×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أصل الشيعة واُصولها / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
أصل الشيعة واُصولها ـ لكاشف الغطاء ص (١) - ص (٢٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تـقـديـم

بسم الله الرحمن الرحيم

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رشداً

الحمد لله حق حمده وثنائه، والشكر على نعمائه، والصلاة والسلام على أشرف رسله وانبيائه محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه وعلى آله أئمة الهدى ومعدن التقى والعروة الوثقى.

وبعد:

فإن للكلمة الاسلامية منذ انبثاق الرسالة، وولادة الشريعة، حتى بلوغها ازهى عصورها الأثر الكبير في رفد مسيرة الامة بمقومات الحياة والتطور والتفاعل الجاد من اجل خدمة الانسان، وتقويم مسيرته، وفي ارساء قواعد القيم الروحية، والمثل العليا، التي صدع بها الاسلام، وخصّها بالثبات ومستلزمات البقاء، ولولا الكلمة الطيبة، وما لوجودها وتأثيرها في القلوب والالباب لما قرّت شريعة السماء، وكان لها سلطة على الارواح التي تصدأ كما يصدأ الحديد، فتكون لها قراءة الآي المسطور من الذكر الحكيم

٥

الاهـــداء

يا سيّدي يا رسول الله:

أوَ يسعني أنْ أتطاول مع ضآلتي وقلة شأني لأخطو ـ متجاوزاً قدري ـ في فناء قدسك، وباحة عظمتك لأحط بازوادي ـ التي أوشك أنْ يدركها النفاد ـ بين أفياء جلالك النضرة مقدماً بين يديك الكريمتين هذه البضاعة القليلة المزجاة التي تمخضت بها أيام غربتنا المتطارلة التي ما انفكت تنائ بنا بعيداً عن الأهل والأوطان.

نعم يا سيد الكونين، ويا أيها الرحمة المهداة الى العالمين، فانِّي وإنْ كنتُ حتى دون أنْ أجد لنفسي موطأ قدم قبال تلك الطلعة البهية، إلا أنِّي أتشبَّث بما عُرف عنك من خلق عظيم، فأتجرَّأ لأمد يدَيَ اليك سائلاً لا مُعطياً، متوسِّلاً لا مطالِباً، راجياً من الله تبارك وتعالى الذي اصطفاك وانتجاك أنْ يرزقني شفاعتك يوم تُعرض فيه الأعمال، إنَّه سميع مجيب.

عـلاء آل جـعـفـر

٦

٧

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم
أبتدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه، رب الأرباب، وخالق العباد، الرؤوف الرحيم الذي خلقنا وكان سبحانه عن خلقنا وعبادتنا له غنياً، وأسبغ علينا من النعم ما لا حد له ولا احصاء، تبارك وتعالى الله ربُّ العالمين.

واُصلي على رسوله الكريم، ورحمته المهداة الى العالمين، النبيّ المصطفى الذي انتشل من ابتغى النجاة من تيه الضلال الى نور الهدى، خاتم الانبياء والمرسَلين، محمَّد بن عبدالله، وعلى أهل بيته المعصومين، ورثة علمه، والقادة من بعده، سفن النجاة الفارهة، ومنائر الهدى السامقة، عليه وعليهم آلاف التحية والتسليم.

وبـعـد:

فلربما يعتقد البعض بتصوُّر يبتني على الفهم السطحي والمظهري لطبيعة المساجلات الكلامية، والمحاورات الفكرية التي كانت وما زالت تتمظَّهر بها بعض المراكز المحددة العناوين، في سعيها الدائب والمتواصل من أجل توسيع الهوَّة الوهمية المفتعلة بين الادراك الحقيقي والسليم لعقائد

٨

الشِّيعة الامامية من قِبل اخواننا في الدين من أتباع الفرق الاسلامية المختلفة، وبين حالة التفسير السلبي وغير العلمي، بل والمتغرِّب عن أرضية الواقع الحقيقية ـ التي ينبغي أنْ تكون هي المحك الأساس في تقدير مصداقية وأحقانية كلِّ طرف ـ والذي تحاول هذه الاطراف جاهدة من أجل أنْ تجعل منه الصورة التي تريد لها أنْ ترتسم في مخيلة هؤلاء المسلمين عن حقيقة التشيًّع وعقائده.

نعم ربما يعتقد هذا البعض بحسن نية ـ لا تتوافق حتماً وواقع الحال المعاش ـ أنَّ المرتكز الحقيقي الذي تبتني عليه هذه المنازعات الفكرية هو ما يمثِّل الجانب الايجابي المثمر الذي يُفترض أنْ يقود الباحثين الى التوصُّل نحو الخلاصة الايجابية المبتغاة من حلقات البحث، والذي هو طلبة كلَ عاقل منصف باحث عن الحقيقة في هذا الزمن العسر الشاق الذي يشهد بوضوح جلي تبلور صورة الصراع الخفي والعلني الذي تتوجه حرابه نحو العقيدة الاسلامية المباركة كاطروحة سماوية قادرة على ملء الفراغ العقائدي الذي خلَّفه الانهيار المتلاحق للكثير من الاطروحات المادية وغيرها، من التي جهد دعاتها وأنصارها ومريدوها في تأكيد قدرتها المزعومة على السمو باالبشرية وحل مشكلات العصر التي ـ على زعمهم الباهت ـ تعجز قبالتها العقائد الدينية، ارتكازاً في تشكيل هذا المعتقد على وضوح الانحراف العقائدي للكنيسة، وبروز حالة التبعثر والتشرذم بين عموم الفرق الاسلامية، رغم بروز وظهور الكثير من حالات الالتقاء والتقارب.

أقول: إنَّ وضوح حالة التشتت بين الأخوة الفرقاء لم تقعد بالمفكرين الغربيين والماديين والمصطفين معهم عن التفكير الجاد في اذكاء وتاجيج هذه الحالة السلبية من خلال الترويج ـ بمكر وخبث ـ عن عدم قدرة الاسلام في الوقت الحاضر لأنْ يشكِّل منهاجاً يمكن اعتماده في بناء الحضارة

٩

البشرية، وحل العقد المستعصية المزمنة التي تغلب على حياة هذه الاُمم، وذلك لادراك اولئك المفكرين بوضوح وجلاء ـ خير من ادارك الكثيرين من رجال هذه الأمَّة ـ حقيقة العقائد الاسلامية وعظمها، وما يمكن أنْ يشكِّله الادراك والفهم الحقيقي لها، لاسيما من قِبل الشعوب التي عاشت وتعيش حالة التغرُّب المقصود عن عقائد السماء العظيمة، بعد انفصال الكثيرين منهم ورفضهم لحالة الانحراف والتردي التي تتمثَّل بالعقائد الفاسدة التي يرددها بسماجة رجال الكنيسة وقساوستها، والتي يتأرجح اكثرها على ترانيم أفكار اليهود وأحبارهم بشكل لايخفى إلاّ على السذج والمغفَّلين.

نعم إنَّ المرء ليدرك بوضوح حالة التوجًّس الكبيرة التي يعاني منها المفكرون الغربيون، ودعاة امتطاء ركب الحضارة الغربية ـ باعتبارها على زعمهم المريض البديل الفكري الوحيد الذي لا يسع البشرية الاستعاضة عنه، لاسيما بعد الانهيار المتلاحق للافكار المادية التي حكمت الكثير من بلدان اوربا الشرقية، تبعاً لتمزُّق أشلاء اُمِّهم التي ولدتهم سفاحاً ـ من قدرة الاسلام على حل كلِّ مشكلات العصر التي عجزوا هم عن مجرد تقديم تفسير مقنع لها، بل وقدرته على أنْ يكون هو البديل الوحيد عن كلِّ الاطروحات الفاسدة التي استطاعت أنْ تجد لها موطأ قدم بعد التغييب القسري للفكر الاسلامي عن أرض الواقع ـ ولسنين طوال مرة ـ وهو ما لا يعسر على أحد ادراكه من خلال استقراء الأحداث المتلاحقة في هذه المعمورة الدالة بوضوح على ما يمكن أن يؤدي اليه الادراك الحقيقي للاسلام ـ ولا احدد هذا بغير المسلمين فحسب ـ من انهيار حتمي لكلِّ النظريات المادية الاُخرى، والى هذه الحقيقة تشير تلك الاحداث التي أشرنا اليها، والتي أبصرها حتى مكفوفي الأبصار...

ثم لعلَّ تفشي حالة التوجُّه نحو العقائد الاسلامية في ذهنية العديد من

١٠

الاُوربيين، ونبذهم للأفكار الغربية، وتصريح البعض منهم دون مواربة اعتناقه الاسلام(١) وحث الآخرين نحو فهم سليم وواقعي للدين الاسلامي، بدأ يشكِّل الحلقة الأكثر خطراً في حسابات الماديين والالحاديين ودعاة التغريب، فكان ذلك حافزاً مؤكداً لهم للتسرب من خلال الخلل التي اوجدتها حالة التعصب المقيت المثارة من قبل المتسربلين بجلباب الاسلام وردائه الفضفاض، ليُطعن الدين بمدئ أهله، ويقف اعداؤهم في خانة المتفرجين لا يخفون شماتة ولا يكتمون سروراً، وتلك هي والله اُم الفواقر.

بلى، فمن هذا التشخيص الدقيق ـ الذي يدركه العقلاء ـ المنبعث عن رؤية صادقّة ومستجلية للغرض السيء إلذي يراد العزف على أوتاره من خلال بعثرة الصف الاسلامي الواحد، ترانا نستثير بالمسلم ضرورة البحث الجدي والرصين المبني على قواعد علمية سليمة يستطيع من خلالها تكوين صورة صادقة عن الأمر محل البحث ـ وحديثنا هنا عن عقائد الشيعة ـ تمكنه من الحكم الصحيح لا اطلاقه جزافاً، لأن ليس بذلك من عمل المحصلين الواعين، وخلاف البحث الاكاديمي العلمي، فكيف إذا اختص ذلك بطائفة كبيرة من طوائف المسلمين لها آثارها البارزة في بناء الحضارة الاسلامية ورقيها؟.

إنَّ السجال العلمي الهادف يُعد بلا شك طلبة كلِّ المسلمين الواعين المدركين بدقة أنَّ سر محنتهم وطوال قرون الانتكاسات المرة المتلاحقة ـ التي توِّجت بسقوط عاصمة الدولة الاسلامية بأيدي المغول عام (٦٥٦ هـ

(١) المراجعة البسيطة للاحصائيات الميدانية في اوربا حول عدد الاوربيين الذين اعتنقوا الدين الاسلامي تبيِّن بوضوح حدة ارتفاع الخط البياني بشكل ملفت للانظار، وخصوصاً في السنوات الاخيرة التي تعتبر بحق سنوات الصحوة الاسلامية التي بدات تجتاح العالم، حتى أني قرأت وقبل فترة احصائية لعدد معتنقي الاسلام في فرنسا فقط يذكر فيها أن عددهم بلغ في حدود ٢٥٠٠٠٠ فرنسي، وكذا هو حال باقي بلدان اوربا وبشكل متفاوت، فراجع.

١١

١٢٥٨ م) مستتبعة باخفاقات وترديات متكررة لتكتمل في انهيارها أمام الغزو الاستعماري المقيت المبتدأة اولى مراحله أبان القرن التاسع عشر الميلادي، والذي استكملت حلقاته مع نهاية الحرب العالمية الاولى ـ يكمن في استسلامهم الممجوج لحالة التناحر المدسوسة من قبل أعدائهم ـ الاجانب منهم أو المتسربلين بلباس الاسلام ـ وبُعدهم البين عن الفهم السليم للكثير من عقائدهم الاساسية ـ وهنا يكمن أصل الداء ـ والتي أدار لها الكثير منهم عارضيه، واستسلم بجهل لا يُغتفر لما يُلقَن به من تفسيرات وتأويلات غريبة ومردودة لتلك العقائد، دون أي تامُّل وتبصُّر...

ثم إنَ الاستقراء العلمي والدقيق للكثير منِ تلك المساجلات يبين بجلاء أنَّها عين ـ أو انعكاسات ـ التقوُّلات التي تفتقت عنها مخيلة اللاهثين خلف سراب المتع الرخيصة والزائفة ابان امتطاء الأمويين سدة الحكومة الاسلامية، ممَن أجهدوا أنفسهم في البحث عن مسوغ ما يبرر توليهم لحكومة كانوا هم أكثر الناس كلبأ عليها، وعداءً لها، فطرقوا أسواق النخاسة التي تصطف فيها الضمائر المعروضة للبيع، والمتبارية في الكذب على الله تعالى ورسوله، كما تتبارى الجواري في عرض محاسنهن أمام رواد هذه الاسواق ـ ولكن شتان ما بين هذه وتلك ـ فوجدوا بغيتهم في بعض الصحابة والتابعين، ممن حفظ لنا التاريخ تحلُّقهم حول موائد الأمويين الذين طالما حذِّر رسول الله صلّى الله عليه وآله من حكومتهم وما يجرونه فيها على الاُمة من عظائم الاُمور المنبعثة عن فسادهم وبُعدهم البين عن الاسلام.

لقد كان الامويون أوَّل من سن بشكل بيِّن قواعد بعثرة أبناء الدين الواحد متوسِّلين في تحقيق بغيتهم هذه بكل ما تطاولت اليه أيديهم التي أطلقها في بيت مال المسلمين امتطاؤهم لسدة الخلافة الاسلامية التي كانوا اكثر من الَّب عليها، ولم يدخروا وسعاً في احتوائها والقضاء عليها، بل ولم ينل

١٢

رسول الله صلّى الله عليه وآله في حياته ـ بل وحتى وبعد وفاته ـ أذى من أحد قدر ما ناله من الأمويين، حتى نبذهم المجتمع الاسلامي ودفعهم إلى الظل، فانكفؤا في جحورهم كالسعالى يترقبون أنْ تدور على هذا الدين وأهله الدوائر، أو يأتيهم الزمان بما عجزوا هم عن ادراكه، وهو ما حدث حين تولى عثمان بن عفان سدة الخلافة الاسلامية، حيث قفز الأُمويون الى قمة الهرم الاداري في الدولة الاسلامية، وأطلقوا لأحلامهم الفاسدة العنان، وعاثوا في الأرض فساداً، والفضل في ذلك عليهم لعثمان وحده حيث فتح الباب ـ ألذي أوصده رسول الله صلّى اللهّ عليه وآله في وجوههم ـ على مصراعيه أمام طموحهم المنحرف، واغراضهم الخبيثة، ولاغرو في ذلك فعثمان يعلن بصراحة على الملأ: أنْ لو كانت بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني اُمية!!(١) وكان صادقاً في قوله وفياً لتعهده(٢) حتى ضج المسلمون

(١) روى أحمد بن حنبل في مسنده (١: ٦٢) عن عثمان بن عفان: أنًه دعا جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ـ وفيهمِ عمّار بن ياسر ـ وقال لهم: إنَّي سائلكم وإنِّي أُحب أنْ تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أنَ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يؤثر قريشاً على سائر الناس، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟

فسكت القوم، فقال عثمان: لو أنَّ بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أُميَّة حتى يدخلوا من عند آخرهم ! !

(٢) بلى فقد كانت أيادي عثمان بن عفان في بني أُمية لا حدود لها، ممّا أثار ذلك عليه نقمة المسلمين، لاسيّما وأنَ هناك الكثير من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله الذين أدركوا وعاينوا الموقف العدائي لهذه الاسرة من الاسلام واهله، بل ومن رسوله الكريم صلّى الله عليه وآله الذي ما زالت كلماته وعباراته المحذِّرة للمسلمين من فساد هذه العائلة وانحرافها، وجهدها الدؤوب قي تمزيق هذا الدين، تتردد في آذانهم، وتتجاوب معها نفوسهم، ولذا فقد كان موقف الخليفة المخالف بشكل حاد لتلك الوصايا مصدر نقمة وغضب بدأت تعتمل في نفوس اولئك الصحابة، ياججها اسراف الأمويين وتجاوزهم على حقوق المسلمين وتلاعبهم بها.

ولقد استعرض المؤرخون في كتبهم جوانب متفرقة من تلك الامور، إلا أنَّ أوسعها

=>

١٣

ـ وفيهم الكثير من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ بفساد الأمويين وتهتكهم، فانقضوا على بيت الخليفة وقتلوه.

نعم لقد كانت هذه العصابة المشخصة النوايا ـ والتي أخذ بخطامها

<=

تفصيلاً ما أورده ابن ابي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة (١: ١٩٨) حيث ذكر: أن عثمان أوطأ بني اُمية رقابَ الناس، وولاّهم الولايات، وأقطعهم القطائع.

فلما افتُتِحَتْ افريقيّة في أيامه أخذ الخُمس كلَّه ووهبه لمروان بن الحكم طريد رسول الله صلّى الله عليه وآله.

وطلب منه عبدالله بن خالد بن أسيد صِلَة، فأعطاه أ ربعمائة ألف درهم.

وأعاد الحكَم بن أبي العاص [ عدوَ رسول الله صلّى الله عليه واله، ومن أكثر الناس ايذاء له ] بعد أن كان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد سَيَّره ثم لم يردَّه أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم ! !.

وتصدَّق رسول الله صلّى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة يُعرف بمهزور على المسلمين، فاقطعه عثمان الحارثَ بن الحكم أخا مروان بن الحكم.

واقطعٍ مروان فَدَك، وقد كانت فاطمةُ عليها السلام أطلبتْها بعد وفاة أبيها صلوات الله عليه، تارة بالميراث، وتارة بالنِّحْلة فدُفِعت عنها.

وحَمى المراعى حولَ المدينة كلَّها من مواشي المسلمين كلِّهم إلا عن بني اُميَّة.

وأعطى عبدَالله بن أبي سَرْح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقيّة بالمغرب ـ وهي من طرابلس الغرب إلى طَنْجة ـ من غير أنْ يَشْرَكه فيه أحد من المسلمين.

وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوّجه ابنته اُم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال عثمان: أتبكي أن وَصَلْتُ رَحمِي ! قال: لا، ولكن أبكي لأنّي أظنك أنَك أخذتَ هذا المال عِوضاً عما كنتَ أنفقتَه في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لو أعطيتَ مروان مائة درهم لكان كثيراً، فقال: ألقِ المفاتيح يابن أرقم، فإنّا سنجد غيرك.

وأتاه أبو موسى باموال من العراق جليلة، فقسمها كلَها في بني اميّة. وأنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة، فاعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً بعد صَرْفه زيد بن أرقم عن خزنه.

وانضمّ إلى هذه الأمور اُمور اُخرى نقمها عليه المسلمون: كتسيير أبي ذرّ رحمه الله تعالى إلى الرّبَذة، وضرب عبدالله بن مسعود حتى كسرت أضلاعه... وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين...

١٤

معاوية بن ابي سفيان، وحاله لا يخفى على أحد، وبغضه لبيت رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يحتاج الى توضيح ـ هي أوَّل من تصدى لتمزيق اشلاء المجتمع الاسلامي الواحد، ثم اقتفى الخلف من بعد اثار السلف، وامتطى العباسيون قفى الأحداث، مثيرين النقع قبالة الحقائق الثابتة بأحقانية أهل البيت عليهم السَّلام، مرددين عين الترهات التي ما انفك الأمويون عن ترديدها والتلاعب بمفرداتها، ومستثمرين حالات الصراع الفكري الذي بدأت تتبلور أبعاده في نشوء المدارس الكلامية المتعددة، تزامناً مع توسع الرقعة الجغرافية للدولة الاسلامية، وتأثر الكثير من تلك المدارس بالاطروحات الفلسفية والفكرية لتلك الشعوب الحديثة الاسلام، والتي تمتلك بلا شك جملة خاصة من الافكار البعيدة الغور، والواسعة المدى، فحدثت ـ وذلك أمر متوقع ـ العديد من حالات التأثر الفكري والعقائدي عند بعض المدارس الكلامية الاسلامية التي افرزتها تلك الظروف الغريبة عن حياة المسلمين، فاستثمرتها السياسة الحاكمة ترويجاً لموقفها المعاند لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، واقحاماً لمتكلِّمي الشِّيعة في مخاضات الجدل والمناظرة والتي سجل لنا التاريخ امتلاك هؤلاء المتكلِّمين ـ المتخرجين من تلك المدرسة المباركة التي تستقي علومها من دوحة النبوة المعطاءة ـ لزمام المحاجة والمجادلة، فلم يمتلك اولئك المنكسرين ما يرد لكبريائهم الممرَّغ في وحل العجز بعض معالمه إلا اجترار ما ازدرته نفوس المسلمين العقلاء من الكذب الرخيص والافتراء الباهت.

نعم لا شيء جديد يمكن للمرء أنْ يعده محفلاً للبحث والتباري الفكري والعقائدي، بل هو ـ وكما ذكرنا ـ اجترار مقيت، وتكرار ممل، لانْ تكلَّف البعض أنْ يُضفي عليه طابعاً عصرياً مموِّها لبضاعة السابقين، ولكن الأصل اجلى من ان يخفيه أي تزويق، وأي تمويه. والانكى من ذلك أنْ

١٥

تجد التراث الشيعي للكثير من علماء الشِّيعة ومتكلِّميها، وطوال حقب متلاحقة، تزدان به ما لا يحصى من المؤلَّفات والأسفار القيِّمة التي تبيِّن بوضوح لا خفاء فيه عقائد الشِّيعة، وأدلتهم الشرعية التي يرتكزون عليها في صياغة احكامهم التي يتعبدون من خلالها... وهذا التراث ـ بكلِّ ما فيه ـ لا يعسر على احد قراءته ومطالعته، وادراك حقيقته، وذاك اجدى لمن ابتغى الحقيقة لا سواها، لأن السماع أو الركون لتقولات الاخرين ـ كما هو حال العديد من الباحثين في عصرنا الحاضر، وهو ظاهرة سلبية مردودة ـ قد يؤدي إلى ايقاع الظلم بالآخرين دون حجة أو دليل يعتذر به، لتعمُّد البعض قلب الحقائق وتزييفها لأغراض ومآرب غير خافية على أحد(١) .

(١) الغريب أن تبلغ السذاجة أو الصلافة بالانسان حداً يتجاوز فيه كلَّ الحدود الشرعية والاخلاقية، وتحشره مجرداً في زاوية حرجة، وفي موقع مفضوح تجعل المرء معها يتساءل عن مدى الفائدة التي يجنيها هذا البعض من هذه التصرفات والمواقف الشاذة والمنحرفة المرتكزة على التقوُّلات والافتراءات الباهتة التي لابُدَ وأنْ يظهر زيفها مع الأيام وعند الاستقصاء، وعندها لا أ دري بماذا يعتذر فنالك المبطلون، سواء أكان ذلك في الدنيا أو يوم يقوم الحساب.

نعم هناك الكثير من هذه الموارد الدالَّة على انحراف أصحابها عن جادة الصواب ومنطق الحق ـ من الذين لاتُفسَّر مواقفهم هذه إلا بأنها محاولات مسمومة لبعثرة الصف الاسلامي الواحد ـ أشار اليها بعض الباحثين والمتتبعين في بحوثهم ومؤلَّفاتهم، كما أشرنا الى بعض منها في مقدمتنا التحقيقية لكتاب مكارم الاخلاق، فراجع.

وأمّا ما نريد الاشارة اليه هنا فهو عينة صادقة عن خبايا تلك النفوس التي لا ترعوي أمام كلمة الحق، ولا تخشى المساءلة يوم الحساب، وبشكل تمجه النفوس، وتزدريه العقول.

فقد عمد أحد الكتّاب المصطفين في خانة حاملي معاول تمزيق هذه الأمة باسم الدفاع عن حريمها زوراً وبهتاناً، ويُدعى محمد مال الله في كتابه الموسوم بـ (موقف الشِّيعة من أهل السنًة) في الاصدار الأوَّل ممّا يسمى بدراسات في الفكر الشيعي الى التلاعب باحدى العبارات التي نقلها عن كتابنا هذا بصلافة عجيبة، ووقاحة غريبة.

فقد ذكرِفي الصفحة ٢٨ من كتابه المذكور، ما هذا نصّه: والبداء عند الشِّيعة: «أنْ يظهر ويبدو لله عزَ شانه أمر لم يكن عالماً به»! ! انتهى.

=>

١٦

إنَّ المسلمين الذي دكَّت سنابك خيولهم أقاصي المعمورة، واذعن لسلطانهم العظيم الأكاسرة والقياصرة، وأخذت أصوات مآذنهم تنادي بالتكبير والتوحيد في أراضي الصليب المتكسِّر ـ الذي ما انفكَّ المتاجرون به من حمله على أكتافهم ليخفوا تحت أخشابه المتهرئة جشعهم وفسادهم وانحرافهم عن أبسط المفاهيم السماوية المقدسة ـ اولئك المسلمين كانوا بأمسِّ الحاجة من غيرهم إلى وقفة تامُّل لا بُدّ منها لادراك الخلل أو العلة الرئيسية التي أودت بكلِّ أمجادهم ومفاخرهم، وبدأت وأمام أعينهم تتهاوى

<=

واشار في الهامش الخامس الى كتابنا هذا: (٥) أصل الشيعة وأصولها/ محمَد الحسين آل كاشف الغطاء: ٢٣١.

وياليته اكتفى بموقفه المخزي هذا، لَكُنّا تلمّسنا له عذراً، ولكنه يصر على خداع القرّاء، ويواصل كذبه وافتراءه دون أي حياء، فقد أعاد كتابة عين تقوّلاته هذه في كتابه الآخر (الشَيعة وتحريف القرآن)! ! في طبعته الثانية الصادرة عن شركة الشرق الأوسط للطباعة في عمان عام (١٤٠٥هـ)، وفي الصفحة ١٢ منه، فراجع.

نعم هكذا تصرف هذا المؤلَف بهذه العبارة ليسيء الى طائفة باكبرها ويتهمها بالكفر والانحراف، متوهماً أنْ لا أحد سيكشف كذبته هذه، وأنَّها ستمر على القرّاء مرور الكرام، ويقال: انظروا ماذا تقول الشِّيعة على لسان واحد من كبار علمائها، هل هذا إلا هو الكفر المحض! !

ونص العبارة التي تصرَّف بها هذا المؤلَف موجودة في خاتمة كتابنا هذا ضمن حديث الشيخ رحمه الله تعالى عن المفتريات التي تتهمِ ظلماً بها الشيعة، حيث قال: ممَّا يُشنِع به الناس على الشَيعة، ويزدرى به عليهم أيضاَ أمران: الأوّل: قولهم بالبداء، تخيلاَ من المشنِّعين أنَّ البداء الذي تقول به الشِّيعة هو عبارة عن أنْ يظهر ويبدو لله عزَّ شأنه أمر لم يكن عالمآَ به ! ! وهل هذا إلا الجهل الشنيع، والكفر الفضيع، لاستلزامه الجهل على الله تعالى، وأنَّه محل للحوادث والتغييرات، فيخرج من حظيرة الوجوب الى مكانة الامكان ! ! وحاشا الامامية «بل وسائر فرق الاسلام من هذه المقالة التي هي عين الجهالة» بل الضلالة... الخ.

أقول: أترك للقارئ الكريم مسألة التعليق على هذا الأمر، والحكم بما يراه موافقاً للعقل والمنطق والصواب

١٧

شيئاً فشيئاً، دون أنْ يمتلكوا أمامها حيلة ولا سبيلاً.

حقاً ـ وهذا ممّا لا ريب به ـ إنَّ ذلك الخلل كان قد استشرى كثيراً في جسد هذه الأًمة التي تمتلك ـ وذلك ما تغص به الأفواه ـ كلَّ مقوِّمات الرقي والسمو، بل وتعد رسالتها هي المنهج العقائدي الوحيد القادر على انقاذ البشرية وانتشالها من وهدة الضياع والتغرُّب والانسلاخ عن رسالتها العظيمة التي خلقها الله تبارك وتعالى من أجلها.

بلى إنَّ ذلك الخلل الرهيب ـ بأبعاده المختلفة ـ كان يسري في جسد هذه الأُمَّة مترافقاً مع جوانب إلخير والعطاء التي أفاضتها شرِيعة السماء بأشكالها المتعددة، فكان كالعلة التي لا يعيرها البعض اهتماماَ حتى تودي به على حين غرة. فتقادم العصور والدهور، واذكاء حالة الاستسلام أمام واقع الحال دون أي ردة فعل أو انكار، بل والوقوف السلبي في بعض الأحيان ـ أو الحيادي في أحيان اُخرى ـ أمام دعوات التصحيح المخلصة، كلُّ ذلك كان يشكِّل العنصر الداعم والمتسامح تجاه حالة السقوط هذه.

نعم، ولعلَّ الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم يمثِّل عينة واضحة مفردة تعكس ابتلاء الشِّيعة ـ وطوال قرون ودهور في ايضاح ورد الشبهات السقيمة والواهية التي ما انفك البعض كالببغاء لا يمل من تكرارها في كلِّ مناسبة وعلى كلِّ منبر، اصراراً على المعاندة والمكابرة، أو جهلاً ممجوجاً لا عذر فيه، فكانت مواقفهم المردودة هذه تمثِّل وبوضوح رؤوس الفتنة الملعونة المبتغية زعزعة وخلخلة البنيان الاسلامي، من خلال التمويه المقصود على الحقائق الواضحة التي لا يُعفى أحد من وجوب التعرُّف عليها وادراك مصداقيتها.

وأقول بعيداً عن المغالاة والتطرُّف: إنَّ الأمر الذي لا مراء فيه هو إنَّ التفاوت المنظور بين فرق المسلمين لا يشكِّل حالة مهولة تدفع العقلاء الى

١٨

اليأس والقاء ما في أيديهم وترك الحبال على غاربها، لأنَ ـ وذلك منتهى الصدق والحق ـ ما يتفق عليه الاخوة الفرقاء هو أكثر ممّا يختلفون فيه، وفي ذلك ما يشحذ في المصلحين الهمم، ويدفعهم إلى مواصلة الجهد الدؤوب نحو التقريب والالتقاء.

بيد إنَ المحاولات المعدودة ـ ومع اقتران اكثرها بصدق النية وصفاء السريرة ـ تبقى قاصرة ودون الاحاطة الشاملة لأبعاد هذا الامر الجسيم، لانها تبقى دائرة في الذيول ـ دون الأصل ـ مرات كثيرة وبُتعاطى معها بين الأخذ والرد.

ولا غرو في ذلك إذ إنَ العلاج الأنجع لأي علة لا بُدّ فيه من البحث عن الأسباب الرئيسية والأساسية في بروزها، لا معالجة نتائجها، وهذا ما عجز الكثيرون عن ادراكه، أو الاشارة اليه صراحة ودون مواربة... فتعاقبت الانتكاسات، وتوالت الاخفاقات، وستبقى طالما ما زلنا نجد من لا يتورع عن تزييف الحقائق، وقلب المسميات بصلافة عجيبة، ووقاحة لا تصدق.

وحقاً أقول: أنَ الحديث عن هذا الأمر يستثير في خواطر المرء الكثير من الشجون التي لا بُدّ لها من تترجم للجميع دون مواربة ومخاتلة، وتتطلَّب صدقاً واخلاص نية تتجاوز حدود الأهواء والنزعات النفسية، وتصبح معياراً وسبيلاًَ لادراك الحق والحقيقة، لا شيء غير ذلك...

المسلمون في هذه المعمورة تشعَّبت بهم المذاهب، ونأت ببعضهم عن بعض، بمسافات تتباعد وتتقارب تبعاً لمدى الوعي الفكري، والفهم العقائدي، وتتوسَّط بين الاثنين جماعة لا تجيد غير لغة التكفير البغيضة، واثارة النقع قبالة الحقائق الناصعة والثابتة.

فالثقل الأكبر ـ وكما يعلم الجميع ـ لعدد المسلمين يتمثل بأهل السنَة

١٩

والجماعة(١) والذين يتعبَّدون بفتاوى أئمة المذاهب الاربعة: أبو حنيفة، مالك، الشافعي، وأحمد بن حنبل. فهناك الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي، وجميع هذه المذاهب تلتقي وتفترق في جملة واسعة من المسائل، وذلك أمر لا مناص منه.

وأمّا الثقل الأكبر الثاني فيتمثَّل بالشِّيعة، وأعني بهم الشِّيعة الامامية الاثني عشرية، وهم ينقادون في فهم عباداتهم ومعاملاتهم لأهل بيت النبوة عليهم السَّلام، الذين توارثوا علومهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فما افترق حكم اللاحق عن السابق، بل كان مؤتمناً مؤدياً.

بلى إنَّ الشيعة ترجع في أحكام دينها إلى هذه العترة الطاهرة التي يجب على المسلمين بنص القران الكريم اتباعهم وموالاتهم ومودتهم، ينضاف الى ذلك جملة واسعة من الأدلة الثابتة والصحيحة التي لا غبار عليها، وهذا ما لا يحاول البعض ـ تعنُتاً ومجافاة للحق ـ ادراكه وتفهُّمه، فيضع نفسه في المضيق دون أيِ مرتكز يعول عليه، بل والاغرب من ذلك أنْ تجد من يتوسَّل تبريراً لموقفه المستهجن ـ وذلك ما ليس بخاف على أحد ـ بما تمليه عليه حالته النفسية القلقة، لا المرتكزات العقائدية والفكرية التي ينبغي ان تسود هذه المباحث.

(١) لعلَه لا يخفى على أحد الأثر العظيمِ الذي خلَفته الدهور المرة القاسية التي أحاطت بالشِّيعة ـ وأعملت أنيابها فيهم تمزيقاً وتقطيعاَ وبشكل متناوب متلاحق ـ وساهمت بشكل مباشر في تحديد أعدادهم، والحد من تكاثرهم بشكل جلي واضح للعيان، وهذا ما سبق أنْ تقدَّم منّا الحديث عنه سالفاً.

يضاف إلى ذلك ما لجأت اليه الحكومات الجائرةِ المتلاحقة من ترويجها واسنادها للمذاهب الاسلامية الأخرى، تنكيلاً بالتشيَّع، وتحجيماَ له، لا حباً وايماناً بتلك المذاهب في أغلب الأحيان، وإنْ كان ذلك الأمر يتشكل في بعفض الأحيان بصبغة التعصُّب الطائفي المقيت الخارج عن أي مفهوم شرعي.

٢٠