×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

وجاء الحق / الصفحات: ٤١ - ٦٠

قال جابر: وفيهم نزل قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... الآية)، قال جابر: (وأنفسنا وأنفسكم) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب، و (أبناءنا) الحسن والحسين، و (نساءنا) فاطمة، قال ابن كثير: رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة (١).

وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب على ذروة العشيرة الأقربين، كما وضع موسى هارون على ذروة الأسباط، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) [ الشعراء: ٢١٤ ] جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، فقال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي، قال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحرا! من يقوم بهذا؟ ثم قال الآخر، فعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا على أهل بيته واحدا واحدا، فقال علي:

أنا " (٢)، وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه أحد، قال علي: فقمت إليه، وكنت من أصغر القوم، فقال: اجلس، ثم قال مرة أخرى، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة ضرب بيده علي يدي " (٣)، وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إني - والله - ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا، فقال علي: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا (٤).

(١) تفسير ابن كثير: ١ / ٣٧٠.

(٢) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٢، ورواه ابن جرير وصححه، والطحاوي والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ١٢٩.

(٣) رواه أحمد وابن جرير والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ١٧٥.

(٤) رواه ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي، كنز العمال:

١٣ / ١٣٣.

٤١
وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب على ذروة المهاجرين والأنصار، عن عمر بن عبد الله عن أبيه عن جده: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا، فقال: يا رسول الله، آخيت بين الناس وتركتني، قال: ولم تراني تركتك؟ تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب (١)، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " (٢). قال ابن كثير: " كان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام " (٣).

وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت علي بن أبي طالب ذروة البيوت، فعن زيد بن أرقم قال: " كان لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد، فقال النبي يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم في ذلك الناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي، وقد قال فيه قائلكم، وإني - والله - ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن الله أمر بشئ فاتبعته " (٤)، وفي رواية، قال صلى الله عليه وآله وسلم: " ما أخرجتكم من قبل نفسي، ولا أنا تركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي " (٥).

وهذا الحديث رواه جمع من الصحابة، منهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وعلي بن أبي طالب، وقال السيوطي:

ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة، بل المتواترة أنه صلى الله عليه وآله وسلم منع فتح باب شارع في المسجد ولم يأذن لأحد ولا لعمه العباس ولا لأبي بكر، إلا لعلي، وقال

(١) رواه أحمد وأبو يعلى، كنز العمال: ١٣ / ١٤٠، تحفة الأحوازي: ١٠ / ٢٢٢.

(٢) رواه الترمذي والحاكم وصححه، كنز العمال: ١١ / ٥٩٨.

(٣) البداية والنهاية: ٧ / ٣٣٦.

(٤) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١١٤، الفتح الرباني: ٢٣ / ١١٨، والحاكم والضياء بسند صحيح، كنز: ١١ / ٥٩٨.

(٥) رواه البزار، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١١٥، والطبراني، كنز العمال: ١١ / ٦٠٠.

٤٢
الحافظ الكتاني: " وقد أورد ابن الجوزي في الموضوعات حديث سد الأبواب مختصرا على بعض طرقه، وفي هذا قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ ابن الجوزي في ذلك شنيعا لرده الأحاديث الصحيحة " (١).

وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب على ذروة الجنود، عن أبي هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله "، وفي رواية عن مسلم: " رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه "، قال عمر بن الخطاب: " ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها.. وقال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، وصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟

قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " (٢).

ومن أحاديث الذروة أيضا ما روي عن جابر بن عبد الله قال: " دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا يوم الطائف فانتجاه فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما انتجيته ولكن الله انتجاه " (٣)، وفي رواية:

" قال أبو بكر: يا رسول الله: قد طالت مناجاتك عليا، فقال: ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه " (٤)، قال في تحفة الأحوازي: " أي أني بلغت عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه، فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته "، وقال الطيبي: " كان ذلك أسرارا إلهية وأمورا غيبية جعله من خزانها " (٥).

(١) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، ص: ١٩٥.

(٢) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٦، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٣٢، والبخاري عن سلمة بن الأكوع، الصحيح: ٢ / ١٦٦، والحاكم عن جابر، المستدرك: ٣ / ٣٨.

(٣) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٣٩، وابن كثير، البداية والنهاية: ٧ / ٣٥٧.

(٤) رواه الطبراني عن جنوب بن ناجية، كنز العمال: ١٣ / ١٣٩.

(٥) تحفة الأحوازي: ١٠ / ٢٣١.

٤٣
ومن أحاديث الذروة، ما روي عن جابر، قال: " لما سأل أهل قباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبني لهم مسجدا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليقم بعضكم فيركب الناقة، فقام أبو بكر فركبها، فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام عمر فركبها فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام علي، فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي ارخ زمامها، وابنوا على مدارها فإنها مأمورة " (١).

وعلى ضوء ما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة، تشرق منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله داخل أحياء قريش، فهو بين العشيرة الأقربين أخو النبي ووصيه وخليفته، وهو بين المهاجرين والأنصار عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب، وبابه بين الأبواب هو الباب المفتوح، وعلم الجميع أن الله أخرجهم وتركه، وأن النبي في هذا مأمور، وما أمر به فعله إن يتبع إلا ما يوحى إليه، وفي ميادين القتال علم الخاص والعام أن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وعلموا أن الله انتجاه، ويوم بناء المسجد علموا أن الناقة مأمورة، وعلموا أن الكتاب والعترة لا يفترقا حتى يردا على الحوض، وأن العترة في صلب علي وفاطمة عليهما السلام، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ".. علي أصلي.. " (٢).

وبين إشراق منزلة علي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين منزلة هارون من موسى عليهما السلام، يمتد ظلال الدعوة الإلهية، وتحت هذا الظلال تسير الأمة الخاتمة بمنهجها المهيمن على جميع المناهج، وقد حذرهم الله - تعالى - من السلوك في طريق الفراعنة، بعد أن جعل قياس النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى موسى، وقياس الأمة إلى فرعون وقومه (٣)، وبعد أن حذرهم من أن يكونوا كالذين آذوا موسى (٤)، وبعد أن علموا أن الله يزكي من يشاء، ويجعل بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها.

(١) رواه الطبراني في الكبير، كنز العمال: ١٣ / ١٣٩.

(٢) رواه الطبراني والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ٦٠٢.

(٣) المزمل: ١٥ - ١٦.

(٤) الأحزاب: ١٩.

٤٤
وعلى طريق المنزلة رويت أحاديث صحيحة، يرى فيها موقع الذروة الذي يستقيم مع موقع المنزلة، وسنذكر بعض هذه الأحاديث في موضعها.

ثانيا: أضواء على المنزلة العالية

قامت الدعوة الإلهية على امتداد المسيرة البشرية، بمخاطبة الإنسان الذي يسلك طريقها، وإرشاده إلى ما فيه سعادته، وحذرت من الذين يتلبسون بالدين، لأن مهمة النفاق في ديار الذين آمنوا لا تنفصل عن مهمة الشيطان الذي اعتمد في برنامجه القعود على الصراط المستقيم: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم) [ الأعراف: ١٦ ]، وتيار الصد عن سبيل الله اعتمد على المنافقين في حفر الحفر العديدة، التي على امتداد مسيرة الذين آمنوا، ومن خلال هذا الحفر رفعت الأعلام العديدة، التي تقوم برامجها بالتعتيم على الفطرة، والقافلة الإسرائيلية لم تسقط في مستنقع عبادة العجول نتيجة لغزوها من الخارج، وإنما سقطت أولا من الداخل، على أيدي الذين يجلسون تحت خيامها ويتلبسون بالدين.

والدعوة الإلهية الخاتمة بينت أن المنافقين يلقون الناس بالأيمان الكاذبة الآثمة، ليصدقوا ما يقولون، فيغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، ويقتدي بهم في ما يفعلون، ويصدقهم في ما يقولون، فيحصل بهذا ضرر كبير وبينت الدعوة أن منهم أصحاب أشكال حسنة وألسنة ذي فصاحة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، ولهذا قال تعالى: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) [ المنافقين: ٤ ]، وقال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) [ النساء: ١٤٥ ].

ولقد وصفهم القرآن بأوصاف، منها أنهم رجس، قال تعالى: (إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون) [ التوبة: ٩٥ ]، فهم في دائرة الخبث والتنجس نتيجة لما تحتويه بواطنهم واعتقاداتهم، والذين في قلوبهم مرض ويتلبسون بالدين الخاتم ورثوا قلوب الذين سبقوهم من بني إسرائيل

٤٥
وعقولهم، فإذا كان الذين كفروا من بني إسرائيل لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم، فإن المنافقين إذا سمعوا آية من كتاب الله زادتهم رجسا إلى رجسهم، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) [ التوبة: ١٢٤ - ١٢٥ ]، قال المفسرون: (زادتهم رجسا إلى رجسهم) أي: زادتهم شكا إلى شكهم وريبا إلى ريبهم، وهذا من جملة شقائهم، أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا.

ولأن تيار النفاق لا يزداد إلا رجسا، ولأنهم أصحاب السنة، وإذا سمعهم السامع أصغى إلى قولهم لبلاغتهم، ولأن برنامج الصد عن سبيل الله إذا تلبس بالدين كان أشد خطرا على الدعوة، فإن الدعوة الخاتمة قامت بعزل هذا التيار عن ساحتها، وأقامت حجتها بطائفة الحق، وتحت سقف الامتحان والابتلاء تسير القافلة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.

وطائفة الحق من خصائصها أن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبهذه الصفة كانوا مع كتاب الله، ولن ينفصلا حتى يردا على حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى أنهم مع كتاب الله أنهم أعلم الناس بكتابه، وهم أمان للأمة من الوقوع في دائرة التأويل الخاطئ له، وخاصة الآيات المتشابهة، وذلك لأن تيار الذين في قلوبهم زيغ يتخذ من المتشابه حقلا له ابتغاء الفتنة، قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) [ آل عمران: ٧ ]، قال المفسرون:

(فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فيتبعون ما تشابه منه) أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن

٤٦
يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه رافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: (ابتغاء الفتنة) أي: الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، قوله تعالى: (وابتغاء تأويله) أي: تحريفه على ما يريدون.

ولأن تيار الذين في قلوبهم زيغ والذين في قلوبهم مرض يتلبس بالدين ويجلس في خيام القافلة، أقام الله الحجة بالكتاب وبالعترة التي لا يضرها من عاداها أو من خذلها أو من خالفها، لأنها شعاع يهدي، والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون، وتطهير أهل البيت والشهادة لهم بالعلم والعمل، والتحذير من مخالفتهم، وغير ذلك، وردت فيه أحاديث صحيحة، سنقدمها ونقابلها بما في منزلة هارون من موسى عليهما السلام.

١ - مقام التطهير

قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [ الأحزاب: ٣٣ ]، قال ابن عباس: (يذهب عنكم الرجس) أي عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا، وقال الأزهري: الرجس: اسم لكل مستقذر من كل عمل، وقال ابن حجر: والمعنى: التطهير من الأرجاس والأدناس ونجاسة الآثام (١).

وروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: " خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [ الأحزاب: ٣٣ ] " (٢) وروي عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: لما نزلت هذه

(١) أنظر: الفتح الرباني: ١٨ / ٢٣٨.

(٢) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٩٤، والحاكم، المستدرك: ٣ / ١٤٧.

٤٧
كتاب وجاء الحق لـ سعيد أيوب (ص ٤٨ - ص ٦٧)
٤٨
وحديث الكساء وردت فيه روايات جمة تزيد على سبعين حديثا رواها:

أم سلمة، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وواثلة، وأبو الحمراء، وابن عباس، وثوبان، وعبد الله بن جعفر، وعلي، والحسين بن علي.

والمتدبر في حديث الكساء يجد أن أحداثه وقعت في أكثر من مكان، وقعت في بيت أم سلمة، وفي بيت عائشة، وفي بيت فاطمة، وأمام أكثر من واحد، ويجد أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينادي عند بيت فاطمة وقت صلاة الفجر لمدة ستة أشهر، وفي رواية سبعة أشهر، وتكرار المشهد واستمرار النداء طيلة هذه المدة، يوحي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقيم بهذا الحجة على كل من سمع ورأى وصلى في مسجده، بأن هؤلاء هم أهل البيت، وكان - عليه الصلاة والسلام - إذا أراد أن يثبت أمرا من الأمور في ذاكرة من حوله، يكرر هذا الأمر من ثلاث إلى عشر مرات، ووضح ذلك في روايات عديدة حملت تحذيرات مما يستقبل الناس من أحداث، ينتج عنها ما ليس لله فيه رضا.

وإذا كان دعاء الرسول لمن تحت الكساء وتلاوته صلى الله عليه وآله وسلم لآية التطهير، يعطي للناس مفهوم إذهاب الرجس، والتطهير لمن تحت الكساء - عليهم السلام - فإن الدعوة الإلهية لبني إسرائيل أعطت لهم المفهوم نفسه، ولكن بطريقة تستقيم مع الشريعة في هذا الوقت، جاء في العهد القديم: " قال الرب لموسى: وتقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع، وتغسلهم بماء، وتلبس هارون الثياب المقدسة، وتمسحه وتقدسه ليكهن لي، وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة، وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي " (١).

٢ - حكام العلم

إن العلم بالله هو ذروة كل العلوم وهو أشرف العلوم، لأن الله هو أشرف معلوم على الإطلاق، ولأن العلم بالله من أشق العلوم وأبعدها منالا، لطف الله بعباده وباح - سبحانه - بالعلم الشريف لأنبيائه ورسله ومن ارتضاه

(١) سفر الخروج: ٤ / ١١ - ١٦.
٤٩
من عباده، ليسوقوا الناس إلى صراط الله العزيز الحميد، ويقيموا الحجة على كل سمع وكل بصر وكل فؤاد، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

روي عن الإمام علي أنه قال: " إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به "، ثم تلا قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) [ آل عمران: ٦٨ ] (١)، وروي عن مكحول، قال: " لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) [ الحاقة: ١٢ ]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " سألت ربي أن يجعلها أذن علي "، فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا قط فنسيته " (٢)، وعن ابن مرة الأسلمي قال:: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي، وحق لك أن تعي "، فنزلت هذه الآية: (وتعيها أذن واعية) [ الحاقة: ١٢ ] (٣)، وعن أبي الطفيل قال: " قال علي: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل " (٤)، وعن سليمان الأحمس، قال: " قال علي:

إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا " (٥).

وفي قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) [ هود:

١٧ - ١٨ ]، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(١) رواه اللالكائي، كنز العمال: ١ / ٣٧٩.

(٢) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، تفسير ابن كثير: ٤ / ٤١٣، ورواه الضياء بسند صحيح وابن مردويه وأبو نعيم، كنز العمال: ١٣ / ١٧٧.

(٣) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، تفسير ابن كثير: ٤ / ٤١٣.

(٤) رواه ابن سعد، الطبقات الكبرى: ٢ / ٣٣٨.

(٥) المصدر نفسه.

٥٠
(أفمن كان على بينة من ربه) أنا، (ويتلوه شاهد منه) علي " (١)، وعن علي أنه قال: " ما من رجل من قريش إلا نزلت فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه، وأنا شاهد منه " (٢)، وقال صاحب الميزان: والظاهر أن المراد بهذا الشاهد بعض من أيقن بحقية القرآن، وكان على بصيرة إلهية من أمره، فآمن به عن بصيرة، وشهد بأنه حق منزل من عند الله تعالى، كما يشهد بالتوحيد والرسالة، فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش وريب التفرد فإن الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرد فيه، ربما أوحش التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به، أما إذا قال به غيره من الناس وأيد نظره في ذلك، زالت عنه الوحشة وقوي قلبه وارتبط جأشه، وقد احتج - تعالى - بما يماثل هذا المعنى في قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) [ الأحقاف: ١٠ ]، وعلى هذا فقوله: (يتلوه) من التلو لا من التلاوة، والضمير فيه راجع إلى (من) أو إلى (بينة) باعتبار أنه نور أو دليل، ومآل الوجهين واحد، فإن الشاهد الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه، والضمير في قوله (منه) راجع إلى (من) دون قوله:

(ربه) وعدم رجوعه إلى البينة ظاهر، ومحصل المعنى: من كان على بصيرة إلهية من أمر، ولحق به من هو من نفسه، فشهد على صحة أمره واستقامته.

وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد في الروايات أن المراد بالشاهد علي بن أبي طالب، إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد، لا بمعنى الإرادة الاستعمالية، وقوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) راجع إلى الموصول أو إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير (يتلوه)، والجملة حال بعد حال، أي: أفمن كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق

(١) رواه ابن مردويه بإسنادين، كنز العمال: ٢ / ٤٣٩.

(٢) رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو نعيم، كنز العمال: ٢ / ٤٣٩.

٥١
منزل من عند الله، والحال أن معه شاهدا منه يشهد بذلك عن بصيرة، والحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه كتاب موسى إماما ورحمة، فليس ما عنده من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل ونظير، بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدي إليه كتاب موسى، وقد ذكر الله - تعالى - كتاب موسى بالإمام والرحمة في موضع آخر، وهو قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين) [ الأحقاف: ١٢ ].

وإذا كان صدر الآية، وهو قوله تعالى: (ويتلوه شاهد منه)، قد ورد في تفسيره أن المراد بالشاهد علي بن أبي طالب، فإن قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما) يرى في ظلاله منزلة هارون من موسى عليهما السلام، لأن موسى سأل ربه - جل وعلا - أن يؤيده بهارون ليشهد له شهادة الموقن البصير على أن الذي جاء به هو من عند الله، وهو قوله - تعالى - حاكيا عن موسى قوله: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون) [ القصص: ٣٤ ]، قال ابن كثير: " سأل ربه أن يرسل معه هارون وزيرا ومعينا ومقويا لأمره، يصدقه في ما يقول ويخبر به عن الله تعالى، لأن خبر الاثنين أنجح في النفوس من خبر الواحد " (١)، ويمكن القول: إن الآية الكريمة يرى في ظلالها المنزلتان، منزلة علي بن أبي طالب وهو من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومنزلة هارون وهو من موسى عليهما السلام.

ومن الآيات التي تلقي بظلالها على منزلة علي من رسول الله قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) [ الرعد: ٧ ]، وروي عن علي أنه قال:

" رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنذر، وأنا الهادي " (٢)، وفي لفظ: " والهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه "، وروي لما نزلت الآية، وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدر علي وقال: " أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب علي وقال: أنت

(١) تفسير ابن كثير: ٣ / ٣٨٨.

(٢) رواه ابن أبي حاتم، كنز العمال: ٢ / ٤٤١.

٥٢
الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي " (١)، وروي عن الجنيد أنه قال: " الهادي هو علي بن أبي طالب " (٢).

وبالجملة، روي في حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: " إني زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما " (٣)، وروي عن ابن عباس أنه قال: " أقضاكم علي " (٤)، وعن ابن مسعود أنه قال: " كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي " (٥).

بعد وضوح منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امتداد عهد البعثة بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمهد الساحة لإعلان ولاية علي بن أبي طالب، ومن ذلك قوله لعلي: " أنت ولي في كل مؤمن بعدي " (٦)، وقوله لبريدة الأسلمي عندما جاءه يشكو عليا: " فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي " (٧)، وراوي هذا الحديث هو ابن بريدة، قال في الفتح الرباني: " أقسم ابن بريدة أنه تلقى هذا الحديث من والده بريدة مباشرة ليس بينه وبينه واسطة، وهو يفيد أن والده تلقاه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة بغير واسطة، يشير بذلك إلى علو السند " (٨).

(١) الفتح الرباني: ١٨ / ١٨٥.

(٢) المصدر نفسه، تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠١.

(٣) رواه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٠١، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٣٣، وابن جرير وصححه عن علي، كنز العمال: ١٣ / ١١٤، والخطيب عن بريدة، كنز العمال:

١٣ / ١٣٥، والطبراني عن معقل بن يسار، كنز العمال: ١١ / ٦٠٥.

(٤) رواه البغوي في شرح السنة، والبخاري في التفسير، وأبو نعيم، كشف الخفاء: ١ / ١٨٤.

(٥) رواه الحاكم وصححه، كشف الخفاء: ١ / ١٨٤.

(٦) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج وهو ثقة وفيه لين، الفتح الرباني: ٢٣ / ١١٦، وقال ابن كثير: رواه أبو داود الطيالسي، البداية:

٧ / ٣٤٦، وصححه الألباني، الصحيحة: ٥ / ٢٦٣.

(٧) رواه أحمد، وقال في الفتح: رواه الترمذي باختصار والبزار باختصار وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، الفتح الرباني: ٢١ / ٢١٤.

(٨) الفتح الرباني: ٢١ / ٢١٤.

٥٣
وعندما جاء العام العاشر الهجري، خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجة الوداع، روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول:

أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيني " (١)، وروي عن يحيى بن آدم، وكان قد شهد حجة الوداع، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " (٢).

وبعد أن أدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المناسك، وعند عودته إلى المدينة، وقف في غدير خم، وهو مكان يقع على الطريق بين مكة والمدينة، على بعد ثلاثة أميال من الجحفة، وروي عن زيد بن أرقم أنه قال: " لما رجع سول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع، فنزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قام فقال: كأني قد دعيت فأجيب، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، تاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض، ثم قال: إن الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "، قيل لزيد بن أرقم:

أأنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينه وسمعه بأذنه " (٣).

وعن عائشة بنت سعد قالت: " سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذ بيد علي فخطب ثم قال: أيها الناس، إني وليكم، قالوا:

(١) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٦٢، والنسائي، كنز العمال:

١ / ١٧٢.

(٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢١، والترمذي وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٣٦، وصححه الألباني، الصحيحة: ٥ / ٦٣٢.

(٣) رواه ابن جرير عن زيد بن أرقم وعن أبي سعيد الخدري، كنز العمال: ١٣ / ١٠٤، والنسائي، البداية: ٥ / ٢٠٩.

٥٤
صدقت، فرفع يد علي فقال: هذا وليي والمؤدي عني، وإن الله مولى من والاه ومعادي من عاداه " (١).

وعند ما نوزع علي بن أبي طالب أيام خلافته، ذمر الناس بهذا الحديث، فعن أبي الطفيل قال: " جمع علي الناس في الرحبة، ثم قال: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام إليه ناس كثير، فشهدوا حين أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده فقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (٢)، وزاد في رواية: " وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله " (٣).

وقال في الفتح الرباني: " قال السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة: حديث من كنت مولاه، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، والإمام أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري، والبزار عن عمرو ذي مر، وأبي هريرة، وطلحة، وعمار، وابن عباس، وبريدة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وأبو نعيم عن جندع الأنصاري، وقد خصص له الهيثمي سبع صفحات " (٤).

وقال الحافظ الكتاني: " حديث من كنت مولاه في رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيا، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام

(١) قال ابن كثير: رواه ابن جرير، وقال الذهبي: هذا حديث حسن، وقال: وجدت ذلك في نسخة مكتوبة عن ابن جرير، البداية: ٥ / ٢١٣.

(٢) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة، الزوائد:

٩ / ١٠٤.

(٣) رواه البزار وابن جرير، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، كنز العمال: ١٣ / ١٥٨، وصححه الألباني، الصحيحة: ٥ / ٣٤٣.

(٤) الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٨.

٥٥
خلافته، وصرح المناوي بتواتره، وقال ابن حجر: حديث من كنت مولاه أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق، وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلف مفرد، وأكثر أسانيدها صحيح أو حسن " (١).

وقال ابن كثير: " حديث من كنت مولاه رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم، وقد رواه عن زيد بن أرقم جماعة ورواه معروف بن جرموز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، ورواه ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد، ورواه عن عدي بن ثابت بن البراء، وعن أبي إسحاق عن البراء، ورواه عن سعد وطلحة بن عبد الله وجابر بن عبد الله، وله طرق عنه " (٢).

وقال الألباني: " حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، حديث صحيح جاء من طرق جماعة من الصحابة، خرجت أحاديث سبعة منهم، ولبعضهم أكثر من طريق واحد، وقد خرجتها كلها، وتكلمت على أسانيدها في سلسلة الأحاديث الصحيحة " (٣).

ولما كنا قد قابلنا بعض الأحداث التي جرت في عهد البعثة الخاتمة بمثيلاتها على عهد أنبياء بني إسرائيل، ونحن نرصد منزلة هارون من موسى، فإننا نجد في مقام التطهير والعلم: " وكلم الرب هارون قائلا: خمر ومسكر لا تشرب أنت وبنوك معك.. فرضا دهريا في أجيالكم، وللتمييز بين المقدس والمحلل، وبين النجس والطاهر، ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها بيد موسى " (٤).

ولقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أدى المناسك، أعلن ولاية علي بن أبي طالب، وفي مقابل هذا الحدث، نجد العهد القديم يذكر أنه في اليوم الثامن من الشهر الذي تؤدى فيه المناسك، أمر موسى هارون أن يأخذ له

(١) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، ص: ١٩٥.

(٢) البداية والنهاية: ٥ / ٣٥٠.

(٣) كتاب السنة، ابن أبي عاصم، تحقيق نصر الدين الألباني: ٢ / ٥٦٦.

(٤) سفر اللاويين: ١٠ / ٨ - ١١.

٥٦
عجلا ليذبحه في اليوم الذي يفيض الله برحمته على العباد، وفعل هارون ما أمر به موسى، " ثم رفع هارون يده نحو الشعب وباركهم.. ودخل موسى وهارون خيمة الاجتماع ثم خرجا وباركا الشعب " (١).

إن الدعوة الإلهية للناس دعوة واحدة، والتوحيد هو عماد هذه الدعوة، والإخلاص في العبادة يجعل شجرة التوحيد داخل النفس الإنسانية شجرة مورقة، لهذا كان الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية ومن أوجب الواجبات الشرعية، ولكي يتحقق الإخلاص، فلا بد من حفظ الصلة بالله عز وجل، والمدخل إلى حفظ الصلة بالله هو حفظ الصلة بالرسول، لأن النور المحمدي هو البرزخ الذي بين الناس وبين النور الإلهي الذي تندك له الجبال، وحفظ الصلة بالرسول له قواعد وله علامات، وقديما قالت العرب:

إذا لم يكن صدر المجالس سيدا * فلا خير فيمن صدرته المجالس

ثالثا: الترغيب والترهيب

إن حفظ الصلة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم حثت عليه الدعوة الخاتمة في أكثر من آية منها قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [ آل عمران: ٣١ ]، والمعنى: إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب، والتي ترفع أعلام الإخلاص والإسلام، وتسير بأتباعها نحو صراط الله المستقيم، فإن اتبعتموني في سبيلي أحبكم الله، ومنها قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) [ يوسف: ١٠٨ ]، والآية تشير إلى سبيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها يأمره - تعالى - أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنته، وأن هذا السبيل هو الذي يصل بمن يسلكه إلى سعادة الدارين، لأن النبي يدعو إلى الله على بصيرة ويقين وبرهان، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها قوله تعالى: (قل لا أسألكم

(١) سفر اللاويين: ٩ / ٢٢ - ٢٤.
٥٧
عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) [ الشورى: ٢٣ ]، في هذه الآية جعل الله - تعالى - أجر رسالة النبي المودة في القربى، فأي قربى؟ إن مودة الأقرباء على الإطلاق ليست مما يندب إليه في الإسلام، قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) [ المجادلة: ٢٢ ]، والذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله، وبما أن لكل شئ ذروة، فإن الحب في الله ذروته حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا قيل: إن المراد بالمودة في القربى، هو مودة قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم عترته من أهل بيته، ومن يتأمل في الروايات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كحديث الثقلين وغيره، يجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع الناس في اتجاه أهل البيت لفهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه، وهذا لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجرا للرسالة، إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إلى أهل البيت، على اعتبار أن لهم المرجعية العلمية.

وروي عن ابن عباس أنه قال: " لما نزلت هذه الآية: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) [ الشورى: ٢٣ ]، قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها " (١)، وعن أبي الديلم قال: " لما جئ بعلي بن الحسين أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال:

نعم، قال: أما قرأت: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)؟

قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم " (٢).

(١) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه جماعة ضعفاء وقد وثقوا، الزوائد: ٩ / ١٦٨، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(٢) أخرجه ابن جرير، والبغوي، تفسير البغوي: ٧ / ٣٦٤، والمقريزي، فضائل أهل البيت، ص: ٧٢.

٥٨
ومما يثبت أن المقصود بذي القربى: علي وفاطمة وولداها، تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتراب منهم بأذى، لأن من يؤذيهم يكون في الحقيقة قد آذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقع تحت عقوبة لا يدفعها دافع، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) [ الأحزاب: ٥٧ ]، ومن المعلوم أنه لا يوجد مخلوق يمكن أن يتسبب بأذى الله تعالى، ولكن الآية تتوعد كل من آذى النبي بشئ، لأن من آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.

وتحذيرات النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتراب بأي أذى لعترته، وردت في أحاديث كثيرة، منها ما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: " كنت جالسا في المسجد أنا ورجلان معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: ما لكم وما لي؟ من آذى عليا فقد آذاني " (١)، ومنها ما روي عن عمرو بن شاس الأسلمي، قال: " خرجت مع علي إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك، حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآني أبدى عينيه (أي: حدد إلي النظر)، حتى إذا جلست قال: يا عمرو، والله لقد آذيتني، قلت: أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله، قال: بلى من آذى عليا فقد آذاني " (٢)، ومنها ما روي عن المسور بن مخرمة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها " (٣).

وبالجملة، إن الدعوة الإلهية الخاتمة بينت أن الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية، ومن أوجب الواجبات الشرعية، وبينت أن حفظ الصلة

(١) أخرجه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، الزوائد: ٩ / ١٢٩، الفتح الرباني:

٢٣ / ١٢٠، ورواه الحاكم وصححه، المستدرك: ٣ / ١٢٢، ورواه البزار، كشف الأستار:

٣ / ٢٠٠، ورواه ابن حبان في صحيحه، الزوائد: ٩ / ١٢٩، وابن كثير، البداية: ٧ / ٣٤٧.

(٢) رواه أبو يعلى، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٢٩، وابن كثير، البداية: ٧ / ٣٤٧.

(٣) رواه مسلم، الصحيح: ٣ / ١٦، والبخاري بلفظ: فمن أغضبها أغضبني، الصحيح: ٢ / ٣٠٢.

٥٩
بالرسول هو صراط حفظ الصلة بالله فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله.

ولأن المنافقين في كل عصر يعملون من أجل تدمير الدعوة من داخلها، فإن الدعوة الإلهية الخاتمة فتحت بين حركة النفاق وبين حركة الإيمان، لتصحيح الساحة بعد هذا الفتح من طرفين، لكل طرف أعلامه ومذاقه، لتسير القافلة وهي على بينة من أمرها، لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، وهذا الفتح يرى بوضوح إذا تدبر الباحث في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " (١)، وما روي عن أبي ذر أنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا علي من فارقني فارق الله، ومن فارقك يا علي فارقني " (٢)، وما روي عن عبيد الله بن عباس قال: " نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي فقال: يا علي، أنت سيد في الدنيا، وسيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك بعدي " (٣).

وما روي عن أسرة عمار بن ياسر، فعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب، فمن تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولى الله، ومن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل " (٤)، وعنه أيضا

(١) رواه مسلم، الصحيح: ٢ / ٦٤، والترمذي، الجامع: ٥ / ٦٤٣، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٢.

(٢) رواه البزار، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، كشف الأستار: ٣ / ٢٠١، الزوائد: ٩ / ١٣٥، والحاكم وصححه، المستدرك: ٣ / ١٢١.

(٣) رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح، والحديث سمعه يحيى بن معين من أبي الأزهر فصدقه، المستدرك: ٣ / ١٢٨، ورواه ابن كثير، البداية: ٧ / ٣٥٦.

(٤) رواه الطبراني في الكبير، وابن عساكر، كنز العمال: ١١ / ٦١٠.

٦٠