×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

هبة السماء / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

وتعاقدوا فيها على أن لا ينكحوا من بني هاشم و بني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم (١).

فلما فعلت قريش ذلك انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فأمرهم أبو طالب بالخروج من مكة ودخول وادي بين جبال مكة يعرف ب‍ (شعب أبي طالب) وقد أستمر هذا الحصار مدة ثلاث سنين، وكان شديدا وقاسيا كما ينقل المؤرخون وكانوا لا يخرجون من الشعب إلا في الأشهر الحرم فيأتون إلى مكة فيشترون ويبيعون رغم مضايقة قريش لهم في هذه الفرصة أيضا، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتهز هذه الفرصة لنشر دعوته بين القبائل التي تقصد مكة عادة في هذه الفترة.

واستمر الحال كذلك إلى أن أوحى الله سبحانه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن (الأرضة) (٢) قد أتلفت صحيفتهم ولم يبق فيها إلا جملة (باسمك اللهم) فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمه أبو طالب بذلك، فجاء أبا طالب مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مشركي قريش قال لهم: أن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله سبحانه أوحى إليه أنه بعث على صحيفتكم الدابة فأكلت جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وترك اسم الله فقط، فهلم صحيفتكم فإن كان حقا فاتقوا الله

(١) تاريخ الطبري ج ١ ص ٥٤٩، السيرة النبوية ج ١ ص ٢١٣.

(٢) حشرة معروفة تنخر في الأخشاب والأوراق.

١٦١
وارجعوا عما أنتم عليه، وإن كان باطلا دفعته إليكم فإن شئتم قتلتموه.

فرضوا بذلك وتعاقدوا عليه ثم أنزلوا الصحيفة من الكعبة وإذا ليس فيها حرف إلا جملة (باسمك اللهم) كما أخبرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن رغم ذلك بم يوفوا بعهدهم وازدادوا تكبرا وتعندا، ولكن بعض المشركين ندموا على فعلتهم ونقصوا المقاطعة فرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعشيرته إلى مكة ثانية (١).

ولكن و بعد فترة من رجوعهم أصاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حادث مؤلم وهو رحيل زوجته الوفية خديجة التي عاضدته طوال فترة دعوته بكل وجودها، فتألم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا لهذا المصاب، ولم ينقضي حزن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أصيب بنكسة أعظم وهي وفاة كفيله وحاميه والمدافع عنه عمه أبي طالب، الذي عانى وأهله الكثير وعرض نفسه للموت و الحرمان من أجل نشر الدعوة الإلهية، فعظمت المصيبة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ينقل عنه أنه ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب وذلك لأن قريش شددت بعد ذلك من آذاها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا.

(١) حياة النبي وسيرته، الشيخ محمد قوام الوشنوي ص ١٦١، سيد المرسلين ج ١ ص ٥٠٣.
١٦٢

هجرته (ص)

بعد أن فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمه أبا طالب وزوجته، واجه ظروفا صعبة للغاية، وأحدقت به الأخطار وأصبحت تهدد حياته، فعزم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخروج من مكة لأنه أحس أن تبليغ الدعوة في مكة لم يعد ممكنا، فاتجه نحو الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام، فأبوا ذلك ورفضوه، و لم يكتفوا بالرفض بل قذفوه بالحجارة حتى سالت دماؤه، فرجع إلى مكة.

ورغم الاضطهاد الذي واجهه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة، استمر في نشر الرسالة الإلهية بين القبائل الوافدة إلى مكة في موسم الحج والاتصال بأشرافها، وكان العرب من أهل يثرب من قبيلة الأوس والخزرج ممن يأتون إلى مكة في كل موسم فيعرض عليهم الإسلام، فكانوا عندما يعودون إلى يثرب ينقلون أخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هناك فانتشرت أخباره في يثرب، ولكن لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته.

وفي أحد الأيام التقى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بجماعة من قبيلة الخزرج ودعاهم إلى الإسلام فأمنوا وكانوا ستة أشخاص، ومما ساعد على أيمان هؤلاء أن اليهود كانوا مجاورين لهم في يثرب، وكانوا إذا وقع بينهم نزاع، توعدهم اليهود بأن نبيا سيبعث، وقد أطل زمانه سنتبعه ونقتلكم قتل عاد وأرم، ولما التقوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا إنه النبي الذي كان اليهود يتوعدوننا به، فلا يسبقونكم إليه، فآمنوا به واتبعوه،

١٦٣
كتاب هبة السماء لـ علي الشيخ (ص ١٦٤ - ص ١٩٠)
١٦٤

فتح مكة

في السنة السادسة للهجرة قصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة لأداء فريضة الحج مع أنصاره وأتباعه، فخرج إلى مكة مع ألف وستمائة رجل وهو لا يحمل سلاحا سوى ما يحمله المسافر عادة، ولما علمت قريش بذلك اتفقت على منع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من دخول مكة، ولما وصل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى منطقة قريبة من مكة يقال لها (حديبية) بعثت قريش من يفاوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعقد معه صلحا سمي (صلح الحديبية) واتفقوا على أن لا يدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة في هذه السنة ويسمحوا بالعام القادم من دخولها، وإيقاف الحرب بينهم لمدة عشر سنوات وغيرها من البنود فوافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرجع إلى يثرب مركز حكومته.

وهي هذه الفترة بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسائله إلى الملوك والأمراء في مختلف نقاط العالم يدعوهم إلى التوحيد والإسلام، فبعث إلى قيصر ملك الروم، وإلى ملك الفرس، وإلى ملك الحبشة، وإلى أمير الغساسنة في الشام وإلى مصر واليمن وغيرهم.

وفي السنة القادمة دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة حسب الاتفاق مع الفين من المسلمين لأداء مناسك الحج وإظهار العبودية لله سبحانه وحدة لا شريك له وتركت زيارته هذه الأثر الكبير في نفوس بعض المشركين فاعتنقوا الإسلام، فلما أحس زعماء قريش بهذا الأمر،

١٦٥
طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مغادرة مكة بعد أداء مناسك الحج مباشرة، فقبل النبي ورجع إلى يثرب بعد أداء مناسك الحج.

وبعد مدة من الزمن نقضت قريش الاتفاق والصلح الذي عقدته مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلح الحديبية، بغارتها على حلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين جاءوا واستنجدوا به، فأمر النبي (صلى عليه وآله وسلم) بتجهيز جيش ضخم قوامه عشرة آلاف رجل ليدخل مكة فاتحا، ولما سمعت قريش بذلك أصابها الرعب، فجاء زعيم المشركين (أبو سفيان) معتذرا ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصر على دخول مكة فاتحا فاستسلم المشركون ودخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة فاتحا من دون قتال...

وكان النصر الإلهي العظيم... فها هو يتيم عبد المطلب الذي قاسى وعانى من طواغيت قريش الذين شتموه واستضعفوه وعذبوه واستهزؤا به، يدخل مكة قائدا لجيش يرعب القلوب فاتحا منتصرا ناشرا لدعوته رغم أنف المشركين ومحطم أصنامهم وأحلامهم، ليظهر الله سبحانه دينه، فانتشرت أنوار التوحيد في ربوع مكة وأسلم أغلب أهلها، وعاد المهاجرون إلى وطنهم وأهلهم منتصرين...

واستمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نشر دعوته حتى لبى نداء ربه في السنة الحادية عشرة للهجرة. وعمره الشريف ثلاث وستون سنة، وبذلك تنتهي الحياة الأرضية لنبي آخر الزمان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أرسل بالدين الكامل والخالد إلى أبد الدهور وحتى تقوم الساعة.

١٦٦
١٦٧

دلائل نبوته (ص)

إن للتعرف على صدق مدعي النبوة بصورة عامة طرقا، منها تنصيص النبي السابق به، أو أظهر المعاجز وخوارق العادة لإثبات ارتباطه بالسماء والغيب، ولأجل إثبات نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سنشير باختصار إلى هذين الطريقين:

أولا: البشارة به في العهد الجديد

إن القرآن الكريم كتاب الوحي السماوي يشير في بعض آياته إلى مسألة مهمة وهي أن اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن هناك نبي في آخر الزمان، ومعرفتهم به من خلال الأوصاف والعلامات الموجودة في كتبهم (العهدين) لا تقبل الشك، فالقرآن يشير إلى هذا المعنى في آيات كثيرة منها قوله تعالى الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف

١٦٨
وينهاهم عن المنكر (١) وأيضا قوله تعالى * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) * (٢).

فالقرآن الكريم احتج على أهل الكتاب بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بشر به في التوراة والانجيل وإن كان هذا الادعاء غير صحيح، لاحتج أهل الكتاب بذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأنكروا البشارة به في كتبهم، ولكنهم على العكس من ذلك لاذوا بالصمت واختلاق التهم وإخفاء الحق وتفسير الكتاب وفق أهوائهم، لإبعاد أتباعهم عن قبول الحق والإيمان بالنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والباحث في التاريخ يجد أن البعض من علماء أهل الكتاب ولا سيما من النصارى بعد ما أدركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سمعوا بدعوته ورسالته آمنوا به واعتنقوا الإسلام، لمعرفتهم بأنه النبي المنتظر في آخر الزمان، وقصة بحيرا الراهب وسلمان الفارسي وغيرهم الكثير تؤيد هذا المدعى. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى * (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا أمنا فاكتبنا مع الشاهدين) * (٣)

(١) سورة الأعراف: آية ١٥٧.

(٢) سورة البقرة: آية ١٤٦.

(٣) سورة المائدة: ٨٣ - ٨٤.

١٦٩
ويؤكد القرآن الكريم بأن يسوع المسيح (عليه السلام) قد بشر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باسمه الصريح كما في قوله تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد (١) ويمكن إثبات هذه الحقيقة حتى في الأناجيل (العهد الجديد) المتداولة بين أيدينا الآن، وبالخصوص من إنجيل يوحنا، وإليك عزيزي القارئ بعض النصوص من إنجيل يوحنا بهذا الخصوص:

يقول (إذا كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد) (يو: ١٤: ١٥ - ١٦). وأيضا (يو: ١٤: ٢٦) وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم وأيضا (يو: ١٥: ٢٦) ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء وأيضا يو: ١٦: ٧ - ٨ لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ولكني إن ذهبت أرسله إليكم ومت ء ٢ ى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة وأيضا (يو: ١٦: ١٣) وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا

(١) سورة الصف: آية ٦.
١٧٠
يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه...

وهذه النصوص كلها تشير بالحقيقة إلى الاسم الصريح للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أستدل على ذلك مؤلف كتاب " أنيس الأعلام في نصرة الإسلام " (١) وأثبت أن النصوص الآنفة الذكر من إنجيل يوحنا كلها تشير إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن علماء الكتاب المقدس ومفسريه هم الذين حرفوا معنى هذه الكلمة، ونذكر هنا استدلاله باختصار، فيقول:

وجه الاستدلال يتوقف على بيان نكتة، وهي أن المسيح (عليه السلام) كان يتكلم بالعبرية (وكانت اللغة السائدة في فلسطين مع اللغة الأرامية) وكان يعظ تلاميذه بها، لأنه ولد وشب بين ظهرانيهم هذا من جانب، ومن جانب آخر أن المؤرخين أجمعوا على أن الأناجيل الثلاثة (لوقا، مرقس، يوحنا) كتبت من أول يومها باللغة اليونانية، وأما إنجيل متي فكان عبريا من أول إنشائه (وثم ترجم إلى اليونانية ولا وجود للنسخة العبرية الآن).

وعلى هذا فالمسيح (عليه السلام) بشر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باللغة العبرية، وإنما نقله إلى اليونانية كاتب الإنجيل الرابع (يوحنا) وكان عليه

(١) مؤلف هذا الكتاب هو أحد القسيسين، وينقل في مقدمة الكتاب أنه ولد في أرومية في ايران واشتغل بطلب العلوم الدينية وكان في فرقة البروتستانت ، وقام بتأليف هذا الكتاب بعد إسلامه ولقب بفخر الإسلام واسمه محمد صادق وهذا الكتاب في ستة أجزاء وطبع في ايران باللغة الفارسية.
١٧١
التحفظ على لفظ المسيح (عليه السلام)، لأن القاعدة الصحيحة تقتضي عدم تغيير الإعلام والاتيان بنصها الأصلي، لا ترجمة معناها. ولكن يوحنا لم يراع هذا الأصل، وترجمة إلى اليونانية فضاع لفظه الأصلي الذي تلكم به المسيح (عليه السلام)، وفي غب ذلك حصل الاختلاف في المراد منه، وأما اللفظ اليوناني الذي وضعه الكاتب يوحنا مكان اللفظ العبري فهو مردد بين كونه (پاراقليطوس، pericletos) الذي هو بمعنى المعزي والمسلي والمعين، أو (پريقليطوس pericletos) الذي هو بمعنى المحمود، الذي يرادف أحمد.

ولأجل تقارب الكلمتين في الكتابة والتلفظ والسماع، حصل التردد في المبشر به، ومفسرو ومترجمو إنجيل يوحنا، يصرون على الأول ولأجل ذلك ترجموه إلى العربية ب‍ (المعزي) وإلى اللغات الأخرى بما يعادله ويرادفه، وادعوا أن المراد منه هو روح القدس، وأنه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقدان المسيح (عليه السلام) (يوم العنصرة) (١)...

ولكن القرائن الكثيرة كلها تأبى هذا التفسير لهذه الكلمة ب‍ (المعزي) بل كون معناها المحمود، أحمد أقرب إلى الظاهر وإليك بعض القرائن على ذلك، كما ينقلها الأستاذ العلامة السبحاني: - ١ - إنه وصف المبشر به بلفظ (آخر) وأنا أطلب من الأب

(١) الإلهيات ج ٣ ص ٤٤٩.
١٧٢
فيعطيكم معزيا آخر، وهذا لا يناسب كون المبشر به نظير روح القدس لعدم تعدده، وانحصاره في واحد، بخلاف الأنبياء فإنهم يجيئون واحدا بعد الآخر.

٢ - إنه ينعت ذلك المبشر به بقوله ليمكث معكم إلى الأبد وهذا يناسب نبوة النبي الخاتم التي لا تنسخ.

٣ - إنه يقول وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم وهذه الجملة تناسب أن يكون المبشر به نبيا يأتي بعد فترة من رسالة النبي السابق بعد أن تصير الشريعة السابقة على وشك الاضمحلال والاندثار، فيأتي النبي اللاحق يذكر بالمنسي، وأما لو كان المراد هو الروح القدس فقد نزل على الحواريين بع خمسين يوما من فقد المسيح (عليه السلام) حسب ما ينص عليه كتاب أعمال الرسل (١: ٥، ٢:

١ - ٤)، أفيظن أن الحواريين نسوا في هذه المدة اليسيرة معالم المسيح (عليه السلام) وتعاليمه حتى يكون النازل هو الموعود به؟!.

٤ - أنه يقول لأنه إن لم أنطلق، لا يأتيكم المعزي ولكن أن ذهبت أرسله إليكم وهذا يناسب أن يكون المبشر به نبيا حيث علق مجيئه بذهابه، لأنه جاء بشريعة عالمية، ولا تصح سيادة شريعتين مختلفتين على أمة واحدة في وقت واحد ولو كان المبشر به هو روح القدس، لما كان لهذا التعليق معنى لأن روح القدس

١٧٣
حسب تصريح إنجيلي متى ولوقا، نزل على الحواريين عندما بعثهم المسيح (عليه السلام) للتبشير والتبليغ (أنظر متى: ١٠ - ١١) (لو: ١٠ - ١١).

٥ - ويقول ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة... وهذا يؤيد أن يكون المبشر به نبيا إذ لو كان المراد هو روح القدس، فهو نزل في يوم الدار على الحواريين حسب زعمهم، فما وبخ اليهود الذين لم يؤمنوا به أصلا، لعدم رؤيتهم إياه.

ولم يوبخ الحواريين لأنهم كانوا مؤمنين به.

٦ - ويقول ومتى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. وهذا يتناسب مع كون المبشر به نبيا خاتما، صاحب شريعة متكاملة، لا يتكلم إلا بما يوحى إليه، وهذه كلها صفات الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (١).

وأكتفي بهذه القرائن على أن المحققين قد ذكروا قرائن أخرى كثيرة تثبت أن المراد من المبشر به هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أراد التوسع فليطالع كتبهم (٢).

وختاما لهذا المختصر أنقل قصة ذكرها مؤلف كتاب أنيس

(١) الإلهيات ج ٣ ص ٤٥٠ - ٤٥٢.

(٢) من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب أنيس الأعلام في نصرة الإسلام ج ٥ ص ١٣٩ - ١٧٢.

١٧٤
الأعلام في نصرة الإسلام بهذا الخصوص تتمة للفائدة، يقول المؤلف: مؤلف هذا الكتاب أبا عن جد من أكابر القساوسة المسيحيين، وولادتي كانت في أرومية في ايران، وتعلمت العلوم الدينية عند العلماء والمعلمين النصارى ومن جملتهم الأب (يوحنا بكير) والقس (يوحناى جان) وغيرهم من فرقة البروتستانت، ومن فرقة الكاثوليك الأب (تالو) والقس (كوركز) وغيرهم من المعلمين التاركين للدنيا.

وفي سن الثانية عشرة أكملت الدراسة الأولية وتخرجت بدرجة قسيس، وبعد ذلك أحببت التوسع في البحث عن العقائد والملل المختلفة، ولا سيما المذاهب المسيحية، وطفت البلدان الكثيرة من أجل العلم إلى أن انتهى بي المطاف عند عظيم القساوسة، المطران صاحب المقام الرفيع في فرقة الكاثوليك، وكان صاحب منزلة وشأن عظيم ومشهورا في ذلك المذهب بعلمه وتقواه وزهده، بحيث أن الملوك والسلاطين والأشراف والرعية من فرقة الكاثوليك كانوا يلجؤون إليه في سؤالاتهم الدينية وينهلون منه معالم دينهم، ويبعثون إليه بالهدايا الكثيرة، ويتشرفون بالتبرك به.

وقد تعلمت الأصول والعقائد للمذاهب المختلفة عند هذا العالم الجليل، وكان يحضر درس هذا الأستاذ أيضا الكثير من التلاميذ وكان يصل عددنا تقريبا إلى خمسمائة تلميذ وبيننا الكثير من الأخوات

١٧٥
التاركات للدنيا الراهبات، وكانت لي مع العالم علاقة خاصة، إذ كان له أنس ومحبة واهتمام خاص بي، ولهذا فقد سلمني مفاتيح المدرسة (المسكن والمخزن وغيرها) كلها باستثناء مفتاح لغرفة صغيرة خاصة به، وكنت أظن أن فيها أمواله الشخصية، ولذا كنت أحدث نفسي وأقول أن هذا العالم الجليل الزاهد في الظاهر لعله من أهل الدنيا وأنه (ترك الدنيا للدنيا)...

وامتدت مدة دراستي عنده إلى السنة الثامنة عشرة تقريبا، وفي أحد الأيام نزل بالمطران الكبير مرض أقعده عن الدرس في ذلك اليوم، وأمرني أن أبلغ التلاميذ بأنه لا يستطيع حضور الدرس، لأن مزاجه لا يساعد على التدريس، وفعلا خرجت إلى التلاميذ لا بلاغهم أمر الأستاذ، فرأيت التلاميذ مجتمعين يتباحثون في مسألة علمية، وكان حديثهم يدور حول كلمة (فارقليطا) في السرياني و (پيرقليطوس) باليوني، الذي ذكرها (يوحنا) في إنجليه نقلا عن المسيح (عليه السلام). وكثر الجدال والنقاش حول هذه الكلمة، واختلفت الآراء في معنى هذه الكلمة، وانتهى النقاش وانصرف التلاميذ دون الوصول إلى نتيجة...

وبعدها رجعت إلى غرفة المطران الأعظم فسألني: يا بني عند غيابي اليوم بأي موضوع تباحثتم؟ فذكرت له أن التلاميذ اختلفوا في معنى كلمة (فارقليطا) وأوضحت له الآراء التي طرحها التلاميذ في

١٧٦
هذه المسألة فسألني: وما كان رأيك في هذه الكلمة؟ فأجبته بأنني قد اخترت قول المفسر الفلاني. فقال لي لست مقصرا، ولكن الحق خلاف هذه الأقوال جميعا، لأنه لا يعرف معنى تفسيرها هذا الاسم الشريف في زماننا إلا القليل من الراسخين في العلم، فدنوت منه وجلست عند قدميه، واستعطفته قائلا: أيها الأب الأعظم، إنك تعلم شدة تعصبي للمسيحية، وإني قد صرفت عمري من أوله إلى الآن في طلب العلم وتحصيله، فماذا يحدث لو تتفضل وتتلطف علي، وتوضح لي معنى هذا الاسم الشريف...

فرأيت عينيه اغرورقت بالدموع وأجهش الشيخ بالبكاء، وقال : يا بني إنك والله أعز الناس عندي، ولك منزلة خاصة، ومع أن هذا الاسم الشريف له فائدة عظيمة، ولكن بمجرد انتشار هذا المعنى فإن المسيحيين سوف يقتلوننا معا، إلا أن تعاهدني الله على أنك لا تفشي هذا السر في حياتي ولا تذكر اسمي بعد مماتي أيضا، لأن المسيحيين إن علموا أن هذا التفسير أنا الذي كشفته فإنهم سيخرجونني من قبري ويحرقونني...

فأغلظت له الأيمان بالله العظيم القاهر الغالب، وبحق عيسى ومريم (عليهما السلام) وبحق كل الأنبياء والانجيل، بأني سوف لن أبوح بهذا السر عنك أبدا، ولا أذكر اسمك في الحياة وبعد الممات. فطمأن لي وقال: يا بني إن هذا الاسم هو من الأسماء المباركة لنبي

١٧٧
المسلمين (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمعنى أحمد ومحمود، ومن ثم ناولني مفتاح تلك الغرفة الصغيرة، وقال افتح الصندوق الفلاني ستجد الكتاب الفلاني والفلاني فاتني بهما، فذهبت وجئته بالكتابين، وكانا باليوناني والسرياني ومكتوبان على جلد قديم، وقد ترجم لفظ (فارقليطا) فيهما بمعنى أحمد ومحمد فقال لي: إعلم يا بني أن العلماء والمترجمين المسيحيين قبل ظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكونوا مختلفين في معنى (أحمد ومحمد) ولكن بعد ظهوره (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن العلماء والقساوسة الكبار حرفوا كل الكتب والتراجم التي تفسر هذه الكلمة إلى هذا المعنى، من أجل حفظ رئاستهم ومنافعهم الدنيوية وأيضا حسدا وعنادا وتكبرا، وابتدعوا معنى جديدا لهذا الاسم الشريف، وهذا المعنى الجديد لم يكن أبدا المقصود لكاتب الإنجيل ، ويمكن بسهولة ومن خلال ترتيب ونسق الآيات الموجودة حاليا في إنجيل يوحنا، معرفة المعنى الحقيقي لهذا الاسم وأن معنى المسلي والمعزي والروح القدس لم يكن المقصود لكاتب الإنجيل.

لأن المسيح (عليه السلام) اشترط في مجيئ (فارقليطا) ذهابه ورحيله ، لأنه لا يجوز اجتماع نبيين مستقلين صاحبي شريعة عامة في زمان واحد، بخلاف روح القدس الذي نزل يوم العنصرة (يوم الخمسين) بعد المسيح (عليه السلام)، لأنه مع وجود عيسى (عليه السلام) والحواريين نزل الروح القدس عليه وهو واضح في إنجيل متى (٣: ١٦ - ١٧) إذ يقول أن

١٧٨
الروح القدس نزل على المسيح (عليه السلام) بعد تعميده من قبل يوحنا المعمدان بصورة حمامة...

وفي ختام القصة يضيف المؤلف فسألت الحبر الأعظم: فما المانع من قبولك للإسلام ومتابعة سيد الأنام مع أنك تعلم فضيلة الإسلام وأن متابعة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو طريق النجاة والصراط المستقيم المؤدي إلى الله؟ فأجاب: يا بني إني قد اطلعت على هذه الحقيقة في أواخر عمري وأنا شيخ كبير السن وفي الحقيقة أني لا أستطيع ترك هذه الرياسة العظيمة والعزة والشأن والمقام الرفيع بين النصارى، ولكني في الباطن مسلم وبحسب الظاهر نصراني، وإذا ما أعلنت إسلامي فأنهم سوف يقتلونني.... فقلت له: إذن هل تأمرني أن أعتنق الإسلام؟ فقال إن أردت النجاة يجب عليك قبول دين الحق ، ولأنك شاب في مقتبل العمر عسى أن يهيئ لك الله سبحانه أسباب الحياة الدنيوية أيضا، وإني سوف أكثر الدعاء لك، على أني أشهدك يوم القيامة بأني باطنا من المسلمين والتابعين لسيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). واعلم أن أغلب العلماء والقساوسة الكبار في باطنهم لهم نفس حالتي، ولكنهم لا يستطيعون ترك الرياسة الدنيوية، وإلا فليس هناك أي شك وشبهة في أن الإسلام اليوم هو دين الله على الأرض (١).

(١) كتاب (أنيس الأعلام في نصرة الإسلام) ج ١ ص ٦ - ١٩.... والكتاب كما

=>

١٧٩
نعم يا عزيزي القارئ أنها الحقيقة التي لا غبار عليها، وهي واضحة وجلية لكل باحث، ولا شك ولا ريب فيها ولكن التعصب وجب الدنيا هي التي تمنع الإنسان من الاذعان والخضوع للحق، واعتقد أن هذه الحقيقة لوحدها كافية لكل عاقل ذي لب يروم الوصول إلى الحق، ولمن يستمع القول فيتبع أحسنه. فيؤمن بأن النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي المبشر به في التوراة والانجيل، وهو نبي آخر الزمان. وأن الإسلام هو الدين الحق.

ثانيا: معاجزه (ص)

من الواضح أن الأنبياء (عليهم السلام) عندما كانوا يظهرون النبوة ويقومون بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الله سبحانه، كان الناس بالمقابل - ولإثبات صدق دعوى النبوة - يطالبونهم بالمعاجز والآيات والخوارق للعادة التي يعجز عنها الإنسان العادي، ليتيقنوا بأن هذا النبي صادق في مدعاه وأنه مبعوث من قبل الله تعالى.

وكان الأنبياء غالبا ما يستجيبون للناس ويظهرون المعاجز والآيات لهم، بل وفي بعض الأحيان فإن النبي كان يأتي بالمعجزة قبل أن يطلب الناس ذلك منه، وهذا ما تنقله كتب التاريخ عن الكثير من الأنبياء السابقين كموسى (عليه السلام) وعيسى (عليه السلام) وغيرهم.

<=

ذكرت طبع باللغة الفارسية وقد ترجمت القصة من الفارسية إلى العربية.

١٨٠