×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الوهابية ، جذورها التاريخيّة .. مواقفها من المسلمين / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

السلفية من؟


السلفية: هذا البلاء النازل على رقاب الأمة الإسلامية.. بل المتفشي في المجتمعات الإنسانية، تلك الغدة السرطانية في بناء الإسلام العقائدي.. ما هي حقيقتها؟ ومن الذي روّج لها؟ ومن أين جاءت جرثومتها القاتلة؟

قالوا: إنّها ظاهرة عباسية، ترتبط بالتيار الفكري الذي قاده الإمام احمد بن حنبل، كما قال محمد عمارة(١)، أمّا محمد الغزالي فقال فيها: إنّها نزعة عقلية عاطفية ترتبط بخير القرون وتعمّق ولاءها لكتاب الله وسنة رسوله(٢).

أمّا محمد سعيد رمضان البوطي فإنه يعتبرها: مفهوماً زمنياً مباركاً.. فالسلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي(٣) فهي إذن مفهوم زمني فكري يرتبط بلحظة زمنية فكرية محددة في تاريخ

(١) «انظر تيارات الفكر الإسلامي المعاصر» لمحمد عمارة: ص ١٢٨-١٣٠.

(٢) دستور الوحدة الثقافية لمحمد الغزالي: ص١١٤.

(٣) انظر كتاب «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي» لمحمد سعيد رمضان البوطي.

٢٢
الفكر الإسلامي، إلا أنّها غير مباركة وغير مرغوب فيها بهذا الفكر الشاذ.

وبعض المحدَثين يعتبرها: مفهوماً معرفياً منهجياً يحكم طريقة إنتاج الفكر الإسلامي للمنهج المطابق لمنهج (السلف الصالح) في القرون الهجرية الثلاثة الأولى التي حدَّث عنها الحديث النبوي المصنف في إطار مدونات الصحاح «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»(١).

فيعتبرون أنفسهم ليسوا أصحاب مذهب، بل أصحاب دين جديد، أو دين بديل، أو دين وضعي اخترعوه حديثاً ووضعوا عليه الطبعة المزيفة (صنع في القرن الأول) إذ إنّ ابن تيمية من القرون الثلاثة المفضّلة (حسب الحديث)؟ وأين هو من تلك القرون الأولى في الزمان والمكان..!؟

هذا عدا عن التلميذ غير القريب لابن تميمية محمد بن عبد الوهاب ومن لفّ لفَّه، ودار في فلكه، الذين جعلوا القرآن عضين، والسنّة بدعة، والدين أقرب إلى التين بما رفعوا من أحكام ووضعوا غيرها فأحلّوا حراماً، وحرّموا حلالاً باسم الدعوة إلى الإصلاح والتجديد.

(١) دراسات استراتيجية، مقال محمد جمال باروت: ص١٩٦ ع١١.

٢٣
وهذا العصر هو العصر الذهبي لهؤلاء، لأنّه يشكّل الانتماء إلى السلفية قاسماً مشتركاً لمختلف الحركات الإسلامية في الفضاء السني في القرن العشرين، سواء كانت وسطية إصلاحية (معتدلة) أو راديكالية تغييرية (متطرفة).

لقد حرصت جميع هذه الحركات على إدراج صفة السلفية بدرجات متفاوتة، ولهذا كان المفهوم العام لهم يكتنفه الغموض في دلالته أو مضمونه، أو بيان نشأته أو معرفة حدَّه.. وتلك سمة الكثير من المفاهيم والمصطلحات الشائعة في الساحة الإسلامية، فبقدر الذي يصبح فيه المصطلح شائعاً متداولاً بين فرقاء مختلفين، يزداد غموضه الفكري.

ولهذا قسَّم أحد العلماء، السلفية إلى ثمانية أقسام هي:

١- السلفية التاريخية.

٢- السلفية المدرسية.

٣- السلفية النهضوية.

٤- السلفية الوطنية.

٥- السلفية الحركية.

٦- السلفية الجهادية.

٧- السلفية التحررية.

٨- السلفية المحدثة.

٢٤
وعلى كل حال فإنّ البناء الفكري يستند في السلفية كلها إلى بنيتين أساسيتين هما:

١- بنية السلفية العامة المرنة أو المفتوحة على الواقع بوعي وتعقّل.

٢- بنية السلفية المذهبية الصلبة أو المغلقة على نفسها بتعصب وتحجّر.

والسلفية العامة المرنة نهضوية مفتوحة، لأنّها استفادت من النهضة الأوروبية فجاءت على أيدي أولئك المصريين الذين ذهبوا إلى فرنسا وعادوا منها محمَّلين بالأفكار الثورية للثورة الفرنسية، ومبهورين بالتقدم الحضاري الصناعي للبلاد الأوروبية، فتفتحت على يدي الشيخ محمد عبده وتلاميذه.

أمّا السلفية المذهبية الصلبة (النصوصية) فإنّها تبلورت في مطلع القرن الماضي في البيئة النجدية البدوية في شبه الجزيرة العربية، التي ارتبط اسمها المعاصر باسم ونتاج وعمل مؤسسها محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦هـ) حيث غذّاها بهذه الأفكار المتحجرة على الماضين والمتجرِّئة على المقدسات، لأنّها تحررت من فكرة تقديس الأماكن والأزمنة و الأشخاص، حيث ضربت بكل أنواع التقديس بوجه الحائط، فلا مقدسات لديهم إلا أنفسهم، ورموزهم من السلفية.

٢٥
وابن عبد الوهاب لم يكن اخترع هذا الاتجاه المتصلب من عند نفسه، لا.. بل جاءت وقامت على الأفكار والبدع التي جاء بها أحمد ابن تميمة (٦٦١ -٧٢٨هـ) ذاك الشيخ (ذي اللَّوثة) كما يسميه ابن بطوطة في رحلته (أي المجنون) وهذا وذاك كانا من أتباع مدرسة أحمد بن حنبل في الفقه السني، تلك المدرسة التي اعتمدت على الرأي والقياس أكثر من أي شيء آخر، وأحد أهم ميزاتها أنّها تقول بالتجسيم والتشخيص الإلهي.

فالسلفية الوهابية هي نسخة معدلة بالاستنساخ الصناعي والتعديل الجيني لمدرسة ابن تيمية، اختلف عليها الوضع البيئي والاجتماعي؛ لأنّها نشأت في بيئة بدوية غليظة جدّاً وسيئة الأخلاق وبذيئة اللسان، مع ما أضافت عليها الصحراء القاحلة في بلاد نجد شرق الحجاز كما هو معروف.

فما جاء به ابن عبد الوهاب هو نفس ما جاء به ابن تيمية من قبل، مضافاً إليه بعض التعديلات، حيث زاد الزوايا حِدَّة والأفكار شدَّة، والعواطف تحجّراً، والقلوب تصلُّباً، والعقل غفلة ونوماً.. فكانت عقائده كنفسه الشريرة وبيئته الفاسدة غير الصالحة لأي أنواع الحياة الحضارية لبؤسها وقساوتها (كما قيل)..

فالأفكار تتأثر بالتكوين الجسدي للإنسان، الذي يتأثر هو كذلك بالغذاء والهواء والعوامل البيئية كما الوراثية تماماً، ولهذا قلنا الذي

٢٦
كتاب الوهابية جذورها التاريخية.. مواقفها من المسلمين لـ حسين أبو علي (ص ٢٧ - ص ٤٣)

٢٧

الوهابية بنت السلفية


الواقع أنّ الوهابية تولّدت من السلفية؛ فمحمد بن عبد الوهاب هو رجل دعا إلى أفكار ابن تيمية وقدماء الحنابلة المجسّمة الذين يدّعون السلفية وربما خالفهم ببعض المسائل الفقهية الفرعية كتحريم زيارة القبور، ومحاربة التصوف بدون هوادة.

فمحمد بن عبد الوهاب وبالتالي الوهابية فرقة دعت إلى فكر الحنابلة المجسّمة والنواصب، ونجدهم اليوم متّحدين في الفكر، بل هما فكر واحد، فالألباني مثلاً كان يسمي نفسه سلفياً ولا ينسب نفسه الى الوهابية، ومع ذلك كان الوهابيون يدعمونه مالياً ومعنوياً، ويبثون أفكاره في جزيرة العرب، وتروَّج أفكاره ما بين شباب القصيم والرياض وغيرها من مدن الجزيرة العربية.

فالوهابية: هي تلك الجماعة التي تقودها إدارة هيئة البحوث والدعوة والإرشاد في جزيرة العرب، والتي تدعو إلى مذهب أحمد ابن حنبل، وابن تيمية، وهيئة كبار علمائهم المعاصرين في ذلك الإقليم.

أما السلفية المعاصرة: هم أتباع ابن تيمية، ومذهب أئمة الحنابلة

٢٨
المجسمة خارج جزيرة العرب في البلاد المختلفة، والكل يتخذ ابن تيمية إماماً ومرجعاً ورأساً، وهو من علماء الحنابلة، إلا أنّهم لا يقولون (وهابية) لأن هذا اللقب صار مستقبحاً ولكن يدَّعون أنهم على مذهب السلف الصالح، ويقصدون زمرة من المحدِّثين المجسّمة كابن تيمية وابن القيّم الجوزية وأمثالهم..

فالخلاصة أنّ اسم السلفية والوهابية هو اسم لفكر واحد(١) إنْ صحّت التسمية، والأفضل تقديم الكاف على الفاء.

(١) السلفية الوهابية للسقاف: ص٢٠.

٢٩

أقطاب الفكر


وبما أنّنا قدمنا تعريفاً مختصراً وسريعاً عن هذه الجماعات التي فسدت وأفسدت الكثير الكثير من حياة وفكر وقضايا الأمة الإسلامية.. ورأينا أنّها ترتبط باسمين يعتبران قطبي الرحا التي تدور عليهما السلفية كلّها قديماً (ابن تيمية) وحديثاً (ابن عبد الوهاب)، ولذا كان لزاماً علينا أن نعطي لمحة موجزة عن هذين الرجلين.

أولاً: ابن تيمية


من هو ابن تيمية؟

هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر.

تقي الدين.. أبو العباس.. ابن تيمية..

الحرّاني الدمشقي الحنبلي..

المولود في حران سنة ٦٦١ه‍ والمتوفي بدمشق سنة ٧٢٨ه‍ عن عمر يقارب ٦٧ سنة.

والدته: فهي ست النعم بنت عبدوس الحرّانية.

قبيلته: بقي مرجعه القبلي محل استفهام (رغم اهتمام العرب الشديد بالأنساب) فإنّ أحداً ممن ترجم له لم يذكر قبيلته، ولا

٣٠
منحدره القومي، وحتى معاصريه وتلامذته كالذهبي والصفدي، وابن الوردي، وابن عبد الهادي، وابن كثير، لم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب ولا من غيرهم.

ولم يذكر شيء من ذلك في تراجم آبائه أيضاً.. فبقيت نسبته عرضة للتكهنات التي لا يؤيدها دليل شاف، ولا ينفيها برهان قاطع بعد سكوت معاصريه، بل ومعاصري آبائه عن ذلك(١).

ومرجع ذلك إلى أنّه كان من غير العرب -كما أظن-؛ لأنّ العرب ومنذ الجاهلية يهتمون أيّما اهتمام بالأنساب والعشائر والقبائل.. بالإضافة إلى نسبته إلى أمّه (جدته) تيمية والعرب تكره التكنّي أو النسبة إلى النساء، والله العالم بحقيقة الرجل.

بيئته:

بين حرّان ودمشق تقسمت حياة ابن تيمية، خلا سنين قلائل قضاها بمصر بعد أن جاوز عمره الخامسة والأربعين، ثم عاد إلى دمشق إلى أن مات فيها.

فحرّان: مسقط رأسه وترعرعه الطفولي خلال ست سنوات فقط، تلك القرية الموغلة في القدم حين قيل: إنّها أوّل قرية بنيت بعد

(١) ابن تيمية صائب عبد الحميد: ص١٩.

٣١
الطوفان النوحي الشهير، وبناها أخو أبينا إبراهيم الخليل (عليه السلام) الأكبر هاران. فسميت باسمه ولكن بعد أنْ عُرّبت فصارت حرّان.

وهي تقع في أعلى الجزيرة السورية ما بين دجلة والفرات، وحّران العواميد التي تقع إلى الشرق من دمشق حالياً غيرها بكل تأكيد.

فحران مسقط رأسه، ومناخ طفولته، وموطن آبائه القديم.

وأما دمشق ففيها نشأته، وترعرعه، ونبوغه، وشهرته، ثم وفاته.

فالمناخ وطبيعة الأرض وقساوة الجو في حرّان يتشابه بعض الشيء مع الجو النجدي الذي ولد فيه ابن عبد الوهاب -كما سيأتي- من حيث القساوة والحرارة والغلظة والشدة في جميع مناحي الحياة.

هذا وقد مرَّ بها الرَّحالة العربي الشهير ابن جبير سنة ٥٨٠ه‍ فقال فيها: بلد لا حسن لديه، ولا ظل يتوسط برديه (الصباح والمساء) فلا يألف البرد ماؤه، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه، ولا تجد فيها مقيلاً ولا تتنفس فيها إلا نفساً ثقيلاً، قد نبذ بالعراء ووضع في وسط الصحراء، فعدم رونق الحضارة، وتعرّت أعطافه من ملابس النضارة(١).

(١) ابن تيمية لصائب عبدالحميد: ص٢٥.

٣٢
أما الجانب العقائدي والفكري لتلك القرية فإنّها كانت موطن الحنابلة وموئلهم منذ القديم، فلم يخرج منها إلا الحنبلي، ومن كان على غير هذا المذهب فيها فإنّه من خارجها أي أنّه ضيف وافد عليها..

«أمّاعقائد أهلها بعد الإسلام فقد غلب عليهم الهوى الأموي، فكانوا أشدّ الناس تعصباً لبني أميّة، وكانوا يرون أنّ صلاة الجمعة لا تتم إلا بلعن الإمام علي (عليه السلام) (والعياذ بالله) وحين جاءهم الأمر من عمر بن عبد العزيز بإزالة لعن أمير المؤمنين عن المنابر امتنعوا وضجّوا، وقالوا: لا صلاة إلا بلعن أبي تراب.

ثم كانت حرّان مأوى مروان الحمار آخر الملوك الأمويين حين فرَّ من العباسيين، وله فيها قصر كبير انفق على بنائه عشرة ألف درهم»(١).

ذاك شأن حرّان مسقط رأس ابن تيمية، إلا أنّ مسكنه الرئيس كان في دمشق الشام، التي جاء إليها فاراً هارباً مع أبيه وأخوته من وجه المغول والتتار سنة ٦٦٧ه‍، وحالُ دمشق لا يخفى على أحد من العلماء والأعلام.. فإنّها معقل بني أميّة منذ البداية وحتى النهاية ولذا

(١) ابن تيمية لصائب عبدالحميد: ص٢٥ عن شرح النهج لابن أبي الحديد: ٧/١٢٢.

٣٣
فإنّنا لا نحتاج إلى مزيد من الإيضاح هنا.

عقائده:

قلنا إنّ أحمد بن تيمية كان شيخ الحنابلة بعد أبيه في عصره وهؤلاء ما يميزهم عقائدياً ما يلي:

١- التجسيم والتشبيه لله سبحانه وتعالى.

٢- النَّصب والعداء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).

٣- الرأي: اعتمادهم على آرائهم الشخصية ورفض كل فكرة تعارضهم مهما كانت قوية الحجة وظاهرة الدلالة.

١- التجسيم:

يرى هؤلاء القوم أنّ الله سبحانه وتعالى جسم كالأجسام الآدمية تماماً، مستندين على حديث أبو هريرة الدوسي: «إنّ الله خلق آدم على صورته»(١).

يرويه أبو هريرة عن كعب الأحبار رأس اليهود وعالمهم.

جاءنا بها بعض من ينقصهم الورع، فقد زوَّروها وحوروها حتى صارت من جملة الأحاديث، وخاصّة أنّ التوراة فيها ما يقرب من

(١) صحيح البخاري: ٧/١٢٥، و (صحيح مسلم): ٨/٣٢.

٣٤
هذه الصيغة تماماً (سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها).

وهذا صاحب صحيح مسلم يروي في كتابه (التمييز) عن بسر بن سعيد تلميذ أبي هريرة قوله: اتقوا الله وتحفَّظوا من الحديث-فوالله- لقد رأيتنا نجالس أبو هريرة فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم.. فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن كعب ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).

والحديث المتقدم له أصل صحيح وروايات واضحة إلا أنّها لا تتحدث عن الله سبحانه بل عن الإنسان، كهذه الرواية: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) مرَّ برجل يضرب رجلاً وهو يقول: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته» أي على صورة هذا الرجل المضروب، أو الوجه الذي تضربه أو تسبه.. فإنّ آدم وجميع الأنبياء والأوصياء والأولياء خُلقوا على هذه الصورة المباركة.. فكيف نسوِّغ ضربها أو سبابها؟ والعرف لدينا يمنع ضرب الحيوان على وجهه فكيف بالإنسان؟

تأمل يا رعاك الله كم هو الفرق بين المفهومين والروايتين.. وكم هي الروايات المحوَّرة والمبتورة، والمشبوهة التي اعتمدها المبطلون لتبرير أعمالهم أو التدليل على عقائدهم، لأنّها بلا دليل معقول أو منقول..

٣٥
واليك ما يرويه الرَّحالة الشهير ابن بطوطة عن ابن تيمية في مسألة التجسيم، هذه.. حكاية الفقيه ذي اللوثة (المجنون).

كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية -كبير الشام- يتكلم في الفنون إلا أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظِّمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلم بأمر أنكره الفقهاء.

قال: وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس (شاهد عيان) على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أنْ قال: إنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من المنبر.

فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه (ابن تيمية) وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً، حتى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها، واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة.. فأمر بسجنه وعزَّره (أي جلده) بعد ذلك(١).

وهذه العقيدة الباطلة معروفة عنه، وهو الذي سطّرها في كتابه (الحموية الكبرى) بقوله: إذا قال سائل: كيف ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟

(١) رحلة ابن بطوطة: ص٩٥.

٣٦
فإذا قال: لا أعلم كيفيته.. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله(١).

ومنشأ ذلك من بعض الإسرائيليات التي حشوا بها كتب الحديث والسنن عن قصد أو دون قصد، رغم تحذير الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) والعلماء الأجلاء من هذه المصيبة التي نزلت على الإسلام والمسلمين من جرّاء ذلك، كحديث أم طفيل التي تذكر فيه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): رأى ربّه في المنام في أحسن صورة، شاباً موفوراً، رجلاه في خضرة، عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب.

أو أنّه كما في رواية أخرى: شاب أمرد وله نور يتلألأ، وقد نهيت عن وصفه.. فسألت ربي أنْ يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنّه عروس حين كشف عن حجابه مستو على عرشه.. أو أنّه شيخ كبير بالسن ذو لحية بيضاء طويلة وأنّه يركب على حمار، وينزل إلى السماء الدنيا، وآخر يركبه على ذبابة أو بقَّة.. نستجير بالله من الضلال!!

حتى قال آخرهم: ألزموني ما شئتم، فإنّي التزمه إلا اللحية والعورة، وألَّف محمود التويجري المعاصر كتاب (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة (الرحمن) نعوذ بالله!

هذه عقيدة شيخ الإسلام السلفي ابن تيمية، مجدد الدين، وحامي السنّة والمدافع عن السلف الصالح، وغير ذلك من الألقاب والأوسمة

(١) الحموية الكبرى لابن تيمية: ص٢٠.

٣٧
التي قلدوه بها، وزينوا بها صدره، ولكن اين هو غداً في الحساب، عن تلك هي المسألة.

٢- النصب:

وهو البغض، والحقد، والحسد، لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.. وجعل أجر الرسالة الخاتمة مودتهم وحبّهم في الله وهم كسفينة نوح.. وباب حطّة.. وباب مدينة العلم الرسولي الكوني.

لا أدلّ على نصب القوم وبغضهم لآل البيت النبوي الكريم من طعن ابن تيمية، إمامهم الذي أصَّل لهم الأصول، وقعَّد لهم القواعد بسيدنا علي رضوان الله تعالى عليه، وبالسيدة فاطمة الصديقة بنت سيدنا رسول الله، وهذا ثابت في كتب ابن تيمية ومؤلفاته، خاصّة في كتاب (منهاج السنّة) الذي هو منهاج البدعة حقيقة(١).

وابن حجر العسقلاني يقول عن ابن تميمة بهذا الخصوص:

ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي، ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيثما توجه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنّه كان يحب الرئاسة، وإنّ عثمان كان

(١) السلفية للسقاف: ص٦٥.

٣٨
يحب المال، ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعلي أسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قوله(١).

وابن تيمية لم ينج منه إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالهجوم والتهجم المباشر على شخصه الكريم، إلا أنّه أوغل في تناوله لآل البيت الأطهار (عليهم السلام)، فكان أضرّ عليهم ممن ولغ في دمائهم الطاهرة الزكية، فكان أذاه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كبيراً جداً.

١- لأنّه تجرّأ على الآل الكرام لا سيما أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وزوجته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وسيدي شباب أهل الجنة، فكان رأس هذه البدعة، وإثمها يعود عليه بإذن الله.

٢- لأنّه فتح الباب واسعاً للهجوم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعدم احترامه.

٣- لأنّه أول من فتح باب الجرأة على المقدسات الإسلامية الزمانية والمكانية التي تنتهك ليزيلها عن الوجود بمحو آثارها وبالتالي محوها من العقول والقلوب المؤمنة.. وهذه سياستهم تجاه المقدسات كما سيأتي في بحوث قادمة.

ومن جرأته على الله ورسوله وآل البيت والصحابة نعطيك نماذج من أقواله.. من شدة احترامه لله رب العالمين فإنّه يجسمه ويشبهه

(١) السلفية: ص٦٥ عن الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: ١/١٥٥.

٣٩
ويمثله على المنبر ويثبت له كل الصفات الآدمية تقريباً وقد مرَّ بك بعض أقواله فلا نعيد.

ولعظيم عدم احترامه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإنّه يفتي بعدم فائدته بعد موته ولذا فلا يجوز التوسل به أو التشفع لديه أو الدعاء بحقه أو التوجه بجاهه العظيم، لأنه يفضي إلى الشرك ففيه هذه المفسدة(١) هذا من جهته، والمثل الشائع لدينا يقول: العزّ عز الله، والجاه جاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)..

ومن جهة أخرى يقول: التوسل بدعائه - رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) - وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة، ولهذا نهي عن الاستغفار لعمه (أبو طالب) وأبيه (عبد الله) وغيرهما من الكفار(٢).

ثم يقول: وقد يدعو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لبعض الكفار بأنْ يهديه الله أو يرزقه، فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله!!؟

وكما دعا لدوس قبيلة أبي هريرة فقال: اللهم اهد دوساً وائت بهم فهداهم الله(٣).

(١) التوسل والوسيلة: ص٣٣ - ٣٤.

(٢) المصدر نفسه: ص٦.

(٣) المصدر نفسه: ص٦.

٤٠