×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

وقفة مع الدكتور البوطي / الصفحات: ٤١ - ٦٠

السادس: القسم الثاني من الحديث " لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر " (١).

فأقول: إن هذا الحديث وضعته البكرية مقابل حديث الإخاء لعلي (عليه السلام) وخاصة عندما سد كل أبواب الصحابة إلا باب علي (عليه السلام).

فالكل يعلم بحديث سد الأبواب المشهور والمتواتر.

أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسد أبواب الصحابة من المسجد تنزيها له عن الجنب والجنابة، ولكنه أبقى باب علي، وأباح له عن الله تعالى أن يجنب في المسجد كما كان هذا مباحا لهارون (٢)، فدلنا ذلك على عموم المشابهة كما كان هذا مباحا لهارون (عليه السلام) قال ابن عباس حبر الأمة:

" وسد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبواب المسجد غير باب علي فكان يدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره.. " (٣) الحديث.

كان لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبواب شارعة في المسجد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سدوا هذه الأبواب إلا باب علي فتكلم الناس في ذلك فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي (عليه السلام) فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئا ولا

(١) راجع صحيح البخاري في حديث الخوخة.

(٢) في حديث سد الأبواب إلا باب علي - راجع في ذلك:

١ - مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي ص ٢٥٥ ح ٣٠٣.

٢ - ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج ١ ص ٢٦٦.

٣ - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص ٨٨ ط إسلامبول وص ١٠٠ ط الحيدرية - وص ٨٦ ط العرفان.

(٣) مسند أحمد بن حنبل ج ٥ ص ٢٥ بسند صحيح ط دار المعارف بمصر.

الخصائص: للنسائي: ف ٦٤ الطبعة الحيدرية، ص ١٥ - ط بيروت.

ذخائر العقبى: ص ٨٧.

الإصابة: لابن حجر العسقلاني. ج ٢ ص ٥٠٩.

مجمع الزوائد للهيثمي: ج ٩ ص ١٢٠.

تاريخ ابن عساكر الشافعي: ج ١ ص ١٨٥.

فرائد السمطين. ج ١ ص ٣٢٩.

المناقب: للخوارزمي: ص ٧٤.

الغدير: للأميني: ج ٣ ص ٢٠٥.

٤١
فتحته ولكني أمرت بشئ فأتبعته (١).

وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس (٢) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام يومئذ فقال: " ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ولا أنا تركته، ولكن الله أخرجكم وتركه إنما أنا عبد مأمور ما أمرت به فعلت إن أتبع إلا ما يوحى إلي.

يا علي " لا يحل لأحد أن يجنب في المسجد غيري وغيرك (٣) وعن سعد بن أبي وقاص والبراء بن عازب، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة بن أسيد الغفاري قالوا كلهم: " خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد فقال:

إن الله تعالى أوحى إلى نبيه موسى أن ابن لي مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنت وهارون وإن الله أوحى إلي أن ابن مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وأخي علي (٤).

السابع: لاحظ أخي الكريم تواتر حديث سد الأبواب - لكن كلمة خوخة التي جاءت لأبي بكر - أريد أن أراها في حديث آخر غير هذا الحديث الموضوع. فوضع هذا القسم من الحديث مقابل حديث سد أبواب

(١) المستدرك: للحاكم النيسابوري ج ٣ ص ١٢٥ وصححه تلخيص المستدرك للذهبي مطبوع بذيل المستدرك.

خصائص أمير المؤمنين: للحافظ النسائي الشافعي: ص ٧٣ ط الحيدرية، وص ١٣ ط التقدم بمصر.

كفاية الطالب: للكنجي الشافعي: ص ٢٠٣ ط الحيدرية، وص ٨٨ ط الغري.

ينابيع المودة: للقندوزي الحنفي: ص ٨٧ ط اسلامبول وص ٩٩ ط الحيدرية.

ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر: ج ١ ص ٢٥٥.

مناقب علي بن أبي طالب: لابن المغازلي الشافعي. ج ٢٥٧ ط طهران.

الرياض النضرة: ج ٢ ص ٢٥٣.

الحاوي للفتاوى: للحافظ السيوطي: ج ٢ ص ٥٧.

(٢) مجمع الزوائد: ج ٩ ص ١١٥.

منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ابن حنبل: ج ٥ ص ٢٩.

إحقاق الحق: ج ٥ ص ٥٤٦.

(٣) صحيح الترمذي ج ٥ ص ٣٠٣ ح ٣٨١١، تاريخ دمشق لابن عساكر - ج ١ ص ٢٦٨ ومصادر كثيرة الخ.

(٤) مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن المغازلي الشافعي ص ٢٥٢ ط طهران - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص ٨٧ ط إسلامبول وص ٩٩ ط الحيدرية.

٤٢
إلا باب علي لكن الذي وضعوه لو أنهم تدبروا وتفكروا قبل وضعهم هذا الحديث لما وضعوه لأنهم حقا صغروا في هذا الحديث منزلة الخليفة أبي بكر.. لماذا...؟

لأنه كلكم تعلمون أن الخوخة أو الطاقة في المسجد - لا يستطيع أن يدخل منها إلا السارق فمعنى ذلك نفهم أن الخليفة أبا بكر كان يدخل من هذه الطاقة يصلي ويخرج.. وكلكم تعلمون أن الذي يدخل من الطاقة يدخل رأسه أولا ومن ثم يلحق برجليه، بالله عليكم هل يرضى أحد منكم في هذا العصر أن يدخل من خوخة يصلي ويخرج، والله لا يرضى أي واحد منكم، فكيف تنسبون هذا للخليفة أبي بكر (رض) معاذ الله من هذه الأحاديث الموضوعة التي لا تمت إلى الدين بصلة.

الثامن: إن ما جاء به فضيلة الدكتور بهذا الحديث معارض بالحديث الصحيح والمتواتر وهو حديث سد الأبواب إلا باب علي الذي أخرجته جميع الصحاح من طرق أهل السنة وإن إمكان اجتماع الأمة كما هو مفاد الحديث الذي هو شرط حجية الإجماع - وهذا الحديث لا يمكن لأحد من العقلاء تصديقه ولا يوجد عليه إجماع وهو من رواية الآحاد ومعارض بالحديث الآخر فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا فإن " لو " تفتح عمل الشيطان. ولو حرف امتناع لوجود من حيث الحالة الإعرابية.

الحديث الثاني:

قال الدكتور البوطي في محاضرته:

مروا أبا بكر فليصل بالمسلمين، وربط بين مسألة صلاة الخليفة أبي بكر بمسألة خلافته وأحقيته بالخلافة لإمامته بالصلاة.

أقول: أولا: لو سلمت لك جدلا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر (رض) أن يصلي بالناس في مرضه الذي توفي فيه (صلى الله عليه وآله وسلم). ولكن ماذا نقول لو قال لك قائل ممن لا يقول بقولك: ألم يقل جمهور الصحابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما أخرجه البخاري في صحيحه (١) عن ابن

(١) صحيح البخاري في أواخر ص ١١٨ في باب (هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم) من جزئه الثاني.

٤٣
عباس أنه قال: " يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، قال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس. فقال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوافد ما كنت أجيزه، ونسيت الثالثة ".

أو ليس قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث: " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " أنهم دعوه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما يريدون من الشر، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يريد لهم الخير بكتابة ذلك الكتاب الذي وصفه بأنه كتاب هدى " لن تضلوا بعده أبدا " ولو كتبه لهم بعدما قالوا:

لقالوا بعد ذلك كتبه وهو يهجر، فلن يقبلوه كتبه (صلى الله عليه وآله وسلم) أم لم يكتبه؟

وهنا سؤال يطرح نفسه.

ألم يكن قول الراوي ونسيت الثالثة دليلا صريحا على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يجدد العهد بالخلافة لعلي (عليه السلام) بعده بالكتابة تأكيدا لنصوصه القولية كما تقدم، ولكن السياسة يومئذ قهرت الراوي على أن يقول: " ونسيت الثالثة " إذ لا يضر القوم سوى كتابة الخلافة لعلي (عليه السلام) بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) دون سواها؟

ثم السؤال الثاني:

ألم يقل الخليفة عمر بن الخطاب للصحابة في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله " على ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١):

عن ابن عباس قال: " لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر: " إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عيه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " قوموا! " قال عبد الله،

(١) صحيح البخاري: ج ٤ باب (قول المريض قوموا عني: كتاب المرضى).

٤٤
فكان ابن عباس يقول: " الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ". وهل يتسنى لك سماحة الدكتور بعد هذا كله أن نقول بعدالة جميع الصحابة وأن أعمالهم كلها مجيدة؟ أليس قول الخليفة عمر (رض): " إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع " يعني أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتكلم بكلام المرضى الذي هو عبارة أخرى عن كلمة (هجر) التي تعني الهذيان والهذر.

بدليل قوله (رض) لأصحابه والموافقين له على قوله (رض)، " وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله " دون أن ينظر إلى قوله تعالى في وصف نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى في سائر أوقاته بمختلف حالاته سواء أكان في حال صحته أو حال مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وإن قلت لي سماحة الدكتور كما قال غيرك تصحيحا لقول الخليفة عمر (رض): إن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، لم يكن على وجه العزيمة والوجوب، وإلا لما حال بينه وبين كتابته حائل مطلقا.

فأقول للدكتور وأرد عليه بالنقض.

أولا: بأن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما قلت مروا أبا بكر فليصل بالناس، لم يكن على وجه العزيمة والوجوب، وحينئذ فلا يدل على الإمامة ووجوب الطاعة مطلقا.

ثانيا: إن الأمر ظاهر في الوجوب باتفاق المحققين من علماء أصول الفقه بين الفريقين فلا يجوز العدول عنه إلى غيره.

ثالثا: إن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لن تضلوا بعده " لا يناسب غير الوجوب، إذ الإضلال في ترك غير الواجب، وفعل الحرام إجماعا وقولا واحدا.

فلذلك أقول للدكتور: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر بالصلاة في الناس في مرضه، وقد هجر فيه، على حد قول جمهور الصحابة، وكان مغلوبا للوجع على حد قول الخليفة عمر (رض) وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله تعالى " وأنتم تعلمون كما نعلم، ويعلم كل المسلمين أن كتاب الله تعالى

٤٥
خال من هذا الأمر مطلقا، ولم يأت فيه ما يدل على جواز الصلاة خلفه (رض) فضلا عن وجوبهما كما لا يخفى.

الوجه الصحيح في حديث صلاة الخليفة أبي بكر

أبو بكر (رض) في مرض النبي (عليه السلام)

فأقول: إن الصحيح المتواتر بين الفريقين السني والشيعي معا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخر الخليفة أبا بكر (رض) من تلك الصلاة، وصرفه عن إمامة المسلمين لأنه خرج بعد سماعه بتقدم أبي بكر (رض) يتهادى بين علي (عليه السلام) والعباس مع ما فيه من ضعف الجسم بالمرض، الأمر الذي لا يتحرك معه العاقل إلا في حال الاضطرار، لتدارك ما يخاف بفواته حدوث أعظم فتنة فعزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر (رض) عما كان تولاه من تلك الصلاة، كما نطقت به أحاديث الفريقين، يدلكم على أن تقدمه (رض) للصلاة لم يكن بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في شئ، وإنما كان الأمر صادرا من ابنته عائشة أم المؤمنين (رض)، ولم تكن تلك الصلاة إلا صلاة الصبح لا غيرها.

ويرشدك ويهديك إلى ذلك فضيلة الدكتور ما أخرجه الحافظ الكبير عندكم (الإمام مسلم في صحيحه) (١).

عن عائشة أم المؤمنين (رض): " قالت: لما ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فقلت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أليف، وإنه متى يقم مقامك لم يسمع الناس، فلو أمرت عمر! فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس! قالت: فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أليف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر!

فقالت له: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنكن لأنتن صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس! قالت فأمروا أبا بكر يصلي بالناس.

فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نفسه خفه فقام يتهادى

(١) صحيح مسلم: ج ١ باب (استخلاف الإمام إذا عرض له عذر) كتاب الصلاة.

٤٦
بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه فذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي قاعدا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ".

ولو صحت هذه الرواية لاحتج أبو بكر بها على الأنصار في السقيفة.

وإن أردت التأكد من صحة ما أقول فراجع صحيح البخاري (١).

وأخرج البخاري (٢) أيضا. فراجع فضيلة الدكتور إن شئت وسوف تجد هذا صريحا في أن أول صلاة صلاها أبو بكر (رض) هي التي عزله عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأما كون تلك الصلاة هي صلاة الصبح لا غيرها؟ مما ذكره الطبري (٣) عن عبد الله بن أبي مليكة قال: " لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عاصبا رأسه إلى صلاة الصبح، وأبو بكر يصلي بالناس فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تفرج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنكص عن مصلاه، فدفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ظهره، وقال صل بالناس وجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبي بكر، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس وكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول أيها الناس! سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم.. " (الحديث " وهو صريح في أن تلك الصلاة لم تكن إلا صلاة الصبح لا سواها.

أما كونها في يوم وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمما أخرجه المتقي الهندي في (كنز العمال) (٤) عن أبي يعلى في مسنده وابن عساكر الدمشقي عن أنس قال:

" لما مرض النبي مرضه الذي مات فيه أتاه بلال فآذنه الصلاة، فقال

(١) صحيح البخاري: باب (الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم) ج ١ ص ٩٥.

(٢) صحيح البخاري: باب (من أسمع الناس تكبير الإمام ص ٩٠ / من أبواب صلاة الجماعة من كتاب الآذان من جزئه الأول).

(٣) تاريخ الطبري: ج ٣ ص ١٩٦.

(٤) كنز العمال: ج ٤ ص ٥٧ وفيه أيضا: ج ٤ ص ٥٨ عن أبي الشيخ في الآذان ذكر هذا.

٤٧
(عليه السلام): يا بلال قد بلغت فمن شاء فليصل، ومن شاء فليدع. قال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن يصلي بالناس؟ قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فلما تقدم أبو بكر رفعت الستور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنظرنا إليه كأنه ورقة بيضاء عليها قميصه السوداء، فظن أبو بكر أنه يريد الخروج فتأخر فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن صل مكانك، فما رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى مات من يومه ".

عن عائشة أم المؤمنين (رض) قالت: ما مر علي ليلة مثل ليلة مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يا عائشة هل طلع الفجر، فأقول لا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أذن بلال بالصبح، ثم جاء بلال فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله! فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا؟ فقلت:

بلال. فقال: مري أبا بكر أن يصلي بالناس (الحديث).

فنستنتج مما أوردناه لكم أن الصلاة التي تقدم فيها أبو بكر (رض) هي التي نهاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، وهي صلاة الصبح، وكانت صبح يوم الاثنين في اليوم الذي التحق فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى.

وأما كون ذلك كان بأمر من عائشة أم المؤمنين دون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسوف أثبته لك حضرة الدكتور بعدة أمور:

الأول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعين أحدا للصلاة فيهم كما يدل عليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث (كنز العمال) المتقدم ذكره (فمن شاء أن يصلي، ومن شاء فليدع " فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد التخيير في أمر الجماعة، لا التخيير في أصل الصلاة لوضوح بطلانه فحينئذ يكون ما في ذيل الحديث من قوله " مروا أبا بكر فليصل بالناس " من الزيادات التي قضت بها السياسة في ذلك الحين، وإلا لم يكن لهذا التخيير في منطوق الحديث معنى يفهم وإن فات ذلك على واضعي تلك الزيادة، ولم يهتدوا إلى منافاتها لصدر الحديث.

الثاني: ما أخرجه ابن عبد البر في (استيعابه) في ترجمة الخليفة أبي بكر (رض) عن عبد الله بن زمعة قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مروا من يصلي بالناس ". وأما تذييل ابن زمعة للحديث بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر عمر بن الخطاب بالصلاة فلما كبر سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صوته قال: فأين أبو بكر يأبى ذلك الله

٤٨
كتاب وقفة مع الدكتور البوطي للأستاذ هشام آل قطيط (ص ٤٩ - ص ٧٢)
٤٩
ابن زمعة (يأبى الله ذلك والمسلمون) لأن الله تعالى لا يأبى إلا ما كان تركه واجبا أو فعله حراما، وأيا كان فذلك كله واضح البطلان.

الثالث: ما قدمناه من إسراع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج وهو في تلك الحال من المرض الشديد وصلاته من جلوس صلاة المضطر، فإن في ذلك دلائل واضحة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بخروجه أن يرفع ما أذاعوه بين الناس، من أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الآمر لأبي بكر (رض) بالصلاة فيهم لا سيما إذا لاحظتم خطبته في رواية الطبري المتقدمة من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " سعرت النار وأقبلت الفتن " الدال صريحا على أن تلك الصلاة لم تكن من أمره، وإنما كانت فتنة اتخذها أصحاب الخليفة أبي بكر (رض) ذريعة لإثبات ما يبتغون، لذا ترون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعتد بها وصلى مبتدئا كما في رواية الطبري (١) مدلا للناس على عدم اعتداده بتلك الصلاة، الأمر الذي يدلنا بصراحة على أنه لم يكن من أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) الرابع: إن الثابت في التاريخ الصحيح وصحيح الأحاديث عند أهل السنة إن الخليفة أبا بكر (رض) كان وقتئذ في جيش أسامة بن زيد وتحت إمرته، وقد لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تخلف عنه كما سجله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل)، فكيف يصح هذا مع دعواكم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بالصلاة في الناس، وإلا لزمكم أن تقولوا بتخلفه (رض) عن جيش أسامة، وذلك مع كونه مانعا من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له بالصلاة فيهم لا يمكنكم أن تذهبوا إليه كما تعلمون.

الخامس: لو كانت تلك الصلاة بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان يناسب خطاب أمهات المؤمنين (رض) بذلك الخطاب القارص ويقول لهن " إنكن لأنتن صويحبات يوسف " ولا يجوز لمسلم أن يظن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا بما هو أهله، فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعظم خلقا وأعلى قدرا، وأجل شأنا عما يتحدث به عنه المفترون.

ومن كل هذا ونحوه تعلمون عدم إمكان صدور مثل هذا الحديث عن

(١) تاريخ الطبري: ج ٢ ص ٤٤٩.

٥٠
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان مسجلا في صحاحكم لما قدمناه لكم من هذه الوجوه.

فأقول لحضرة الدكتور:

لو فرضنا جدلا صحة حديث عائشة أم المؤمنين (رض)، وغضضنا النظر عن تلك الوجوه المتقدمة.

ومع ذلك فإن الأمر بالصلاة خلفه لا يوجب للخليفة أبي بكر (رض) الإمامة العامة على المسلمين لعدة أمور منها:

أولا: فلما اتفق عليه أئمة السنة والحفاظ عندكم من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف عبد الرحمن بن عوف على ما حكاه ابن كثير (١) في كتابه، وهذا شئ لا تختلفون فيه، فلم يوجب ذلك فضلا لعبد الرحمن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يقتضي أن يكون إماما واجب الطاعة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى غيره من أصحابه، فكما أن صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف ابن عوف لم توجب له الإمامة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا على غيره من الناس، فكذلك لم توجب صلاة أبي بكر (رض) بالمسلمين إمامته عليهم.

ثانيا: لا خلاف بين الفريقين في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استعمل عمرو بن العاص على الخليفتين أبي بكر وعمر (رض) وجماعة المهاجرين والأنصار، وكان يؤمهم في الصلاة مدة إمارته عليهم في واقعة ذات السلاسل على ما حكاه ابن كثير (٢) أيضا، فلم توجب صلاته فيهم (٣) وإمامته عليهم، ولا فضلا عليهم، لا في الظاهر، ولا عند الله تعالى على حال من الأحوال، فكذلك الحال في صلاة أبي بكر (رض) فيهم، لا توجب إمامته (رض) عليهم، ولا فضلا عليهم.

(١) البداية والنهاية لابن كثير: ج ٥ ص ٢.

(٢) البداية والنهاية لابن كثير: ج ٤ ص ٢٧٣.

راجع في ذلك إمامة عمرو بن العاص في الخليفتين أبي بكر وعمر (رض) تلك المصادر:

السيرة الحلبية للحلبي الشافعي: ج ٣ ص ١٩، وراجع أيضا تاريخ الخميس: ج ٢ ص ٨٢، والدحلاني في ص ١١ من سيرته بهامش الجزء الثاني من السيرة الحلبية.

٥١
وهذا البخاري يحدثنا في صحيحه (١) عن ابن عمر قال: " لما قدم المهاجرون الأولون (العصبة) (موضع بقبا) قبل مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا " فكما أن إمامة سالم مولى أبي حذيفة للمهاجرين الأولين، لم توجب له فضلا ولا الإمامة العامة عليهم. ولم تقض له بخلافة الرسالة، فكذلك إمامة أبي بكر (رض) للصلاة بالمسلمين، لم توجب له فضلا، ولا الإمامة العامة عليهم، ولم تقض له بخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهناك دليل آخر:

ولو كان ذلك مما يوجب ولاية لأحد على المسلمين لكان عتاب بن أسيد أحق بالخلافة من الخليفة أبي بكر (رض) إذ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قدمه يصلي الناس حين فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مقيم بمكة، وأبو بكر معه يصلي خلف عتاب بن أسيد فقدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي بالناس في المسجد الحرام من غير علة ولا ضرورة دعته إلى ذلك، وهذا بإجماع الأمة فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي بالناس الظهر والعصر، وعتاب بن أسيد يصلي بالناس الثلاث صلوات بإجماع الأمة وبإجماع الأمة أن المسجد الحرام أفضل من سمد (٢) المدينة ومكة أفضل من المدينة ويلزم في النظر أن من قدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الموطن الأفضل من غير علة أفضل ممن قدمه في مسجد هو دونه في الفضل مع ضرورة العلة.

تجويزكم للصلاة خلف البر والفاجر (٣)

ثم إنكم متفقون على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرشدكم إلى الصلاة خلف كل

(١) صحيح البخاري: ج ١ ص ٨٩ (باب: إمامة العبد من أبواب صلاة الجماعة من كتاب الآذان).

(٢) ينقل لنا صاحب الاستغاثة: فيقول: كذا في الأصل والظاهر أنه أفضل من مسجد رسول الله بالمدينة. الاستغاثة ص ١٥١.

(٣) رواه البيهقي في السنن ٤ / ١٩ من مرسل مكحول عن أبي هريرة، الفتح الكبير: ٢ / ١٩٠ وهذا ما أخذته من كتاب العقيدة الطحاوية المسماة " بيان أهل السنة والجماعة " للإمام أبي جعفر الطحاوي، قدم له الشيخ محمد صالح قرقور ص ١٠٨ ط دار الفكر ١٩٩٢ الطبعة الثانية.

٥٢
بر وفاجر، وخلف كل من قال لا إله إلا الله، ويقول صديق بن حسن ابن علي القنوجي البخاري في أواخر ص ٧٨ من كتابه (الروضة الندية في شرح الدرر البهية) في باب صلاة الجماعة من النسخة المطبوعة سنة ١٢٩٦ هجرية بالمطبعة المصرية ببولاق (وتصح بعد المنقول لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صلى بعد أبي بكر وبل غيره من الصحابة كما في الصحيح ولا دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل - إلى أن قال - والأصل أن الصلاة - عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة، وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي، ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره ولهذا أن الشارع أنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن ولم يعتبر الورع والعدالة إلى أن قال في منع المنة وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " صلوا خلف كل بر وفاجر، وكانت الصحابة يصلون خلف الحجاج، وقد أحصي الذين قتلهم من الصحابة والتابعين فبلغوا مائة وعشرين ألفا).

فإذا كانت الصلاة تجوز عندكم خلف كل فاسق وفاجر والاقتداء بكل ظالم وعاص بإجماع أئمة أهل السنة نصا، وفتوى، وعملا، وكانت صلاة الخليفة أبي بكر (رض) بالمسلمين دليلا على خلافة الرسالة، وإمامة الأمة، كان ذلك دليلا أيضا على إمامة هؤلاء جميعا ولكان كلهم خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده، وكأن قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) باطلا لا معنى له، وليس له في الوجود صورة، وهذا باطل بالضرورة من الدين والعقل، وذلك مثله باطل. وفي نهاية المطاف أنصح كل من أراد الكشف عن الأمور المتباينة والمتضادة في هذا الحديث، وأراد البحث عن الأدلة الواضحة على عدم صدور هذا الحديث من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي أكد هذا الاختلاف في الحديث (١) فليراجع ما قاله الحافظ ابن حجر وأكده.

(١) فراجع الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) في أواخر ص ١٠٦ وما بعدها من جزئه الثاني في باب (حد المريض أن يشهد الجماعة) فراجعوا ذلك وفقكم الله لتعلموا ثمة صحة ما ذكرنا.

٥٣

الحديث الثالث:

عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت:

دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم الذي بدئ فيه، فقال:

" ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا " ثم قال: " يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر ".

قائلا لم يكتب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خوفا من أن تكون الخلافة وراثة فتنقلب ملكا عضوضا وتابع قوله: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلن هذا الكلام ولم ينفذه..!!

فأقول: إن هذا الحديث موضوع، وضع مقابل الحديث المشهور في البخاري الذي يقول ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي ولما واجه القوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلك الكلمة القارصة والعبارة الجارحة.

خاصة وهو في آخر أيامه من الدنيا رأى (صلى الله عليه وآله وسلم) أن من الحكمة والمصلحة أن يعدل عن كتابته حفاظا على الدين وقياما بما أوجبه (صلى الله عليه وآله وسلم) من تقديمهم الأهم على المهم لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) نظر إلى صدور الشك منهم فعلم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ذلك الكتاب لا يرفعه ولن يرفعه أبدا كما أن عدوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابته لم يكن بعدم الفائدة فيه بعد تلك المعارضة وموافقة جمهور الصحابة لقائله. فحسب، بل لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو لم يعتن بقولهم، وكتبه، لقالوا فيما قلنا (كتبه وهو يهجر) أو مغلوب للوجع فهو يتكلم بكلام المرضى المحمومين الذي هو الهذيان والهذر.

وحينئذ تكون خلافة علي وبنيه الطاهرين من البيت النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم) الثابتة بالنصوص القولية القطعية موضعا للشك وموردا للطعن، بل لا يبقى أثر لكتابة ذلك الكتاب سوى توسعة شقة الخلاف، واللغط بينهم على حد قول ابن عباس بل لا يؤمن من وقوع الفتنة من بعده في أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هل هجر (والعياذ بالله) فيما كتب أو لم يهجر؟ كما تنازعوا وأكثروا من الاختلاف واللغط بحضرته (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي آخر أيام حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يتسن له (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ أكثر من أن يقول: " قوموا عني فلا ينبغي عند نبي تنازع " بل لو أصر، على كتابته لأصروا على قولهم هجر. وأكثروا في إشاعته ونشره، ولتوسع أتباعهم وأنصارهم في إثبات هجره (صلى الله عليه وآله وسلم) فسطروا الأساطير وملأوا الطوامير ردا منهم على ذلك الكتاب، وإسقاطا منهم له من الحساب وعن درجة الاعتبار لذلك

٥٤
كله اقتضت حكمته البالغة أن يعدل عن كتابته، ليس خوفا من أن تكون الخلافة وراثة فتنقلب ملكا عضوضا كما زعم حضرة الدكتور البوطي.

وقال أيضا حضرته: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلن هذا الكلام ولم ينفذه..!!

أقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يكتب وقوله في الحديث: (لن تضلوا بعدي) دليل على وجوب الأخذ بهذا الكتاب الذي سيكتبه لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن القوم أعرضوا، ونسبوا إليه المرض والهذيان والوجع فأعرض عن ذلك. والسبب الرئيس لإعراض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فيذهب الدين من أصله، لا سيما وهو المعارض ويعلم كل العلم أن عليا (عليه السلام) وأشياعه خاضعون لمدلول ذلك الكتاب وأنه يستهدف به أجر الخلافة، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد أن يجعلها في علي والأئمة الأحد عشر من أبنانه الطاهرين بنص ذلك الكتاب، تأكيدا لنصه عليهم يوم الغدير، وفي حديث الثقلين، والنجوم، والسفينة وغيرها من الأدلة المتقدم ذكرها سواء عندهم أكتبه أم لم يكتبه.

وإن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الأمر:

" دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " ورأيت ما قالوا به من ذلك القول الخشن بلا تدبر ولا روية.

هذا وهو لا يزال (صلى الله عليه وآله وسلم) حيا بين ظهرانيهم، فكيف يكون حالهم من الاختلاف والتنازع بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)..؟

لذا رأى (صلى الله عليه وآله وسلم) أن من حسن تدبيره (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ورعايته لشؤونهم أن يضرب الصفح عن ذلك الكتاب، خوفا من وقوع الفتنة، وحفظا لكيان الدين، وصيانة لدماء المسلمين، واحتياطا على نصوصه في خلافة علي وبنيه (عليه السلام) من بعده، لئلا تصبح غرضا لنبال الشك، وهدفا لسهام الطعن والتشكيك من المعارضين.

وإن قلت لي حضرة الدكتور البوطي كما قال غيركم: إنه أراد بالكتاب أن يكتب الخلافة لأبي بكر كما زعمت في قولك: ويعهد بأمر الإمامة إليه لما نسي أو تناسى الراوي الوصية الثالثة، ولا منعه القوم من
٥٥
الكتابة، ولما أسرعوا إلى السقيفة لعقد البيعة له (صلى الله عليه وآله وسلم) تنفيذا لما تعاقدوا عليه من قبل على أن يكون هذا الأمر فيهم لا في أهل بيت نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولكن سبق النص على علي (عليه السلام) يوم (الغدير) الذي كان على مرأى منهم ومسمع، كان من الأدلة الواضحة عندهم، وليعلم الدكتور وكل من أراد التشكيك بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما طلب منهم الدواة والكتف حتى يكتب لهم أراد لهم تجديد العهد والوصية لعلي وبنيه الطاهرين، ويؤكد عليهم الحجة ففهموا ذلك، وأبوا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) تحقيقه، فقالوا فيه تلك الكلمة الكزة، ولأن الذي يضرهم كما قلنا إنما هو كتابة الخلافة لعلي وبنيه (عليه السلام) دون غيره، ويؤكد لك ذلك ويثبته ويقطع أمامك الشك باليقين.

ما سجله ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة) (١) عن أحمد بن أبي طاهر المعروف بابن أبي طيفور وكان في العقد الثاني من الهجرة النبوية وهو صاحب (تاريخ بغداد) (٢) عن ابن عباس أنه قال في حديث طويل جرى بينه وبين الخليفة عمر بن الخطاب (رض).

" قال عمر (رض) في بعض ما أجاب به ابن عباس ما ملخصه:

(إني لما علمت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد في مرضه أن يكتب لعلي (عليه السلام) بالخلافة ويعهد بها إليه، فمنعته من ذلك، لعلمي بأن العرب تنتقض عليه لبغضها له) ".

وهو يرشدكم إلى أنهم كانوا يعلمون مسبقا بالنص عليه (عليه السلام) ولكنهم يرون أن مصلحة الأمة وانتقاض العرب، وعدم رغبتهم في اجتماع النبوة والإمامة في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كل ذلك يقتضي منع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والحيلولة بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين ما أوحى الله تعالى به إليه، من وجوب طاعتهم المطلقة لعلي (عليه السلام) من بعده، وتنصيصه (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي تم بالخلافة عليه (عليه السلام)، وهذا واضح لا سبيل إلى إنكاره.

وحتى أكشف لكم زيف ما تحدث به حضرة الدكتور البوطي.

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٣ ص ٩٧.

(٢) تاريخ بغداد: ج ٤ ص ٢١١.

٥٦
فتعال معي أخي القارئ الكريم إلى هذه المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وحبر الأمة عبد الله بن عباس، فهذه المحاورة تكشف عما كان يريده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة الكتاب، كما وردت في تاريخ الطبري، وابن الأثير وغيرهما من كتب من علماء أهل ألسنة:

" قال عمر بن الخطاب لابن عباس: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فقلت:

يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت، قال:

تكلم، قلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة، فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم). فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني " (١).

ولهذا يقول الدكتور طه حسين: " ولكن المسلمين لم يختاروه، خوف قريش أن تستقر الخلافة في بني هاشم إن صارت إلى أحد منهم... " (٢).

ولهذا يقول عمر بن الخطاب: "... لقد كان - أي النبي - يربع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام.

لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا. ولو وليها لانتفضت عليه العرب في أقطارها فعلم رسول الله أنني علمت ما في نفسه فأمسك " (٣).

(١) تاريخ الطبري: ج ٤ ص ٢٢٣ - الكامل لابن الأثير: ج ٣ ص ٣٤.

(٢) طه حسين: الفتنة الكبرى - عثمان - ص ١٥٣ - ١٥٢ - ١٩٧٦.

(٣) محمد جواد شري: أمير المؤمنين - ص ١٦٢ - ١٦٣ - نقلا عن نهج البلاغة لابن أبي الحديد وتاريخ الطبري.

٥٧
وأما قول عمر بن الخطاب: أن قريشا لا تجتمع على علي، فقد يكون صحيحا، لماذا؟ لكن ما الضرر في ذلك؟ إن قريشا لم تجتمع على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، بل اجتمعت ضده وحاربته إحدى وعشرين سنة، ولم تدخل في الإسلام إلا بعد أن هزمها، فهل كان من اللازم إلغاء النبوة، لأن قريشا كانت تقف ضدها؟ وإذا كان هذا هو أمر قريش من النبي نفسه، فكيف يسوغ أن تعتبر موافقتها على أمر كلامه على صلاحه ومعارضتها دليلا على خطأه؟ إن من العجب أن قريشا التي حاربت النبوة والإسلام منذ ولادته، واستمرت في حربها لهما حتى أثخنتها الجراح أصبحت هي التي تقرر مصير الأمة الإسلامية، وأصبح تأييدها يرجح كفة أي مرشح للقيادة حتى ولو كان ضد من أراد الوحي وضد من أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (١).

(١) سورة النساء: الآية ١١٥.

٥٨

المسألة الخامسة
قوله: " بأن الصحابة اتفقوا على حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث " (١).

فأقول: إن الخليفة أبو بكر تفرد برواية هذا الحديث.

فتعال معي أيها القارئ الكريم لنختصم إلى القرآن الكريم مقتدين بكلام الإمام الصادق (عليه السلام): ما جاءكم من الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أئمة أهل البيت فاعرضوه على القرآن فإن كان موافقا للقرآن فخذوا به، وإن كان مخالفا للقرآن فاضربوا عرض الحائط.

قال تعالى في كتابه العزيز: (وورث سليمان داوود).

فإن قلت لي يا سماحة الدكتور: أن الميراث المطلوب في هذه الآية هو العلم والنبوة والحكمة.

أقول لك: من فضلك اسمع ما قالت الزهراء (عليها السلام) سيدة نساء العالمين في خطبتها المشهورة للخليفة أبي بكر (رض):

" يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟

لقد جئت شيئا فريا!! فعلى عمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داوود). وقال: فيما اختص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال:

(١) المحاضرة بتاريخ ٢ / ١٠ / ١٩٩٥ جامعة دمشق في درس من دروس العقيدة الإسلامية.

٥٩
(فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب).

وقال: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).

وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) وقال: (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين).

وزعمتم! أن لا حظوة لي، ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟

أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟

أولست أنا وأبي من ملة واحدة؟

أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!

فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون، (ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون)، (من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) (١).

ويكفينا جوابا قول بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها أخرست ألسنتنا وأسكتت أقلامنا، فوقفت مبهوتا أمام الحجة والبيان والدليل والبرهان لمن اعتبر وارتدع وعاد إلى رشده بتعقل وتفكر.

(١) شرح النهج: ٤ / ٩٣ لابن أبي الحديد المعتزلي.

بلاغات النساء: للإمام أبي الفضل أحمد بن طيفور البغدادي - (خطبة الزهراء) ص ٩ - ١٢ الطبعة الحيدرية.

٦٠