×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

هوية التشيع / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) ٥٦/المائدة. فقد تظافرت الروايات على نزولها في الإِمام عليٍّ عليه السلام وأنّها أشركته في الولاية العامة وقد روى ذلك كل من الفخر الرازي في تفسيره، وابن جرير الطبري في تفسيره، والبيضاوي في تفسيره، وأبي حيان في تفسيره والزمخشري في تفسيره وابن كثير في تفسيره وغيرهم ثم من بعد القرآن الكريم أعطته السنة النبوية هذه المكانة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيَّ بعدي، والحديث من الأحاديث المتواترة وقد أخرجه أهل الصحاح ومنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب فضائل علي من صحيح البخاري وكذلك من صحيح مسلم.

ويأتي أولاد عليٍّ عليه السلام من بعده وقد وضعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في هذه المكانة وليس أدل على ذلك من أنّه جعلهم عدل الكتاب فقال صلى الله عليه وآله وسلّم إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً. إلى آخر الحديث(١). والآن لنرجع إلى الفكر السني فسنجده يضع أئمته في نفس الموضع بدون نكير بل يرى أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو المسدد بالوحي لا يستغني عن هؤلاء الأئمة لحاجته إليهم: يقول الحاكم في المستدرك بسنده عن حذيفة بن اليمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول لقد هممت أن أبعث إلى الآفاق رجالاً يعلمون الناس السنن والفرائض كما بعث عيسى بن مريم الحواريين، قيل له: فأين أنت عن أبي بكر وعمر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا غنى بي عنهما إنّهما من الدين كالسمع والبصر(٢). بل أعطى السنة للصحابة منزلة تساوي منزلة النبي من ناحية حجية أقوالهم وأفعالهم وكونهم مصدراً للتشريع: يقول موسى جارالله في الوشيعة: «نحن فقهاء أهل السنة والجماعة نعتبر سيرة الشيخين الصديق والفاروق أصلاً تعادل سنن الشارع في إثبات الأحكام الشرعية في حياة الاُمة وإدارة الدولة وأنّ الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة وأنّها ناصفتها في

(١) البيان والتعريف لابن حمزة الحنفي ٢/١٣٦.

(٢) مستدرك الحاكم ٣/٧٤٥.

١٦١
تثبيت أركان دين الإِسلام»(١) فالخلفاء كما ينص جارالله هنا سيرتهم تعادل سنة النبي ونص القرآن، والخلفاء معصومون كالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأنّهم شاطروا النبي فلهم نصف تثبيت الإِسلام وللنبي صلى الله عليه وآله وسلّم النصف الثاني ويقول الإِمام الغزالي: مذهب الصحابي حجة مطلقاً(٢).

ويقول: ابن قيم الجوزي إنّ فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها وإن اختلفوا فإن كان الخلفاء الأربعة في شق فلا شك أنّه الصواب وإن كان أكثرهم في شق فالصواب الشق الأغلب وإن كانوا إثنين وإثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب(٣) وما أدري ما يقصده ابن القيم من قرب العهد فإذا كان يريد القرب الزماني فكل الخلفاء كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في زمان واحد وإن كان يريد القرب المكاني بالإِضافة لذلك فعليّ كان ألزم للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم من ظله فعلى تعليل ابن القيم يجب تقديم قوله إذا تعارض مع أقوال غيره.

ودعني اُحدثك عن أروع من هذا كله وهو أن يكون قول بعض أئمة السنة هو المقياس لتصحيح القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إذا اختلف الكتاب والسنة مع قول ذلك الإِمام: يقول الكرخي من أئمة الأحناق:

الأصل وجوب العمل بقول أبي حنيفة، فإن وافقه نص الكتاب والسنة فذالك. وإلا وجب تأويل الكتاب والسنة على وفق قول أبي حنيفة، وقد ذكر ذلك الأستاذ رشيد رضا في تفسير المنار عند تفسير الآية: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً) الآية ١٦٥/ من سورة البقرة(٤). ويأتي القوشجي دون الكرخي بمرقاة فإذا كان الكرخي جعل فقه الأحناف هو المقياس الذي يعرض عليه الكتاب والسنة، فإن القوشجي جعل للخليفة عمر حقاً في أن يجتهد مقابل

(١) تظرية الإِمامة ص٦١.

(٢) المستصفى ١/٢٦٠.

(٣) أعلام الموقعين ٤/١١٨.

(٤) تفسير المنار ٢/٨٣.

١٦٢
الرسول فاسمعه في مبحث الإِمامة من كتابه شرح التجريد يقول: إنّ عمر قال وهو على المنبر: أيها الناس ثلاث كنَّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأنا أنهى عنهنّ واُحرمهنّ واُعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيَّ على خير العمل، ثم عقب القوشجي على ذلك بقوله: إنّ ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه فإنّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الإِجتهادية ليس ببدع(١).

بعد ذلك نقول للأستاذ فرغل إننا نضع الإِمامة بعد النبوة ونتعبد بما أعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم للإِمام عن صلاحيات، ولكننا لا نجعل الإِمام مقياساً يعرض عليه الكتاب والسنة بل العكس المقياس هو الكتاب والسنة ونرمي بما خالفهما عرض الجدار، كما أننا لا نجيز الإِجتهاد مقابل النص كما اعتبر القوشجي النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على أنّه مجتهد وقد خالف بذلك إطلاق قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) الآيتان ٣و٤/ من سورة النجم، ومع ذلك فإنّ تقييم الإِمام عندنا موضع استغراب، بينما يذهب غيرنا في أئمتهم إلى ما ذكرناه عنهم ومع ذلك لا تسمع من ينقدهم فلماذا هذا يا أستاذ فرغل؟ هل حاولت مرة أنت أو أمثالك أن تسألوا أنفسكم عن صحة عقائدكم أو تنقدوها كما تنقدون غيركم أم أنكم شعب الله المختار يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم أم ماذا؟

٥ ـ الأمر الخامس:

إعتبر الأستاذ فرغل روايات الشيعة بأنّها مناخ صالح للغلو، واُريد أن أشرح للأستاذ فرغل موقف الشيعة من الغلو والغلاة: فالغلو عرّفه الطبرسي في تفسيره عند شرح الآية ٧٧ من سورة المائدة: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) بأنه ما يقابل التقصير وهو تجاوز الحد، فقال: إنّ معنى الآية: لا تتجاوزوا الحد الذي حدّه الله، لكم إلى الإِزدياد، وضده: التقصير وهو الخروج عن الحد إلى النقصان، والزيادة في الحد والنقصان عنه كلاهما فساد، ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو والتقصير وهو الإِقتصاد ـ أي الإِعتدال ـ (٢).

(١) الغدير للأميني ٦/٢٢٣.

(٢) مجمع البيان ٢/٢٣٠.

١٦٣
أما مناشئ الغلو فأبرزها وأهمها في نظرنا أربعة مناشئ هي على التوالي:

أ ـ المنشأ الأول:

أن يغالي الإِنسان بشخص أو فكرة ليتخذ من ذلك مبرراً لاختياره الإِنتماء لهذه الفكرة أو الشخص فكأنّه يريد مرجحاً أمام الناس ومبرراً نفسياً ويتبلور هذا المعنى أكثر وأكثر في العقيدة بالأشخاص فإنّ الأتباع يحاولون رفع من يعتقدون به إلى مستويات غير عادية وهذا المعنى موجود على الصعيد الديني والسياسي، فقد وصف هوبز الحاكم بأنّه المعبر عن إرادة الله وإرادة الشعب، ومنحه السلطة المطلقة في التصرف، ولم يعط الشعب حق عزله واعتبر إرادته من إرادة الله تعالى، وقد ذهب فلاسفة الألمان نفس المذهب فيما خلعوه على الحاكم من صفات، وأشدهم في ذلك: هيكل أستاذ ماركس، فالملك عند هيكل صاحب السلطة المطلقة، وله مركز مستقل عن مصالح الأفراد وتتمثل في شخصيته الذات النهائية وهو مجموع الشعب مشخص في واحد، وهو وهو الخ. وقد سبق هؤلاء جميعاً أفلاطون حين أعطى الحاكم منازل مقدسة، وكذلك الفارابي حيث صور رئيس المدينة بأنّه متصل بالعقل الفعال حيث يقترب من الله تعالى(١).

إنّ كل هذه المواقف تبرير لاعتناق الفكرة بنحو وآخر يوجده تصور معين.

ب ـ المنشأ الثاني للغلو:

رد الفعل فإنّ البعض قد يضطهد من أجل معتقداته، وقد ينتقص أو يشتم أو يهزأ به فيدفعه كل ذلك إلى المغالاة بدافع رد الفعل، ولهذا رأينا القرآن الكريم في مثل هذه المواطن أخذ العوامل النفسية بعين الأعتبار إذ يقول تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) ١٠٨/ الأنعام. وهذه المسألة لها تطبيقاتها على أبعاد التاريخ في كثير من الموارد، ومن هنا ذهب دونالدسن: إلى أنّ القول بالعصمة هو رد فعل من الخلفاء الغاصبين وهو

(١) نظرية الإِمامة ص١٣٥ فصاعداً.

١٦٤
واهم بذلك(١).

وقد كان لردة الفعل دور كبير في تاريخ المسلمين وعقائدهم يجب أن يؤخذ بعين الإِعتبار عند معالجة كثير من المواقف وتقييم النصوص في مختلف الميادين.

ج ـ المنشأ الثالث:

هو الغلو الذي ينشأ من الطيبة والبراءة وحسن الظن بالآخرين فيركن إلى مرويّاتهم من دون تمحيص خصوصاً من الذين اندسوا في الإِسلام لسبب وآخر وأردوا تغطية حقيقتهم فتحمسوا تحمساً مشبوهاً لأشخاص أو أفكار، وهذا المنشأ: الحديث فيه طويل فإنّ كثيراً من المندسين لبعوا دوراً بارزاً في تسجيل نظريات ومواقف تنزع إلى الغلو حتى أفسدوا على كثير من المسلمين عقائدهم لمختلف الأهداف التي كانت تدفعهم وقد كان لكل مذهب من المذاهب حصة من هؤلاء تكثر أو تقل تبعاً لظروف المذهب نفسه وربما يمر علينا هذا المعنى مفصلاً فيما يأتي.

د ـ المنشأ الرابع عدم الدقة:

فقد يبتلي بعضهم بشبهات نتيجة فهم خاطئ، أو تعميم غير مبرر علمياً كان يرى رأياً لشخص من طائفة فيعمم رأيه على الطائفة كلها، وقد تذهب جماعة إلى رأي ثم تبيد ويبقى الرأي فيأتي من يحمل الرأي للآخرين، قد يكون استنتاجاً لرأي من لازم من لوازم القول لم يتفطن له صاحب القول نفسه، وقد يكون نتيجة خطأ في تطبق ضابط من الضوابط الكلية على بعض الجزيئات وهكذا، ولذا لابد من التروي والحذر الشديد عند الكتابة عن فئة أو طائفة، ولا بد من أخذ رأيها من مصادرها المتسالم عليها، فإذا كان بعض الشيعة في يوم من الأيام غالى بالإِمام عليٍّ لقلعه باب خيبر فليس كل الشيعة كذلك وإذا كان شخص قال لعليٍّ وهو يخطب أنت أنت فليس كل الشيعة كذلك.

(١) عقيدة الشيعة لدونالدسن ص٢٢٨.

١٦٥

موقفنا من الغلو والغلاة

وبعد شرح مناشئ الغلو أو أهمها نقول: إنّ الشيعة تبعاً لمواقف أئمتهم وقفوا موقفاً حازماً من الغلوا والغلاة فسلطوا عليهم الأضواء وتبرأوا منهم وكافحوهم وشهروا بهم، وهم بذلك لا يتعدون موقف أمير المؤمنين عليه السلام حينما يقول: «هلك فيَّ اثنان محب غالٍ وعدو قال» وموقف الإِمام الصادق عليه السلام حينما يقول: «ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون وموقوفون، ومسؤولون، من أحبَّ الغلاة فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبنا، الغلاة كفار والمفوضة مشركون، لعن الله الغلاة ألا كانوا نصارى ألا كانوا قدرية ألا كانوا مرجئة ألا كانوا حرورية» (١).

والإِمامية لا يورثون الغلاة وإليك نص عبارتهم في ذلك: يرث المحق من المسلمين من مبطلهم ومبطلهم من محقهم ومبطلهم، الا الغلاة يرث منهم المسلمون وهم لا يرثون المسلمين كما أنّ الإِمامية لا يغسلون موتى الغلاة ولا يدفنونهم ويحرمون تزويجهم وإعطائهم الزكاة، وتجد هذه الأحكام موزعة في كتب فقه الإِمامية في أبواب الطهارة والزكاة والإِرث، إنّ الإِمامية لا يعتبرون الغلاة مسلمين:

يقول الشهيدان الأول والثاني في اللمعة وشرحها في باب الوقف! عنه تعريف المسلمين: والمسلمون من صلّى إلى القبلة أي اعتقد الصلاة إليها وإن لم يصلِّ لا مستحلاً، الا الخوارج والغلاة فلا يدخلون في مفهوم المسلمين وإن صلوا إليها للحكم بكفرهم(٢) وألحقا بهم المشبهة والمجسمة في الحكم، بل إنّ

(١) بحار الأنوار للمجلسي ٣/٥١.

(٢) اللمعة الدمشقية ١/٢٨٨ طبع إيران.

١٦٦
الإِمام الصادق عليه السلام يعتبر الجلوس إلى الغالي وتصديقه بحديثه مخرجاً من الإِيمان كما روى ذلك المفضل بن يزيد قال: قال لي أبو عبدالله الصادق وقد ذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة: «لا تقاعدوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا تورثوهم» وقال الصادق لمرازم أحد أصحابه: «قل للغالية توبوا إلى الله فإنّكم فساق مشركون»(١).

آراء بعض الباحثين

وانطلاقاً من ذلك يقول الشيخ المفيد: الغلاة من المتظاهرين بالإِسلام وهم الذين نسبوا أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب وذريته إلى الاُلوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد فهم ضلاّل كفار(٢).

ولا أحتاج إلى حشد النصوص والأدلة على براءة الشيعة من الغلاة وأي موقف أشد صراحة من هذه المواقف التي ذكرتها. ولا يسع مؤمناً يؤمن بالله ورسوله ويصدر عن تعاليم الإِسلام في سلوكه ثم ينزع إلى الغلو في عقيدة أو بشر إلا من ضرب الله على بصيرته. ولأجل وضوح موقف الشيعة من الغلاة انطلقت الأصوات الموضوعية تشهد ببراءتهم من ذلك، ومن هذه الأصوات: مؤلفوا دائرة المعارف الإِسلامية فقد جاء في دائرة المعارف:

الزيدية والإِمامية الذين يؤلفون المذهب الوسط يحاربون الشيعة الحلوليين حرباً شعواء ـ الحلولي لا نعتبره من الشيعة كما مر ـ ويعتبرونهم غلاة يسيئون إلى المذهب بل يعتبرونهم مارقين عن الإِسلام(٣).

ويقول الدكتور أحمد محمود في نظرية الإِمامة عند ذكره للبابية والبهائية:

(١) الإِمام الصادق لأسد حيدر ٤/١٥٠.

(٢) شرح عقائد الصدوق للشيخ المفيد باب الغلاة.

(٣) دائرة المعارف الإِسلامية ١٤/٦٣.

١٦٧
وفي البابية آراء غالية جعلت منها مذهباً منشقاً تماماً عن الإِسلام، واتفق علماء الأزهر في مصر وعلماء الشيعة في العراق وإيران على تكفير البابية والبهائية واُغلق المحفل البهائي في مصر(١). وقد استعرض الدكتور أحمد أمين حركة الغلاة فقال: إنّ أفراداً بسطاء هم الغلاة الذين يؤلهون علياً وإنّ الشيعة تبرأ منهم ولا يجوز عندهم الصلاة عليهم(٢). هذه أمثلة بسيطة في موضوع الغلو والغلاة أضعها أمام الذين دأبوا على رمي الشيعة بالغلو ولست أنفي أن يكون بعض من شمله اسم الشيعة بمعنى انتمائه إلى الفئة التي تفضل علياً أو قل للتشيع بمعناه اللغوي قد نسبت له آراء وأقوال تفيد الغلو وقد بادوا وبادت معهم آراؤهم ولا يوجد اليوم منهم أحد إلا في بطون الكتب ومن ذلك ماذكره البغدادي في الفَرْق بين الفِرَق حيث قال: الإِمامية من الرافضة هم خمس عشرة فرقة هي: الكاملية، والمحمدية، والباقرية، والناووسية، والشمطية، والعمارية، والإِسماعيلية، والمباركية، والموسوية، والقطعية، والإِثنا عشرية، والهشامية، والزرارية، واليونسية، والشيطانية،(٣) وتعقيباً على قول البغدادي نذكر أن الإِمامية هم الإثنا عشرية وهم جمهور الشيعة اليوم ولا يوجد من الشيعة غيرهم وغير الزيدية والإسماعيلية في هذه الآونة، ثم إنّ الإِثني عشرية الذين هم مدار بحثنا يمتازون عن غيرهم بعقائدهم ولا يصح أن تنسب إليهم آراء غيرهم لأنّه يجمعه معهم الإِسم وشيء آخر هو أنّ من ذكرهم البغدادي قد يمثلون لكل فرقة ذكرها بضعة أفراد ليس إلا، وهذا اللون من الخبط والتساهل تعلمنا أن نرى مثله كثيراً في كتاب الفرق لابن طاهر وغيره خذ مثلاً ما يقول ابن طاهر في كتابه الفَرق بين الفِرَق عن جابر بن يزيد الجعفي يقول:

جابر بن يزيد الجعفي من المحمدية وهم أصحاب محمد بن عبدالله بن الحسن ينتظرون ظهوره وكان يقول برجعة الأموات إلى الدنيا قبل القيامة(٤).

(١) نظرية الإِمامة ص٤٣٦ هامش.

(٢) فجر الإِسلام ص٢٣٧١.

(٣) الفرق بين الفرق ص٥٣.

(٤) الفرق بين الفرق ص٤٤.

١٦٨
ولم يكن جابر من أتباع محمد بن عبدالله بن الحسن، ولا كان يقول برجعة مطلق الأموات وإنما كان يقول برجعة بعض أهل البيت لروايات سمعها ليس إلا، وهكذا يكون التحقيق عند أمثال ابن طاهر من الكتّاب كأنّ مسألة العقائد أمر بهذه السهولة بحيث ينسب للناس ما لم يقولوه ويرجعهم إلى فئة ليسوا منها.

وأعود لموضوع الغلاة فأقول قد اتضح للقارئ موقف الشيعة من الغلاة ولكن مع ذلك تجد باحثاً كالزبيدي صاحب تاج العروس يعرف الإِمامية في كتابه التاج فيقول: الإِمامية هم فرقة من غلاة الشيعة (١)، وتجد الدكتور محمود حلمي في كتابه تطور المجتمع الإِسلامي العربي يقول: وقد سموا بالشيعة لأنهم شايعوا علياً وقدّموه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم واستشهد أهل الشيعة بنصوص من القرآن الكريم فسروها على حسب نظريتهم وغالى بعض الشيعة في تبرير أحقية عليِّ بن أبي طالب وأضفى عليه بعض صفات التقديس والاُلوهية(٢) إنّك لتستغرب لهجة هؤلاء الكتّاب خصوصاً بعض كتاب مصر فإنّهم يصوّرون الشيعة كأنّهم اُناس لا إيمان لهم ولا دين يتلاعبون بالنصوص من دون رقيب من الله تعالى ولا ضوابط من علم وخلق، وإنّهم والله أولى بذلك، وإلا فما الدليل على ماذكره محمود حلمي وهذه كتب الإِمامية بين يديه فليدلنا على مكان تنسب فيه الشيعة الحلول والاُلوهية إلى عليٍّ وسوف لا يجد ذلك قطعاً إنّهم يصدرون فيما يقولون عن عدم شعور بالمسؤولية: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلا كذبا) الكهف/٥ والأنكى من ذلك أن تجد من تأثر بهؤلاء الكتّاب من قريب أو بعيد وهو من الشيعة وتراه يكتب بنفس الأسلوب ورحم الله من يقول:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة * على المرءِ من وقع الحسام المهنّد

يقول الدكتور كامل مصطفى في كتابه: وبذلك يتبين أن الغلاة وإن كانوا مغضوباً عليهم من الشيعة المعتدلين وأئمتهم: قد أسسوا العقائد الأصلية للتشيع

(١) تاج العروس ٨/١٩٤.

(٢) تطور المجتمع الإِسلامي ص٤٨.

١٦٩
في بداء، ورجعة، وعصمة وعلم لَدُنّي بحيث صارت مبادئ رسمية للتشيع فيما بعد ولكن على صورة ملطفة إنتهى، وظهرلي أنّ الدكتور كامل أخذ ذلك من تصريح ابن نوف وهو أحد أصحاب المختار وهو قد أخذها من المختار(١) واُعيد إلى الذاكرة أنّ العقائد قد أخذها الشيعة من القرآن والسنة كما برهنا عليه فيما مر، ثم لو قدر أنّ ابن نوف هذا او المختار قد قالا قولاً خاصاً بهما فما ذنب الشيعة ومن هو ابن نوف حتى يمثل الشيعة؟! وإذا كان الدكتور كامل يعترف بأنّ الغلاة مغضوب عليهم من الشيعة وأئمتهم فكيف تأخذ الشيعة منهم وهي إنما غضبت عليهم لغلوّهم إذا كانت هذه العقائد من الغلوّ وهو ليس منه في شيء، أليس هذا هو التناقض بعينه؟ وإذا كنا نعذر حلمي وأمثاله لأنّهم لم يأخذونا من مصادرنا فما عذر مثل كامل الشيبي وهو من الشيعة ويعيش بين مصادرهم. وليس هذا بالإِستنتاج الوحيد من الدكتور كامل الذي لا نقره عليه بل له استنتاجات كثيرة من هذا النوع ومنها: أنّه عندما استعرض مصادر القول بالرجعة عنه الشيعة ذكر أنّ من مصادرها كلمات للإِمام عليٍّ عليه السلام وردت في نهج البلاغة عندما أظفر الله تعالى بأصحاب الجمل وقال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أَهوى أخيك معنا؟ قال: نعم، قال: فقد شهدنا، ولعل الإِمام يشير إلى الآية: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) ١٦٩/آل عمران. ولكنّ الخبر يتوجه إلى الرجعة بكل ما فيها من عبرة وعمق بل إنّ بقية الخبر تنفذ إلى أغوار بعيدة من فلسفة الرجعة وحكمتها فإنّ الإِمام يقول:

ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمن ويقوى بهم الإِيمان، ومن ذلك يبدو أنّ علياً لا يكتفي بتقرير عودة الماضين في الجهاد ليقطفوا ثمرة جهادهم بل يقرر أنّ المجاهدين الآتين يحضرون هذا النصر، ليزيد ذلك من أيدهم ويربط على قلوبهم وتلك اُمور فيها من

(١) الصلة بين التصوف والتشيع ـ فصل الغلاة.

١٧٠
الأفلاطونية القديمة والحديثة مدخل كبير انتهى كلامه(١).

وأنا أضع هذا النص بين يدي القارئ ليرى ما هو مقدار الصواب من هذه الإِستنتاجات التي أوردها الدكتور والآثار التي رتبها عليها والإِكتشافات الأفلاطونية التي ذكرها، واُعقب على ذلك بما يلي:

أولاً:

إذا كان هذا النص وارداً في الرجعة فمعنى هذا أنّ الإِمام علياً عليه السلام هو الذي وضع عقيدة الرجعة وليس الغلاة كما يقول الدكتور كامل.

ثانياً:

إنّ هذا النص ولكل بساطة أجنبي بساطة أجنبي كما ذكره الدكتور ولا صلة له بالمرة بالمعاني التي ذكرها وكل ما في الأمر أنّ هذا النص يفيد معنى الرواية «من أحبَّ عمل قوم حشر معهم وشاركهم في عملهم» ولذلك سأل الإِمام عليّ عليه السلام الرجل عن هوى أخيه هل هو مع أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه فلما أجابة بنعم قال: «لقد شهدنا» أي شاركنا بمشاعره ثم قال له الإِمام: إنّ جميع من سيرعف بهم الزمان وهم على رأينا سيشاركوننا بعد ذلك بحصول الثواب والفرح بالنصر، وكم لهذا الموضوع من نظائر، ومن ذلك ما رواه مؤرخوا واقعة الطف حيث قالوا: إنّ جابر بن عبدالله زار الحسين عليه السلام بعد قتله فقال في زيارة: «أشهد أنّا شاركناكم فيما أنتم فيه» فقال له رفيقه الأعمش: إن القوم قطعت رؤوسهم وجاهدوا حتى قتلوا فكيف شاركناهم نحن فيما هم فيه؟ فقال له جابر: إنّ نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحاب الحسين ذكر ذلك أصحاب المزارات كافة، هذا هو معنى كلام الإِمام عليّ عليه السلام لا كما ذهب إليه الدكتور.

أين موضع الغلو

أعود بعد ذلك لأضع بين يدي الأستاذ فرغل بضع روايات من مئات من نوعها تدله على موضع الغلو ليعلم أنّ الغلو عند غير الشيعة، وعلى أسوأ

(١) الصلة بين التصوف والتشيع ص١١٤.

١٧١
الفروض فإنّ عند السنة أضعاف ما عند الشيعة، وسأبدأ معه من الخلافة وأتسلسل معه.

١ ـ الشاهد الأول:

ذكر الشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في كتابه عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق قال روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال يوماً لعائشة: إنّ الله لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة مرة وأربعين مرة ـ مع ملاحضة أنّ حجم الشمس كما يقول الفلكيون مليون وثلثمائة ألف مرة تقريباً ـ وجعلها على عجلة وخلق للعجلة ثمانمائة عروة وستين عروة وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الأحمر، وأمر ستين ألفاً من الملائكة المقربين أن يجروها بتلك السلاسل مع قوتهم التي اختصهم الله بها، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة وهي تجول في القبة الخضراء وتجلو جمالها على أهل الغبراء وفي كل يوم تقف على خط الإِستواء فوق الكعبة لأنّها مركز الأرض:ـ ملاحظة: خط الإِستواء ليس فوق الكعبة ـ وتقول يا ملائكة ربّي إنّي لأستحيي من الله عز وجل إذا وصلت إلى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المسلمين أن أجوز عليها والملائكة تجر الشمس لتعبر على الكعبة، بكل قوتها فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها فالله تعالى يوحي إلى الملائكة ومن الإِلهام فينادون: أيتها الشمس بحرمة الرجل الذي اسمه منقوش على وجهك المنير الا رجعت إلى ما كنت في من السير، فإذا سمعت ذلك تحركت بقدر المالك فقالت عائشة:

يا رسول الله من الرجل الذي اسمه منقوش عليها؟

قال: هو أبو بكر الصديق يا عائشة قبل أن يخلق الله العالم علم بعلمه القديم أنه يخلق الهواء ويخلق على الهواء هذا السماء ويخلق بحراً من الماء ويخلق عليه عجلة مركباً للشمس المشرقة على الدنيا وإنّ الشمس تتمرد على الملائكة إذا وصلت الإِستواء وإنّ الله قدر أن يخلق في آخر الزمان نبياً مفضلاً على الأنبياء وهو بعلك يا عائشة على رغم الأعداء ونقش على وجه الشمس إسم وزيره أعني أبا بكر صديق

١٧٢
المصطفى فإذا أقسمت الملائكة عليها به زالت الشمس وعادت إلى سيرها بقدرة المولى وكذلك إذا مر العاصي من اُمتي على نار جهنم وأرادت النار أن تهجم على المؤمن فلحرمة محبة الله في قلبه ونقش اسمه على لسامه ترجع النار إلى ورائها هاربة(١).

٢ ـ الشاهد الثاني:

ذكر محمد بن عبدالله الجرداني في مصباح الظلام قال: روي عن ابن عباس جاء جبرئيل وقال يا محمد اقرأ عمر السلام وأخبره أنّ رضاه عز، وغضبه حلم، وليبكِ الإِسلام بعد موتك على موت عمر فقال: يا جبرئيل أخبرني عن فضائل عمر وما له عند الله تعالى؟ فقال: يا محمد لو جلست معك قدر ما لبث نوح لم أستطع أن اُخبرك بفضائل عمر وماله عند الله تعالى(٢).

٣ ـ الشاهد الثالث:

ذكر الإِمام أحمد في مسنده بإسناده عن عائشة: أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكان مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه وساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وسوّى ثيابه فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلس فجلست وسويت ثيابك فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة(٣).

هذا ثلاثة نماذج من عشرات من الروايات: التي يأباها الخلفاء أنفسهم فإنّ لهم من مواقفهم ومناقبهم ما يكفيهم إنّهم ليسوا بحاجة إلى أن تشاد لهم صروح من خيال أبله أّنّ تاريخنا الإِسلامي أعز علينا من أن نرضى بأن تكون

(١) عمدة التحقيق ص١٨٤.

(٢) مصباح الظلام ٢/٢١٦.

(٣) مصباح الظلام ٢/١٦.

١٧٣
مادته من هذا التخريف، فإنّ لنا من محتويات تاريخنا الناصع ما هو محل اعتزاز الإِنسانية وإلحاقاً بهذا اُشفع لك هذا الروايات ببعض النماذج الاُخرى التي خلقها التنافس بين المذاهب بدون أن يلتفت إلى أنّه بذلك يحط من قيمة المذاهب كلها. يقول ابن الجوزي في كتابه الياقوتة: إنّ أبا حنيفة كان في حياته يعلم الخضر ولما مات أسف الخضر وناجى ربه وقال إلهي إن كان لي عندك منزلة فأذن لأبي حنيفة حتى يعلمني من القبر على حسب عادته حتى أتعلم شرع محمد على الكمال فأحياه الله تعالى وتعلم منه العلم إلى خمسة وعشرين سنة الخ(١). فمن هو الذي يقول بالرجعة يا مسلمون؟

ويقول ابن الجوزية في كتاب المناقب عن عليِّ بن إسماعيل قال: رأيت القيامة قد قامت وجاء الناس إلى قنطرة ولا يترك أحد يجوز حتى يأتي بخاتم ورجل جالس ناحية يختم للناس ويعطيهم فقلت: من هذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل(٢).

وبوسعك أن تقرأ روايات في الإِمام مالك وفي الإِمام الشافعي وفي كثير من الفقهاء والأئمة مما نسج من الخيال ووضع في طريق القارئ يؤذي ذوقه ويخذش حسّه، وبعد ذلك فماذا يسمّى مثل هذا هل هو غلو أم لا سؤال موجه للأستاذ فرغل؟. وساُقدم لفرغل نموذجاً واحداً فقط يقول صاحب تفسير روح البيان:

عند تفسير قوله تعالى: (ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية) إنّ نصف الثمانية الذين ذكرتهم الآية هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ما يقول مولانا فرغل في ذلك؟؟!!

(١) الإِمام الصادق لأسد حيدر ٥/١١٧.

(٢) المصدر السابق ٣/٤٧٠.

١٧٤

الفصل الخامس
مِن عقائدنا ـ المهدي

ما رأيت كتاباً كتب عن الشيعة إلا واتخذ من عقيدتهم بالمهدي وسيلة للسخرية والتهريج ووضع للفكرة حواشي ورتب عليها لوازم وأشرع سلاحه وتفيهق بكلامه وصال وجال كأنّه اكتشف كشفاً ضخماً وأنّه وحده العبقري وأنّ الآخرين بلهاء، ولنر من أين جاءت فكرة المهدي وهل أخذها الشيعة من مصدر ديني سليم أم لا؟ وهكذا نمشي مع الفكرة، إنّ الذين كتبوا عن المهدي ربطوا مصدر هذه الفكرة بأمرين أحدهما الفكر الوضعي والآخر العقيدة الدينية، والذين ربطوا العقيدة بالفكر الوضعي انقسموا أيضاً. وسنذكر أقوالهم حسب الشق الذي مالوا إليه ورجحوا أنّه المصدر لهذه الفكرة:

١ ـ القسم الأول:

الذين ربطوا الفكرة الإِمام المهدي بالفكرة الوضعي في بعده النفسي يرون أنّ عقيدة المهدوية ليست وقفاً على الفكر الشيعي ولا على المسلمين فقط بل ولا على الديانات السماوية كلها إنما هي على مستوى الشعوب ذلك أنّ العامل المشترك بين كل هذه الفئات هو عامل نفسي موحد: وهو الشعور بوضعية غير عادلة من حكم قائم بالفعل وخزين متراكم من حكام سابقين عاشوا مع شعوبهم على شكل قاهر ومقهور، ومتسلط ومسحوق، ورزحوا تحت نير الظلم والطغيان. ولذا كانت هذه العقيدة عند الشعوب الشرقية ونظائرها ممن يشترك

١٧٥
مع الشعوب الشرقية بأنّه مسحوق، وحيث أنّ بعض هذه الشعوب عنده عقيدة دينية تبشر بالمهدي أيضاً: فإنّ هذا العقيدة مهمتها تدعيم هذا العامل النفسي وخلق لون من المشروعية لهذه النزعة في نفوس الناس وهذا هو المعنى الذي عبر عنه برتراند رسل بقوله:

ليس السبب في تصديق كثير من المعتقدات الدينية الإِستناد إلى دليل قائم على صحة واقع كما هو الحال في العلم، ولكنّه الشعور بالراحة المستمد من التصديق فإذا كان الإِيمان بقضية معينة يحقق رغباتي فأنا أتمنى أن تكون هذه القضية صحيحة وبالتالي فأعتقد بصحتها(١).

إذاً فالقدر الجامع بناءً على هذا هو الأمل بظهور مخلّص من واقع سيّئ تعيشه الجماعة، وفي ذلك يقول الدكتور أحمد محمود:

إنّ الإِعتقاد بظهور مسيح أو انتظار رجعة مخلص وليد العقل الجمعي في مجتمعات تفكر تفكيراً ثيوقراطياً في شؤونها السياسية، وبين شعوب قاست الظلم ورزحت تحت نير الطغيان، سواء من حكامهم أم من غزاة أجانب، فإزاء استبداد الحاكم وفي ظل التفكير الديني تتعلق الآمال بقيام مخلّص أو محرر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٢).

فهذه العقيدة بالرغم من وجود مصادر دينية لها عند المسلمين واليهود والمسيحيين إلا أنّ هذه المصادر ليست هي العامل الأساسي في نظر هؤلاء بالإِعتقاد بها، وإنّما تعلب دوراً مبرراً ثانوياً، ويرى الدكتور أحمد محمود أنّ عقيدة السنة بالصبر على الظالم وعدم الخروج عليه عمقت نزعة المهدي وتركت الوسط الديني السني الذي الذي يعتقد بموضوع المهدي يعيش بين عامل الألم من الواقع الفاسد الذي عاشه أيام الأمويين وما تلاها من عصور، وبين ضرورة الخلاص، فمال إلى الخلاص في المدى الأبعد الذي وجده في عقيدة المهدي وقد حاول إشراك

(١) نظرية الإِمامة ص٤٢٠.

(٢) نفس المصدر السابق ص٣٩٩.

١٧٦
الشيعة في ذلك باعتبارهم صابرين على الظلم حيث قال:

إنّ هذه العقيدة لا يؤمن بها إلا اولئك الذين يعانون صراعاً نفسياً نتيجة السخط على تصرفات الحكام وعدم استحقاقهم لقب الخلافة لفسقهم، ونتيجة خضوعهم من ناحية ثانية للأمر الواقع أما خشية الفتنة كما هو عند السنة، الذين لا يرون الخروج على أئمة الجور استناداً إلى أدلة عندهم، أو نتيجة للتخاذل بسبب فشل كثير من الحركات الثورية كما هو عند الشيعة الذين يرون الصبر على الخلفاء تقية فعقيدة المهدي مخرج لهذا الصراع، أما الفرق التي تجعل من اُصول مبادئها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف كالخوارج والزيدية: فإنّ هذه العقيدة عندهم غير ذات موضوع، إلى أن قال: ولذا لا تبلغ أهمية المهدي عند فرقة من الفرق كما تبلغ عند الشيعة الإثني عشرية الذين يتطرف حكمهم على الخلفاء من ناحية كما يتطرف تحريمهم الخروج على الخلفاء من ناحية اُخرى(١). هذا ملخص ما قاله الدكتور أحمد محمود ولنا على مضامين هذا الفصل الملاحضات التالية:

١ ـ الملاحظة الأولى:

أنّ هذا الخلط بين السبب وبعض نتائجه ذلك لأنّ الشعوب المرتبطة بدين معيّن تُربط مظاهرها العقائدية بدينها في الجملة، فإذا لم يوجد مصدر ديني لذلك المظهر يبحث عندئذ عن سببه الآخر، ولا شك أنّ الأديان الثلاثة بشرت بفكرة المخلص وهو إما واحد للجميع يوحد به الله تعالى الأديان في الخلاص من الظلم، أو متعدد لكل اُمة من الاُمم مهديها، والهدف منه ومن التبشير به أن يوضع أمام كل اُمة مثل أعلى يجسد فكرة العدل ولتكون الشعوب على تماس مباشر مع فكرة الخيّرة والمثل الأعلى كما هو متصور فالأصل في فكرة المهدي النصوص الدينية، وساعد على ترسيخها في النفوس ارتياح النفوس إليها، خصوصاً إذا لم تقو على تجسيد العدل لسبب ما. ولكنّها إذ تتخذ من فكرة المهدي وسيلة تعويضية

(١) نظرية الإِمامة ص١٢٧.

١٧٧
تمسخ الغرض الأصلي من فكرة المهدي وهو أن تكون حافزاً يدفع الناس إلى السعي إلى دفع الظلم وفكرة قيام الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر خصوصاً إذا كانت النصوص الدينية قائمة في تحميل الإِنسان مسؤولية الدفاع عن نفسه وعن مقدساته بغض النظر عن قيام المهدي وعدمه كما هو واقع التعاليم الدينية، فلا ينبغي أن تتحول فكرة الإِمام المهدي من نصب مثل أعلى لاستشعار سبل ومناهج الحياة الكريمة إلى مخدر يميت في النفوس نزعات التطلع ووثبات الرجولة، أو من محفز إلى منوم.

٢ ـ الملاحظة الثانية:

إنّ إشراك الشيعة مع السنة بأنّهم لا ينهضون ضد الظالم تقية مغالطة صريحة، وذلك لأنّ عامل صبر السنة على الظلم عامل اختياري نتيجة تمسك بأحاديث يرون صحتها في حين أنّ صبر الشيعة على الظلم نتيجة عامل قهري لعدم وجود قدرة ووسيلة للنهضة، وهذا عامل عام عند كل الناس، أما لو وجدت عوامل النهضة فلا ينتظر الشيعة خروج المهدي ليصلح لهم الأمر بدليل أنّ حكم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بشروطهما قائم عندهم فعلاً، وكذلك الجهاد بكل أقسامه بوجود نائب الإِمام الخاص أو العام في رأي بعضهم قائم بالفعل، أما دفاع الظالم عن النفس والمقدسات فلا يشترط فيه وجود إمام أو نائبه على رأي جمهور فقهاء الشيعة لأنّه دفاع عن النفس ويتعين القيام به في كل وقت من الأوقات(١).

إنّ الرجوع إلى تاريخ الشيعة يشكل أدلة قائمة على ما ذكرناه لكثرة ثوراتهم على الباطل في مختلف العصور والجهاد مع باقي فرق المسلمين في ساحات الجهاد ضد الكفر والظلم ولست بحاجة للإِطالة بذلك لوضوحه.

٣ ـ الملاحظة الثالثة:

لا ينهض اشتراك الشعوب في عقيدة المهدي دليلاً على وحدة العامل، لأننا

(١) شرح اللمعة للشهيد الثاني ٢/٣٨١، وكنز العرفان للمقداد ١/٣٤٢.

١٧٨
نرى كثيراً من المظاهر السلوكية سواء كانت مظاهر دينية أم لا تشترك بها شعوب دون أن تصدر عن علة واحدة. خذ مثلاً ظاهرة تقديم القرابين فهي عند معتنقي الأديان السماوية شعيرة أمر بها الدين بهدف التوسعة على الفقراء والمعوزين في حين نجدها عند بعض الشعوب بهدف اتقاء سخط الآلهة، وعند البعض الآخر لطرد الأرواح الشريرة وعند البعض الآخر تقدم الضحايا من البشر بهدف استدرار الخير كما هو عند قدماء المصريين، فلم تكن العلة واحدة عند الشعوب كما ترى، إذاً فمن الممكن أن تكون فكرة الإِمام المهدي ليست عملية تعويض أو تنفيس وإنما هي فكرة تستهدف وضع نصب يظل شاخصاً دائماً يذكر الناس بأنّ الظالم قد يمهل ولكنّه لا يهمل لأنّ الناس إذا تقاعسوا عن طلب حقوقهم فإنّ السماء لا تسكت بل لا بد من الإِنتقام على يد مخلص، مع ملاحضة أنّ الأصل في مثل هذه الحالات أن يتصدى الناس لتقويم الإِعوجاج ولذلك يقول الله تعالى: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم) الرعد/١٢ فإذا غلب عليهم التخاذل فإنّ الله تعالى لا يهمل أمر عباده ولذلك تشير الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) يوسف/١١٠ وقد حام المفسرون حول هذا المعنى الذي ذكرناه عند تفسيرها للآية المذكورة(١) وذكروا أنّ السماء تتدخل عندما يطول البلاء وتشتد الحالة ويهلع الناس إلى حد اليأس.

٢ ـ الشق الثاني:

الذين ربطوا فكرة الإِمام المهدي عليه السلام بالأخذ التقليدي وقالوا إنّها عبارة عن اقتباس أخذه المسلمون عن بعض الشعوب من دون أن يكون هناك عامل شعوري مشترك وسواء اُخذت هذه العقيدة من هذا الشعب أو ذاك فإنّ جولد تسيهر، وفان فلوتن: المستشرقان قالا إنّها مقتبسة من اليهود بشكل وبآخر، ويؤكد فان فلوتن أنّها جاءت من تنبؤات كعب الأحبار ووهب بن منبه فهي من

(١) صفوة البيان لمخلوق ١/٣٩٧، ومجمع البيان للطبرسي ٣/٢٧١.

١٧٩
الأفكار الإِسرائيلية التي نشرت بين المسلمين(١). في حين يذهب أحمد الكسروي إلى أنّها مقتبسة من الفرس حيث يقول:

لا يخفى أنّ قدماء الفرس كانوا يعتقدون بإله خير يسمى يزدن، وإله شرّ يسمى أهريمن، ويزعمون أنّهما لا يزالان يحكمان الأرض حتى يقوم ساوشيانت ابن زرادشت النبي، فيغلب أهريمن ويصير العالم مهداً للخير وقد تأصل عندهم هذا المعتقد فلما ظهر الإِسلام وفتح المسلمون العراق وإيران واختلطوا بالإِيرانيين سرى ذلك المعتقد منهم إلى المسلمين ونشأ بينهم بسرعة غربية ولسنا على بينة من أمر كلمة المهدي من وضعها ومتى وضعت. إنتهى بتلخيص(٢). إنّ هذا الرأي لا يستحق المناقشة في الواقع لأسباب كثيرة منها: افتراضه تساهل المسلمين بحيث يعتقدون باُمور لا يعرفون مصدرها ومنها عدم وجود صلة بين فكرة إلهي خير وشر وفكرة مخلّص، ومنها أنّ حجم مسألة المهدوية ليس بهذه البساطة فالفكرة من الفكر الكبيرة الحجم بالعقيدة الدينية.

٣ ـ الشق الثالث:

ربط فكرة المهدي بالفكر الوضعي في بعده السياسي ويقول أصحاب هذه الفكرة أنّ فكرة المهدي اخترعها بعض الحكام الذين حكموا ولم تتوفر فيهم صفات يفترضها المسلمون في الحاكم، فافترضوا أنّ هناك إماماً غائباً محرّراً سيظهر بعد ذلك وقد عهد إليهم بالقيام بالحكم إلى أن يظهر وقالوا إنّ المختار الثقفي ممن سلك هذا الطريق وادعى أنّه منصوب من قبل المهدي من آل محمد، وممن أكد هذا الرأي المستشرق وات(٣) وهذا الرأي يضع الأثر مكان المؤثر فإنّ الذين اتخذوا من فكرة المهدي سناداً لهم على فرض وجودهم بهذه الكثرة: لابد أن تكون فكرة المهدي شائعة عند الناس قبل مجيئهم فاستفادوا منها وركبوا ظهر العقيدة، على أنّ نسبة هذا الرأي للمختار باعتباره جزءاً من العقيدة الكيسانية

(١) نظرية الإِمامة ص٣٩٩.

(٢) التشيع والشيعة ص٣٥.

(٣) تاريخ الإِمامية وأسلافهم ص١٦٥.

١٨٠