×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الوهابية ، جذورها التاريخيّة .. مواقفها من المسلمين / الصفحات: ٤١ - ٦٠

بينما نلاحظه ينقل في مكان آخرما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «استأذنت ربي أنْ أستغفر لأمي فلم يأذن لي»(١).

لا أدري من كان النبي لدى هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، هل كان محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أم أبو هريرة الدوسي؟

آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وأمه وأبيه، وعمه، وجده كلهم كافر مشرك، ولا يستغفر -فقط استغفار عدا الشفاعة والانتشال من عذاب النار- لأمه أو أبيه أو جده أولئك العظام الذين أنجبوه وقبيلة أبو سنّور (هريرة) كلها يشفع لها ولا سيما أمّه فيدعو لهم فيسلموا عن بكرة أبيهم.

أيُّ صحبة صحبتك يا أبا السنّور، وأينك أنت والمقام ذاك مقامك.

ولكن لهفي عليك يا رسول الله (صلوات الله عليك وعلى آلك) وروحي لك الفداء وأنت ترى أولئك الكوكبة العظيمة من آبائك الكرام وأمهاتك الطاهرات يتقلبون في العذاب -والعياذ بالله- وأنت لا تغني عنهم من الله شيئاً، ولكنّك شفعت ودعوت لقوم أبو سنّور ففازوا ونجوا من عذاب الله، فلماذا فعلت ذلك وأنقذت الدوسيين وتركت الهاشميين.

(١) المصدر نفسه: ص٨.

٤١
حاشا وكلا، هذه ليست ارادة الله ولا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن هذا قول ابن تيمية وحكم السلفية بآباء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، عليه ما يستحق من الله يوم الحساب.

وأما موقفه من أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، فإنّنا نقلنا لُمعاً منها لا سيما ما جاء به بحق أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وسيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) وخصومتها مع الشيخين، والإمام الحسين ونهضته المباركة.. لكل ذلك له آراء واضحة وصريحة.. وأقوال قبيحة تخبرك عما انطوى عليه الرجل من البغض والنصب البغيض.

فإنّه كان مؤيداً لكل أعداء رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم جميعاً)، ومبرراً لأعمالهم المادية، بل والمحاربة بحجج واهية وأقوال داهية ليس فيها نور، بل كلها قبساً نارياً من ديجور.. معللاً ذلك بالتأويل المحض.. اسمعه يقول:

وأما أهل التأويل المحض -كمعاوية ويزيد- فأولئك مجتهدون مخطئون، خطأهم مغفور لهم (عند ابن تيمية وليس عند الله) وهم مثابون على ما احسنوا فيه من حسن قصدهم واجتهادهم في طلب الحق واتّباعه(١).

وعليه فإنّ معاوية لم يخرج على إمام زمانه الإمام علي (عليه السلام)

(١) رأس الحسين (عليه السلام) لابن تيمية: ص٢٠٤.

٤٢
ويحاربه، بل معاوية كان مجتهداً يطلب الحق، والإمام علي (عليه السلام) كان يحارب لأجل نفسه وحبّه للرئاسة والتملك على رقاب الناس بالسوط والسيف.. لاحظ حاصل كلامه في منهاج السنّة:

وعلي رضي الله عنه لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإنّما كان رأياً رآه، وهو الذي ابتدأ أهل صفين في القتال، وعلي إنّما قاتل الناس على طاعته لا على طاعة الله.

فمن قدح في معاوية بأنّه كان باغياً، قال له النواصب: علي أيضاً كان باغياً ظالماً، قاتل المسلمين على إمارته وصال عليهم.. فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون.

والله تعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(١).

ويكمل استشهاده معلقاً على الآية: فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة -أي أنّ الإمام علي (عليه السلام) من أهل الشقاء عنده- وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ومانعي الزكاة: فإنّ الصدِّيق إنما قاتلهم على طاعة الله

(١) القصص: ٨٣.

٤٣
كتاب الوهابية جذورها التاريخية.. مواقفها من المسلمين لـ حسين أبو علي (ص ٤٤ - ص ٦٤)

٤٤
يبرره له، وولده يزيد يقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ويعذره بذلك، لأنّ باب التأويل مفتوح، والاجتهاد مطلق.

فالحسنان إمامان، وسبطان، وريحانتا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وابناه من دون الأبناء قُتلا بسيف جدهما، كما أفتى شريح القاضي ليرضي أسياده الأمويين ويغضب الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلّم) وربّ العالمين والعياذ بالله.

ويطول بنا المقام لو استقصينا موقفه من أهل البيت (عليهم السلام)، ولكنه أُشرب في قلبه حبّ بني أميّة أسياده، لا سيما الحكام الظلام -كبني إسرائيل حين أُشرب في قلوبهم حبّ العجل- فراح يبرر كل جرائمهم حتى يزيد الذي لم يبرر أحد جرائمه، وقال ولده معاوية الثاني عنه.. إنّ أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وقبيح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول وأباح الحرمة، وحرق الكعبة(١).

المدينة ووقعة الحرة.. وهي أشهر من نار على علم في التاريخ الإسلامي، حيث بعث يزيد -لعنه الله- مسرف بن عقبة، قتل الرجال وسبى الذراري، واستباح المدينة ثلاثة أيام لجنوده، حتى ولدت ألف امرأة دون أنْ يعلم أحد آبائهم، وأخذ البيعة أخيراً من أهل المدينة على أنّهم عبيد أرقاء ليزيد بن معاوية، ومن أبى ذلك ضرب عنقه.

(١) تاريخ اليعقوبي: ٢/٢٥٤.

٤٥
والمدينة حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وفيها أصحابه الذين قال بحقهم ابن تيمية: المهاجرين والأنصار (من طعن فيهم فهو أضلُّ من حمار أهله) ولكنه يقول مفنداً وقعة الحرَّة:

لكنه -أي يزيد- لم يقتل جميع الأشراف ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبي(١).

واويلاه!! هل تريد أن يحصل ذلك، أو أنّك متحسّر إذ لم يصل الأمر إلى هذه الفظاعة؟

وأمّا حريق الكعبة من قبل الجيش الأموي بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي عندما حاصر عبد الله بن الزبير في الكعبة فرماها بالمنجنيق والنار حتى أحرقها ودمرها تماماً، يقول ابن تميمة مبرراً فعلة يزيد بماحاصله: إنّ حريق الكعبة لم يقصده يزيد، وإنّما مقصوده حصار ابن الزبير، والضرب بالمنجنيق كان له لا للكعبة، ويزيد لم يهدم الكعبة، ولم يقصد إحراقها، لا هو ولا نوابه باتفاق المسلمين(٢).

اللهم هذا كذب وافتراء على المسلمين.. ونحن من المسلمين ولم نتفق معهم على أي من هذه الأعمال المنكرة، والأفعال الباطلة.. لأنّه

(١) منهاج السنة: ٢/٢٥٣.

(٢) انظر منهاج السنّة: ٢/٢٥٤.

٤٦
لم يتفق على هذا إلا ابن تيمية وتلاميذه حتى ابن عبد الوهاب.. ولكن من له مسكة من عقل، أو إثارة من دين، أو نسمة من تقوى أو ورع لا يمكن أنْ يتلفظ به أبداً.

ولكن الطامة الكبرى حيث يقول: فمن أين يعلم الإنسان أنّ يزيد أو غيره من الظلمة لم يتب من هذه، أو لم تكن له حسنات ماحية(١).

واترك التعليق لك يا عزيزي القارئ على كلام شيخ الإسلام السلفي أحمد بن تيمية، ولا شك عندي أنّك منصف وعاقل. وحتى لا أبقيك بحيرتك أنقل إليك كلمات من رسالة وجهها العلامة الذهبي لابن تيمية شخصياً ومباشرة يقول فيها:

«يا خيبة من اتّبعك، فإنّه معرض للزندقة، والانحلال، لاسيما إذ كان قليل العلم والدين باطوليّاً شهوانياً...، فهل معظم اتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم، فإنْ لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل"(٢).

وهذا ابن حجر العسقلاني ينقل في درره أنّه نودي على ابن تيمية في دمشق: «من اعتقد عقيدة ابن تيمية حلَّ دمه وماله"(٣).

(١) منهاج السنّة ٢/٢٥٢.

(٢) تكملة السيف الصقيل للكوثري: ٢١٨.

(٣) الدرر الكامنة لابن حجر: ١/٨٩.

٤٧
وذاك ابن حجر الهيتمي يقول: «ابن تيمية عبد خذله الله، وأضله، وأعماه وأصمه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله"(١).

هذا غيض من فيض، قطرة من يم، أو ذرة من جرم، مما جاء عن هذا العبد المخذول الضال على ألسنة العلماء والأعلام.

ثانياً: محمد بن عبد الوهاب


من هو محمد بن عبد الوهاب؟

هذا الذي صار أشهر من مسيلمة الكذاب، وشريكته سجاح، من هو.. ومن أين.. ولماذا هذا الشخص وأفكاره الهدامة؟!

هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي.

نشأ في بلدة العينية من بلاد نجد، قرأ الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، وكان من صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون.

سافر إلى مكة ثم سافر إلى المدينة، واشتغل بالدراسة عند الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن يوسف، وأظهر الإنكار على الاستغاثة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عند قبره، ثم رحل إلى نجد، ثم أتى البصرة يريد الشام، فلما ورد البصرة، أحسّ المسلمون بذلك، فأخرجوه منها، فخرج

(١) الفتاوى الحديثية: ١١٤.

٤٨
هارباً، وبعد مدّة جاء إلى بلدة حريملة من نجد، وكان أبوه في تلك البلدة، فجعل ينكر على مسلمي أهل نجد عقائدهم، فنهاه أبوه، فلم يمتنع حتى مات أبوه، فتجرأ على إظهار عقائده والإنكار على المسلمين، وتبعه حثالة من الناس، إلى أنْ ضجَّ الناس، وهمّوا بقتله.

فخرج قاصداً العيينة، ورئيسها يومذاك عثمان بن أحمد بن معمَّر، فأطمعه ابن عبد الوهاب في ملوكية نجد فساعده عثمان، فتظاهر الرجل بنواياه وهدم قبر زيد بن الخطاب، فعظم أمره، وبلغ الخبر إلى صاحب الأحساء والقطيف سليمان بن محمد بن عزيز، فأرسل سليمان كتاباً إلى عثمان يأمره بقتل الرجل، فلمّا ورد الكتاب إلى عثمان أرسل إلى محمد بن عبد الوهاب وأخبره وأمره بالخروج من البلدة، فخرج الرجل إلى الدرعية وذلك سنة ١١٦٠ه‍.

الدرعية هو المكان الذي خرج منه مسيلمة الكذاب، وأظهر الفساد، وكان صاحبها محمد بن سعود من قبيلة عنيزة، فتوسل الرجل بامرأة الحاكم إليه، وأطمعه بالغزو للغلبة على بلاد نجد، فبايعه محمد بن سعود على سفك دماء المسلمين، وجعل ابن سعود يجهِّز لنصرته الجيوش، ويؤلّب لترويج طريقته العساكر حتى استقام أمره، فكتب إلى رؤساء بلاد نجد وقضاتها يطلب منهم الطاعة والانقياد، فأجابه قوم وأهمله آخرون، فجهّز الجيش من أهل الدرعية، وقاتلهم وقتل من خالفه من المسلمين حتى دخل البعض

٤٩
إلى طاعته طائعين ومكرهين، وتمت إمارة بلاد نجد لآل سعود بالسيف والغلبة، حتى مات ابن عبد الوهاب سنة ١٢٠٦ه‍.

وبقي دينه الجديد، ودافعت الحكومة السعودية عن هذا المبدأ، وقاتلوا المسلمين، وقتلوا ودمّروا، وأحرقوا، وأفسدوا في البلاد والعباد، وجرت منهم الويلات على المسلمين، وما قتلوا في هذه المدة خارجاً عن الدين، بل كان جميع المقتولين موحدين يشهدون أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وذنبهم الوحيد أنّهم لا يعتنقون المبدأ الجديد الذي اخترعه ابن عبد الوهاب واعتقد به(١).

(١) ذكر ذلك السيد محمد كاظم القزويني في تقديمه لكتاب البراهين الجلية لمحمد حسن القزويني: ٤-٥، اقتباساً من تاريخ نجد لابن الالوسي.

٥٠
٥١

المستر همفر وصناعة الوهابية


هذا مختصر سريع عن محمد بن عبد الوهاب وفيه الخطوط العامة والعريضة، أمّا الخصوصيات لذاك الشخص فإنّها أعظم وأعجب ممّا تتصور، نقتطف بعضها من مذكرات صديقه وصانعه الفكري، أعني: ذاك الجاسوس البريطاني المسمّى (المستر همفر) اسمعه كيف يصف محمد بن عبد الوهاب، ويشرح بعض أعمالهما.

تعرّف همفر على محمد بن عبد الوهاب في البصرة وعند أحد أصحاب الدكاكين: «تعرفت على شاب كان يتردد على هذا الدكان يعرف اللغات الثلاث، التركية والفارسية والعربية، كان في زي طلبة العلوم الدينية، وكان يسمّى بـ (محمد بن عبد الوهاب) وكان شاباً طموحاً للغاية، عصبي المزاج، ناقماً على الحكومة العثمانية».

ويقول: «كان (محمد بن عبد الوهاب) شاباً متحرّراً بكل معنى الكلمة، لا يتعصّب ضدّ الشيعة، كما أنّه لم يكن يرى أي وزن لأتباع المذاهب الأربعة المتداولة بين أهل السنة، ويقول: إنّها ما أنزل الله بها من سلطان».

ويقول: «كان الشاب الطموح (محمد) يقلّد فهم نفسه في فهم القرآن والسنّة، ويضرب بآراء المشايخ لا مشايخ زمانه والمذاهب

٥٢
الأربعة فحسب، بل بآراء أبي بكر وعمر أيضاً عرض الحائط إذا فهم هو من الكتاب على خلاف ما فهموه، وكان يقول: إنّ الرسول قال: إنّي مخلّف فيكم كتاب الله والسنة. ولم يقل: إني مخلّف فيكم كتاب الله والسنّة والصحابة والمذهب، ولذا فالواجب اتّباع الكتاب والسنّة مهما كانت آراء المذاهب والصحابة والمشايخ مخالفة لذلك».

إلى أن يقول: «لقد وجدت في (محمد الوهاب) ضالتي المنشودة، فإنّ تحرره، وطموحه، وتبرّمه من مشايخ عصره، ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن والسنة.. كان أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن أتسلل منها إلى نفسه.. وأين هذا الشاب المغرور من ذاك الشيخ التركي الذي درست عنده في تركيا، فإنّه كان مثال السلف كالجبل لا يُحرّكه شيء.

(الشيخ محمد الوهاب) كان يزدري بأبي حنيفة أيّما ازدراء، وكان يقول عن نفسه: إنّني أكثر فهماً من أبي حنيفة.. »! وكان يقول: إنّ نصف كتاب البخاري باطل!

لقد عقدت بيني وبين (محمد) أقوى الصِلات والروابط، وكنت أنفخ فيه باستمرار وأبين له أنّه أكثر موهبة من (علي وعمر) وأنّ الرسول لو كان حاضراً لاختارك خليفة له دونهما، وكنت أقول له

٥٣
دائماً: آمل من تجديد الإسلام على يدك، فإنّك المنقذ الوحيد الذي يرجى به انتشال الإسلام من هذه السقطة.

وقد قررت مع (محمد) أنْ نناقش في تفسير القرآن على ضوء أفكارنا الخاصّة، لا على ضوء فهم الصحابة والمذاهب والمشايخ، وكنّا نقرأ القرآن ونتكلم عن نقاط منها كنت أقصد من ورائها إيقاع (محمد) في الفخ، وكان هو يسترسل في قبول آرائي ليظهر نفسه بمظهر المتحرر وليجلب ثقتي أكثر فأكثر.

وهكذا راح المستر يُشكّك هذا الشاب المغرور بالعقائد الإسلامية والإيمانية واحدة تلو أخرى. فأبطل له حقها، وأحق الباطل مكانها، وأحلّ الحرام وحرّم الحلال وكل ذلك يتدرج خطوة خطوة إلى أنْ استحكم الفتل على رقبة الشيخ».

١- إبطال الجهاد:

«قلت له ذات مرة: الجهاد ليس واجباً، قال: وكيف وقد قال الله {جَاهِدْ الْكُفَّارَ}؟

قلت: الله يقول: {جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ}، فإذا كان الجهاد واجباً لماذا لم يجاهد الرسول المنافقين؟

قال: جاهدهم الرسول بلسانه.

قلت: إذاً، فجهاد الكفار أيضاً واجب باللسان.

٥٤
قال: لكن الرسول حارب الكفار.

قلت: حرب الرسول كان دفاعاً عن النفس حيث إنّ الكفار أرادوا قتل الرسول فدفعهم. فهزّ (محمد) رأسه علامةً للرضا».

٢- حلّية المتعة:

للأسف، الكفار يقتنعون ويقنعون المسلمين بالمتعة، وما زال السواد الأعظم من المسلمين يحرمونها لكلمة قالها عمر بن الخطاب يوماً، فكيف أقنع المستر الشيخ بالمسألة؟؟

«وقلت له ذات مرة: متعة النساء جائزة؟

قال: كلا.

قلت: فالله يقول: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}؟

قال: عمر حرّم المتعة قائلاً: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما.

قلت: أنت تقول: أنا أعلم من عمر، فلماذا تتّبع عمر؟ ثم إذا قال عمر أنّه حرّمها وأنّ الرسول أحلّها فلماذا تترك رأي القرآن ورأي الرسول وتأخذ برأي عمر؟

فسكت، ولّما وجدت سكوته دليل الاقتناع وقد أثرت فيه الغريزة الجنسية (ولم تكن له إذ ذاك زوجة) قلت له: ألا نتحرر أنا وأنت ونتخذ (متعة) نستمتع بها.

٥٥
فهزَّ رأسه علامة الرضا.. وقد اغتنمت أنا هذا الرضا أكبر اغتنام.. وقرّرت موعداً لآتي له بامرأة ليتمتع بها، وكان همي أنْ أكسر خوفه من مخالفة الناس، لكنّه اشترط عليَّ أنْ يكون الأمر سراً بيني وبينه وأنْ لا أخبر المرأة باسمه.

فذهبت فوراً إلى بعض النساء المسيحيات اللاتي كنّ مجنّدات من قبل وزارة المستعمرات لإفساد الشباب المسلم، ونقلت لها كامل القصة، وجعلت لها اسم (صفية) وفي يوم الموعد ذهبت بالشيخ (محمد) إلى دارها، وكانت الدار خالية إلا منها فقرأنا أنا والشيخ العقد لمدة أسبوع، وأمهرها الشيخ نقداً ذهبياً.

فأخذت أنا من الخارج، و (صفية) من الداخل، نتراوح على توجيه الشيخ محمد عبد الوهاب».

٣- تحليل الخمر:

لأنّها أحد أهم الموارد للسيطرة على الإنسان، وهي تفسد له عقله وتشلّ إرادته، وتهدم جسده، والخمر من الأسلحة الأساسية مع النساء والدولار للفساد والإفساد.

وبعدما أخذت (صفية) من محمد كل مأخذ، وتذوّق محمد حلاوة مخالفة أوامر الشريعة تحت غطاء الاجتهاد والاستقلال في الرأي والحرية.

٥٦
وفي اليوم الثالث من (المتعة) أجريت مع (محمد) حواراً طويلاً عن (عدم تحريم الخمر)، وكلَّما استدلَّ بالآيات القرآنية والأحاديث زيفتها، وقلت له أخيراً: لقد صحَّ أنّ معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العباس كانوا يتعاطون الخمر، فهل من الممكن أنْ يكون كل أولئك على ضلال وأنت على صواب، إنّهم لا شك كانوا أفهم لكتاب الله وسنّة الرسول ممّا يدلّ على أنّهم لم يفهموا التحريم، وإنّما فهموا الكراهة والإعافة، وفي الأسفار المقدسة لليهود والنصارى إباحة الخمر، فهل يعقل أنْ يكون الخمر حراماً في دين وحلالاً في دين، والأديان كلها من عند إله واحد؟

ثمّ إنّ الرواة رووا أنّ عمر (بن الخطاب) شرب الخمر حتى نزلت الآية {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُون}ولو كانت الخمرة حراماً لعاقبه الرسول، فعدم عقاب الرسول دليل الحليّة.

أخذ يسمعني (محمد) بكل قلبه، ثم تنهّد وقال: بل ثبت في بعض الأخبار أنّ عمر (ابن الخطاب) كان يكسر الخمر بالماء ويشربها، ويقول: إن سكرها حرام.. ولا، إذا لم تكن تسكر.

ثمّ أردف الشيخ قائلاً: وكان عمر صحيح الفهم في ذلك، لأنّ القرآن يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الصَّلاةِ} فإذا لم تسكر الخمر لم تفعل هذه الأمور التي ذكرت في الآية وعليه فلا

٥٧
نهي عن الخمر إذا لم تكن مسكرة.

أخبرت (صفية) بما جرى، وأكدت عليها أنْ تسقي الشيخ في هذه المرّة خمرة مغلَّظة، ففعلت وأخبرتني بعد ذلك أن الشيخ شرب حتى الثمالة وعربد وجامعها عدّة مرات في تلك الليلة، وقد رأيت أنا آثار الضعف والنحول عليه غداة تلك الليلة، وهكذا استوليت أنا وصفية على الشيخ استيلاءً كاملاً».

ويعلّق على هذه الحادثة قائلاً: «يا لها من كلمة رائعة تلك الكلمة الذهبية التي قالها لي وزير المستعمرات حين ودعته: إنّا استرجعنا إسبانيا من الكفار (يقصد المسلمين) بالخمر والبغاء فلنحاول أنْ نسترجع سائر بلادنا بهاتين القوتين العظيمتين.

فالخمرة أُمّ الخبائث، والنساء أصل المفاسد، فإذا شربت الخمرة وصارت أمراً عادياً، وصارت النساء تباع بالشوارع كأرخص أنواع الأحذية، هكذا تسقط الأمّة تحت أقدام أعدائها».

٤- إبطال الصوم:

«ذات مرة تكلمت مع الشيخ عن الصوم وقلت له: إنّ القرآن يقول: {وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم} ولم يقل أنّه واجب عليكم، فالصوم بنظر الإسلام مندوب وليس بواجب.

لكنّه قاوم الفكرة، وقال: يا محمد تريد أن تخرجني من ديني.

٥٨
قلت له: يا وهاب، إنّ الدين هو صفاء القلب، وسلامة الروح، وعدم الاعتداء على الآخرين، ألم يقل النبي: الدين الحب؟ وألم يقل الله في القرآن الحكيم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}؟ فإذا حصل للإنسان اليقين بالله وباليوم الآخر، وكان طيّب القلب نظيف العمل، كان من أفضل الناس. لكنّه هزَّ رأسه علامة للنفي وعدم الارتياح».

صحيح إنّه لم يقتنع لأنّ بذلك يخرج من الدين إلا أنّ المستر الخبيث شكك الشيخ بالصوم ووجوبه.

٥- التشكيك بالصلاة:

«ومرة أخرى قلت له: الصلاة ليست واجبة.

قال: وكيف؟

قلت: لأنّ في القرآن يقول الله: {وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}.. فالمقصود من الصلاة ذكر الله تعالى، فلكَ أنْ تذكر الله تعالى عوضاً عن الصلاة.

قال وهاب: نعم، سمعت أنّ بعض العلماء كانوا يذكرون الله تعالى في أوقات الصلاة عوضاً عن الصلاة.

ففرحت لكلامه أيّما فرح.. وأخذت أنفخ فيه هذا الرأي حتى ظننت إني استوليت على لُبّته، وبعد ذلك وجدته لا يهتم بأمر الصلاة،

٥٩
وأحياناً لا يصلي، خصوصاً في الصباح، فإنّه كان يترك الصلاة غالباً، حيث كنت أسهر معه إلى بعد منتصف الليل غالباً، فكان منهوك القوى عند الصباح، فلا يقوم للصلاة.

وهكذا أخذت أسحب رداء الإيمان من عاتق الشيخ (إنْ كان عنده إيمان) شيئاً فشيئاً، وأردت ذات مرة أنْ أناقش حول (الرسول) لكنّه صمد في وجهي صموداً كبيراً، وقال لي: إنْ تكلمت بعد ذلك حول هذا الموضوع قطعت علاقتي بك. وخشيت أنْ ينهار كل ما بنيته، ومن أجل ذلك أحجمت عن الكلام عن الرسول».

إلا أنّ تلميذك يا مستر تجرَّأ وفتح الباب إلى تلاميذه حتى قال قائلهم: إنْ عصاه خير من رسول الله -والعياذ بالله-.

«لكن أخذت في إذكاء روحه في أنْ يكوِّن لنفسه طريقاً ثالثاً غير السنّة وغير الشيعة، وكان يستجيب لهذا الإيحاء كل استجابة؛ لأنّه كان يملأ غروره وتحرره.

وبفضل (صفية) التي دامت علاقتها معه بعد الأسبوع أيضاً في (متعات جديدة) تمكنّا في الأخذ بقيادة الشيخ كاملاً.

وذات مرة قلت للشيخ: هل صحيح أنّ النبي آخى بين أصحابه؟ قال: نعم.

قلت: هل أحكام الإسلام وقتية أم دائمة؟

قال: بل دائمة؛ لأنّ الرسول يقول: حلال محمد حلال إلى يوم

٦٠