×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

وجاء الحق / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الاختلافات والانشعابات، وهذا لا يستقيم مع الدين الإلهي، لأن الدين واحد، كما أن الإله المعبود بالدين واحد، وهو دين إبراهيم عليه السلام، وهذا الدين هو الذي تتمسك به الدعوة الإلهية الخاتمة، ولما كان القوم لا علاقة لهم بإبراهيم، وشهد بذلك حزقيال وأشعيا ويوحنا والمسيح عليه السلام، وشهد بذلك القرآن الكريم الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالنتيجة هي أن القوم لا علاقة لهم بميراث إبراهيم في الدنيا والآخرة، ولما كان القوم ما زالوا يعتقدون بأن القدر يخبئ لهم أميرا سيخرج آخر الزمان يمتلكون به الأرض، فإن الدعوة الخاتمة أخبرت بأن المسيح الدجال سيخرج آخر الزمان، وأنه سيرفع شعار أرض الميعاد، وأن أكثر أتباعه من اليهود، ويلحق بهم الذين أخذوا بذيول اليهود، ثم الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب شبرا بشبر، وذراعا بذراع..

رابعا: البيان والإنذار

أقامت الدعوة الإلهية الخاتمة حجتها على أهل الكتاب، وبينت لهم أن الله - تعالى - منذ بعث نوحا عليه السلام لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام فلم ينزل - سبحانه - على أحد كتابا من السماء، ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده، إلا وهو من سلالته، قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: ٢٦ ]، وبينت الدعوة الخاتمة أن جميع الأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [ الأنبياء ٢٥ ]، وأن إبراهيم عليه السلام لم يدع مع الله غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، ومن ترك طريقة إبراهيم عليه السلام يكون قد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، وبينت الدعوة أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه بالإسلام، وبنيه وصوا أبناءهم به من بعدهم، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ

٢١
حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [ البقرة: ١٣٢ - ١٣٣ ].

وبينت الدعوة الخاتمة بأنها تؤمن بكل نبي أرسل، وأخبرت أن كل من سلك طريقا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، قال تعالى لرسوله: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [ آل عمران: ٨٤ - ٨٥ ]، وأعلنت الدعوة من يومها الأول أنها على ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) [ النحل ١٢٣ ]، وقال جل شأنه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [ الأنعام: ١٦١ - ١٦٣ ].

لقد بينت الدعوة الإلهية الخاتمة للبشرية العقيدة الحقة، وأقامت الحجة على أهل الكتاب ليتفكروا وليتدبروا، ليعلموا أن دين إبراهيم برئ من جميع العقائد التي عليها بصمات العجول وآلهة الأمم المتعددة، وأن دين إبراهيم لا علاقة له بعقائد التثليث وألوهية المسيح، ولم تكن مهمة إبراهيم عليه السلام في يوم من الأيام هي البحث عن الميراث من النيل إلى الفرات، وإنما كان عليه السلام إماما للناس، يقتدون به ويتبعونه في أقواله وأفعاله، وهذه الإمامة لا ينالها ظالم من ولده، لأن الله لا يجعل الظالمين أئمة، ولا يعطي الإمامة لعدوه، لأن هؤلاء يأتون كنتيجة لأعمال الظالمين من الناس، والله - تعالى - رؤوف بالعباد، والناس تحت مظلة الاختبار يمتحنون، فمن سلك طريقا على ذروته إمام للرحمة والعدل، وصل إلى غايته، ومن سلك طريقا على ذروته إمام يدعو إلى النار، دخل فيها.

٢٢
وعلى امتداد عهد البعثة الخاتمة، بين الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن شريعته تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بالمعروف، وتحذر من البغي والاستكبار والاختلاف، وتنادي بالعدل والإحسان والاستقامة، وتدعو إلى العمل الصالح والتفكر والتدبر والإصلاح والإخلاص، وأن منهج الدعوة عموده الفقري هو التوحيد، وشجرته الأخلاق الفاضلة، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي.

وعلم أهل الكتاب وغيرهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، قال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) [ الأعراف: ١٢٨ ]، ولقد اختبر الله - تعالى - الفرع الإسرائيلي من الشجرة الإبراهيمية، وبعث فيهم الأنبياء والرسل لينظر - سبحانه - كيف تعمل القافلة، وعلم أهل الكتاب كيف سارت القافلة وبماذا حكم الله عليها، وهذا الحكم يقرأوه في ما بين أيديهم من التوراة الحاضرة، ومنه قول الرب لهم: " ها أنذا أنساكم وأرفضكم من أمام وجهي، أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها، وأجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى " (١)، وقال: " هو ذا من أجل آثامكم بعتم، ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم " (٢)، وبين هذا الحكم وبين البعثة الخاتمة، قتلوا الأنبياء الذين بعثهم الله لإقامة الحجة على الأجيال المتعاقبة، وعند ما جفت المسيرة من الماء، بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ليختبر الله - تعالى - بمنهجه أمة جديدة في مقدمة عالم جديد.

وببعثة النبي الخاتم حكمت الدعوة الإلهية حكمها الفصل على قصة الميراث، التي سهر عليها بنو إسرائيل ليلا طويلا، وذلك ببسط الدعوة يدها على المسجد الحرام والمسجد الأقصى في رحلة واحدة في ليلة واحدة، قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد

(١) أرميا: ٢٣ / ٤٠.

(٢) المصدر نفسه: ١٧ / ٢ - ٤.

٢٣
الأقصى الذي باركنا حوله) [ الإسراء: ١ ]، فالميراث بدأت حدوده من موضع سجود، وانتهت إلى موضع سجود، وهو ممتد إلى كل موضع سجود، وليس معنى هذا أن الدعوة الخاتمة تبحث عن الأرض والطين، وإنما معناه أنها ترعى التقوى في أي مكان، وتعمل من أجل الإصلاح في كل مكان، ترعى التقوى لأن العاقبة للمتقين، وتعمل من أجل الإصلاح حتى يرث الصالحون، قال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) [ الأنبياء: ١٠٥ ].

ولأن الدعوة تقوم على التوحيد، ولأن التوحيد هو الحصن الحصين الذي يحفظ الإنسان من الزلل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار " (١) وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى يهود، وقال لهم: " يا معشر اليهود، أسلموا تسلموا "، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: " أسلموا تسلموا "، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: " ذلك أريد "، (أي أريد أن تعرفوا أني بلغت)، ثم قال لهم:

" اعلموا أنما الأرض لله ولرسوله، وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله " (٢)، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلغ بالاسلام، ولكن القوم كانت عيونهم على الأرض والطين، لأنهم من أجل هذا الميراث يعملون، فوقفوا بما يعتقدون أمام القول الفصل وهو: " اعلموا أن الأرض لله ورسوله "، ولم يكن الجلاء من جزيرة العرب عقابا وحيدا للذين يصدون عن سبيل الله وإنما أنذرهم الله بعقاب أليم في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) [ النساء: ٤٧ ]، قال في

(١) رواه مسلم، الصحيح: ١ / ٩٣.

(٢) المصدر نفسه: ٥ / ١٥٩.

٢٤
الميزان: " دعاهم الله - تعالى - إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم، وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه، وطمس الوجوه: محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدهم الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة، وهذا المحو ليس هو المحو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها، بل محو يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها، فإذا كانت الوجوه تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإن الوجوه المطموسة لا تقصد إلا ما خلفته وراءها، ولا تمشي إليه إلا القهقرى، وهذا الإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة، كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه ودنياه لم ينل إلا شرا وفسادا، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر، وليس بفالح أبدا، وقوله تعالى: (نطمس وجوها) فيه أنه - تعالى - أتى بالجمع المنكر، ولو كان المراد الجميع لم ينكر، ولتنكير الوجوه وعدم تعيينها هدف من ورائه حكمة، هي أن المقام لما كان مقام الإبعاد والتهديد، وهو إبعاد للجماعة بشر لا يلحق إلا ببعضهم، كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف، لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد من القوم، فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب " (١).

خامسا: العنكبوت والدعوة

حذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين كفروا من أهل الكتاب، لأن الدعوة تقيم وجهها للدين وتتجه بالبشرية إلى الأمام، وتمدها على امتداد الطريق بالزاد الفطري الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، بينما تتقدم قافلة الذين كفروا إلى الخلف بزاد عذاب الطمس الذي ضربه الله عليهم بما كسبت أيديهم، وعلى امتداد هذا الطريق، كلما بالغ أصحابه في التقدم زادوا في التأخر، ولن يحصلوا على السعادة الحقيقية أبدا.

(١) الميزان: ٤ / ٣٦٧.
٢٥
ومن الآيات التي حذر فيها الله من الذين كفروا من أهل الكتاب قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) [ المائدة: ٥١ ]، قال في الميزان: " نهى عن مودتهم الموجبة إلى تجاذب الأرواح والنفوس، لأن ذلك يقلب حال المجتمع من السيرة الدينية المبنية على سعاة اتباع الحق، إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان والخروج عن صراط الحياة الفطرية، وقوله تعالى: (بعضهم أولياء بعض)، أي: لتضارب نفوسهم وتجاذب أرواحهم، المستوجب لاجتماع آرائهم على اتباع الهوى والاستكبار عن الحق وقبوله، واتحادهم على إطفاء نور الله سبحانه، وتناصرهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة، وليسوا على وحدة الملية، لكن يبعث القوم على الاتفاق ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين أن الإسلام يدعوهم إلى الحق، ويخالف أعز المقاصد عندهم، وهو اتباع الهوى والاسترسال في مشتهيات النفس وملاذ الدنيا، فهذا هو الذي جعل الطائفتين - اليهود والنصارى -، على ما بينهما من الشقاق والعداوة، مجتمعا واحدا، يقترب بعضه من بعض ويرتد بعضه إلى بعض، يتولى اليهود النصارى وبالعكس، ويتولى بعض اليهود بعضا وبعض النصارى بعضا، وبالجملة، لا تتخذوهم أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم فيما بينهم يد واحدة عليكم، لا نفع لكم في الاقتراب منهم بالمودة والمحبة، وربما أمكن أن يستفاد من قوله: (بعضهم أولياء بعض) معنى آخر وهو: أن لا تتخذوهم أولياء لأنكم إنما تتخذونهم أولياء لتنتصروا ببعضهم الذين هم أولياؤكم على البعض الآخر، ولا ينفعكم ذلك، فإن بعضهم أولياء بعض فليسوا ينصرونكم على أنفسهم " (١).

ومن آيات التحذير أيضا قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل، والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) [ النساء: ٤٤ - ٤٥ ]، قال في الميزان: " أي

(١) الميزان: ٥ / ٣٧٣.
٢٦
كتاب وجاء الحق لـ سعيد أيوب (ص ٢٧ - ص ٤٧)
٢٧
وبالجملة، حذر الله - تعالى - الأمة من تنظيمات أهل الكتاب، التي لها أهداف قريبة وأهداف بعيدة، والتي يحمل أعلامها الفرق المتعددة والطوائف المختلفة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [ آل عمران: ١٠٠ ]، قال المفسرون: يحذر - تبارك وتعالى - عباده المؤمنين من أن يطيعوا فريقا من أهل الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما قال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) [ البقرة: ١٠٩ ]، وهكذا قال هاهنا: (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [ آل عمران: ١٠٠ ]، وفي آية أخرى قال تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) [ آل عمران: ٦٩ ].

وباختصار، فالقاعدة العريضة منهم ودوا لو يردون الذين آمنوا من بعد إيمانهم كفارا، وهناك فرق حملت أعلام هذه القاعدة وانطلقت رجاء تنفيذ هذا الهدف، وهناك طائفة من أهل الكتاب مهمتها إطفاء الأنوار رغبة منها في أن تضل قافلة الذين آمنوا عن الطريق، والمعنى: أن الطائفة في خدمة الفريق، والفريق في خدمة القاعدة، وليس معنى هذا أن قاعدة أهل الكتاب خالية من العلماء الذين يبحثون عن الحقيقة، فهؤلاء أثر أقدامهم على الطريق، والإسلام لم يغلق أبوابه أمام الذين يريدون الاستبصار منهم في الدين، وقد أمر الله - تعالى - بمجادلتهم بالتي هي أحسن، فقال في آية محكمة: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) [ العنكبوت: ٤٦ ]، وقوله: (إلا الذين ظلموا منهم) يعني أهل الحرب، وذكر - تعالى - في كتابه أن الذين قالوا إنهم من أتباع عيسى عليه السلام وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله، وما ذاك إلا لما في قلوبهم من الرقة والرحمة، ويوجد فيهم قسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، ورهبانا، من صفتهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع والانقياد للحق واتباعه والإنصاف، وإذا سمعوا ما أنزل الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، ترى أعينهم تفيض

٢٨
من الدمع مما عرفوا من الحق، قال تعالى: (لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) [ المائدة: ٨٢ - ٨٤ ]، فهذا الصنف من النصارى كان أول ظهوره بالحبشة كالنجاشي وأصحابه، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله) [ آل عمران: ١٩٩ ]، وهم الذين قال الله فيهم: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا تتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) [ القصص: ٥٢ - ٥٣ ]، ومنذ أيام النجاشي وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، لم تغلق الدعوة أبوابها في وجوه الذين يريدون الاستبصار في الدين، لأن الله - تعالى - أمر رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ليحذروا بأس الله تعالى، وأمره - تعالى - أن من احتاج من الناس إلى مناظرة وجدال، فليكن بالأسلوب الحسن برفق ولين وحسن خطاب.

فمن هذه النصوص ومن غيرها نعلم أن الدعوة الإلهية الخاتمة حذرت من اتباع أي مشروع تقدمه الطوائف أو الفرق التي تهدف من وراء برامجها الصد عن سبيل الله، وفي الوقت نفسه فتحت الدعوة أبوابها للباحثين عن الحقيقة من أهل الكتاب لتقيم الحجة عليهم وعلى غيرهم في كل مكان وزمان..

٢٩

الفصل الثاني
من وصايا الدعوة الخاتمة

٣٠
٣١

أولا: ظل المنزلة الممدود

على امتداد المسيرة الإسرائيلية كان لشجرة الأنبياء فيها علامات وبصمات، وفي التوراة الحاضرة يمكن للباحث أن يتبين نبوة هارون ومنزلته هو وبنيه من موسى عليه السلام، فالتوراة تنص على وحي الله - تعالى - لهارون، وهنا تكون النبوة، ولما كان موسى عليه السلام هو رسول الله إلى بني إسرائيل وعليه أنزلت التوراة، فإن نبوة هارون أو وحي الله - تعالى - لهارون، كان يتعلق بتفسير الشريعة التي أنزلها الله - تعالى - على موسى عليه السلام، بمعنى:

أن التوراة أنزلها الله - تعالى - على موسى، وأن تفسير الشريعة أوحى الله - تعالى - به إلى هارون عليه السلام، فكان هارون مشاركا لموسى عليه السلام في تفسير الشريعة، وموسى عليه السلام منفردا عن هارون بتلقي التوراة من الله سبحانه وتعالى، وهو قول الله - تعالى - في القرآن حاكيا عن موسى قوله:

(واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري) [ طه: ٢٩ - ٣٢ ]، فالنص القرآني يقول: إن موسى عليه السلام سأل ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، وأن يكون هذا الوزير هارون أخاه، وسأله أن يشركه في أمره، والوزير في لغة العرب: الذي يحمل ثقل الملك، وقيل: هو الذي يلتجئ إليه الملك في آرائه وأحكامه، وقيل: هو الذي يعين الملك ويقويه (١)، وفي التوراة الحاضرة: كان هارون الكاهن الأكبر الذي يفسر الشريعة، والكاهن في لسان العرب: هو من يقوم بأمر الرجل ويسعى في حاجته، وقال: والعرب تسمي كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا (٢).

(١) أنظر: لسان العرب: مادة: وزر، ص: ٤٨٢٤.

(٢) أنظر: المصدر نفسه، مادة: كهن، ص: ٣٩٥٠.

٣٢
وسؤال موسى عليه السلام ربه - جل وعلا - أن يشرك هارون في أمره، أي في أمر يخص موسى، وهو تبليغ ما بلغه من ربه، فهذا هو الأمر الذي يخصه، وسأل ربه أن لا يشاركه فيه أحد سوى هارون، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واجعل لي وزيرا من أهلي... الآية): " وهذا أيضا سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له، وقوله: (اشدد به أزري)، أي: ظهري، وقوله: (وأشركه في أمري)، أي:

في مشاورتي " (١).

هذا ما يتعلق بوزارة هارون ومساعدته موسى في تبليغ الدين أو شئ من أجزائه، وموسى عليه السلام سأل ربه ذلك، لأن الأمر كثير الجوانب، متباعد الأطراف، فهو كان يخاف التكذيب مع ما معه من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان، وكان على علم بفرعون وقومه وما هم عليه من الشوكة والقوة، وكان على علم بالانحطاط الفكري وبجهل بني إسرائيل وضعفهم، لهذا سأل ربه بعض الأمور التي كان يحتاجها في رسالته لا في نبوته، ومنها طلب الوزير، أما في ما يتعلق بخلافة هارون لموسى عليه السلام في قومه، فجاء في قوله تعالى: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) [ الأعراف: ١٤٢ ]، قال ابن كثير: " استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الافساد، وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله، له وجاهه وجلاله صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء " (٢)، والاستخلاف لا يكون إلا في غيبة، وكانت غيبة موسى عن بني إسرائيل حين كان يفارقهم للميقات، وقوله لأخيه: (ولا تتبع سبيل المفسدين)، فيه أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور، ويتربصون به الدوائر، فنهى موسى

(١) تفسير ابن كثير: ٣ / ١٤٧.

(٢) المصدر نفسه: ٢ / ٢٤٣.

٣٣
أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر، ويكيدوا ويمكروا به، فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم، بعد تلك المحن التي كابدها هارون في إحياء كلمة الاتحاد بينهم.

وبالجملة، كان هارون وزيرا لموسى عليهما السلام، وكان يساعده في تبليغ الدين أو شئ من أجزائه، وكان يخلف موسى عليه السلام في غيبته، ويحافظ على سبيل موسى عليه السلام من الذين يتربصون به، ليكون السبيل حجة على بني إسرائيل وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، ويكون شاهدا على المفسدين على امتداد المسيرة كي يتبين الباحث عن الحقيقة خطاهم، وسبيل الأنبياء، فقد ذرأ الله ذرية آدم، لا يضره من خالفه أو من خذله أو من عاداه.

أما في ما يتعلق بأبناء هارون عليه السلام، فلقد ذكرت التوراة الحاضرة، أن الله - تعالى - اصطفى أبناء هارون من بعده ليفسروا الشريعة لبني إسرائيل، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية بعث منهم الأنبياء والربانيون، وآخر الأنبياء الذين بعثوا من ذرية هارون، كان المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، ولقد قلب بنو إسرائيل الأمر على أنبيائهم، وقتلوا بعضهم، وكذبوا البعض الآخر، وعندما جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم.

والدعوة الإلهية الخاتمة - على نبيها الصلاة والسلام - امتد ظلها من حيث انتهت ظلال أنبياء بني إسرائيل، بمعنى: في بداية الدعوة جعل الله قياس النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى موسى عليه السلام، وجعل قياس أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى فرعون وقومه، قال تعالى: (إنا أرسلنا إليكم شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا) [ المزمل: ١٥ - ١٦ ]، فبتدبر الآية، نجد أن دائرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقابلها دائرة موسى عليه السلام، ودائرة الأمة يقابلها دائرة فرعون، والقرآن عبر عن موسى بالرسول، وفي هذا إشارة إلى أن السبب الموجب لأخذ فرعون مخالفته أمر رسالة موسى لا موسى نفسه بما أنه موسى، وإذا كان السبب هو مخالفة الرسالة، فيقابله تحذير الأمة من مخالفة رسالة محمد، لأن المخالفة تؤدي

٣٤
إلى عذاب الأخذ الوبيل، قال ابن كثير في تفسيره: " احذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذا عزيز مقتدر " (١).

كما جعل الله - تعالى - قياس أذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أذى موسى عليه السلام، قال تعالى: (يا أيها آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) [ الأحزاب: ٦٩ ]، قال ابن كثير: وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو يوصلوا إليه أذى، وقال تعالى مخبرا عن رسوله موسى عليه السلام أنه قال لقوله: (لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) [ الصف: ٥ ]، ولما كانت عقوبة الذين آذوا موسى عليه السلام وعدلوا عن الحق مع علمهم به، أن الله أزاغ قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، فإن الله - تعالى - توعد الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم باللعن في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) [ الأحزاب: ٥٧ ]، قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشئ، ومن آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.

ولما كان الناس يختبرون على امتداد المسيرة البشرية لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، فإننا نجد موسى عليه السلام يبين معالم هذا الاختبار لبني إسرائيل في ما أخبر الله - تعالى - أنه قال لقومه: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) [ الأعراف: ١٢٩ ]، وهذه المعالم بينها الله - تعالى - لرسوله الخاتم في قوله: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) [ يونس: ١٣ - ١٤ ].

فالدعوة الإلهية ظلالها ممتدة، ودوائر الهدى فيها تشبه بعضها بعضا، والعذاب الذي توعد الله به الظالمين هناك من جنس العذاب الذي ينتظر

(١) تفسير ابن كثير: ٤ / ٤٣٨.
٣٥
الظالمين هنا، وعلى امتداد الدعوة الإلهية أمر الله عباده بأن لا يزكوا أنفسهم لأنه - سبحانه - أعلم بمن اتقى، وأنه يزكي من يشاء، وتحت سقف التزكية يختبر العباد، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) [ الفرقان: ٢٠ ]، قال في الميزان: " أي أنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان، والمتبعون للأهواء من طلاب الحق، وقوله تعالى: (وكان ربك بصيرا) أي: عالما بالصواب في الأمور، فيضع كل أمر في الموضع المناسب له، ويجري بذلك أتم النظام، فهدف النظام الإنساني كمال كل فرد بقطعه طريق السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له ويستحقه، ولازم ذلك بسط نظام الامتحان بينهم، ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم " (١)، وقال ابن كثير في تفسيره في معنى الآية: " أي اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال: (أتصبرون وكان ربك بصيرا)، أي: بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [ الأنعام: ١٢٤ ]، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك، وقال ابن إسحاق في قوله: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)، أي: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم " (٢).

ولما كان الناس يختبرون بالأنبياء والرسل، فإنهم يختبرون أيضا بتلاميذ الأنبياء والرسل وحواريهم وأوصيائهم، ولقد تم اختبارهم بأبناء هارون وبتلاميذ المسيح عليه السلام. ويشهد بذلك كتب التراجم والتواريخ والسير، والأمة الخاتمة لم تستثن من ذلك، ولقد قابلت دائرة هارون وبنيه في الشريعة الموسوية، دائرة علي بن أبي طالب وبنيه في الشريعة المحمدية، ففي الحديث الصحيح روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي بن أبي طالب: " أنت مني

(١) الميزان: ١٥ / ١٩٤.

(٢) تفسير ابن كثير: ٣ / ٣١٣.

٣٦
بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (١)، وفي رواية: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست نبيا. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي " (٢)، وروي أنه قيل لسفيان الثوري: حدثني بأحسن فضيلة عندك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: حدثني سلمة بن كهيل عن حجية عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له:

" أنت مني بمنزلة هارون من موسى " (٣)، وعن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "، قال سعيد بن المسيب:

فأحببت أن أشافه بها سعد بن أبي وقاص، فلقيت سعدا، فحدثته بما حدثني عامر بن سعد، فقال سعد: أنا سمعته، فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاسكتا (أي اصمتا) (٤) وعن موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فقال لها رفيقي أبو سهل: كم لك؟

قالت: ست وثمانون سنة، قال: ما سمعت من أبيك شيئا؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي " (٥).

وحديث المنزلة حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والحاكم وأحمد والطبراني وغيرهم، وقال ابن كثير: " تقصى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ترجمة علي بن أبي طالب في تاريخه

(١) البخاري، الصحيح: ٢ / ٣٠٠، مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٤، الترمذي، الجامع الصحيح:

٥ / ٦٤٠.

(٢) رواه ابن أبي عاصم، وقال الألباني: إسناده حسن، ورجاله ثقات، كتاب السنة: ٢ / ٥٦٥، وأحمد والحاكم، كنز العمال: ١١ / ٦٠٦، مستدرك الحاكم: ٣ / ١٣٣، الفتح الرباني، شرح مسند الإمام أحمد: ٢١ / ٢٠٤.

(٣) كنز العمال: ١٣ / ١٥١.

(٤) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٤.

(٥) أخرجه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير فاطمة بنت علي وهي ثقة، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٩.

٣٧
فأجاد وأفاد وبرز على النظراء والأشباه والأنداد " (١)، وقال الحافظ الكتاني:

" وحديث: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "، حديث متواتر، جاء عن نيف وعشرين صحابيا " (٢)، وروى الحديث كل من: أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ومالك بن الحويرث، وسعد بن أبي وقاص، وقيس بن جنادة، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وغيرهم (٣).

ولما كانت الدعوة الإلهية لبني إسرائيل جعلت هارون وبنيه مع التوراة على خط واحد، فإن الدعوة الإلهية الخاتمة جعلت أهل البيت مع القرآن على خط واحد، فعن زيد بن أرقم قال: " قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، وأذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " (٤).

وعن زيد بن ثابت قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لا يتفرقا حتى يردا على الحوض " (٥)، وعن أبي سعيد قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله

(١) البداية والنهاية، ابن كثير: ٧ / ٣٤٢.

(٢) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، الكتاني، ص ١٩٥.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٩، أحمد والحاكم، الفتح الرباني: ٢٢ / ١٠٤.

(٥) رواه أحمد، وقال الهيثمي: إسناده جيد، الزوائد: ٩ / ١٩٣، الفتح الرباني: ٢٢ / ١٠٥.

والطبراني، كنز العمال: ١ / ١٨٦.

٣٨
حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (١)، وعن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (٢).

والعترة - كما جاء في لسان العرب - هي: ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولد فاطمة البتول عليها السلام (٣)، وفي قوله: " إني تارك فيكم الثقلين "، قال النووي: " سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما " (٤).

وحديث الثقلين حديث صحيح، رواه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت والطبراني وأبو نعيم عن حذيفة بن أسيد، وابن أبي عاصم وأحمد والطبراني وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، والترمذي والنسائي والحاكم عن زيد بن أرقم، وابن أبي شيبة والترمذي والنسائي والخطيب عن جابر، ومسلم عن زيد بن أرقم (٥).

فمنذ ذرأ الله ذرية آدم وهو - سبحانه - يزكي من يشاء، ويجعل بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية امتحن الله - تعالى - بني إسرائيل امتحانات شتى، ومنها امتحانهم بهارون وبنيه، ولم

(١) رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن، والطبراني، وقال المناوي: رجاله موثقون، الفتح الرباني: ١ / ١٨٦، كتاب السنة: ٢ / ٦٤٤.

(٢) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، الجامع: ٥ / ٦٦٣، وقال في تحفة الأحوازي:

رواه مسلم من وجه آخر، التحفة: ١٠ / ٢٩٠.

(٣) لسان العرب، ص ٢٧٩٦.

(٤) رواه مسلم، شرح النووي: ١٥ / ١٧٩.

(٥) أنظر: كنز العمال: ١ / ١٧٢، ١٧٣، ١٨٦، ١٨٧، ٤ / ٤٣٥، ٥ / ٢٩٠، وكتاب السنة:

٢ / ٣٥١، ٦٤٤، والبداية والنهاية: ٥ / ٢٠٩.

٣٩
يكن لموسى عليه السلام ولد من صلبه، وشاء الله أن يجعل امتداده في أخيه هارون وبنيه من بعده، وكان هارون وبنوه ذروة سبط لاوي الذي منه موسى وهارون عليهما السلام. وبهم امتحن الله - تعالى - بقية الأسباط! وعلى امتداد المسيرة سفكت الدماء الزكية عندما جاء الهداة لبني إسرائيل بما لا تهوى أنفسهم.

وعندما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم امتحن الله أمته بامتحانات شتى بعد أن أقام عليهم الحجة، ومنها الامتحان بعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشاء الله أن يجعل امتداد النبي في ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب، ولما كانت منزلة علي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى عدا النبوة فإن الدعوة الخاتمة أقامت الحجة في أكثر من موضع على مكانة علي بن أبي طالب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لتعليم القافلة دوائر التحذير فلا تقترب منها على امتداد المسيرة.

ومن الأحاديث التي تبين مكانة علي بن أبي طالب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أن الله - تعالى - جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير الناس نفسا، وجعل علي بن أبي طالب كنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا " (١)، وعن جابر بن عبد الله أنه قال في قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) [ آل عمران: ٦١ ]:

قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي بعثني بالحق، لو قالوا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارا،

(١) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، الجامع: ٥ / ٥٨٤، ورواه أحمد، الفتح الرباني:

٢١ / ٢٦٦.

٤٠