الحرب وإنما أذن بها في حجة الوداع ولم يكن هناك حرب أو غزو يومها كما أن حجة الوداع كانت في أواخر حياة النبي(ص) أي أن المسلمين كان قد مضى على إسلام الكثير منهم أكثر من ٢٢ سنة وذلك بحسب بعض الروايات السابقة(٩٢).

أفيعقل أن يكون قد أذن بها يومها لقرب المسلمين من عهد الجاهلية, أولم تكن كل هذه السنين كافية لتقبلهم للإسلام بكل ما فيه؟!

أما إن كانت تعاليم الإسلام ثقيلة إلى هذا الحد فكيف يمكننا دعوة الناس إليها؟!

نكاح المتعة لا يستحق فاعله الحد:

السياق المنطقي لمن يسوق أدلة تحريم المتعة أن يؤدي بالنتيجة إلى أن فاعل هذه المتعة يستحق الحد تماماً كالزاني, إلا أن كتبنا الفقهية تفاجئنا بأن نكاح المتعة لا يستحق فاعله الحد وإليك ما ذكره عبد الرحمن الجزيري: " وسواء كان نكاح المتعة هو عين النكاح المؤقت. أو غيره فهو

٩٢- التي ذكرت في: مسند احمد ج٣ ص٤٠٤/ باب حديث سبرة بن معبد(ر) + سنن ابن ماجة ج١ ص٦٣١/ باب النهي عن نكاح المتعة الحديث رقم(١٩٦١).

٣٧

باطل باتفاق، وإذا وقع من أحد استحق عليه التعزيز لا الحد..... وذلك لأنه نقل عن ابن عباس أنه جائز، وذلك شبهة توجب سقوط الحد". انتهى.(٩٣)

وهكذا يتبين لنا أن نكاح المتعة لم يتمكن فقهاؤنا من الاستدلال على تحريمه بشكل قاطع, مما دفعهم إلى العجز عن إيقاع الحد على مرتكبه, وهو إنصاف يشكرون عليه.

ما قيل في ابن جريج فقيه مكة الذي كان يفتي بمتعة النساء ويفعلها:

وردت عن الإمام الذهبي ترجمة لفقيه مكة الذي اشتهر عنه ممارسته للمتعة ونلاحظ كم كانت لهذا الفقيه مكانة مرموقة بين أهل العلم حيث يقول الذهبي: "ابن جريج الإمام الحافظ فقيه الحرم أبو الوليد ويقال أبو خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي الفقيه صاحب التصانيف أحد الأعلام....أدرك صغار الصحابة... قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم: وهو وابن أبي عروبة أول من صنف الكتب. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج، كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله. ويقال أن عطاء قيل له من نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش، يعنى ابن جريج... وقال جرير كان ابن جريج يرى المتعة تزوج ستين امرأة.... قال أبو عاصم كان ابن جريج من العباد كان يصوم الدهر إلا ثلاثة أيام من الشهر. وكانت له امرأة عابدة. قال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول استمتع ابن جريج بتسعين امرأة حتى انه كان يحتقن في الليلة بأوقية سيرج طلبا للجماع، وعن عبد الرزاق قال كان ابن جريج يخضب بالسواد ويتغلى بالغالية. وكان من ملوك القراء..". انتهى.(٩٤)

كما وردت ترجمته في تاريخ ابن معين، للدارمي:

"عن عبد الله بن عمرو..... قلت: عبد الله بن أبي سليمان أحب إليك أو ابن جريج فقال: كلاهما ثقتان".(٩٥)

نصوص الفقهاء في صحة العقد المؤقت بالنيَّة:

ثم إن هناك سؤالاً عريضاً, لماذا يكون نكاح المتعة حراماً؟ هل السبب فقط أنه عقد مؤقت؟ إن كان كذلك فهذه طائفة من أقوال العلماء المعتبرين والتي تجيز أن يكون الزوج والزوجة يريدان

٩٣- الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ ص٩٠ /النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.

٩٤- تذكرة الحفاظ / ج١ ص١٦٩ / ترجمة رقم ١٦٤ - ١١/٥ ع .

٩٥- حكاية عن يحيى بن معين ص ١٤٣/ باب العين رقم (٤٨٥).

٣٨

الزواج لفترة معينة, حيث يصح عقد زواجهما بشرط ألا يصرحا بنية التوقيت عند التلفظ بألفاظ العقد:

ورد عن الإمام الشافعي قوله:

"وإن قدم رجل بلدا وأحب أن ينكح امرأة ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد أو يوما أو اثنين أو ثلاثة كانت على هذا نيته دون نيتها أو نيتها دون نيته أو نيتهما معا ونية الولي غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقا لا شرط فيه فالنكاح ثابت ولا تفسد النية من النكاح شيئا.. وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدها دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ا يصيبها فيحللها لزوجها ثبت النكاح وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه ولا غيره والوالي والولي في هذا لا معنى له أن يفسد شيئا ما لم يقع النكاح بشرط يفسده". انتهى.(٩٦)

أما في مذهب الإمام الحنفي فورد ما يلي:

"(وبطل نكاح متعة ومؤقت) وإن جهلت المدة أو طالت في الأصح , وليس منه ما لو نكحها على أن يطلقها بعد شهر أو نوى مكثه معها مدة معينة" انتهى.(٩٧)

وورد في المذهب الحنبلي ما يلي: "وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال هو نكاح متعة والصحيح انه لا بأس به ولا تضر نيته وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته وحسبه إن وافقته وإلا طلقها".(٩٨)

كما أن عبد الرحمن الجزيري يقول:

(المالكية - قالوا... ولا يتحقق نكاح المتعة إلا إذا اشتمل على ذكر الأجل صراحة، للولي، أو للمرأة، أو لهما. فإن لم يذكر قبل العقد أو يشترط في العقد لفظاً، ولكن قصده الزوج في نفسه، فإذا لا يضر، ولو فهمت المرأة أو وليها ذلك..

الحنفية - قالوا: .....وإذا نوى معاشرتها مدة ولم يصرح بذلك فإن العقد يصح. كما إذا تزوجها على أن يطلقها غداً أو بعد شهر فإن العقد يصح ويلغو الشرط. فإن شرط الطلاق ليس تأقيتاً للعقد..) انتهى.(٩٩)

كما ذكر د.وهبة الزحيلي ما يلي:

٩٦- كتاب الأم / ج٥ ص ٨٦ / باب نكاح المحلل ونكاح المتعة.

٩٧- الدر المختار بحاشية ابن عابدين ص٥٧ ج٣ / كتاب النكاح.

٩٨- المغني لابن قدامة ج٧ ص٥٧٣ / باب نهي النبي(ص) عن متعة النساء.

٩٩- الفقه على المذاهب الأربعة ج٤ ص٩٢/ باب النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.

٣٩

إلا أن الإمام زفر اعتبر الزواج المؤقت صحيحاً وشرط التأقيت فاسداً أو باطلاً , أي لا عبرة بالتأقيت ويكون الزواج صحيحاً مؤبداً لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. انتهى.(١٠٠)

ومن فتاوى الدكتور البوطي على الانترنت في هذا المجال:

س١: هل نية الديمومة أحد شروط صحة الزواج؟

الجواب: هذه النية ليست شرطاً لصحة الزواج بالاتفاق.

س٢: أود السؤال عن مسألة الزواج بنيّة الطلاق دون تحديد المدة؟

الجواب: لا خلاف في صحة النكاح الذي نوى معه الزوج أن يطلق، بعد حين بشرط أن لا تتقيّد صيغة النكاح بالتأقيت.

عقد الزواج بلفظ الإجارة:

وهي مسألة وقع نزاع فيها بين فقهاء المسلمين وهي وقوع النكاح بلفظ الإجارة. ومنشأ هذا الرأي يستند إلى الآية الكريمة (فآتوهن أجورهن) حيث سمى الله تعالى المهر أجرا والأجر لا يكون إلا للإجارة كما يكون المسمى في العوض بالبيع ثمنا. وممن ذهب لذلك الشافعي وأصحابه وأبو الحسن الكرخي وابن حبيب وابن خويز منداد.(١٠١)

وقد رد أبو بكر الرازي على الكرخي: بأن الإجارة عقد مؤقت والنكاح عقد مؤبد وهما متنافيان. والذي يتبادر إلى الذهن من رد أبي بكر الرازي أنه فهم من رأي الكرخي جواز النكاح بالإجارة كان يستأجرها لمدة وتنتهي المدة بانتهاء الإجارة أو يعقد معها عقدا على العمل ويرى أن العقد يشمل جميع منافعها ومنها البضع ولذا رد عليه بقوله: إن عقد الإجارة عقد مؤقت والنكاح عقد مؤبد وهما متنافيان.و إلا لو لم يكن فهم ذلك منه فلا معنى لقوله هذا لأنه إذا كان المراد وقوع النكاح الدائم بمعناه المعروف ولكن بلفظ الإجارة لا يستقيم الرد حينئذ وينتقل النزاع إلى اللفظ دون المضمون فيقال: هل يستبدل لفظ زوجت - مثلا - بلفظ آجرت أم لا؟

والذي يعضد هذا الاستنتاج أن ما ينسب لأبي حنيفة من جواز استئجار المرأة للزنا وانه إذا استؤجرت فلا يعتبر ذلك زنا وبالتالي فلا حد: أعتقد أن منشأه ذلك وهو الاستظهار من لفظ (فآتوهن أجورهن) بأن ذلك يفيد نكاحا مشروعا بالأجرة ينتهي بانتهاء مدة الإجارة و إلا فلا يعقل أن هناك طالبا مبتدءاً من طلاب العلم يجهل أن الزنا محرم وأن الزانية غالباً تأخذ عوض بضعها ولا يعتبر ذلك مهراً ولا العمل حلالاً فكيف بشخص كأبي حنيفة الذي لا يتصور أن يجهل ذلك

١٠٠- الفقه الإسلامي وأدلته ص٦٥٥٢/ شروط صحة الزواج/ آراء الفقهاء في زواج المتعة والزواج المؤقت.

١٠١- تفسير القرطبي ج١٣ ص٢٧٣ / تفسير قوله تعالى (ولما ورد ماء مدين..الآيات), مطلب في النكاح والتزويج.

٤٠