×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

هبة السماء / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن مستثنى من هذا الأمر، فإنه عندما صدع بالرسالة والنبوة والدعوة إلى الدين الإلهي الخاتم طالبه قومه بالمعاجز والآيات لإثبات صدق دعواه، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يستجيب لهم ويلبي طلباتهم أحيانا وبالقدر الذي يفي بالمقصود، وقد حفظ التاريخ الكثير من هذه المعاجز وألفت كتب كثيرة في هذا الجانب، منها كتاب إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات (١) وقد ذكر المؤلف في هذا الكتاب نقلا عن كتب التاريخ الكثير من المعاجز التي جرت على يد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ولادته حتى وفاته.

ولكن بالرغم من هذا فإن بعض المعاندين للإسلام أنكروا أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أتى بمعجزة سوى القرآن الكريم، فمثلا القسيس الألماني فندر يذكر في كتابه ميزان الحق من (أن محمدا لم يأت بأية معجزة قط) بل وأن الكثير من القساوسة أثاروا مثل هذه الشبهة، جاهلين أو متجاهلين المعاجز الكثيرة التي ملأت صفحات التاريخ، وأعتقد أن مثل هذا الادعاء الواهي لا يستند إلى أي دليل علمي وهو خلاف ما يقتضيه البحث والتحقيق المنصف، فلا يكاد يخلو كتاب تاريخي بعد البعثة النبوية الشريفة من ذكر معاجز

(١) الكتاب من تأليف الشيخ الحر العاملي (١١٠٤ ه‍) وهو في ثلاثة مجلدات وقد جمع فيه المئات من معاجز النبي (ص).
١٨١
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإشارة إليها تفصيلا أو إجمالا، ومن معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل الذكر معجزة رد الشمس (القضية المشهورة) وأيضا شفاء المرضى كما في غزوة خيبر عندما كان أمير المؤمنين (علي ابن أبي طالب) أرمدا فمسح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بريقه الشريف على عينه فشفي، وأيضا حادثة الشجرة وإطاعتها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذلك قصة الوليمة التي أطعم فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين رجلا من عشيرته الأقربين بطعام لا يكفي سوى لرجل واحد وأيضا المعجزة المشهورة والتي ذكرها القرآن الكريم وهي معجزة شق القمر (١)، وأيضا الإخبار بالمغيبات كإخباره بأسماء الأئمة والخلفاء بعده واحدا بعد واحد وغيرها الكثير الذي لا يسمع المجال في هذا البحث المختصر من ذكرها، ولكن تبقى المعجزة الكبرى والخالدة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي الكتاب الإلهي الوحي (القرآن الكريم) خير شاهد على نبوته وصدقه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا الكتاب السماوي هو أتم وأقوى دليل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل من قبل الله سبحانه.

(١) والحادثة باختصار: أن المشركين اجتمعوا إلى رسول الله (ص) فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين. فقال لهم رسول الله (ص): إن فعلت تؤمنون؟ قالوا نعم، وكان ليلة بدر، فسأل رسول الله (ص) ربه أن يعطيه ما قالوا، فشق القمر فلقتين، ورسول الله (ص) ينادي يا فلان، يا فلان، اشهدوا عن الإلهيات ج ٣ ص ٤٣٩ والحادثة مذكورة في أغلب كتب التاريخ بالتفصيل.
١٨٢
١٨٣

القرآن الكريم وإعجازه

كما ذكرت سابقا فإن المسيحيين ينظرون إلى القرآن الكريم على أنه كتاب من نتاج وفكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا علاقة له بالوحي والسماء. ولا شك في أن اثنين منهم لا يختلف في هذه العقيدة وعلى اختلاف مذاهبهم، وهذا أمر بديهي لأنهم ينكرون نبوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلذا من الطبيعي أن يرفضوا الكتاب الذي جاء به، وقد أشربت هذه العقيدة في نفوسنا وأذهاننا منذ الصغر وكثيرا ما كانوا يحذروننا من مطالعة هذا الكتاب لأنه (والعياذ بالله) فيه ضلالة وإساءة للديانة المسيحية ومقدساتها.

وأنا لست في صدد القاء نظرة شاملة على هذا السفر الإلهي، ولكن أرى من المناسب ذكر بعض الخصائص لهذا الكتاب الخالد، وأيضا ذكر بعض أوجه إعجازه، ومن ثم أذكر قصة المسيح (عليه السلام) وأمه الطاهرة مريم (عليها السلام) كما يحكيها الوحي الإلهي: -

١٨٤
يحتوي القرآن الكريم على (١١٤) سورة، وقد نزلت آيات القرآن على قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدريجا ولمدة ثلاث وعشرين سنة، وهي فترة حياته الشريفة منذ بعثته حتى رحيله إلى الرفيق الأعلى، وأول صفة واضحة على هذا الكتاب هي شموليته، فقد اشتمل القرآن على معارف إلهية حقيقية رفيعة، وأخلاق فاضلة، وأحكام تشريعية، وأخبار بالمغيبات، وقصص وأمثال وحكم ومواعظ، ومعارف وعلوم أخرى لم تكن معروفة حتى بعد البعثة الشريفة بقرون عديدة، ثم اكتشف بعضها العلم الحديث، ومع اختلاف هذه المعارف والعلوم فقد بينت بلغة فصيحة وبلاغة رائعة أسحرت قلوب ونفوس العرب في الجاهلية مع ما يشتهرون به من بلاغة وفصاحة.

والصفة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها والتي تبين إعجاز هذا الكتاب بشكل واضح هي عدم وجود الاختلاف والتناقض بين آياته، بل القرآن الكريم يعاضد بعضه بعضا، ويشهد بعضه على بعض فهل يمكن لإنسان أن يأتي بكتاب جامع لشتى مجالات وشؤون العالم الإنساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانينا وحكما ومواعظا وأمثالا وقصصا وغيرها من العلوم، ثم لا يختلف حاله في شئ منها في الكمال والنقص والبلاغة والفصاحة مع أن الطبيعة البشرية من خصائصها أن الإنسان يتكامل علما وعملا، وذلك من خلال كسبه للتجارب في حياته، وأيضا فحالات الإنسان ومزاجه

١٨٥
تختلف من حيث الفرح والألم، والعسر واليسر والمرض والعافية، والسلم والحرب وغيرها، وهذا ما هو مشهود بالوجدان عند كل إنسان، وهذا الكتاب كما ذكرنا جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال فترة ثلاث وعشرين سنة، وفي حالات وأزمنة متفاوتة، من حيث الشدة والرخاء، والليل والنهار، والسقم والعافية، والسلم والحرب، والخوف والأمان، ولكن بالرغم من كل هذا فإننا نراه على وتيرة واحدة ومستوى واحد، لا تضاد بين معارفه ولا اختلاف بين أحكامه، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا الدليل الإعجازي بقوله * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وخير دليل وشاهد على قولنا هذا العهد الجديد نفسه، فالاختلاف فيه واضح وبين مع أنه لا يمكن مقايسته مع القرآن من حيث شموليته وجامعيته ومستوى العلوم والمعارف التي جاء بها القرآن الكريم.

وأيضا من خصائص هذا الكتاب هي ذكره للمغيبات، ومنها أخباره بقصص الأنبياء السابقين وأممهم بشكل يختلف تماما عما هو موجود في كتب العهدين، وهذه القصص هي من أنباء الغيب كما يذكر ذلك سبحانه وتعالى بقوله في قصة كفالة زكريا لمريم * (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) * (١) وغيرها من القصص الأخرى

(١) آل عمران - ٤٤.
١٨٦
الكثيرة، وأيضا منها الإخبار عن الحوادث المستقبلية، كالإخبار عن انتصار الروم بعد هزيمتهم كما في قوله تعالى * (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بعض سنين) * (١).

والصفة الأخرى التي يتميز بها القرآن هي بلاغته وفصاحته التي تحدى بها الإنس والجن في أن يأتوا بسورة واحدة من سوره. مع أن عرب الجاهلية مشهورون بفصاحة لسانهم، وبلاغة حديثهم، بل لا نبالغ لو قلنا بأن ما بلغه عرب الجاهلية من الفصاحة والبلاغة وكمال البيان لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم السابقة لهم أو المتأخرة عنهم، ومع هذا فأنهم وقفوا متحيرين بما يصفون هذا الكلام الذي لم يسمعوا بأبلغ وأروع منه قط، وهذا ما أعترف به بعض فصحاء المشركين أنفسهم، فما كان منهم إلا أن رموه بالسحر، لسمو معانيه ، وعذوبة أسلوبه، وشدة تأثيره في نفوس الناس.

وقد مضى على هذا التحدي للقرآن من القرون ما يزيد على أربعة عشر قرنا ولم يجرء على معارضته أحد، ومن جرب حظه

(١) سورة الروم آية (١ - ٦) والقصة باختصار هي: ينقل التاريخ أن دولة الروم - وكانت دولة مسيحية - انهزمت أمام دولة الفرس وهي وثنية، بعد حروب طاحنة بينهما سنة ٦١٤ م. فاغتم المسلمون، وفرح المشركون وقالوا للمسلمين: سنغلبكم كما غلبت الفرس الروم - ولكن وكما وعد القرآن فإن الروم استطاعوا أن يهزموا الفرس في سنة ٦٢٤ م. الموافقة للسنة الثانية للهجرة. الإلهيات ج ٣ ص ٤١٥.
١٨٧
وحاول تحديه ومعارضته لم يجني إلا الخزي وافتضاح أمره، كمسيلمة الكذاب وغيره، وكتب التاريخ خير شاهد على هذا.

وأخيرا فإن هذا القرآن جاء به رجل أمي لم يتعلم عند معلم من الإنس، بل ولم يكن يعرف القراءة والكتابة، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاش بين قومه أربعين سنة، ولم يأتي خلال هذه الفترة ببيت واحد من الشعر، وبعد هذه الفترة الطويلة من عمره الشريف، جاء فجأة بكتاب بليغ وفصيح عجز عنه فصحاء العرب وبلغائهم وكلت دونه ألسنتهم ، فلا يبقى شك في أن هذا الكتاب هو من وحي السماء أنزل على قلب النبي الأمي الخاتم للرسالات ليكون معجزته الخالدة إلى يوم القيامة، ويكون هدى ورحمة للعالمين على مدى الدهور.

١٨٨
١٨٩

قصة المسيح (ع) وأمه في القرآن الكريم

يحكي القرآن الكريم قصة المسيح (عليه السلام) وأمه بشكل مختلف عما نقلته كتب العهد الجديد، فالقرآن يبدء القصة بذكر امرأة عمران (والدة مريم) فيذكر قصة حملها بمريم ونذر ما في بطنها ليكون خادما للمسجد فقال تعالى: * (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) * (١) فتقبل الله سبحانه وتعالى نذرها هذا، وبعد ولادتها أتت بها إلى المعبد وسلمتها للكهنة وكان بينهم زكريا (عليه السلام) فاختلفوا فيما بينهم أيهم يكفلها، فاتفقوا على القرعة، فكانت من نصيب النبي زكريا (عليه السلام) فكفلها حتى إذا نبتت وبلغت ضرب لها من

(١) سورة آل عمران آية ٣٦ ومريم معناها (الخادمة).
١٩٠
كتاب هبة السماء لـ علي الشيخ (ص ١٩١ - ص ٢٢١)
١٩١
القرآن قصة الولادة بقوله تعالى: * (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا.

فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا. فكلي واشربي وقري عينا فأما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا) * (١).

ثم يقص القرآن كيف أن مريم العذراء (عليها السلام) جاءت بالمسيح (عليه السلام) إلى قومها فلما رأوها والطفل معها ثاروا عليها بالطعن واللوم فسكتت وأشارت إليه (عليه السلام) أن كلموه فتعجبوا من ذلك إذ كيف يمكن التكلم مع طفل ما زال في المعد فنطق الطفل المعجزة بكلام رائع إذ يحكي القرآن هذا الموقف بقوله تعالى: * (فأتت به قومها تحمله قالوا ما مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا. فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا.

وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) * (٢).

ثم نشأ عيسى (عليه السلام) وشب وكان وأمه على العادة الجارية في

(١) سورة مريم آية ٢٢ - ٢٦.

(٢) سورة مريم آية ٢٧ - ٣٣.

١٩٢
الحياة الدنيوية الطبيعية للبشر، يأكلان ويشربان وفيهما ما في سائر الناس من عوارض الوجود إلى آخر عمرهما. ثم أن عيسى (عليه السلام) أرسل إلى بني إسرائيل فقام يدعوهم إلى دين التوحيد، وكان يدعوهم إلى الشريعة الجديدة المطابقة لشريعة موسى (عليه السلام) إلا أنه نسخ بعض ما حرم في التوراة تشديدا على اليهود، وقد جاء ببينات ومعاجز كثيرة يذكرها القرآن وذلك في قوله تعالى: * (ورسولا إلى بني إسرائيل إني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. مصدقا لما بين يدي من التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) * (١) ثم إنه من خلال دعوته بشر بالنبي الخاتم الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ينقل البشارة عن لسان عيسى (عليه السلام) بقوله تعالى: * (وإذ قال عيسى ابن مريم با بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) * (٢).

ولم يزل عيسى (عليه السلام) يدعوهم إلى التوحيد والشريعة الجديدة

(١) سورة آل عمران آية ٤٩ - ٥١.

(٢) سورة الصف آية ٦.

١٩٣
حتى أيس من إيمانهم لما رآه من استكبار وعناد الكهنة والأحبار عن قبول الدين والرسالة التي جاء بها فانتخب من بين أتباعه الحواريين ليكونوا أنصارا له إلى الله سبحانه فيقول تعالى في القرآن الكريم:

* (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله) * (١).

وأيضا ينقل القرآن الكريم قصة نزول المائدة من السماء على عيسى (عليه السلام) وحوارييه الذين طلبوا منه هذه المعجزة لتطمئن قلوبهم قال تعالى: * (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين * قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين * قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين * قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) * (٢) ثم أن أحبار اليهود وعلمائهم ثاروا عليه يريدون قتله، فتوفاه الله سبحانه ورفعه إليه، وشبه لليهود أنهم قتلوه وصلبوه فيقول تعالى: * (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه

(١) سورة الصف آية ١٤.

(٢) سورة المائدة آية ١١٢ - ١١٤.

١٩٤
لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) * (١) فهذه مجمل ما قصه القرآن في المسيح (عليه السلام) وأمه القديسة مريم.

كيف وصف القرآن الكريم المسيح (ع) وأمه

إن القارئ للقرآن الكريم يجد أن هذا الكتاب الإلهي ذكر صفات للمسيح (عليه السلام) وأمه، قل ما ذكرها لأحد الأنبياء والنساء، فقد ذكر لهذا النبي المكرم خصال رفع بها قدره، وكذلك الحال بالنسبة لأمه الطاهرة. وإني من هنا أدعو كل مسيحي محب للسيد المسيح (عليه السلام) وأمه العذراء بمطالعة هذا السفر الإلهي المحمدي ومقارنته بما ذكره الإنجيل (العهد الجديد) من صفات وأفعال لهذا النبي العظيم، ليرى الفارق الكبير بين الكتابين وأيهما قد أماطا اللثام عن شخصية عيسى الحقيقية وأمه، القرآن أم الإنجيل؟

وأنا هنا أكتفي بذكر بعض هذه الصفات لهذا النبي وأمه في القرآن، وأشير أيضا إلى بعض ما ذكرته الأناجيل من أوصافه (عليه السلام) وأترك الحكم للقارئ العزيز.

ولنبدأ أولا بذكر ما ورد في القرآن عن الصديقة مريم العذراء،

(١) سورة النساء آية ١٥٧ - ١٥٨.
١٩٥
ونستطيع القول بأنها المرأة الوحيدة التي قص القرآن قصتها بالتفصيل فينقل القرآن عنها: - - إن الله قد اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين كما في قوله تعالى: * (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) * (١).

- كانت (عليها السلام) مقبولة عند الله وقد تكفل الله سبحانه تربيتها وإنباتها كما في قوله تعالى (عليهم السلام) * (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا...) * (٢).

كانت محدثة حدثتها الملائكة (وهي الوحيدة من النساء اللاتي ذكر القرآن أن الملائكة قد حدثتها) كما في قوله تعالى * (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم...) * (٣).

- كانت من آيات الله للعالمين كما في قوله تعالى: * (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) * (٤).

وغيرها من الأوصاف الأخرى التي ذكرها القرآن الكريم لهذه الصديقة الطاهرة.

(١) سورة آل عمران آية ٤٢.

(٢) سورة آل عمران آية ٣٧.

(٣) سورة آل عمران آية ٤٥.

(٤) سورة الأنبياء آية ٩١.

١٩٦
وأما ما جاء في القرآن الكريم عن السيد المسيح (عليه السلام) فيمكن القول بأنها من المقامات الرفيعة التي خص بها هذا النبي المقرب ونلخصها بما يلي:

- كان (عليه السلام) عبدا لله وكان نبيا كما في قوله تعالى: * (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) * (١).

- وكان رسولا إلى بني إسرائيل كما في قوله تعالى * (ورسولا إلى بني إسرائيل إني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بأذن الله...) * (٢).

- وكان واحدا من الخمسة أولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الإنجيل كما في قوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى...) * (٣) وأيضا في قوله تعالى * (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور...) * (٤).

- وكان (عليه السلام) قد سماه الله سبحانه بالمسيح عيسى وكان وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين كما في قوله تعالى: * (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن

(١) سورة مريم آية ٣٠.

(٢) سورة آل عمران آية ٤٩.

(٣) سورة الشورى آية ١٣.

(٤) سورة المائدة آية ٤٦.

١٩٧
مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) * (١).

- وكان (عليه السلام) كلمة لله وروحا منه كما في قوله تعالى: * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ...) * (٢).

- وكان من الصالحين والمجتبين كما في قوله تعالى: * (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) * (٣).

- وكان (عليه السلام) مباركا أينما كان وكان زكيا بارا بوالدته كما في قوله تعالى * (وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) * (٤).

- وكان (عليه السلام) مسلما على نفسه كما في قوله تعالى: * (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) * (٥).

- وكان (عليه السلام) ممن علمه الله الكتاب والحكمة كما في قوله تعالى: * (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل) * (٦).

- وكان مبشرا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في قوله تعالى: * (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه

(١) سورة آل عمران آية ٤٥.

(٢) سورة النساء آية ١٧١.

(٣) سورة الأنعام آية ٨٥ - ٨٧.

(٤) سورة مريم آية ٣١ - ٣٢.

(٥) سورة مريم آية ٣٣.

(٦) سورة آل عمران آية ٤٨.

١٩٨
أحمد...) * (١)، وأوصاف وخصال أخرى كثيرة نكتفي بما ذكرناه.

ولكن أود الإشارة هنا إلى المحاورة التي ينقلها الله سبحانه بينه وبين نبيه عيسى ابن مريم، لنرى الأدب الرائع والعبودية التامة لهذا النبي أمام رب العزة، وكيف ينفي ما نسب إليه من ألوهية وأنه برئ من هذه العقائد الباطلة، فيقول سبحانه وتعالى:

* (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم * قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم) * (٢).

فالمسيح (عليه السلام) ينفي بشدة ما ينسبه المسيحيون إليه من مقام الألوهية.

يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره القيم (الميزان) عن هذه

(١) سورة الصف آية ٦.

(٢) سورة المائدة آية ١١٦ - ١١٩.

١٩٩
المحاورة وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها، ويتضمن من بارع الأدب على مجامعه يفصح عما كان يراه عيسى المسيح (عليه السلام) من موقفه تلقاء ربوبية ربه، وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه بالنسبة إلى ربه عبدا لا شأن له إلا الامتثال لا يرد إلا عن أمر، ولم يؤمر إلا بالدعوة إلى عبادة الله وحده ولم يقل لهم إلا ما أمر به ربه: أن اعبدوا الله ربي وربكم.

ولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب، وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك:

غفر أو عذب (١).

والمسيح (عليه السلام) بهذا البيان أيضا ينفي كونه فاديا ومتحملا للخطيئة عوضا عن الناس كما يزعم المسيحيون.

هذا باختصار ما أورده القرآن حول شخصية هذا العبد الصالح والرسول المبارك عيسى ابن مريم وأمه العذراء.

ولنطالع الإنجيل (العهد الجديد) ونرى بماذا وصف هذا النبي من أوصاف يأباها العقل والذوق السليم وسنكتفي اختصارا بذكر بعضها ومن شاء المزيد فليراجع العهد الجديد ويرى العجب.

(١) الميزان في تفسير القرآن ج ٣ ص ٢٨٢.
٢٠٠