×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ومن الحوار اكتشفت الحقيقة / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠

٣٤١

الفصل التاسع
الحوادث التي ألوت بعنقي لإعلان التشيع

حادثة لا مثيل لها في التاريخ البشري (حادثة رزية يوم الخميس).

حادثة الصحابة في سرية أسامة.

حادثة الصحابة في صلح الحديبية.

حادثة الشورى المصطنعة.

٣٤٢
٣٤٣

الحوادث التي ألوت بعنقي لإعلان التشيع

حادثة لا مثيل لها في التاريخ البشري
(حادثة رزية يوم الخميس)

فموضوع الحادثة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت النبي صلى الله عليه وآله قبل وفاته بثلاثة أيام، فطلب منهم الرسول أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتابا يرشدهم من طريق الضلالة إلى طريق الهدى ولكن الصحابة اختلفوا فيما بينهم فمنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئا، وإليك الحادثة بالتفصيل:

قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله وجعه فقال: (هلم أكتب كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا. منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله قوموا عني،

٣٤٤
فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم (١) ولغطهم. وهذه الحادثة صحيحة لا شك فيها، فقد نقلتها كتب الفريقين من السنة والشيعة. وهي حجة ملزمة لمن رآها ووقف عليها وخاصة عندما قرأتها في صحيح البخاري الذي هو أصدق صحيح في كتب السنة بعد القرآن مباشرة فالذي حيرني كيف يقف الخليفة عمر بن الخطاب من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله.

فالسؤال الذي يطرح نفسه..

كيف تجرأ الخليفة عمر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وآله فإن هذه الحادثة المؤسفة والمؤلمة التي أغضبت الرسول حتى طردهم من بيته وجعلت ابن عباس حبر الأمة يبكي حتى يبل دمعه الحصى وسماها أكبر رزية وفي هذه الحادثة تعدو حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه صلى الله عليه وآله بالهجر والهذيان (والعياذ بالله) ثم أكثروا اللغط والاختلاف وصارت ضجة إعلامية بحضرته فتأمل عزيزي القارئ؟!!

حادثة الصحابة في سرية أسامة

فموضوع هذه القصة: أنه صلى الله عليه وآله جهز جيشا لغزو الروم قبل وفاته بيومين وأمر على هذه السرية أسامة بن زيد بن حارثة وعمره ثمانية عشر عاما. وقد عبأ صلى الله عليه وآله في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار كالخليفة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة

(١) صحيح البخاري: ج ٣ باب قول المريض قوموا عني، صحيح مسلم: ج ٥ - ص ٧٥ في آخر كتاب الوصية، مسند الإمام أحمد ج ١ - ص ٢٥٥ و ج ٥ - ص ١١٦، تاريخ الطبري: ج ٣ - ص ١٩٢، تاريخ الكامل لابن الأثير: ج ٢ - ص ٣٢٠.
٣٤٥
وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين فطعن قوم منهم في تأمير أسامة، وقالوا:

كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد، حتى غضب رسول الله صلى الله عليه وآله غضبا شديدا مما سمع من طعنهم وانتقادهم، فخرج صلى الله عليه وآله معصب الرأس محموما، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض بأبي هو وأمي، من شدة ما به من لغوب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

(أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله، وأيم الله إنه كان خليقا بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها...) (١).

ثم جعل صلى الله عليه وآله يحضهم على التعجيل وجعل يقول: جهزوا جيش أسامة، أرسلوا بعث أسامة. يكرر ذلك على مسامعهم وهم متثاقلون وعسكروا بالجرف وما كادوا يفعلون.

أقول: إن مثل هذه العقوق في حق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي هو حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم، لم أكن أتصور كما لا يمكن لأحد أن يتصور تغيرا مقبولا لهذا العصيان وهذه الجرأة.

كيف لي أن أكذب هذه الأحداث وقد روتها كتب الفريقين من السنة والشيعة؟ فأي تأويل وأي تبرير أجد لهذه الحادثة العجيبة التي ذهلتني عندما

(١) طبقات ابن سعد: ج ٢ - ص ١٩٠ السيرة الحلبية: ج ٣ - ص ٢٠٧، تاريخ الطبري: ج ٣ - ص ٢٢٦، تاريخ ابن الأثير: ج ٢ - ص ٣١٧.
٣٤٦
وقفت عليها مليا وقرأتها في طبقات ابن سعد وفي السيرة الحلبية وفي كتب التاريخ...

كيف وأنا عاهدت أستاذي السيد علي البدري في بداية البحث أن أكون منصفا في بحثي هذا وأقول الحق كما قال الرسول صلى الله عليه وآله: (قل الحق ولو كان على نفسك وقل الحق ولو كان مرا...) والحق في هذه الحادثة إن الصحابة قد خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. أين نحن من قوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (١) ما هو العذر لكي أعتذر عن الصحابة (رضي الله عنهم).

وما هو المبرر لهم؟ عندما أواجه قوله تعالى:

(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (٢).

فبدأت أقرأ أكثر وأكثر عسى أن أجد مبررات وتأويلات تقنعني للدفاع بها عن الصحابة.. فلم أجد.

ما هو الحل؟ الحل الصحيح هو اتباع قوله تعالى في محكم آياته:

(قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله) (٣).

عجبي من هؤلاء الصحابة الذين أقدسهم أنهم أغضبوا نبينا يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس واتهموه بالهجر والهذيان وقالوا حسبنا كتاب الله ونقل

(١) سورة الحشر: الآية ٧.

(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.

(٣) سورة آل عمران: الآية ٣١.

٣٤٧
لنا الدكتور التونسي محمد التيجاني السماوي في كتابه (ثم اهتديت) (١) قائلا:

(إذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره فقال له أبو بكر:

(ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله) فأين الخليفة عمر من هذه الحقيقة التي أدركها أبو بكر، أم أن في الأمر سرا آخر خفي عن المؤرخين، أم أنهم هم الذين أسروه حفاظا على كرامته كما هي عادتهم وكما أبدلوا عبارة (يهجر) بلفظ (عليه الوجع).

عجبي من هؤلاء الصحابة. الذين أقدسهم...

كيف يتجرؤون على نبي الأمة محمد صلى الله عليه وآله..؟ فتأمل أيها القارئ وراجع المصادر إن شئت لتجد هذا بنفسك.

حادثة الصحابة في صلح الحديبية

فموضوع هذه الحادثة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في السنة السادسة للهجرة يريد العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه فأمرهم أن يضعوا سيوفهم في القرب وأحرم هو وأصحابه بمنطقة تسمى (بذي الحليفة) وقلدوا الهدي ليعلم قريشا أنه إنما جاء زائرا معتمرا وليس محاربا، ولكن قريشا بكبريائها خافت أن يسمع

(١) ثم اهتديت: للدكتور التيجاني السماوي: ص ١٠٢، والحادثة: طبقات ابن سعد: ج ٢ - ص ١٩٠، تاريخ الطبري: ج ٣ - ص ٢٢٦.
٣٤٨
العرب بأن محمدا دخل عنوة إلى مكة وكسر شوكتها، فبعثوا إليه بوفد يرأسه سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري وطلبوا منه أن يرجع في هذه المرة من حيث أتى على أن يتركوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام وقد اشترطوا عليه شروطا قاسية قبلها رسول الله لاقتضاء المصلحة التي أوحى بها إليه ربه عز وجل.

ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي وعارضوه في ذلك معارضة شديدة وجاء عمر بن الخطاب فقال: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال عمر: لا قال: فأنك آتيه ومطوف به.

ثم أتى عمر بن الخطاب إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. ثم سأله عمر نفس الأسئلة التي سألها رسول الله، وأجابه أبو بكر بنفس الأجوبة قائلا له: أيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، ولما فرغ رسول الله من كتاب الصلح قال لأصحابه:

قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشئ حتى نحر بدنه بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا (١)...

(١) هذه القصة أخرجها أصحاب التواريخ والسير وأخرجها البخاري في صحيحه من كتاب

=>

٣٤٩
هذه مجمل قصة الصلح في الحديبية وهي من الأحداث المتفق عليها عند الشيعة والسنة وقد ذكرها المؤرخون وأصحاب السير كالطبري وابن الأثير وابن سعد في الطبقات وغيرهم كالبخاري ومسلم.

فهذه الحادثة تحتاج إلى وقفة تأمل...

فهل سلم الخليفة عمر بن الخطاب ولم يجد في نفسه حرجا مما قضى الرسول صلى الله عليه وآله؟! أم كان في موقفه تردد في ما أمر النبي؟ وهل سلم بعد ما أجابه رسول الأمر وخصوصا في قوله: أو لست نبي الله حقا؟

أو لست كنت تحدثنا؟ إلى آخره.

الله أكبر!! سبحان الله!! أنا لا أكاد أصدق ما أقرأ وهل يصل الأمر بالصحابة إلى هذا الحد. فقلت: لو أن القصة ترويها كتب الشيعة فقط لقلت بأن كتب الشيعة مزورة، لكن القصة ترويها كتب الفريقين فأين المفر من ذلك..؟

فحاولت أن أجد مبررا وتأويلا يخرج ويخلص سيدنا عمر من هذه الجرأة على الرسول صلى الله عليه وآله لأنه بهذه الجرأة شجع بقية الصحابة بعدم الامتثال إلى أوامر النبي.

أقول: كيف يتجرؤون على النبي وهم بحضرته وشاهدوا فيه المعجزات والبراهين؟

وأزيد على ذلك: اعتراف الخليفة عمر بأنه عمل لذلك أعمالا لم يشأ ذكرها - ما يردده في موارد أخرى قائلا: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به.. إلى آخر ما هو مأثور في هذه القضية.. وهذه الحادثة العجيبة الغريبة ولكنها حقيقة.

<=

الشروط، باب الشروط في الجهاد، ج ٢ - ص ١٢٢.

٣٥٠

حادثة الشورى المصطنعة

الشورى وسقيفة بني ساعدة:

اعتمد أهل السنة والجماعة على المرتكز الأساس والواقع الشرعي الذي من خلاله قد حكموا لأبي بكر بالخلافة بطرح نظرية الشورى كوسيلة لتنصيبه خليفة للمسلمين بعد النبي صلى الله عليه وآله فسوف أستعرض لك عزيزي القارئ حادثة السقيفة والشورى التي هي التطبيق الخارجي لهذه النظرية. لنرى من خلال التحليل وعرض الأدلة مدى صدق الالتزام بهذه النظرية أم عدم الالتزام والأخذ بها.

السقيفة في تاريخ الطبري

ذكر الطبري هذه الحادثة بشكل مفصل في تاريخه ج ٢ مطبعة الاستقلال بالقاهرة سنة ١٣٨٥ هـ‍ - ١٩٢٩ م - ننقل منه مختصرا على قدر الحاجة من ص ٤٥٥ - ص ٤٦٠ - كالآتي:

اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرسول يغسله أهله، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد، سعد بن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض.. فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في الدين وفضيلتهم في الإسلام، وإعزازهم وقال: استبدوا بهذا الأمر دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر، ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم فقالوا: فإن أثب مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعد؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن.

٣٥١
سمع أبو بكر وعمر بأمر الأنصار، فأسرعا إلى السقيفة مع أبي عبيدة بن الجراح وانحاز معهم أسيد بن حضير وعويم بن ساعدة وعاصم بن عدي من بني العجلان، تكلم أبو بكر - بعد أن منع عمر من الكلام - فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال:

(فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالرسول، وهم أولياءه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم).

ثم ذكر فضيلة الأنصار، وقال: (فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء).

فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم. فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير.

فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن واحد والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منها، ولنا على من آمن الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مول بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟!

فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق

٣٥٢
بهذا الأمر منهم فإنهم بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يك يدين به.

أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة.

قال عمر: إذا يقتلك الله.

قال: بل إياك يقتل.

فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنكم كنتم أول من نصر وازر فلا تكونوا أول من بدل وغير.

فقام بشير بن سعد الخزرجي أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضا فإن الله ولي النعمة وأولى، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.

فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا.

فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك...

وقام عبد الرحمن بن عوف، وتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنكم وإن كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وقام المنذر ابن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد - يعني علي بن أبي طالب -.

(فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليا).

(فقال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف قلت: إبسط يدك لأبايعك، فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه.

٣٥٣
فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير سعد عققت عقاق!

أنفست على ابن عمك الإمارة؟

فقال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعوا إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض - وفيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء -:

والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فأنكر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا من أمر... فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة.

فقال أناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطأوه.

فقال عمر: اقتلوه قتله الله.

ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك.

فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة.

فقال أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق ها هنا أبلغ.

فأعرض عنه عمر.

وقال سعد: أما والله لو أن بي قوة أقوى بها على النهوض لأسمعت من في أقطارها وسككها زئيرا يحجرك وأصحابك، أما والله إذا لألفينك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع احملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه في داره.

أقول: هذه الحادثة لا تحتاج إلى شرح وتعليق فهي بنفسها تكشف عن كيفية

٣٥٤
تولي أبي بكر للخلافة.

أين هي الشورى التي تنسجم مع الحوار والتفاهم العقلاني؟!

هل الشورى تتم في سقيفة أو في مزرعة خارج المدينة. ولماذا؟

لا تتم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله الأولى بانعقاد الأمر فيه لماذا تتم في مزرعة خارج عن المدينة؟ وجسد الرسول صلى الله عليه وآله مسجى بعد لم يدفن.

فأين أبو بكر وعمر (رض) لماذا لم يشهدا دفن الرسول ولا تغسيله ولا تجهيزه حيث كانوا مشغولين بمتاعب الانقلاب (١) ومن باب أولى أن لا يشهد الغسل والتكفين والتجهيز، عائشة زوجة النبي فقد قالت: (ما علمنا بدفن النبي حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء) (٢).

هل هناك عاقل يسمي هذا الأمر شورى؟!

فقول سعد: استبدوا بهذا الأمر دون الناس، أجابوه، أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول، نعدوا ما رأيت.

وقول عمر: من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته.

وقول الحباب: املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهب بنصيبكم من هذا الأمر.

(١) كنز العمال: ٣ - ١٤٠ تجد أنهما لم يشهدا الدفن.

(٢) سيرة ابن هشام: ٤ - ٣٤٤، تاريخ الطبري: ٢ - ٤٥٢ و ٤٥٥ طبعة أوروبا، تاريخ ابن كثير:

٥ - ٢٧٠، ابن الأثير في أسد الغابة: ١ - ٣٤ في ترجمة الرسول، وطبقات ابن سعد: ج ٢ ت ٢ - ٧٨، وتاريخ الخميس: ١ - ١٩١، تاريخ الذهبي: ١ - ٣٢٧، مسند أحمد بن حنبل: ٦ - ٦٢.

٣٥٥
كتاب اكتشفت الحقيقة لـ هشام آل قطيط (ص ٣٥٦ - ص ٣٧٥)
٣٥٦

فقال له علي: (إحلب له يا عمر حلبا لك شطره، أشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا).

... لا والله لا أقبل قولك ولا أتبعك) (١).

فحاولوا بعدة طرق أن يكسبوا عليا عليه السلام فقد حاولوا يوما أن يغيروا العباس فقالوا أعطوه نصيبا يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب وتكون لكم حجة على علي إذا حال معكم (٢).

وجاء في رد العباس: (فأما ما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم ترضى ببعضه دون بعض؟! وعلى رسلك فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها) (٣).

وعندما لم ينجح هذا الأسلوب لجأوا إلى أسلوب الإكراه.

قال عمر بن الخطاب: وإنه كان من خيرنا حين توفى الله نبيه أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة (٤).

فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة.

وقال له: إن أبوا فاقتلهم.

فأقبل - عمر بن الخطاب ومن معه - بقبس من نار على أن يضرم عليهم

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٢ - ص ٢ - ٥.

(٢) الإمامة والسياسة: لابن قتيبة: ج ١ - ص ١٤، تاريخ اليعقوبي: ج ٢ - ص ١٢٤ و ١٢٥.

(٣) تاريخ اليعقوبي: ج ٢ - ص ١٢٤.

(٤) مسند أحمد بن حنبل: ج ١ - ص ٥٥، الطبري: ج ٢ - ص ٤٦٦، ابن كثير: ج ٥ - ص ٢٤٦، ابن الأثير: ج ٢ - ص ١٢٤.

٣٥٧
النار فلقيتهم فاطمة فقالت:

يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟!

قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة (١).

وفي أنساب الأشراف:

فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة:

يا بن الخطاب أتراك محرقا علي بابي؟!

قال: نعم (٢).

وقد عد المؤرخون من الرجال الذين تعدوا على دار فاطمة لإحراقها:

١. عمر بن الخطاب.

٢. خالد بن الوليد.

٣. عبد الرحمن بن عوف.

٤. ثابت بن قيس بن شماس.

٥. زياد بن لبيد.

٦. محمد بن مسلم.

٧. زيد بن ثابت.

٨. سلمة بن سلامة بن وغشى.

٩. سلمة بن أسلم.

١٠. أسيد بن خضير.

قال اليعقوبي: فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار - إلى قوله وكسر سيفه - أي سيف علي ودخلوا الدار (٣).

وقال الطبري: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال

(١) العقد الفريد: لابن عبد ربه: ج ٣ - ص ٦٤، وأبو الفداء: ج ١ - ص ١٥٦.

(٢) أنساب الأشراف: ج ١ - ص ٥٨٦، كنز العمال: ج ٣ - ص ١٤٠، الرياض النضرة: ج ١ - ص ١٦٧.

(٣) تاريخ اليعقوبي: ج ٢ - ص ١٢٦.

٣٥٨
من المهاجرين، فخرج عليه الزبير مسلطا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه (١).

ورأت فاطمة ما صنع بهما - أي بعلي والزبير - فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله (٢).

ولهذا ولمنع فاطمة إرثها ومصائب أخرى، غضبت فاطمة، ووجدت على أبي بكر فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر (٣) أي لم يحضر جنازتها.

وفي رواية أخرى أنها قالت له:

والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها (٤).

ولهذا قال أبو بكر في مرض موته:

أما إني لا آسي على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهن - إلى قوله: فأما الثلاث التي فعلتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وإن كانوا قد أغلقوه على الحرب (٥).

(١) الطبري: ج ٢ - ص ٤٤٣ - ٤٤٦ عبقرية عمر: للعقاد ص ١٧٣.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ١ - ص ١٤٢، ج ٢ - ص ٢ - ٥.

(٣) صحيح البخاري: ج ٥ - ص ١٧٧، ج ٤ - ص ٩٦.

(٤) الإمامة والسياسة: ابن قتيبة: ج ١ - ص ٢٥.

(٥) الطبري: ج ٢ - ص ٦١٩، مروج الذهب للمسعودي: ج ١ - ص ٤١٤، العقد الفريد: ج ٣ - ص ٥٦٩، تاريخ الذهبي: ج ١ - ص ٣٨٨، الإمامة والسياسة، ج ١ - ص ١٨، كنز

=>

٣٥٩
وفي اليعقوبي: وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على الحرب (١).

وفي هذا يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:

وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها (٢)

فهذه الطريقة التي بدأت فيها الخلافة بالغلبة وانتهت بالإكراه والتهديد والقتل.. بالله عليكم هل هذه هي الشورى؟!

<=

العمال: ج ٣ - ص ١٢٥.

(١) تاريخ اليعقوبي: ج ٢ - ص ١١٥، نقلا عن كتاب (الحقيقة الضائعة للشيخ معتصم سيد أحمد ص (١٥١).

(٢) ديوان حافظ إبراهيم (الطبعة المصرية).

٣٦٠