×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

هبة السماء / الصفحات: ٢٠١ - ٢٢٠

- المسيح (ع) صانع الخمر (الجيدة)

من المؤسف حقا أن ينسب هكذا فعل إلى النبي المكرم المسيح (عليه السلام) والأعجب أن يكون بأمر من أمه الصديقة مريم (عليه السلام)، فنحن نعلم أن الخمر قد حرم في الشريعة الموسوية ولا سيما المسكر منه، ولكن نجد في العهد الجديد أن المسيح (عليه السلام) لم يكتفي بأنه لم يحرمه بل هو الذي يصنع الخمر (الجيدة) المسكرة ليذهب بعقول الناس، وأنا أذكر أنه عندما كنت مسيحيا وللاعتقاد الراسخ في نفوسنا بحرمة الخمر كنت أسأل والدي عن أسباب حرمة الخمر فكان يحدثني عن مضرات الخمر، وكلما كانت تذكر هذه (المعجزة) كان بعض المتدينين يحاولون تفسير هذه المعجزة بشكل أو بآخر، ويجيبون بأن هذه الخمر الذي صنعها المسيح (عليه السلام) لم تكن مسكرة، ولكن الإنجيل يرى خلاف ذلك، وهذه المعجزة لم تذكر إلا في إنجيل يوحنا في الأصحاح الثاني فيذكرها أول معجزة صدرت من النبي عيسى المسيح (عليه السلام) فيقول:

وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك، ودعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى العرس، ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له ليس لهم خمر، قال لها يسوع مالي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي بعد، قالت أمه للخدام مهما قال لكم فافعلوه، وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يسع كل

٢٠١
واحد مطرين أو ثلاثة، قال لهم يسوع املأوا الأجران ماء، فملأوها إلى فوق، ثم قال لهم استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ فقدموا، فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرا ولم يكن يعلم من أين هي لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا، دعا رئيس المتكأ العريس وقال له:

كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولا ومتى سكروا فحينئذ الدون، أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن، هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده. أنظر (يوحنا ٢: ١٢)، فالظاهر من حديث رئيس المتكأ أن الخمر التي صنعها المسيح (عليه السلام) كانت من الخمر الجيدة والتي تعطى عادة في الأعراس أولا حتى يسكر الناس فتذهب عقولهم ثم يأتون بالخمر الدون (الرديئة) بعد ذلك فلا يميز الناس بينها وبين الخمر الجيدة لسكرهم. فلا أدري هل جاء السيد المسيح (عليه السلام) لتنوير العقول وإرشادها إلى الحق، أم لتخديرها وإتلافها؟!

- المسيح (والعياذ بالله) عاق لأمه

وأيضا تنسب الأناجيل إلى المسيح (عليه السلام) أنه ظاهرا لم يكن بارا بوالدته، بل إنه كان ينهرها بشكل غير لائق، فخلال قصة الخمر الآنفة الذكر مثلا تطلب منه أمه أن يصنع لهم خمرا، ولكنه ينهرها

٢٠٢
بحدة كما تنقل القصة قال لها يسوع مالي ولك يا امرأة بل إنه لا يعتبرها ضمن المؤمنين ويحط من منزلتها أمام تلاميذه، كما ينقل لنا إنجيل متي ذلك في الأصحاح الثاني عشر: أنظر ١٢ - ٤٦ - ٥٠ وفيما هو يلكم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلموه، قال له واحد، هو ذا أمك وإخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلموك، فأجاب وقال للقائل له: من هي أمي ومن هم أخوتي ، ثم مد يده نحو تلاميذه وقال ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي. ولا أدري كيف يمكن توجيه هذا التعامل القاسي مع أمه الصديقة، مع إننا نرى أنه (عليه السلام) كان يوصي ويؤكد على إكرام الوالدين كما ينقل ذلك إنجيل متي نفسه: أنظر ١٥ - ٤ فإن الله أوصى قائلا أكرم أباك وأمك ومن يشتم أبا أو أما فليمت موتا.

- المسيح (ع) (والعياذ بالله) صار ملعونا

واقعا أن الإنسان ليقف متحيرا من هذا القول في شخص هذا النبي المبارك، فبولس يصف المسيح (عليه السلام) بأنه ملعون (والعياذ بالله) فهو يذكر في رسالته إلى أهل غلاطية يقول: المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة (غلاطية: ٣: ١٣) فهل يوصف باللعنة إلا الأثيم المرتكب

٢٠٣
للخطايا؟ وهل اللعنة غير الطرد والإبعاد عن رحمة الله سبحانه؟

- المسيح (ع) تقبل قدميه (الخاطئات)

وأيضا ينقل لنا العهد الجديد قصة تقبيل قدمي المسيح (عليه السلام) من قبل امرأة (خاطئة) والقصة كما ينقلها إنجيل لوقا هي أنظر لوقا: ٧:

٣٦ وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة، إذ علمت أنه متكئ في بيت الفريسي جائت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه من وراءه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك، تلكم في نفسه قائلا لو كان هذا نبيا لعلم من هذه الامرأة التي تلمسه وما هي، أنها خاطئة... فقد أنكر الفريسي هذا الفعل من المسيح (عليه السلام) إذ كيف يقبل نبي أن تلامسه وتقبل قدميه امرأة أجنبية خاطئة. بل أن القصة كما يذكرها إنجيل يوحنا، يعترض هناك يهوذا على فعل المسيح (عليه السلام) من جهة أن هذا الطيب الذي مسحت هذه المرأة قدمي المسيح (عليه السلام) به كان يقدر قيمته بثلاثمائة دينارا فلماذا لم يبع ويعط للفقراء الموجودين، والقصة كما ينقلها يوحنا في إنجيله هي فأخذت مريم منا من طيب نار دين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الإسخريوطي المزمع أن يسلمه

٢٠٤
، لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمائة دينارا ويعط للفقراء...، فقال يسوع أتركوها إنها ليوم تكفيني قد حفظته لأن الفقراء معكم في كل حين وأما أنا فلست معكم في كل حين (أنظر: يوحنا: ١٢: ٣ - ٨).

- المسيح (ع) مفرق للرحم والأقارب

أن الاعتقاد السائد عند المسيحيين أن يسوع المسيح (عليه السلام) هو الداعي إلى المحبة والسلام بين الناس جميعا، ولكننا نجد خلاف هذا الاعتقاد في كتب العهد الجديد، فهذا إنجيل متي ينقل عن المسيح (عليه السلام) قوله لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، فأني جئت لا فرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها وأعداء الإنسان أهل بيته. (أنظر متى: ١٠: ٣٤ - ٣٦) بل لم يكتفي بذلك حتى أضرمها نارا كما ينقل لوقا في إنجيله (أنظر لوقا: ١٢: ٤٩ - ٥٣) جئت لألقي نارا على الأرض فماذا أريد لو اضطرمت أتظنون أني جئت لأعطي سلاما على الأرض. كلا أقول لكم، بل انقساما... ولكن بالرغم من هذا فنحن نجد أن المسيحيين يصفون المسيح (عليه السلام) بأنه نبي الرأفة والمحبة والسلام ويعتقدون أن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بالقوة والسيف، ويعتبرون الإسلام دين السيف!

٢٠٥

- المسيح (ع) يجزع من الموت ويعاتب الله سبحانه

إذ تنقل كتب العهد الجديد أن المسيح (عليه السلام) وعند اقتراب ساعة (موته) قد جزع حتى الموت وتوسل بالله سبحانه أن تعبر عنه هذه الكأس، ولما لم يستجب له الله سبحانه عاتبه وهو معلق على الخشبة لماذا تركه، والقصة كما يذكرها إنجيل متى هي ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب، فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت، أمكثوا هنا واسهروا معي، ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس أنظر متى ٢٦: ٣٧ - ٤٠ وفي تلك الليلة صلى ثلاث مرات قائلا ومكررا لذلك الكلام بعينه. وبعد أن ألقوا القبض عليه وصلبوه وأرادوا قتله، صرخ بصوت معاتبا ربه لماذا تركه، كما ينقل لنا ذلك متى في إنجيله أيضا (أنظر متي: ٢٧ - ٤٦) ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني. فلا أدري كيف يمكن تفسير هذه الحادثة، فهل الموت بالنسبة للانسان المؤمن إلا انتقال من عالم إلى عالم آخر خير منه، وهذا ما يؤكد عليه الإسلام، فهذا وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي ابن أبي طالب ينقل عنه كلمته المشهورة لابن أبي طالب أنس بالموت من الطفل بثدي مه ويقول الله سبحانه في القرآن الكريم: * (يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله فتمنوا الموت إن كنتم صادقين

٢٠٦
) *. فإن المؤمن يلتذ بالموت ولا سيما إذا كان قتلا في سبيل الله، ولكننا نرى المسيح (عليه السلام) (ابن الله) يجزع منه حتى الموت.

وما هذا إلا غيض من فيض ومن شاء التعرف أكثر على شخصية المسيح (عليه السلام في الأناجيل، فليطالع العهد الجديد ليرى ما وصفت به المسيح (عليه السلام) من تناقضات في شخصيته، وفي الواقع فإن القرآن الكريم هو الذي أجلى الحقيقة عن شخصية هذا النبي العظيم.

فالقرآن نزه ساحة عيسى المسيح (عليه السلام) عن كل شائبة ونقص، فقد صور لنا المسيح (عليه السلام) نبيا ورسولا مباركا وديعا بارا، لا جبارا ولا شقيا، وعبدا موحدا خاضعا لله، وغير مدع لشئ غير معقول من ألوهية أو اتحاد أو حلول، ثم نجده في القرآن عزيزا محترما مرفوعا إلى السماء مصانا بالعزة الإلهية، وأنه روح الله وكلمته وصنيعه، ومستودع أسراره وحكمته.

وعلى العكس من ذلك نرى المسيح (عليه السلام) في العهد الجديد، رجلا صانع للخمر وشريب لها (١) عاقا لأمه قاطعا ومفرقا للرحم، مسرف يستأنس بمسح الامرأة الأجنبية (الخاطئة) لقدميه وتقبيلها وتدهينها بالطيب الغالي الثمن، وأيضا أنه ملعون لأنه مصلوب على خشبة، ويلصقون به الألوهية عنوة، فهو الله وابن الله، وغيرها من

(١) أنظر: إنجيل متي: ١١: ١٨ - ٢٠ لأنه جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه شيطان. وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة.
٢٠٧
الأوصاف الكثيرة التي يرفضها العقل ويأباها.

فلا يبقى شك ولا ريب في أن (بارقليطا) الذي أشار إليه المسيح (عليه السلام) في الإنجيل والذي سيشهد له بالحق (كما ذكر ذلك إنجيل يوحنا قائلا: ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي أنظر:

يوحنا: ١٥: ٢٦ - ٢٧) هو النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي شهد له بالحق، ورفع قدره، ونزه ساحته المقدسة عن كل سوء، وذلك من خلال الكتاب الإلهي الموحى إليه من قبل السماء، أي (القرآن الكريم).

٢٠٨
٢٠٩

الشريعة

من الشبهات التي كانت تلقى إلينا دائما عن الإسلام، هي أن في الدين الاسلامي أحكاما وتكاليفا لا تطاق أبدا، ولأني أعيش في بلد أغلب سكانه من المسلمين، فكنت أرى تلك العبادات والطقوس التي يؤديها المسلمون، تقع في أغلب الأحيان محل للسخرية من قبلنا، وكان السؤال والاشكال الأهم المطروح في هذه المسألة هو ما الغرض من كل هذه التكاليف الشاقة التي جاء بها الإسلام، كالصلاة خمس مرات يوميا والصيام شهرا في السنة، ودفع الزكاة والحج وغيرها من التكاليف؟

وفي اعتقادي فإن هذه الشبهة كانت ناتجة عن عدم فهم حقيقي وواقعي للشريعة، ودورها في تكامل الإنسان وارتقاءه مدارج الكمال المنشود له، ولا سيما من قبل المسيحيين الذين طرحوا الشريعة جانبا واكتفوا بالإيمان وحده سبيلا للنجاة، إذ ليس التكاليف

٢١٠
الإلهية والأحكام الشرعية إلا امتحانا إلهيا للإنسان في مختلف مواقف الحياة، ومن خلالها يمكن التمييز بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، بل هي المخرجة لكمالات الإنسان من القوة إلى الفعل ، فنستطيع تشبيه الشريعة والتكاليف الإلهية بالسلم الذي يتمكن من خلاله الإنسان للوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني. وقد أشار إلى هذا المعنى المسيح (عليه السلام) نفسه حسب ما تنقله كتب العهد الجديد ، فينقل لنا مرقس في إنجيله: أن رجل جاء بابنه مريضا به روح نجس إلى تلامذة المسيح (عليه السلام) فلم يقدروا على شفائه وإخراج الروح النجس منه، فلما جاء المسيح (عليه السلام) أخرج ذلك الروح النجس من الولد، فسأله تلاميذه لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه فقال لهم: هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم. أنظر مرقس: ٩:

١٤ - ٢٩ فالمسيح (عليه السلام) يشير إلى أن إخراج الأرواح النجسة وشفاء المرضى تحتاج إلى قوة إيمان عالية وهذا لا يتحصل إلا بالصلاة والصوم.

وعلى هذا تعتبر الشريعة الإلهية والتكاليف العملية التي يأمر بها الدين من أشرف النعم الإلهية التي من بها الله سبحانه على الإنسان.

وكما أشرت سابقا فإن النبي موسى (عليه السلام) أرسل بشريعة تناسب حال ذلك الزمان الذي بعث فيه، والمسيح (عليه السلام) أيضا كما بينا

٢١١
لم ينقض الناموس والشريعة أبدا، بل أنه جاء متمما لتلك الشريعة، ولكن للأسف فإن الذين جاءوا من بعده هم الذين طرحوا الشريعة واكتفوا بالنواميس الروحية بدلا عن التكاليف الشرعية، ولكن بالرغم من ذلك فما زالت بعض الأحكام الشرعية والطقوس العبادية قائمة في المسيحية كالصلاة مثلا والوصايا الأخلاقية العشرة. وأيضا النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأتي لنقض الشريعة بل أنه جاء متمما ومكملا للشريعة، ولأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء والرسل كانت شريعته هي الأخرى أكمل الشرائع وأتمها وهي باقية وخالدة إلى يوم القيامة، وتتضمن قوانين وأحكام ثابتة ومتغيرة تستطيع من خلالها مواكبة متطلبات ومستجدات الحياة في الدنيا وحتى الساعة الموعودة.

ومن خصائص هذه الشريعة السمحاء هي شموليتها لكل مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، فلا يخلو فعل من أفعال الإنسان إلا وله حكم معين في هذه الشريعة المقدسة، فهو إما أن يكون واجبا أو حراما أو مستحبا أو مكروها أو مباحا، وتضمن هذه الشريعة للانسان الذي يتمكن من إخضاع كل أفعاله لا حكامها الشرعية من العيش سعيدا في الدنيا والآخرة.

وأيضا الصفة الأخرى المهمة هي عدم مخالفتها لفطرة الإنسان أبدا فليس فيها تكاليف شاقة ولا تطاق كما كنت أعتقد، بل لم يكلف الله فيها نفسا إلا وسعها، وما جعل الله فيها من حرج، وهذا ما لمسته

٢١٢
شخصيا من خلال ممارستي للطقوس العبادية التي أمرت بها، وخضوعي للأحكام العملية التي أقرتها. فهي رفضت الرهبانية والانزواء عن المجتمع، وكذلك نهت عن الانغماس كليا في الحياة الدنيا، بل تعاليمها تعتبر النمط الأوسط بين هذه وتلك.

ويمكن تقسيم الشريعة الإسلامية إلى قسمين:

أولا: جنبة عبادية وطقوس دينية، تعتبر وسيلة لتمرين النفس على التوجه إلى الله، والانقياد إلى طاعته، وتوثيق الرابطة بين العبد ومولاه، واعتقد أنها في هذه الجنبة موافقة مع المسيحية في أن الأعمال العبادية موجبة للقرب من الله العظيم، وهذا ما نجده في حالات المسيح (عليه السلام) من كثرة وشدة العبادة التي نقلتها لنا كتب العهد الجديد، فقد صام أربعين نهارا وأربعين ليلة وصار مع الوحوش في البرية ليجرب ن إبليس (أنظر: متى ٤، لوقا: ٤، مرقس: ١) وكان يأمر تلاميذه بأن لا يملوا من الصلاة أبدا. (أنظر: لوقا: ١٨ - ١)، ولكن العبادات التي جاء بها الإسلام تختلف كثيرا عما هو موجود في المسيحية، من حيث الكمية والكيفية، فالصلاة مثلا تلزم الشريعة الإسلامية الإنسان بأدائها خمس مرات يوميا، وبكيفية خاصة فيها قيام وركوع وسجود في حين أن الصلاة في المسيحية تقتصر على بعض الصلوات والقداس الكبير يوم الأحد، وهي كما تعلمتها في الكنيسة وكنت أمارسها، لا سجود فيه ولا ركوع، بل كل ما في

٢١٣
الأمر هي قراءة بعض نصوص من الإنجيل مع تراتيل وأناشيد خاصة ونحن جالسون على المقاعد أو واقفون، وبعد ذلك نذهب لإعلان التوبة والاعتراف.

والذي وجدته شخصيا من خلال ممارستي لكلا الصلاتين هو الفرق الكبير بينهما، ففي الصلاة التي أمر بها الإسلام يشعر الإنسان من خلال ركوعه وسجوده لربه وخالقه العظيم، حالة من الخشوع ونوع من الارتباط والقرب منه سبحانه، في حين لا يشعر الإنسان ذلك في الصلاة الكنيسية، وأعتقد أن الصلاة في المسيحية هي الأخرى قد حرفت، فإن العهد الجديد عندما كان ينقل لنا الصلاة التي كان يؤديها المسيح (عليه السلام) كان يخر على وجهه ساجدا في صلاته كما تذكره الأناجيل في ليلة التسليم (أنظر متى: ٢٦: ٣٩) (ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي) في حين أن صلاتنا الحالية لا أثر للسجود فيها.

ثانيا: الجنبة الاجتماعية والمعاملات بين الناس، فالشريعة في أحكامها هذه تسعى لتنظيم الأمور المعيشية والحياتية في المجتمع بشكل يؤدي إلى نشر العدالة والألفة والمحبة بين أفراده، ومراعاة المصالح العامة التي تؤدي إلى استقرار ونظم المجتمع.

والشئ الملفت للنظر حقا في هذه الأحكام والقوانين أنها جاءت قبل أربعة عشر قرنا، ولكنها إلى يومنا هذا تعتبر من أرقى

٢١٤
القوانين التي توصل إليها العقل البشري في طول هذه المدة، وهذا ما اعترف به الكثير من العلماء في المجالات والعلوم المختلفة، وهذا دليل قوي آخر على أن مصدر هذه الشريعة هو السماء والوحي، إذ أنه من المستحيل أن تكون من فكر وخيال رجل عاش وترعرع في الجزيرة العربية التي كانت غائطة في ظلمات الجهل، والتي كانت تسودها عادات وتقاليد وأحكام يكاد لا يشم منها رائحة الإنسانية.

فلا يبقى شك ولا ريب في أن هذا الرجل كانت له علاقة ورابطة بالسماء، وأنه النبي الخاتم الذي بشر به المسيح (عليه السلام) في الإنجيل.

٢١٥

الخاتمة

إن الذين ذكرته في هذه الأوراق، هو نبذة مختصرة عن رحلتي من المسيحية إلى الإسلام، وما انكشف لي فيها من الحقائق، وقد رمت الاختصار قدر الإمكان في هذا البحث، وكان بودي أن أشير إلى موضوع اعتبره مهما جدا في هذا البحث، وهي المسألة الأخلاقية والروحية، والسلوك العرفاني في الإسلام والمسيحية، والطرق و المسالك التي تبناها الاثنان لوصول الإنسان إلى كماله النهائي وهو القرب من خالقه وربه، وفق النظرية الإلهية. ولكني لإحساسي بأهمية هذه الموضوع، آثرت أن أفرد له بحثا ورسالة مستقلة، أتعرض إليه فيها بشكل مفصل، إنشاء الله تعالى.

وفي الحقيقة فالذي دفعني لكتابة هذا البحث هو احساسي وشعوري بالمسؤولية الإنسانية اتجاه أبناء جلدتي، عسى أن يكون صوتا للحق يقرع أذان قلوبهم فيستفيقوا من نوم الغفلة، فالمشكلة التي

٢١٦
يعيشها أغلب أفراد العائلة البشرية - وللأسف الشديد - هي ابتعادهم عن الهدف الأساس الذي خلقنا من أجله، وصار الهم الشاغل لهم هو الدنيا، والانشغال بزينتها وزخرفها، وأما الدين والمسائل الروحية والحب الإلهي، أصبحت أمورا هامشية عند أغلب الناس أو أنهم غفلوا عنها كليا.

وأيضا فهذه دعوة لإخواني المسيحيين الذين ابتعدوا كثيرا عن التعاليم والعقائد التي جاء بها السيد المسيح (عليه السلام) فهم يتبعونه بالاسم فقط، وأما ما يحملونه من عقائد وتعاليم في الوقت الحاضر فهي مخالفة له كثيرا، فالعقائد التوحيدية التي جاء بها، تحولت إلى عقائد أشبه بالوثنية كالتثليث والبنوة، والشريعة والناموس الذي أكد عليها وأوصى بها مرارا، طرحت أرضا واكتفي بدلا عنها النواميس الروحية والإيمان المجرد.

فهذه دعوة لكل مسيحي حر باحث عن الحق والحقيقية، أن لا يكتفي بقبول ما يلقى إليه من قبل الكنيسة على أنه من الأمور المسلمة واليقينية، بل ليجد في البحث والتحقيق العميق في عقائده وأمور دينه، لأنها مسألة ذات أهمية كبيرة، فإن الحياة الأخروية الأبدية التي نحن مقبلون عليها، سعادتها وشقائها ما هي إلا نتيجة لعقائدنا وأعمالنا في حياتنا الدنيا فالدنيا مزرعة الآخرة فيجب إعطائها اهتماما كثيرا من فكرنا ووقتنا، وهذا أمر عظيم وخطير،

٢١٧
فحري باللبيب أن يجهد نفسه وفكره في انتخاب الطريق الصحيح الذي يوصله إلى السعادة في ذلك العالم. وأخيرا فإن الإنسان الذي يروم اتباع الحق بعد كشفه للحقيقة لا بد أن يواجه مشاكل وصعوبات كثيرة، فقد يحارب من قبل أهله وأقاربه، ويهجره أحبائه وأصدقائه، وقد تضيق عليه سبل العيش، ولكنها كما أعتقد لها طعم ولذة خاصة لأنها في عين الله، ولأجل الله وحبه، وبالتأكيد فإن الله الرب الرحيم سيخلفه بدلا عنها الرضا والقناعة في الدنيا، والسعادة والعيش في جنة النعيم عند مليك مقتدر في الآخرة.

وارتأيت أن يكون مسك الختام لهذا البحث، آيات من الكلام الإلهي الموحى (القرآن) تحكي قصة رجل مؤمن يدعو قومه إلى الحق، والآيات هي:

* (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * ءأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) *

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
٢١٨
٢١٩

المصادر

المصادر الإسلامية

- القرآن الكريم - الميزان في تفسير القرآن... العلامة محمد حسين الطباطبائي / الطبعة الثالثة.

- الهدى إلى دين المصطفى... الشيخ محمد جواد البلاغي الطبعة الثانية.

- بحار الأنوار... العلامة المحدث محمد باقر المجلسي.

- الإلهيات... الأستاذ المحقق الشيخ جعفر السبحاني.

- الاعلام في نصرة الإسلام... فخر الإسلام محمد صادق.

- السيرة الحلبية... العلامة علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي.

- تاريخ الطبري... محمد بن جرير الطبري.

٢٢٠