×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

وقفة مع الدكتور البوطي / الصفحات: ٦١ - ٨٠

المسألة السادسة
قوله: كان المسلمون على مستوى الشورى الحقيقية (١)؟

فأقول لحضرة الدكتور:

دعنا نستعرض الأحداث التاريخية للشورى الحقيقية التي بلغت أرقى مستوياتها من وجهة نظرك..!

ودعنا نستعرض كيف تمت هذه الشورى..؟

كلنا نعلم أن الخليفة عمر فكر في طريقة ابتكار مسألة الشورى المخالفة لصاحبه أبي بكر (رض) الذي تم أمره من غير شورى، فقال قولته المشهورة:

إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المؤمنين شرها ومن عاد إليها فاقتلوه (٢)، فحاول الخليفة الثاني بأن لا تكون بيعته فلتة، مثلما كانت بيعة صاحبه فلتة، فابتكر هذه المسألة (أعني الشورى) للتغطية على مواقفه السابقة مع صاحبه، والدفاع عنه في كل المواقف حتى آلت إليه الخلافة وهذا ما يذكرني بقول علي (عليه السلام) عندما أخرجوه قهرا من بيته إلى سقيفة بني ساعدة، فقال عمر لعلي (عليه السلام): بايع أبا بكر - إنك لست متروكا حتى تبايع.

فقال له علي: احلب يا عمر حلبا لك شطره، أشدد له اليوم أمره لترد عليك غدا.. وحقا ما قال الإمام (عليه السلام) لقد تحقق وفاز عمر بالخلافة بتعيين من صاحبه.

(١) المحاضرة بتاريخ ٢ / ١٥ / ١٩٩٥.

(٢) صحيح البخاري ج ٨ ص ٥٤٠ كتاب الحجازيين من أهل الكفر.

٦١
فأقول: لماذا الخليفة أبي بكر (رض) قد عين خليفة من بعده، ونص عليه كتابة حيث أن الكاتب هو عثمان بخط يده، فكل هذه المؤشرات دليل حرص الخليفة الأول على التعيين، ودليل حرصه على مصالح الأمة الإسلامية، لا يريد أن يترك الأمة من بعده هملا..؟ فالخليفة الأول كان همه أكثر من هم رسول الله على الأمة..؟

أو لم يفكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كان يفكر أبو بكر..؟

حقا إن هذا الأمر لعجيب! ويحتاج منا أن ندقق ونبذل الجهد للوصول إلى كشف الحقائق التي تنطلي على كثيرين من أبناء الأمة الإسلامية الذين يتخبطون في غياهب الظلمات، فكانوا ضحية إعلام تاريخي قد سقط وانتهى... فآن الأوان أن نستيقظ من هذا السبات العميق، ونتخلى عن رواسب الماضي، ونحطم تلك الحواجز المصطنعة التي وضعها بنو أمية، لتضليل طائفة من المسلمين تحمل أفكارا وهمية لا حجة فيها ولا سند.

كيف تمت هذه الشورى..؟

عندما استولى الخليفة الثاني (رض) على الخلافة... وتربع على عرشها فترة من الزمن فقد جاءت الأقدار بطعن الخليفة عمر فمرض.. فقيل له وهو في مرضه: ماذا تستخلف من بعدك..؟

فقال: لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت:

نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة.

ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته (١).

أقول: بالله عليكم ما دام الخليفة عمر قد عين ونص على الخليفة من بعده، فأين نحن من مسألة الشورى التي ننادي بها.. حتى ملأت هتافاتنا كل بيت فأصبحت حديث الساعة.

لو أن الخليفة لم يقل هذا... فلربما اقتنعنا بمسألة الشورى.

ولكن علاوة على ذلك.. قال: ادعوا له ستا.

(١) العقد الفريد: لابن عبد ربه ٥ / ٢٧٥ أوردناه ملخصا.

٦٢
فاجتمع الستة وهم:

١ - عثمان بن عفان.

٢ - علي بن أبي طالب.

٣ - عبد الرحمن بن عوف.

٤ - سعد بن أبي وقاص.

٥ - الزبير بن العوام.

٦ - طلحة بن عبيد الله.

فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، أي:

ليبايع كل واحد فيكم واحدا آخر فجعل كل من الثلاثة أمرهم إلى الثلاثة الباقين. كالتالي:

١ - الزبير بن العوام إلى ٤ - علي بن أبي طالب ٢ - طلحة بن عبد الله إلى ٥ - عثمان بن عفان ٣ - سعد بن أبي وقاص إلى ٦ - عبد الرحمن بن عوف

فاجتمع في الأمر عليا، وعثمان، وعبد الرحمن. فأمسك عبد الرحمن بيد علي وعثمان، وتبرأ هو من الأمر.

فقال: يا علي لعل هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصهرك وما أنالك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه.

ثم قال لعثمان: يا عثمان، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه ولا تحمل آل أبي معيط على رقاب الناس. ثم قال: ادعوا لي صهيبا. فدعي، فقال: صل بالناس ثلاثا، وليخل هؤلاء النفر في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل منهم، فمن خالفهم فاضربوا رأسه. فلما خرجوا من عند عمر قال: إن ولوها الأجلح (١) سلك بهم الطريق.

(١) الأجلح: من انحسر شعره من جانبي رأسه.

٦٣
" لله درهم إن ولوها الأصيلع كيف يحملهم على الحق وإن كان السيف على عنقه " (١).

وروى البلاذري في أنساب الأشراف أن عمر قال:

(إن رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والأمر بعدي شورى، فإذا اجتمع رأي أربعة فليتبع الاثنان الأربعة، وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا رأي عبد الرحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا وإن صفق عبد الرحمن بإحدى يديه على الأخرى فاتبعوه) (٢). وروى البلاذري في ج ٥ / ١٩ من كتابه أنساب الأشراف:

(إن عليا شكا إلى عمه العباس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وقال: والله لقد ذهب الأمر منا، فقال العباس:

وكيف قلت ذلك يا ابن أخي؟

فقال: إن سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن بن عوف.

وعبد الرحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة. وإن كان الزبير وطلحة معي فلن أنجح بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين.

وقال ابن الكلبي: عبد الرحمن بن عوف زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز، وأروى أم عثمان فلذلك قال صهره (٣).

فأقول بعد كل هذا العرض التاريخي للأحداث.

فأين تلك الشورى الحقيقية؟

وأين هي أدلتها.. والله لقد صدق معاوية عندما قال (ولقد شق عمر عصا الأمة... آخر حياته كما شقها - يوم السقيفة...

(١) راجع طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢٥٧، الإستيعاب لابن عبد البر ومنتخب الكنز ص ٥٢٩ والرياض النضرة ج ٢ ص ٧٢ وأخرجه النسائي أيضا.

(٢) أنساب الأشراف للبلاذري: ص ٥ / ١٥.

(٣) أنساب الأشراف للبلاذري: ج ٥ / ١٩، والعقد الفريد لابن عبد ربه: ج ٣ / ٧٥.

٦٤
وقد اجتمعت كل الأدلة على بطلان هذه الشورى.

فقد زعم الدكتور أن الشورى حقيقية وبلغت أرقى مستوياتها بين المسلمين كافة.

هذا أولا.

وبعضهم قال بالنص القرآني الذي يقول: (وأمرهم شورى بينهم) أو:

(وشاورهم في الأمر).

وهناك رأي آخر مزعوم بما هو اتفاق الأمة..

وهناك رأي آخر يقول العقل هو الدليل.

فأقول: ما هو النص القرآني الصريح الذي تستندون إليه في هذه الشورى؟

إن قلتم لي: (وأمرهم شورى بينهم) [ الشورى: ٣٨ ].

أو: (وشاورهم في الأمر) [ آل عمران: ١٥٩ ].

فأقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستشير أصحابه في الأمور المهمة.

وثانيا مسألة الشورى، أو التشاور بين القوم هو صحيح وارد لكن أين يرد وأين وجه الشورى في تلك الأمور..؟

في الأمور التي لم يرد فيها نص من الله ومن رسوله يمكننا التشاور بها، لكن في الأمور التي ورد فيها نص قراني صريح أو نص نبوي.. فلا لقوله تعالى في كتابه العزيز:

(ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (١) ونلاحظ من خلال آيتي الشورى:

إن أمر الشورى أو المشاورة كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقصد الملاينة معهم والرحمة بهم، ولم يكن أمرا بالعمل برأيهم بل قال تعالى له: فإذا عزمت

(١) سورة الأحزاب: الآية ٣٥.

٦٥
فتوكل أي إعمل برأيك يا رسول الله.

فخاظبه تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) (١).

فأقول: كيف غاب عن ذهن الدكتور البوطي ولم يتنبه إلى أن ما قاموا به من عقد البيعة لم يكن ناتجا عن الشورى التي تحدثت بها.

فهذا الإمام البخاري يحدثنا في صحيحه (٢).

إن السابق إليها والمحرك الكبير فيها الخليفة عمر بن الخطاب (رض) قال على المنبر على مرأى من الصحابة ومسمع " إنما كانت بيعة أبي بكر فلته وتمت، ولكن الله وقى شرها - إلى أن قال - من بايع منكم رجلا من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا - إلى قوله - إلا أن الأنصار خالفوا، واجتمعوا بأسرهم، في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ".

(١) سورة آل عمران: الآية ١٣٩ - ١٥٥.

(٢) صحيح البخاري: ج ٤ ص ١١٩ (باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت).

٦٦

فصل (٢)
كيف نفسر معنى الفلتة..؟

يتجلى لنا من خلال النص بأن معنى كلمة فلتة تعني زلة أو بغتة أو فجأة أي ما نفهمه بأن بيعة الخليفة أبي بكر قد تمت فجأة، أو بغتة أعني بدون تأمل وتدبر وتمت عن غير مشورة، فنستنتج من هذا معنى إن وضع في الميزان.

فيكشف لنا هذا المعنى قول الخليفة عمر (رض) " من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا ".

أقول لحضرة الدكتور:

إذا وقعت خلافة أبي بكر (رض) من غير مشورة المسلمين وتمت بغتة، ما الذي يا ترى أخرت الخليفتين (رض) عن عموم حكم الخليفة عمر (رض) بقتلهما، وخصه بغيرهما؟ وكيف يستقيم هذا الحكم للخليفة عمر (رض) وقد صار هو الآخر خليفة بتنصيص الخليفة أبي بكر (رض) عليه خاصة. دون مشورة المسلمين أجمعين؟ وكل ما تقولونه في غيرهما نقوله نحن فيهما.

وأقول للدكتور البوطي:

لو سلمت معك جدلا بأن الخلافة قد تمت بالشورى الحقيقية كما تقول، لكن هذا يتنافى بل ويتناقض مع قول الخليفة عمر (بأنها كانت فلتة، وقد وقى الله المؤمنين شرها)، فإذا خلافة عمر (رض) جاءت نتيجة تلك الفلتة فالذي أود أن تعلمه بأن ما أحدثوه كان شرا بإقرارهم واعترافهم جميعا.

٦٧
وإقرار أصحاب العقول على أنفسهم حجة، ملزمون بها، وأنت تعلم أن الله تعالى لا يمدح الذين يوقعون الفتنة والشر في البلاد وبين العباد، ولا يثني عليهم أيا كانوا، لأن الشر مذموم ومنهي عنه شرعا وعقلا، وهو تعالى لا يمدح على فعل المحرم الذي نهى عنه، وإنما يؤاخذ فاعله ويعاقبه عليه لا شك بهذا، فلا يمدحه ويثني عليه.

ويؤكد لنا ذلك الدليل القاطع الذي يقطع الشك باليقين وهو قول الخليفة عمر (رض) " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " وهذا ما أكده وأثبته عليه ابن حجر الهيثمي في صواعقه في الشبهة السادسة من شبهاته، كغيره من مؤرخي أهل السنة وحفاظهم.

٦٨

علي يرفض الحكم بسيرة الشيخين

ما قرأته في كتابك فقه السيرة النبوية (١) حضرة الدكتور بأن عبد الرحمن بن عوف قد فرض باستلام الخلافة شرطا أساسيا على الإمام علي (عليه السلام) وهو الحكم بكتاب الله، وسنة نبيه، وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر (رض)، فقبل الإمام علي (عليه السلام) الشرط بحكم كتاب الله وسنة نبيه واجتهاده، أي بذل ما بوسعه في الاجتهاد.

لكنه رفض الحكم بسيرة الشيخين، فقبل عثمان ذلك الشرط فآلت إليه الخلافة.

فأقول إن رفض باب مدينة علم رسول الله الحكم بسيرة الشيخين يضعنا أمام مؤشرات كثيرة وعلامات استفهام..؟؟

حول سيرتهم وسنتهم التي جاؤوا بها وأنها ليست بصحيحة على الإطلاق.. لأنه لو كانت صحيحة لقبل بالشرط خليفة رسول الله علي (عليه السلام).

فهنا سؤال يطرح نفسه.

هل كانت سيرة الشيخين مخالفة لسيرة رسوله وسنته، فرفضها الإمام علي (عليه السلام)..؟

أم أنها موافقة لسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

(١) فقه السيرة النبوية: للدكتور البوطي.

٦٩
فإن قلت لي بالأول بطل قولك بأن خلافة الخلفاء شرعية، وأن الإمام بايع الخلفاء، فكيف يبايع من كانت سيرته مخالفة لسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وإن قلت بالثاني:

فكيف جاز للإمام مخالفة سيرة الشيخين أبي بكر وعمر وسنتهم مع أنها موافقة لسيرة رسول الأمة؟

ومن هنا يتجلى لنا الحق والحق أحق أن يتبع.

٧٠

آية الإكمال تتناقض مع الشورى

فأقول لحضرته:

إن ما يقع عليه الشورى بين المؤمنين، إما أن يكون من دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لا؟ فإن كان من الناحية الدينية فأنت تعلم بأن الله تعالى قد أكمل الدين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي)، فلا يحتاج إكمال الدين إلى شورى ممن لا يوحى إليهم، اللهم إلا إذا قال أحدهم بنزول الوحي على أهل السقيفة في عقدها بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وانقطاع الوحي، وهذا لا يقول به من كان من الإسلام على شئ.

وإن لم يكن ما وقعت عليه الشورى من دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكل من اتبع طريقا لنفسه وسبيلا غير سبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يستحقون المدح عليه، لأن مشاقة لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يكونون مجتهدين بذلك، لقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (١).

وأنت تعلم أيها المسلم أن سبيل المؤمنين هو سبيل نبي الأمة ورسولها (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو دينه الذي أنزله الله تعالى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) كاملا غير منقوص، ولم يكن منه قطعا ما حدث في السقيفة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحينئذ يختص مدحهم والثناء عليهم في خصوص تطبيقهم ما أنزل الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) تطبيقا كاملا لا على إدخالهم في دينه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ليس داخلا فيه.

(١) سورة النساء: الآية ١١٥.

٧١
وفي نهاية المطاف:

أقول: أين الشورى التي بلغت أرقى مستوياتها من وجهة نظر الدكتور؟!

والله لقد صدق الشاعر عندما قال:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب

٧٢
كتاب وقفة مع الدكتور البوطي للأستاذ هشام آل قطيط (ص ٧٣ - ص ٩٣)
٧٣

آراء وأحاديث

يقول الدكتور أحمد محمود صبحي في تعليقه على حديث المنزلة:

" إن بعض علمائهم - أي الشيعة - كعبد الحسين شرف الدين العاملي، يذكرون إضافة إلى متن الحديث غير مذكورة في النص السني أو حتى النص الذي بينه كثير من علماء الشيعة أنفسهم وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إلا أنه لا نبي بعدي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " ولا شك إن هذه العبارة تجعل من الحديث نصا جليا في إمامة علي يحسم كل اختلاف ويضع حدا للتفسيرات المتباينة التي استخلصتها الفرق من دلالة الحديث، وينسب الموسوي العاملي هذه الإضافة إلى الحاكم في المستدرك والذهبي في الجزء الثالث من تلخيصه ص ١٤٣... " (١).

هذا ما يقوله الدكتور أحمد صبحي، فهو ينفي أولا وجود مثل هذه الإضافة في كتب أهل السنة، كما ينفي وجودها في النصوص الشيعية. مع أنه كان يلزم الدكتور وهو في صدد بحث هذه المسألة الخطيرة، الرجوع إلى كتب أهل السنة أولا ليرى ما فيها ثم يعطي حكمه ثانيا خصوصا وقد عرف بوجود هذه الإضافة، ففي هذه الحالة.

وقع له الشك في وجودها، ودفع الشك واجب عقلا إذ يتعين على الدكتور بمقتضى المنطق العقلي البحث عن وجود هذه الإضافة، ولكن مقتضى الصياغة التي سار عليها أكثر الباحثين، هي عدم الإطلاع على مثل

(١) أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة - ص ٢٢٥.

٧٤
هذه الحقائق لئلا تصطدم با القاعدة الأساسية التي تبنى عليها العقيدة.

والباحث هنا سوف يذكر العديد من الروايات التي ذكرها علماء أهل السنة وحفاظهم مع ذكر هذه الإضافة التي أنكرها الدكتور أحمد صبحي، تأكيدا لوجود النص الصريح والجلي على إمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ناهيك لما تعرضت له النصوص الكثيرة التي أخفاها الأمويون والعباسيون، ومع هذا فقد نقل لنا أمناء الحديث من علماء أهل السنة ما بقي منها وإليك نبذة منها:

أخرج الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي:

" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. قال: وقال رسول الله: أنت وليي في كل مؤمن بعدي... قال: وقال: من كنت مولاه فإن مولاه علي... " (١).

وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة... " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢). أي البخاري ومسلم.

يقول الحافظ الذهبي في تلخيصه: "... قال - أي ابن عباس - وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك فبكى علي، فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي، وقال له أنت ولي على كل مؤمن بعدي ومؤمنة...

صحيح " (٣).

وأنت ترى أن الحافظ الذهبي قد حكم بصحة هذا الحديث، ومن هنا يثبت النص الجلي على خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وأخرج الحافظ النسائي - وهو أحد أصحاب الصحاح الستة، قال:

(١) الإمام أحمد: المسند - ج ١ - ص ٣٣.

(٢) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين - ج ٣ - ص ١٣٣ - ١٣٤ - دار المعرفة بيروت.

(٣) تلخيص الحافظ الذهبي على المستدرك - ج ٣ - ص ١٣٣ - ١٣٤.

٧٥
" وخرج النبي - بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له علي: أخرج معك؟ فقال له نبي الله: لا، فبكى علي، فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " قال: " وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت وليي في كل مؤمن بعدي " (١).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة:

أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي في غزوة تبوك: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبي أي لا ينبغي أن أن أذهب إلا وأنت خليفتي، وقال له: أنت ولي كل مؤمن من بعدي " (٢).

وأخرج القندوزي الحنفي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي لما خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه دون علي فبكى: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " (٣) وأخرج المحب الطبري (٤) وابن حجر الهيتمي (٥) والخطيب البغدادي (٦)، والذهبي (٧) عن الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "... ما تريدون من علي ثلاثا، إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي... وفي أخرى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة... لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي ".

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل مسندا عن أبي بردة قال: خرج علي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة وأنت خليفتي... " (٨).

(١) الحافظ النسائي: الخصائص - ص ١٧، ١٨.

(٢) ابن حجر العسقلاني: الإصابة - ج ٤ - ص ٥٦٨.

(٣) القندوزي: ينابع المودة - ج ٢ - ص ٥٨.

(٤) المحب الطبري: الرياض النضرة - ج ٢ - ص ١٧١.

(٥) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة - ص ١٢٤.

(٦) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - ج ٤ - ص ٣٣٩.

(٧) الذهبي: ميزان الإعتدال - ج ١ - ص ١٠٤.

(٨) سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص - ص ١٩. والمسعودي: مروج الذهب - ج ٢ - ص ٤٣٧.

٧٦
وعن أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان الفارسي، سل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من وصيه؟ فسأل سلمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:

من كان وصي موسى بن عمران؟ فقال: يوشع بن نون قال: إن وصيي ووارثي ومنجز وعدي علي بن أبي طالب... " (١).

وعنه أيضا رفعه، إن الله اصطفاني على الأنبياء، فاختارني واختار لي وصيا، واخترت ابن عمي وصيي، يشد عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي ووزيري... وعن عمر بن الخطاب (رض) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال:

هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني... " (٢).

وعن عمران بن حصين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ".. ما تريدون من علي ثلاثا، إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي،... وفي رواية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة: "... لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي " (٣) وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية بعدما استدعاه:

".... أما بعد فإني قرأت كتابك وفهمته، فأما ما دعوتني إليه من خلع ربقة الإسلام من عنقي، والتهون معك في الضلالة، وإعانتي إياك على الباطل، واختراط السيف في وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووليه ووصيه ووارثه وقاضي دينه... " (٤) وقد ذكر الوصية ابن عباس في كلامه مع معاوية عندما بلغه موت الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) في قوله: "... ولئن أصبنا به فلقد أصبنا

(١) سبط ابن الجوزي: نفس المصدر - ص ٤٣ - والمحب الطبري: والرياض النضرة - ج ٢ ص ١٧٨. - وأيضا ابن المغازلي، الشافعي المناقب - ص ١٤١.

(٢) القندوزي الحنفي - ينابيع المودة ة ج ٢ - ص ٧٥.

(٣) المحب الطبري - الرياض النضرة - ج ٢ - ص ١٧١ - وأيضا ابن المغازلي: المناقب - ص ١٥٢ وانظر العسقلاني: الإصابة - ج ٤ - ص ٥٦٩ - والمتقي الهندي - منتخب الكنز - ج ٥ - ص ٢٠.

سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص - ص ٨٦.

٧٧
قبله بسيد المرسلين... ثم بعده بسيد الأوصياء " (١).

وقول محمد بن أبي بكر في كتاب كتبه لمعاوية ذكر فيه الوصية لعلي:

"... فكيف - يا لك الويل - تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيه وأبو ولده... " (٢).

وقول الإمام الحسين بن علي: "... ألست ابن بنت نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن وصيه " (٣) ولهذا جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ووارثي " (٤). ومن ذلك ما رواه ثابت بن معاذ الأنصاري من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي: " إنه أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي وخير من أخلف بعدي " (٥).

يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن في تعليقه على حديث المنزلة:

" ولهذا الحديث علاقة برحيل النبي إلى تبوك... وقد استخلف عليا على المدينة... فقال له النبي: إرجع يا أخي إلى مكانك: فإن المدينة لا تصلح إلا بك فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي، يعني المدينة، وقومي... الحديث ولو أراد عليه أن يستخلف عليا، فإنه لم يكن يرى من الصواب ذلك لمنافاته لروح العرب، والديمقراطية " (٦).

فالصياغة التي اتبعها الدكتور حسن إبراهيم، تجعل من الروح العربية هي الأساس في تحديد سلوكيات المسيرة الإسلامية، حتى ولو كانت مخالفة لروح الإسلام. مع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بالإسلام الذي يخالف ما كانت عليه الروح العربية من انحراف في القيم والسلوك وعبادة الأصنام ووأد البنات، فالروح الإسلامية جاءت لتقتلع الروح العربية وتغير من سلوكياتها، إذن فمتى

(١) المسعودي - مروج الذهب - ج ٣ - ص ٨.

(٢) نفس المصدر: ص ٢١.

(٣) تاريخ الطبري: ج ٥ - ص ٤٢٤.

(٤) الذهبي: ميزان الاعتدال - ج ٣ - ص ٢٧٣ - وأيضا القندوزي الحنفي: في ينابيع المودة ج ٢ ص ٣٢ - والمحب الطبري: ذخائر العقبى - ص ٧١.

(٥) ابن حجر العسقلاني: الإصابة: ج ١ ص ٤٢٣ وأيضا ج ٢ ص ٦٠٩.

(٦) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية ص ٤.

٧٨
كان للعرب الكلمة عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومتى وافقت مسيرة النبي الجهادية وكفاحه المستمر في تغيير الواقع لروح العرب - فالروح العربية التي يشير إليها الدكتور حسن إبراهيم هي التي حاربت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخرجته من دياره وأذاقته ألوان العذاب، لأنه سفه أحلامها، وأعاب آلهتها، ولم يلاحظ من كل ذلك هذه الروح التي لم تؤمن بالإسلام حتى فتح مكة.

أيخضع النبي للروح العربية المجافية؟؟؟ فيه لروح الإسلام ويترك الأوامر الإلهية. لأن العرب لا يرضون بذلك. كما لم يرضوا بالرسول ولا برسالته.

لأن رسالته كانت مخالفة لروح العرب. وعلى ذلك فلا بد وأن نقول: أنه ليس من الصواب حينما بعث الله سبحانه رسله إلى الناس، لأنهم يخالفون ما عليه الناس، مع أن الدكتور حسن إبراهيم، يعترف بأن خلافة المدينة لا تصلح إلا لعلي بنص من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا كانت الخلافة في حياة النبي لا تصلح إلا لعلي، فهذه الصلاحية مستمرة حتى بعد وفاته، مع قطع النظر عن جميع النصوص الواردة في ذلك، ولكن الله أراد شيئا والروح العربية والديمقراطية أرادت شيئا آخر.

هذه نبذة مما رواه أهل الحديث وعلماء السير من أهل السنة عن حديث المنزلة والوصية اقتصرنا على ذكر الإضافة التي ذكرها الدكتور أحمد صبحي، ونفى وجودها في نصوص أهل السنة لتكون نصا صريحا كما يقول على خلافة الإمام علي (عليه السلام).

مناقشة حديث المنزلة

علينا أن ندخل في هذا الحديث بعمق، بعد أن بينا سند الحديث في صحاح أهل السنة - حتى يتجلى لسماحة الشيخ الدكتور الحق والصراط المستقيم.

فأقول له من خلال ما نفهمه في هذا النص:

من تتبع سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجده يصور عليا وهارون كالفرقدين في السماء، والعينين في الوجه لا يمتاز أحدهما في أمته عن الآخر بشئ ما.

ألا ترى أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أبى أن تكون أسماء بني علي (عليه السلام) إلا

٧٩
كأسماء بني هارون فسماهم حسنا وحسينا ومحسنا وقال: " إنما سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر (١) أراد بهذا تأكيد المشابهة بين الهارونين وتعميم الشبه بينهما في جميع المنازل وساتر الشؤون وأما عموم هذه المنازل فثابت في نص الحديث، وذلك لما تقرر في أصول الفريقين من أن اسم الجنس المنكر المضاف إلى المعرفة يفيد العموم وكلمة منزلة نكرة مضافة إلى هارون المعرفة، فهي تفيد الشمول والعموم لجميع تلك المنازل التي تقدم ذكرها ويؤكد هذا ويقرره الاستثناء فإنه لا يكون إلا من العموم هذا أولا.

وثانيا: إن حديث المنزلة قد اشتمل على مستثنى منه ففيه عموم وخصوص، ولو صح ما ادعاه لزمه أن يقول ببطلان العموم والخصوص معا في الحديث، ونسبة اللغو إلى النبي، وذلك لأن كل عربي وغير عربي إذا درس لغة العرب، يفهم من القول المشتمل على مستثنى ومستثنى منه أنه يريد العموم، وأن الحكم فيه على الاستيعاب دون المستثنى، فالمستنثى يوجب خروجه من ذلك الحكم الوارد على المستثنى منه وهذا هو المفهوم من ذلك عند أهل اللسان بلا كلام.

ولهذه الغاية نفسها قد اتخذ عليا أخاه وآثره بذلك على من سواه تحقيقا لعموم الشبه بين منازل الهارونين من أخويهما، وحرصا على أن يكون ثمة من فارق بينهما وحتى آخى بين أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرتين كما سمعت، وأنتم تعرفون الحسن والحسين لكن محسنا هذا غريب في أذهان أعلام السنة، فإنه أسقط بسبب ضربة قنفذ الحبشي لسيدة نساء العالمين (الزهراء) عليها أزكى السلام، بأمر من عمر بن الخطاب، وتوفيت وهي تشكو من كسر ضلع لها - وسقطها التي أجهض قبل أوانه.

وهناك وجه شبه آخر بين وصي خاتم الأنبياء ووصي النبي موسى (عليه السلام). فإن يوشع بن نون كان مع موسى في جبل سيناء ولم يعبد العجل،

(١) مسند أحمد: ج ٢ ص ١٥٥. الفتح الكبير: للبناني ج ٢ ص ١٦١ مجمع الزوائد. ج ٨ ص ٥٢.

الصواعق المحرقة لابن حجر: ص ١٩٠ ط المحمدية. تذكرة الخواص - الجوزي الحنفي - ص ١٩٣.

٨٠