×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

هوية التشيع / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

فنّده كثير من المحققين، وحتى مع فرض صحته يبقى متأخراً عن وجود عقيدة المهدي كما ذكرنا. وليس للمختار تلك المكانة الكبيرة عند فرق المسلمين حتى يأخذوا عنه ويتأثروا بآرائه مع التفات المسلمين لهدفه.

عقيدة المسلمين بالمهدي

إنّ فكرة الإِمام المهدي في نطاق العقيدة الدينية بغض النظر عن تفاصيلها موضع اتفاق جمهور المسلمين فإنّ روايات المهدي وانتظار الفرج على يديه وظهوره ليملأ الأرض عدلاً وردت عند كل من الشيعة والسنة، وممن رواها من أئمة السنة:

الإِمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وأبو داوود في سننه، وابن ماجة في سننه، الحاكم في مستدركه، والكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان وابن حجر العسقلاني في القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ويوسف بن يحيى الدمشقي في عقد الدرر في أخبار الإِمام المنتظر، وأحمد بن عبدالله أبو نعيم صاحب الحلية في نعت المهدي، ومحمد بن ابراهيم الحموي في مشكاة المصابيح، والسمهودي في جواهر العقدين وعشرات من أعلام السنة وغيرهم(١) لا اُريد الإِطالة بذكرهم.

وقد أخرج أئمة السنة أحاديث المهدي عن طريق الإِمام عليٍّ عليه السلام وابن عباس، وعبدالله بن عمر، وطلحة، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، واُم سلمة، وغيرهم.

ومن تلك الأحاديث ما رواه ابن عمر بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ذلك هو المهدي، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: المهدي من عترتي من ولد فاطمة، وقد صحح هذه الأحاديث وغيرها مما ورد في الإِمام المهدي: ابن تيمية

(١) راجع أعيان الشيعة ٤/٣٤٨.

١٨١
مستنداً إلى مسند الإِمام أحمد بن حنبل وصحيح الترمذي، وسنن أبي داوود(١).

وقد ذهب ابن حجر تبعاً للنصوص إلى تكفير منكر المهدي فقد أجاب في الفتاوى الحديثية حين سئل عمن ينكرون خروج المهدي المنتظر فقال: فهؤلاء المنكرون للمهدي الموعود به آخر الزمان وقد ورد في حديث عن أبي بكر الأسكافي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال: من كذب بالدجال فقد كفر، ومن كذب بالمهدي فقد كفر، إلى أن قال: ونملي عليك من الأحاديث المصرحة بتكذيب هؤلاء وتضليلهم وتفسيقهم مافيه مقنع وكفاية لمن تدبره: أخرج أبو نعيم أنّه صلى الله عليه وآله وسلّم قال: يخرج المهدي وعلى رأسه عمامة ومعه مناد ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه، ثم أخذ يورد الأحاديث الواردة في المهدي(٢). هذا بعض المأثورات السنية في الإِمام المهدي، أما الشيعة فرواياتهم في موضوع الإِمام المهدي بكل جوانبه كثيرة واردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته، وقد ألفوا في ذلك كتباً كثيرة استوفت وغطت كل التساؤلات حول موضوع الإِمام المهدي: مثل كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني، وكمال الدين وتمام النعمة لمحمد عليِّ بن بابويه القمي، وكتاب الغيبة لمحمد ابن الحسن الطوسي(٣) وغيرهم كثير وقد تناولها فكتب بالمهدي كل من الصدوق في علل الشرائع، والمرتضى في تنزيه الأنبياء والمجلسي في البحار والمفيد في الفصول، وفي الإرشاد ومن المتأخرين كتب عشرات المؤلفين بالمهدي وأشبعوا الموضوع. وقد استعرضوا الأدلة في موضوع المهدي وأذكر من أدلتهم دليلين فقط:

١ ـ فمن الأدلة العقلية التي أوردها دليل اللطف ومفاد هذا الدليل: أنّ العقل يحكم بوجوب اللطف على الله تعالى وهو فعل ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية ويوجب إزاحة العلة وقطع العذر بما لا يصل حد الإِلجاء لئلا يكون للناس على الله حجة فكما أنّ العقل حاكم بوجوب إرسال الرسل وبعثة

(١) نظرية الإِمامة ص٤٠٥.

(٢) الإِمام الصادق ٦/١٤٦.

(٣) أعيان الشيعة ٤/٣٨٨.

١٨٢
الأنبياء ليبينوا للناس ما أراد الله منهم وللحكم بينهم بالعدل: كذلك يحب نصب الإِمام ليقوم مقامهم تحقيقاً لنفس العلة، فإنّ الله لا يخلي الأرض من حجة، وليس زمان بأولى من زمان في ذلك، إلى آخر ما أوردوه.

٢ ـ أما من الأدلة النقلية فذكروا ما يلي: قال الله تعالى (وعد الله الذين آمنو منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم) فقد فسرت هذه الآية كما عن الإِمام الصادق عليه السلام بخروج المهدي وتحقيق هذه الأشياء على يديه(١) وقد قيل إنّ لسان هذه الآية عام يشير إلى تحقيق هذه الأمور على أيدي المسلمين فأجابوا أنّ القرائن تفيد أنّ هذه الاُمور لم تتحقق على النحو الذي ذكرته هذه الآية من مجيء الإِسلام حتى يومنا هذا، ووعدالله لا بد تحقيقه، وتلك قرينة على تحققه في الستقبل، يضاف لذلك أنّ من أساليب القرآن الكريم أن يعبر عن الخاص بصيغة العام وعن المفرد بالجمع في كثير من الموارد، ولذلك قال الفخر الرازي عند تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا بخافون لومة لائم) الخ المائدة: /٥٧.

قال: إنّها نزلت في أبي بكر بقرينه أنّه هو الذي قاتل المرتدين مع أنّ لسان الآية عام(٢)، ومن الأحاديث التي استدل بها الشيعة في موضوع المهدي ما رواه الطوسي في الغيبة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: لا تذهب الدنيا حتى يلي اُمتي رجل من أهل بيتي يقال له المهدي(٣)، هذه فكرة موجزة أردت بها الإِشارة إلى إجماع المسلمين على موضوع المهدي. وحينئذ لا يبقى قيمة لأقوال المهرجين الذين يريدون إبعاد الفكر عن الإِسلام غير عابئين بما ورد فيها من آثار ونصوص، وإذا كان البعض قد استغل الفكرة عبر التاريخ فما ذلك بموجب لنكرانها ورمي من يعتقد بها

(١) أعيان الشيعة ٤/٣٨٩.

(٢) تفسير الرازي ٣/٤١٦.

(٣) أعيان الشيعة ٤/٣٩٠.

١٨٣
بالتخريف، وما أسهل نفي فكرة إذا كانت لا تلتقي مع مصلحة شخص أو كان يجهلها. على أنّني لا اُصحح جميع ما أحاط بها من ذيول بل لا بد من الإِقتصار على ما تثبت صحته بالطرق المعتبرة ويجدر بالبعض أن يبتعد عن التهريج الذي يصل إلى القول:

ما آن للسّرداب أن يلد الذي * صيّرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفاء لأنّكم * ثلّثتموا العنقاء والغيلانا

إنّ هؤلاء تسرعوا فقالوا بما لا يعرفون واننا نقول لأمثال هؤلاء سلاماً كما أمر القرآن الكريم.

المردود الإِيجابي في عقيدة المهدي

بقي أن يعرف ما هي حصيلة عقيدتنا بوجود المهدي فإنّ تقييم مثل هذه الاُمور يصحح كثيراً من التصورات الخاطئة من أمثال هذه العقائد خصوصاً إذا عرفنا أنّ العقائد فواعل بالنفوس.

١ ـ المردود الأول:

فأول المردودات الإِيجابية بهذه العقيدة حصول الإِمثال لأمر الله تعالى بهذه العقيدة ككل العقائد، فإنّ المفروض أنّ النصوص تحتم الإِيمان بها كما ذكرنا آراء العلماء بذلك.

٢ ـ المردود الثاني:

الشعور بقيام الحجة على العباد لله تعالى بوجود الإِمام إذ لو حصلت الكفاية بغيره لما حصل الخلاف بي المسلمين، فإن قيل إنّ الخلاف حاصل بالفعل قيل: إنّ ذلك ناتج من عدم الإِلتزام بإمامته، بالإِضافة إلى الشعور بالتسديد في آراء العلماء بوجود الإِمام بين أظهرهم وإن لم يعرفوه.

١٨٤

٣ ـ المردود الثالث:

في وجود المهدي لطف يقرب العباد إلى الله تعالى لشعورهم بأنّ الله تعالى يهيّئ لإِقامة العدل ورفع الظلم، فإن قيل إنّ رفع الظلم يجب أن يحدث بالأسباب الطبيعية من قبل الناس: قيل إنّ ذلك صحيح ولكن إذا تهاونوا بذلك فلا بد أن يدافع الله تعالى عن الذين آمنوا، فإن قيل إنّ ذلك يحصل بالآخرة، قيل إنّ مثل ذلك كمثل إقامة الحدود في الدنيا مع أنّ المجرم لا يترك بالآخرة. هذه بعض الفوائد في موضوع الإِمام المهدي وليست هي علة تامة بل حكمة ونحن نتعبد بما ورد في النصوص، وهناك فوائد اُخرى ذكرتها المطولات وغطت أبعاد المسألة يمكن الرجوع إليها.

المردود السلبي في عقيدة المهدي

١ ـ المردود الأول:

إنّ أول المردودات السلبية أنّ هذه الفكرة تشل الإِنسان وتمنعه عن القيام بواجباته وتخدر الإِنسان وتتركه خائفاً ذليلاً بانتظار ظهور الإِمام ليأخذ له بحقه، وقد صوّر بعضهم شدة لهفة الشيعة لانتظار ظهور الإِمام بأنّ قسماً من الشيعة لا يصلّون مخافة أن يخرج الإِمام وهم مشغولون بالصلاة فلا يستطيعون اللحاق به(١) وهذ التصور مردود جملة وتفصيلاً فلا أحتاج إلى إكثار القول فيه بل اُلفت النظر إلى كتب فقه الإِمامية فإنّ الجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ووجوب الدفاع عن النفس قائم بالفعل ولا يرتبط بالمهدي من قريب أو بعيد ومن ادعى خلاف ذلك فليدلنا على المصدر، وأما الدعاوى الفارغة والقول البذيء فمردود على القائل وهو به أولى، ومن قفا مؤمناً بما ليس فيه حسبه الله تعالى في ردغة الخبال، كما يقول الحديث النبوي الشريف(٢).

(١) منهاج السنة لابن تيمية ١/٢٩.

(٢) تفسير الفخر الرازي عند قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) الخ.

١٨٥

٢ ـ المردود الثاني:

أنّ اللإِيمان بفكرة المهدي يؤدي إلى الإِزدراء بالعقل لما في ذلك من مفارقات مثل طول العمر غير المعتاد، وغيبته عن الأبصار، وعدم وجود فائدة في إمام كهذا وغير ذلك. والجواب على ذلك بالإِختصار: أنّ الشيعة لا يجعلون بقاءه هذه المدة أمراً طبيعياً وإنما هو معجزة لأنّهم يقولون لما ثبت بالأدلة وجوده وغيبته والوعد بظهوره فلا بد والحالة هذه من الإِيمان بذلك بالإِضافة لعدم خلو الزمان من إمام مفترض الطاعة، وبناءاً على أنّ وجوده معجزة ينقل حينئذ الكلام إلى المعجزات ككل فأما أن تصدق أو تكذب وإذا كذبناها كذبنا الثابت في الإِسلام أما أنّه لا يرى فليس بمعلوم بل يجوز أن يرى ولا يعرف ويستفاد بآرائه لأنّه يشترك مع الناس بالآراء ويلقي بالرأي الصحيح، يبقى الكلام على عدم تعليل اختفائه، وما أكثر العقائد والأحكام التي لا نجد لها علة ونقول بمضمونها مثل رمي الجمرات في الحج، والهرولة، ومعاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية وأعداد ركعات الصلاة وهكذا. فإنّها كلها أحكام غير معللة بل معظم الأحكام هكذا، وكذلك كثير من العقائد.

٣ ـ المردود الثالث:

الإزدواجية التي تحصل من وجود إمام تجب طاعته ولا يحكم وآخر يحكم ولا تجب طاعته، والجواب أنّ فقهاء الإِمامية بالجملة في حال غيبة الإِمام يقرون حكومة الحاكم العادل الذي يرعى مصالح المسلمين ويحمي ثغورهم ويجاهد عدوّهم ويرتبون المشروعية على تصرفاته بالجملة.

أما بعد فهذه إلمامة موجزة بفكرة الإِمام المهدي أردت أن اُذكّر من يكتبون عنها فيصوّرون الشيعة كأنّهم اقتبسوا أحكامهم من كسرى وقيصر مع وفرة ما أوردناه من أحاديث حول فكرة المهدي فهل يسع مسلماً يؤمن بالله نكرانها أورميها بعيداً عن الإِسلام، اللهم إلا أن يقال إنّ أحاديث اللمهدي دسها الشيعة في كتب السنة كما يقل ذلك موارد اُخر فإنّ بعضهم إذا لزمته الحجة بحديث قال ذلك،

١٨٦
كتاب هويّة التشيّع للشيخ الوائلي (ص ١٨٧ - ص ٢١٣)
١٨٧
مطبقات في كل واحد لون من الطيب وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير، والخ(١).

وقد كان للشيعة مندوحة عن كل ما عانوه من الجور والظلم بشيءٍ من مجاراة الحكام ولكنّهم أبوا ذلك وتصلبوا من أجل مبادئهم إلا في حالات شاذة.

على أنّ هناك ظاهرة اُلفت النظر إليها: وهي أنّ الشيعة منذ تعرضوا للضغط عاشت عندهم التقية على مستوى الفتاوى ولم تعش على المستوى العملي بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف الشيعة مع معاوية وغيره من حكام الاُمويين وحكام العباسيين كحجر بن عدي وميثم التمّار ورشيد الهجري وكميل بن زياد ومئات غيرهم وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية.

وبعد هذا فإنّ القول بالتقية لم ينفرد به الشيعة بل هم في ذلك كسائر المسلمين وذلك واضح من آراء المسلمين عند شرحهم للآيات الكريمة والأحاديث الواردة في هذا الخصوص. فمن الآيات الكريمة التي وردت في هذا الموضوع قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاة وحيذركم الله نفسه وإلى الله المصير) آل عمران/٢٨ وقوله تعالى: (الا من اُكره وقلبه مطمئنّ بالإِيمان) النحل/١٠٦.

أما الأحاديث فمنها ما ذكره البخاري في صحيحه كتاب الأدب باب المداراة مع الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم انا لنكشر في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم(٢).

وكقوله: رفع عن اُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه(٣) ذكر ذلك ابن عربي عند تفسيره للآية ١٠٦ من سورة النحل، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم:

(١) وفيات الأعيان ٢/٤٦٥.

(٢) البخاري ٤/٤٣.

(٣) أحكام القرآن لابن العربي ص١١٦٦ تسلسل عام.

١٨٨
لمحمد بن مسلمة ومن معه لما أرسلهم لقتل كعب بن الأشرف فقالوا: يا رسول الله أتأذن لنا أن ننال منك؟ فأذن لهم(١) وقد انقسم المسلمون في مفاد هذه النصوص ودلالتها على التقية إلى أقسام قال بعضهم بجوازها بالقول دون الفعل، وعممها بعضهم إلى الفعل، واختلفوا في وجوبها مطلقاً، أو جوازها مطلقاً أو التفصيل فتجب في بعض الموارد وتجوز في اُخرى وسأذكر لك في الفصل القادم آراء بعض فقهاء المسلمين لأخذ صورة عن الموضوع وذك بعد مدخل بسيط لصلب الموضوع:

تعريف التقية:

عرّف المفسرون التقية بأنّها: «إخفاء المعتقد خوفاً من ضرر هالك، ومعاشرة ظاهرة مع العدوّ المخالف والقلب مطمئنّ بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من شق العصا» (٢). وعرّفها الشيخ المفيد في كتابه أوائل المقالات بأنّها: «كتمان الحق وستر الإِعتقاد به ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدنيا والدين»(٣) والمؤدى واحد في كل من التعريفين.

وبعد تعريف التقية أعود إلى آراء فقهاء المذاهب الإِسلامية في أحكام التقية المختلفة.

أقوال فرق المسلمين فيها

١ ـ المعتزلة:

أجاز المعتزلة التقية عند الخطر المهلك وعند الخوف تلف النفس وفي ذلك يقول أبو الهذيل العلاف: إنّ المكره إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما اُكره عليه فله أن يكذب ويكون وزر الكذب موضوعاً عنه(٤).

(١) المصدر السابق ٢/١٢٥٧.

(٢) دراسات في الفرق والعقائد ص٤٥.

(٣) أوائل المقالات ص٦٦.

(٤) الإِنتصار للخياط ٨/١٢٨.

١٨٩

٢ ـ الخوارج:

إنقسم الخوارج حول التقية إلى ثلاثة أقسام: فقسم وهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق منعوا التقية ونددوا بمن يعمل بها بشدة وكفروا القاهدين عن الثورة بوجه الظلم والظالمين، وفي ذلك يقول نافع بن الأزرق: التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر واضح لقوله تعالى: (إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله) الخ النساء/٧٧. ولقوله تعالى: (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) المائدة/٥٥. والقسم الثاني وهم النجدات أتباع نجدة بن عويمر فقد أجازوا التقية في القول والعمل ولو أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرّم الله.

والقسم الثالث وهم الصفرية أتباع زياد بن الأصفر فكانوا وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء فأجازوها في القول دون الفعل، كما نص على ذلك عنهم الشهرستاني(١) وأدلتهم قابلة للمناقشة ولست بصدد ذلك.

٣ ـ أهل السنة:

التقية عند السنة بالإِجماع جائزة في القول دون العمل، ويذهب بعضهم إلى الوجوب فيقول بوجوبها في بعض الحالات ومنهم الغزالي حيث يقول في ذلك: إنّ عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان القصد سفك دم مسلم فالكذب فيه واجب(٢) وقد اقتصر بعضهم على الرخصة بالتقية إذا كان المسلم بين كفار يخافهم على نفسه أو ماله ومن هؤلاء القائلين بالرخصة الرازي المفسر والطبري كذلك في تفسيريهما عند قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة(٣)) بينما ذهب قسم آخر من العلماء إلى أنّ التقية متعينة ليست بين الكفار فقط بل حتى إذا كان المسلم بين مسلمين شابهت حالهم الحال مع الكافرين أي في حال عدم قدرة المسلم على

(١) الملل والنحل هامش الفصل ٤/٦٨.

(٢) إحياء العلوم ٣/١١٩.

(٣) تفسير الطبري ٣/٢٢٩، وتفسير الرازي عند تفسير الآية المذكورة.

١٩٠
إظهار عقيدته المذهبية بين مسلمين من فرق اُخرى وممن ذهب لهذا الرأي الإِمام الشافعي وابن حزم الظاهري(١).

وحكم التقية كباقي الأحكام باق إلى يوم القيامة خلافاً لمن قصره على أيام ضعف الإِسلام وفي ذلك يقول الفقهاء:

إنّها جائزة للمسلم إلى يوم القيامة، مستندين إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لعمار بن ياسر لما قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما تركوني حتى نلت منك فقال له: إن عادوا فعد لهم بما قلت، ذكر ذلك البيضاوي في تفسيره للآية ١٠٦ من سورة النحل فراجعه.

٤ ـ رأي الشيعة بالتقية:

لا يختلف الشيعة عن السنة في القول بالتقية فإنّها عندهم وسيلة أرشد إليها الشرع لحفظ النفوس الواجب حفظها، وحفظ باقي الاُمور التي أمر الشرع بحفظها هذا كل هدف التقية عندهم لا غير، وليس كما يقول البعض إنّ الشيعة اتخذوا من التقية أداة للختل والمراوغة والإِزدواجية ولأجل المؤسسات السرية الهدامة(٢).

والتقية عند الشيعة تختلف باختلاف المقام فقد تكون واجبة وقد تكون مباحة وقد تكون محرمة، ولذلك تجد عبارات فقهاء الشيعة قد ذكرت الحالات الثلاث يقول ابن بابويه القمي: إعتقادنا في التقية: أنّها واجبة وأنّ من تركها فكأنّما ترك فرضاً لازماً كالصلاة، ومن تركها قبل ظهور المهدي فقد خرج عن دين الله ودين نبيه والأئمة، بينما يقول الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان:

التقية جائزة عند الخوف على النفس وقد تجوز في حال دونه عند الخوف على المال ولضروب من الإِستصلاح، وأقول إنّها قد تجب أحياناً من غير وجوب وأقول إنّها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة وليس تجوز في الأفعال في قتل المؤمنين وما

(١) المحلى لابن حزم ٨/٣٣٥، والمسألة ١٤٠٨.

(٢) ضحى الإِسلام ٣/٢٤٦.

١٩١
يغلب أنّه استفساد في الدين(١).

بينما يقول فقيه شيعي معاصر: وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر وليس هي بواجبة على كل حال بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للإِسلام وجهاد في سبيله فإنّه عند ذلك يستهان بالأموال ولا تعز النفوس، وقد تحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة، أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور فيهم، إلى أن قال: إنّ عقيدتنا في التقية قد استغلها من أراد التشنيع على الإِمامية فجعلوها من جملة المطاعن فيهم وكأنّهم لا يشفى غليلهم إلا أن تقدم رقابهم ـ أي رقاب الشيعة ـ إلى السيوف لا ستئصالهم(٢).

ومن هذه المقتطفات التي ذكرتها يتضح أنّ التقية تتبع الحالات والظروف وتكون محلاً للأحكام المذكورة تبعاً لاختلاف العناوين، وقد سبق أن ذكرنا استدلالات الشيعة للتقية من الكتاب والسنة، ولذلك كان الإِمام الصادق عليه السلام يقول: «التقية ديني ودين آبائي» وخصوصاً في عصره حيث كانت السيوف هي اللغة الوحيدة، وقد حاول بعضهم أن يفلسف من موقف الإِمام الصادق ومواقف الشيعة في التقية بأنّ التقية علاج لأمرين:

أ ـ هو أنّ سكوت أئمة أهل البيت عن المطالبة بحقهم والتصدي للظالمين من ناحية، ومن ناحية اُخرى إنّ المفروض أنّهم الأئمة المفترضة طاعتهم، إنّ ذلك يشكل تناقضاً لا مخرج منه إلا التقية، قال بذلك كل من الرازي في كتابه محصل آراء المتقدمين والمتأخرين والملطي في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع(٣).

(١) أوائل المقالات ٩٧.

(٢) عقائد الإِمامية للمظفر ص٨٧.

(٣) التنبيه والرد بحث التقية.

١٩٢
ب ـ والأمر الثاني هو ما يظهر من اختلاف في أقوال الأئمة بعضهم مع بعض وفي أقوال الإِمام الواحد في مقامات مختلفة مما يشكل علامة استفهام ودفعاً لذلك قالوا بالتقية حتى لا يبقى إشكال في ذلك، محصل قولهم ذكره صاحب كتاب دراسات في الفرق والعقائد (١).

إنّ هذا الباحث يظهر من تصويره لمسألة التقية عند الأئمة أنّه اختلط عليه المقسم بالقسم، وذلك أنّ الموردين الذين ذكرهما إنما هما من موارد تطبيق مبدإ التقية لا أنّ التقية اُنشئت من أجلهما، هذا مع أنّ هذا الباحث هو الدكتور عرفان من أكثر الناس إنصافاً للشيعة فيها كتب عنهم بالقياس إلى غيره فانظر لما كتبه حولهم(٢). وقد اعتبر كثير من الكتّاب أنّ موقف الإِمام الصادق عليه السلام من التشديد على التقية فيه ضعف وتخاذل بينما الواقع أنّ الإِمام بموقفه هذا حفظ أصحابه من هجمات شرسه فقدت صوابها ولم يعد لها من منطق غير المخلب والناب وفي مثل هذا الحالات لا بد من الحكمة، وسأذكر لك صوراً مصغرة عما كان عليه الحال:

يقول الخطيب البغدادي بسنده عن أبي معاوية قال: دخلت على هارون الرشيد فقال لي: لقد هممت أنّ من يثبت الخلافة لعليٍّ أن أفعل به وأفعل قال أبو معاوية: فسكت، فقال لي: تكلم، قلت: إن أذنت لي؟ قال: تكلم، قلت: يا أمير المؤمنين قالت تيم منا خليفة رسول الله، وقال عدي منا خليفة رسول الله، وقالت بنو اُمية: منا خليفة الخلفاء، فأين حظكم يا بني هاشم، والله ما حظكم إلا ابن أبي طالب فسكت(٣) لقد أحسن الرجل الدخول وعرف من أين يأتيه، وهنا نقول إذا كان من يذكر حق عليٍّ بالخلافة يصنع به ما يصنع فما رأي هؤلاء المتفيهقين في أيام الرخاء الذين لم تلفح وجوههم النار ولم يعضهم الحديد.

(١) دراسات في الفرق والعقائد ص٥٣.

(٢) دراسات في الفرق والعقائد ص٤٢.

(٣) الإِمام الصادق لأسد حيدر ٢/٣١٠.

١٩٣
على أنّ هناك شيئاً آخر وهو أنّ أئمة المسلمين الآخرين اضطروا إلى استعمال التقية فيما تعرضوا له من مواقف، ومن ذلك ما ذكره أحمد بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي عند استعراضه لموقف الإِمام أحمد بن حنبل أيام المحنة والقول بخلق القرآن قال: لما امتنع أحمد بن حنبل من القول بخلق القرآن وضرب عدة سياط قال إسحق بن إبراهيم للمعتصم ولني يا أمير المؤمنين مناظرته فقال: شأنك به، فقال إسحق للإِمام أحمد ما تقول في خلق القرآن؟ فقال الإِمام أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا، فقال: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أم علمته من الرجال، فقال أحمد: بل علمته من الرجال، فقال إسحق علمته شيئاً بعد شيءٍ قال نعم، قال إسحق: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟ فقال: نعم، قال: فهذا مما لم تعلم وعلمكه أمير المؤمنين، فقال أحمد: فإنّي أقول بقول أمير المؤمنين، فقال إسحق في خلق القرآن، قال أحمد في خلق القرآن فاشهد عليه، وخلع عليه وأطلقه إلى منزله(١).

ولهذا قال الجاحظ في حواره مه أهل الحديث بعد أن ذكر محنة الإِمام أحمد بن حنبل وامتحانه: قد كان صاحبكم هذا ـ يعني الإِمام ـ يقول لا تقية إلا في دار الشرك فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية فلقد أعملها في دار الإِسلام وقد أكذب نفسه، ولو كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم على أنّه لم ير سيفاً مشهوراً ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلا الثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار مشبعة الأطراف حتى أفصح بالإِقرار مراراً، ولا كان في مجلس ضيق، ولا كانت حالته مؤيسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد، ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب ويزنون ويخف ويحلمون ويطيش(٢).

على أنّ سيرة المسلمين بالفعل قائمة على التقية فهناك اُمور لا يقرها بعض

(١) تاريخ اليعقوبي ٣/١٩٨.

(٢) الإِمام الصادق لأسد حيدر ٢/٣١٠.

١٩٤
المسلمين وهي قائمة عندهم. خذ مثلاً بقاء قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فإنّ الوهابيين لا يتركون قبراً قائماً فقد رووا في الصحاح عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ألاّ أدع قبراً قائماً الا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته وعلى هذه الرواية استند الوهابيون أو هي أحد مستنداتهم في تهديم القبور(١) ولكنّهم لم يتعرضوا لقبر النبي مع أنّ لسان الرواية عام لم يستثن قبراً وليس ذلك إلا تقية من المسلمين. وقد كان خبر أبي الهياج سبباً للتهريج عند ابن تيمية على الشيعة مع أنّ الرواية ما ثبتت عندهم من ناحية سندها، لقد شحن ابن تيمية كتابه بقوارص من الشتم يأباها خُلُق الإِسلام وأدب القرآن ومن ذلك أنّه إذا مرّ بذكر العلامة ابن المطهر الحلي يسميه بابن المنجس(٢).

في حين كان العلامة في خصومته مع العلماء في غاية التهذيب وبوسع القارئ أن يرجع إلى الكتابين الذين طبعا معاً وأن يحكم على الاُسلوبين ليرى الفرق بينهما.

وإلى هنا أرجو أن أكون قد وضعت بين يدي القارئ فكرة عن التقية كافية لأخذ صورة عن الموضوع ولا يخلو الواقع المعاصر من تقية متجسدة عند مختلف الشعوب.

(١) منهاج السنة لابن تيمية ١/٣٣٣.

(٢) المصدر السابق ١/١٣.

١٩٥
١٩٦
استهدفت فيها قدمته من بحوث توضيح هوية التشيع عرقياً وفكرياً، وكنت قد ذكرت سابقاً أنّ قصة عبدالله بن سبأ تؤلف جزءاً من كل يراد من ورائه مسخ صورة التشيع ولئلا يقول القارئ إنّ مسألة ابن سبأ لا يمكن أن تكون أمراً وهمياً فإنّي اُقدّم له هنا نماذج من المفتربات على الشيعة مقطوعة الكذب حتى يرى باُم عينه صدق دعوانا.

إنّ هذه الاُمور التي سيرد ذكرها وغيرها تحتم إعادة النظر في محتوى تاريخنا وعقائدنا ومحاولة تصحيح هذا المحتوى لأنّ بقاء هذ الذخيرة الفاسدة في تاريخنا سيظل يعمل عمل السوس في اُسس البناء حتى ينهار البناء فجأة ولا يكون ضحية هذا الإِنهيار إلا المسلمون أنفسهم، أما من كتب بهذه الاُمور وسطرها فقد مضى إلى ربه وسيقف أمام حكم عدل، ولكنّنا نحن ملزمون في تصحيح أوضاعنا فلا يجوز بحال من الأحوال أن نلقح أنفسنا وأبنائنا ضد مرض الحصبة مثلاً وهو لا يمكث إلا بضعة أيام، ولا نلقح أنفسنا ضد الفرقة والتناحر، وضد الأوبئة الفكرية التي تبقى ويبقى أثرها طويلاً، وقد آن الأوان لاُقدم لك نماذج من هذه المفتريات.

النموذج الأول: في الجمع بين النساء

الجمع بين النساء وعددهنّ، وجمهور المسلمين على أنّه لا يجوز للحر أن يجمع زيادة على أربع زوجات لقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) النساء/٣، وللسنة الشريفة التي حددت الزوجات بأربع كما سيأتي، والشيعة في ذلك كسائر فرق المسلمين لا يبيحون الجمع بين أكثر من أربع زوجات، وعندهم حتى لو طلق الرجل زوجة واحدة من الأربع فلا يجوز له

١٩٨
أن يكمل العدد برابعة حتى تنتهي عدة المطلقة، وقد أجمعوا على ذلك وإليك نموذجين من أقوالهم:

أولاً ـ:

يقول الشيهد الأول في اللمعة: لا يجوز للحر أن يجمع زيادة على أربع حرائر أو حرتين وأمتين، أو ثلاث حرائر وأمة، ولا للعبد أن يجمع أكثر من أربع إماء أو حرتين أو حرة وأمتين، ولا يباح له ثلاث إماء وحرة(١).

ثانياً ـ:

يقول المقداد السيوري في كنز العرفان: الحصر في الأربع وعدم جواز الزائد في النكاح الدائم إجماعي، وحتى المنقطع عند كثير من فقهائنا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لغيلان لما أسلم وعنده عشر نسوة أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ أي باقيهنّ، ولقول الإِمام الصادق عليه السلام لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر(٢). وبوسع القارئ أن يرجع لأي كتاب فقهي من كتب الإِمامية في باب النكاح ليرى أنّ هذه المسألة إجماعية عندهم، ومع ذلك استمع إلى بعض فقهاء المسلمين من أهل السنة الذين يجب أن يكونوا قدوة في الأمانة والصدق:

أ ـ:

يقول ابن حزم في المحلى لم يختلف في انه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة: أحد من أهل الإِسلام وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يحل لهم عقد الإِسلام(٣).

ب ـ:

قال محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام الحنفي: وأجاز الروافض تسعاً من الحرائر، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى ـ أي جوازالتسع ـ وأجاز الخوارج ثماني عشرة، وحكي عن بعض الناس إباحة أي عدد شاء بلا حصر:

وجه الأول:

أنّه بين العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع بحرف الجمع

(١) شرح اللمعة ٢/٧٣.

(٢) كنز العرفان ٢/١٤١.

(٣) المحلى لابن حزم ٦/٤٤١.

١٩٩
والحاصل من ذلك تسع، ووجه الثاني ذلك الا أنّ مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد مكرّر على ما عرف في العربية، فيصير ثمانية عشر، ووجه الثالث العمومات من نحو فانكحوا ما طاب لكم من النساء، ولفظ مثنى وثلاث ورباع تعداد عرفي لا قيد، كما يقال خذ من البحر ما شئت قربة أو قربتين أو ثلاثاً، ويخص الأولين تزوجه تسعاً والأصل عدم الخصوصية إلا بدليل، إلى آخر ما أورده، ثم شرع يقدم أدلته على الحصر بأربع(١).

وقد اتضح من قول ابن الهمام أمران: أولهما نسبة إباحة التسع للإِمامية وهو محض اختلاق ونتحدى من يذكر لنا مصدراً واحداً يقول بذلك من الشيعة، وثانيهما أنّ هناك من أهل السنة من يقول بإباحة التسع والأكثر من التسع كما نص عليه، ابن الهمام نفسه.

ج ـ:

يقول محمد أبو زهرة في الأحوال الشخصية: إنّ بعض الشيعة يجوّز الزواج بتسع حرائر لأنّ معنى قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) يعني اثنين وثلاثة وأربعة(٢) وهذا من أبي زهرة كأمثال له كثيرة، إنّ الرجل فيما أعرفه من مؤلفاته كثير التساهل فيما ينسبه للغير، ولا يحتاط بالنقل وللمناقشة مكان غير هذا لأنّ موارد تساهله كثيرة تحتاج إلى جهد ومكان.

وبعد ما ذكرته ساُقدم لك الأدلة على أنّ هذا الرأي عند أهل السنة وليس عند الشيعة كما مر عليك:

١ـ

يقول الكاساني علاء الدين في البدائع: لا يجوز للحر أن يتزوج أكثر من أربع زوجات من الحرائر والإِماء عند عامة العلماء، وقال بعضهم: يباح له الجمع بين التسع، وقال بعضهم: يباح له الجمع بين ثمانية عشر، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) الخ فالأولون قالوا إنّه ذكر هذه الأعداد بحرف الجمع وهو الواو وجملتها تسعة، واستدلوا أيضاً بفعل

(١) شرح فتح القدير ٢/٣٧٩.

(٢) الأحوال الشخصية ص٨٣.

٢٠٠