×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الوهّابيّون والبيوت المرفوعة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
كتاب الوهّابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ الهمداني السنقري (ص ١ - ص ٣٣)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(في بيوت أذن الله أن تُرفعَ ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والاصال)

(رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلبُ فيه القلوب والابصار)

القرآن الكريم، سورة النور (٢٤)، الايتان (٣٦ ـ ٣٧)

٥

المؤلّف والكتاب

المؤلّف:

ولد في السابع من جمادى الاُولى عام ١٢٩٣، وكان والده من علماء مدينة همدان في غرب إيران، فأخذ منه ومن جمع من علماء عصره وتعلّم اللّغات المختلفة منها «العبرية والسريانية، عند أحد القساوسة الذي اعتنق الاسلام، وهو فخر الاسلام صاحب (أنيس الاعلام) فكان يحاجج اليهود والنصارى، بما في كتبهم، وهدى الله جمعاً منهم إلى الاسلام على يديه وهاجر إلى المحاضر العلمية، وأخذ منها ما يروي الغلة.

ثمّ استقر في مدينة (سنقر) الكردستانية في إيران، لتبليغ الاسلام، فكانت له محاضر ومجالس ضخمة، وعلى يديه اهتدى جمع كثير من اصحاب المذاهب الاُخرى لقوة حجّته وسلامة منطقه.

وتوفي في شهر محرم عام ١٣٧٨هـ في زيارة له إلى العراق، له مؤلّفات عديدة، نشر بعضها.

٦

هذا الكتاب:

الّفه الشيخ العلامة السنقريّ، لمّا قام اصحاب الفرقة بهدم بعض المساجد والبيوت المنسوبة إلى زوجات النبي اُمهات المؤمنين وبعض الصحابة الكرام، وكذلك ما كان لاهل البيت النبويّ الطاهر وقرباه، من البيوت والمشاهد والقباب التي كانت تظلّل قبورهم، ويستظلّ بها الذين كانوا يصلون إلى هذه الاماكن لتجديد الذكرى بأصحابها.

مع أن القاصدين لهذه المواضع كانوا من طوائف المسلمين والمذاهب المختلفة وكلها تجوّز قصدها للتقرّب إلى الله عزّوجلّ بتجديد العهد مع الله بمشاهدة تلك الاماكن التي وقعت فيها حوادث السيرة النبويَّة، ووضعت فيها جثثت شهداء الاسلام، ومع أن الفقهاء للمذاهب يجوّزون زيارة تلك المواضع، اعتماداً على أدلة الكتاب والسنّة والاجماع إلاّ أن الدعاة حاولوا تحكيم رأيهم وفرض فتاواهم، على سائر المسلمين، ولقد قاموا بهدم تلك البيوت، على فتاوى من علمائهم.

وقد ألّف علماء المسلمين في هذا كتباً قيّمة، للاستدلال على بطلان تلك الفتاوى ومنها هذا الكتاب.

وقد احتوى على الاجابة عن كل الادلّة التي ذكرها مؤسس الفرقة وإمامها في كتابه الموسوم بـ (كشف الشبهات) وهو أهم كتبه في هذا الباب.

قدّم المؤلّف لكتابه مقدمة قصيرة، مركّزاً على أهم ما قصدهُ في جوابه هذا.

ثمّ بناه على مقامات ثلاثة:

المقام الاول: في أنّ مجرّد دعاء شخص لشخص، ليس عبادة من الداعي، للمدعوّ، فالعبادة تحتاج إلى أكثر من مجرّد الدعاء، وهو قصد العبودية من الداعي والالوهية في المدعوّ:

٧
فالاستغاثة بالانبياء والائمة والاولياء بجعلهم وسائط إلى الله، لقربهم منه، ليس عبادة لهم، بل هو عبادة له، لانّه أمرنا بهذا.

ومثل ذلك الاستشفاع بهؤلاء.

ثم أثبت الادلة على ثبوت الشفاعة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجاب عن أدلّة الوهابيّة في إنكارها وكل ذلك في المقام الثاني.

وأثبت أنّ الاستشفاع يتحقّق في الحيّ والميّت بلا فرق، لورود ذلك في الادعية والزيارات المأثورة، كما عليها سيرة الامة الاسلامية، مدى العصور والقرون الاُولى التي هي خير القرون، وعلى طول الاعوام المتعاقبة.

ولانّ الذين يزورهم المسلمون: أحياء في قبورهم يرزقون، بنصّ الكتاب والسنّة.

وفيه الردّ على التفريق بين الحياة والموت في شأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والتوسّل به.

وكذا الدعوى على المسلمين كافة، بقصد الشرك وغيره من الباطل، رجماً بالغيب وافتراء وبهتاناً.

وفي المقام الثالث: أتيت الاوامر الشرعيّة بالتوسل والاستغاثة وزيارة الاموات وبناء الضرائح والقباب.

والجواب عن الشبهات بدعوى أن البناء تصرّف في الارض المسبلة والوقف.

وإثبات أنّ قباب آل البيت في البقيع، كانت ملكاً لهم، لا وقفاً مُسبّلاً.

والاجابة عن شبهة تسنيم القبور، وعن حرمة زيارة القبور.

وفيه شىء من انتهاك اولئك لحرمات الاموال والدماء عندما سيطروا على الحرمين والطائف.

٨
وفي الخاتمة: أورد المؤلّف الاحاديث النبوية التي دلّت على ظهور هذه الفرقة، وحذّرت منها، وهي من (دلائل النبوّة ومعاجزها).

إن المؤلّف العلامة، عرض جميع هذه المواضيع، بشكل هادىء، ومستند وقويّ، وأوجز في العرض بشكل رائع وواضح.

وناقش بحجج علمية متينة، ممّا دلّ على امتلاكه لازمّة العلم والتحقيق.

عـملنا:

وقد قمنا بإخراج الكتاب في حلّة حديثة، مع التعريف بالمؤلّف، وتوزيع الكتاب بشكل فنّي، ووضع العناوين اللازمة في مواقعها بين المعقوفتين.

كما قمنا بتخريج الاحاديث المهمة للتسهيل والتوثيق.

وعملنا فهارس للايات والاحاديث والالفاظ تسهيلاً على المراجعين.

والحمد لله على إحسانه ونسأله الرضا عنا بجلاله وإكرامه إنّه ذو الجلال والاكرام.

لجنة التحقيق

٩
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[المقدّمة]

الحمدُ لله الذي توحيدُه في تنزيهه، وغاية معرفته في تقديسه. تفرّد بالكبرياء والاحَديّة، وتسربل بالعظمة والمعبوديّة.

والصلاة والسلام على من اصطفاه الله واختاره واجتباه، ختم به النبوّة، وحباه بالوسيلة والشفاعة، فصدع بأمره في أُمّته، وقَرَنَ بين كتاب الله وعترته، بعد أن اختصّهم بفرض المودّة واتّباع الاُمّة.

محمّد وآله الذين صلّى الله عليهم وسلّم تسليماً، وأذْهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وبعدُ: فإنّي بعدما أسلفتُ شطراً من الكلام فى الجواب عمّا كان قد نسجته أوهام ابن تيميّة في شبهاته، وأورده في «منهاج سُنّته» فقد ظفرت اليوم برسالة اُخرى للمقتفي آثاره مرجع الوهّابيّين «محمد بن عبد الوهاب» الموسومة بـ «كشف الشبهات» في التشكيك بالمتشابهات.

فمحصّل الجواب عمّا نسجه بوهمه وتشكيكه في رسالته لمعنى العبادة والشرك ; بأنّ دعآء الغير عبادة له، والتوسّل به عبوديّة له، منافية لتوحيد الله والاخلاص به.

١٠

[الفرق بين الدعاء، والعبادة]

هو أنّه لا ريب في أنّ مطلق الدعاء للغير ليس عبادة له ولا مطلق الاستغاثة والاستعانة به عبوديّة له ; ضرورة افتقار العباد في حاجاتهم ونيل أمورهم في عاديّاتهم، بل وفي عباديّاتهم، كما أمر الله تعالى بالتعاون على البرّ والتقوى.

وكذا لاشبهة في أنّ مطلق الخضوع والانقياد وخفض الجناح لغيره تعالى، ليس بعبادة له، ومنافية لتوحيد الله والاخلاص له تعالى.

فلو كان مطلق التعاون والاستعانات والاستغاثات والتوسّلات شِركاً، لكان الوّهابيّون بذلك أوّل المشركين. ولو كان مطلق الخضوع والانقياد والخفض للغير شركاً في عبادة الله، لما أمر الله تعالى به، ولكان الامر بالسجدة في قوله تعالى لملائكته: (اُسجُدُوالادَمَ) أمراً بالشرك؟!

وكان لابليس أن يعترض عليه سبحانه في ذلك، فيقول:

ياربِّ لِمَ تأمُرني بالسجودِلِغيِرِك، وهوالشرك المنافي لتوحيدك والاخلاص لك!

ولكان الاستدلال بذلك أولى من استدلاله بالقياس الفاسد.

ولكان إبليس بامتناعه هذا من السجدة أوّل الموحّدين، كمازعمه جمع من الصوفيّة، وقاله بعضهم في «فصوص حكمه»، وتبعه أتباعه في شروحهم عليه، فالمدار على الحقائق دون الصور !

فلو كان مطلق الخضوع شركاً وعبادة للغير، لكان خضوع العبيد للموالي والرعايا للرؤساء والملوك، والزوجات للازواج والتلميذ للمعلّم، كلّها خضوعاً لغير الله وشركاً به وعبادة لغيره !

ولم يقل به أحد، ومعه لا يقوم حجر على حجر.

١١
ولو كان ذلك شِرْكاً في عبادته، لكان تقبيل الحجر الاسود واستلامه عبادته !

ولكان مسّ الاركان والتبرّك بها عبادتها !

ولكان أمر الله لبني إسرائيل في أريحا يوم دخول القرية بالخضوع لباب حطّة.

وأمر الله نبيّه بخفض الجناح لمن اتّبعه من المؤمنين.

وأمر الله عباده بالخفض للوالدين، والزوجة للزوج. كل ذلك أمراً بالشرك؟!

ولكان يعقوب وولده بسجودهم ليوسف حين خرّواله ساجدين، وكلُّ من أُولئك في خضوعهم المأمورين به مشركين ؟ !

وذلك لوضوح أنّ كلّ هذا إنّما هو عبادة الامر بها، لا عبادتها إيّاها.

سبحان الله.

ما أجهل المعترضين على الايات، وما أغفلهم عن البيّنات.

وما أشدّ إعراضهم عن المحكمات إلى المتشابهات.

[حقيقة العبادة]

فليس ذلك إلاّ لانّ العبادة ليس المراد منها معناها اللغوي ـ أعني مطلق الطاعة والدعاء ـ. بل إنّما حقيقة العبادة هي مجرّد الطاعة والامتثال لامر الله الواجب وجوده، العظيم لذاته ; ونفسُ الانقياد وإتباعه بكلّ ما أمر به دعاءً كان أو نداءً أو خضوعاً أو سجدة أو توسّلاً أو استشفاعاً إلى غير ذلك، ممّا يرجع إليه بالاعتبار اللفظي أو العقلي أو العادي. وتدور العبادة والشرك ـ وجوداً وعدماً ـ مدار الطاعة والانقياد بقصد الامتثال والاستقلال في المألوهية ; بمعنى أنّ العبادة

١٢
هي ما قُصد به الامتثال بداعي الامر بها مطلقاً.

[حقيقة الشرك]

وأمّا الشرك: فهو تشريك الغير بالاستقلال في المعبوديّة، واتّخاذه دون الله أو مع الله بالالوهية. فما هذا التمويه والمغالطة؟! وما هذا الخلط الظاهر وخبط العشواء؟! وما أغفلهم عن كلمات الله؟! وليتهم تعلّموا من إبليس ; حيث إنّه لم يَرَ الامر بالسجدة للغير شرْكاً بالله منافياً لتوحيده تعالى.

بل، ودرى بها ـ من حيث إنّها مأمور بها ـ عين توحيده وعبوديّته، فلم يردّ على الله بشيء من ذلك، إلاّ باختياره عصيانه ومخالفته، وسلوكه مسلك الاستكبار بحسده وعُتُوّه وكِبْره وغُلُوّه، ولذلك طغى وعصى وتمرّد وأدبر واستكبر فكفر.

[منكرو الشفاعة]

وأمّا الذين ينكرون ويجحدون ما جاء في مأثور السُّنّة ; من الاستشفاع إلى الله بالانبياء والاولياء، فحق أن يُتلى فيهم قوله تعالى: (أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَ آتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً).

فلا يُغرّنّك الانتساب إلى التوحيد، ولا تلاوة آيات الله المجيد.

ولا تحكُمْ بأوّلِ ما تراهُ * فأوّلُ طالع فجرٌ كذوبُ

ها هنا مقامات

الاوّل: بيان جواز مطلق الدعاء للغير والاستعانة بالغير، وأنّها لا تكون شركاً

١٣
بالله وعبادة لغيره.

الثاني: ثبوت الشفاعة ـ من حيث الكبرى ـ للشافعين من الانبياء والمرسلين، بل وغيرهم من المؤمنين، وأنّها تعّم الاحوال والنشآت دنياً أو آخرة ; حيّاً كان الشفيع أو ميّتاً.

الثالث: ثبوتها ـ من حيث الصغرى ـ بالعمومات الواردة في الاستشفاعات والتوسّلات ; كتاباً وسُنّة وإجماعاً وعقلاً.

١٤

المقام الاوّل
[أن مطلق الدعاء ليس عبادةً ولا شركاً]

قد ظهر ممّا تقدّم في معنى العبادة والشرك ما يُعرف به فساد ما ادّعاه المتكلّف.

[هل الدعاء عبادة؟]

فقوله: «والدعاء مخّ العبادة...» إلى آخره.

تمويه في استدلاله بالمغالطة الواضحة، وما اكتفى به حتّى بنى عليها قذفه لعباد الله وموحّديه بالشرك والارتداد، وسعى في خراب العباد والبلاد، فهاك فصيح الجواب عنها بالاشارة إلى موضع تمويهه:

أمّا قوله: «فإنّ الدعاء مُخّ العبادة».

فمسلّم، كما هو المرويّ عن أئمّتنا ـ سلام الله عليهم ـ لكن هذه المغالطة غير مُجدية لدعواه، فإنّه إن جعلها صُغرى لقياسه ; بأن يقول: الدعاء مُخّ العبادة، وكلّ

١٥
عبادة لغير الله شِرك.

قلنا: وهل يخفى على أحد أنّ قوله ذلك لا يصحّ منه إلاّ قضيّة شخصيّة، وهي دعاء الله، فإنّ دعاءه يكون مخّ عبادته ; من حيث معرفته والالتجاء إليه، والاعتراف بأنّه الالـه الواحد القادر المطلق.

وأين هذا من دعائي ولدي، وأقول: يا فلان أعطني كذا، أو توسّط لي عند فلان بكذا.

هذا، وإن زعم أنّها كلّيّة ; بمعنى: أنّ كلّ دعاء من كلّ أحد لكلّ أحد في كلّ عنوان، هو عبادة له ومخّ العبادة.

فهذا الزعم واضح البطلان، فلينظر إلى أصحابه وعلمائه وأُمرائه، فكم يدعو وينادي الرجل منهم غيره، ويستعين به في حوائجه في حَلّهم وارتحالهم، وسلمهم وحربهم، وقضائهم وسياستهم.

فهل كلّ هذا عبادة لغير الله وشِرْك به؟! وهل كلٌّ منهم مشركون؟!

[الاستغاثة بالوسائط]

وأمّا قوله فيما استشهد به من قول الله في سورة القصص: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ).

فقد دلّت الاية على جواز الاستغاثة بالمخلوق في إبقاء الحياة ; وحفظ النفس من الهلكة; أولغيرذلك من الغايات، كمااستشهدبه هولذلك،وناقض به دعواه الاولى.

وأمّا دعواه جواز حصرها في أمر الدنيا وفيما هو المقدور للعباد من الاحياء بزعمه وقياسه.

فإنّما تردّها الايات المطلقة التي استدلّ بها على دعواه ; حسبما ادّعاه على أنّ

١٦
مطلق الاستعانة بالغير والابتهال إليه والتضّرع لديه شرْك به تعالى.

على أنّه يردّها قوله تعالى في غير موضع من القرآن (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ).

حيث دلّت الاية على لزوم الدعاء إلى الله في قضاء الحاجات، والنجاة من الهلكات منه سبحانه تعالى، وأنّ ما عداه شِرْك مُناف للاخلاص.

وعليه يلزم التناقض بين الايتين.

ودفعه لا يكون إلاّ بدعوى: أنّ الاستعانة بالغير على وجه الاستقلال والاستبداد ـ بإلغاء ذي الواسطة ـ فيكون شركاً مُنافياً للعبادة والخلوص، كما تقدّم في معنى الشرك.

وهذا من غير فرق بين جعل الواسطة في الاُمور المتعلّقة بهذه النشأة أو غيرها ; حيث إنّ الشرك حرام شرعاً وقبيح عقلاً، وحكم العقل ليس قابلاً للتخصيص ولا التبعيض، وقد قَبِله الشرع مع اتّحاد المناط في الحرمة.

[أدلة المنع من الاستشفاع]

فدعوى المتكلّف: أنّ الاستشفاع بغير الله شرك، مستدلاّ:

تارة بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ).

وأخرى بقوله تعالى: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَن اِرْتَضَى).

ومرّة بقوله تعالى في سورة سبأ:

(وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).

وتارة بقوله تعالى في سورة طه: (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً).

وأُخرى بقوله تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى).

١٧
إلى آخر ما استشهد به لدعواه.

[الردّ على ذلك]

فقد يردّها: أنّ الشفاعة من المعاني النسبيّة القائمة بالطرفين، نظير العقود والمعاملات القائمة بالموجب والقابل، فمتى لم يرضَ المُشفِّع، كما لو لم يشفع الشفيع، تقع الشفاعة لغواً.

فعدم الشفاعة تارة لفقد المقتضي، أعني قابليّة الشفيع للشفاعة، أو المشفَّع له.

أو لوجود مانع هناك ; أعني بلوغ المعصية إلى حدّ تمنع عنها حسبما نراه في المتعارفات الخارجية.

[الادلة على جواز الشفاعة]

مضافاً إلى دلالة غير واحدة من الايات عليه، مثل قوله: (إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح)الاية، حيث نهى الله نبيّه من الشفاعة في ولده ; لانّه قد بلغ في المعصية والمخالفة مالا تصحّ معها الشفاعة له.

ومثله قوله تعالى: أمّا في المنافقين ففي موضعين من القرآن:

أحدهما: في سورة براءة (التوبة): (إنْ تَسْتَغفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).

والاُخرى: في سورة المنافقين قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).

وأمّا في المشركين فقوله تعالى في سورة براءة (التوبة): (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)

١٨
، فتأمّل في قوله (مِنْ بعْدِ مَا تَبَيَّن) ولا تغفل.

وقال بعض المفسّرين في قوله تعالى في سورة المدثّر: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ): إنّ معناه لا شافع ولا شفاعة، فالنفي راجع إلى الموصوف والصفة معاً، والاية من باب (لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) من حيث إنّها سالبة بانتفاء الموضوع.

بل، وإذا اشتدّ المانع تجافى الشفيع عن الشفاعة.

وربّما ينقلب الشفيع خصيماً، كما في سورة نوح قوله تعالى: (رَبِّ إنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً)، وهذا معنى قوله: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) وقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)، فمتى صحّ الاذن صحّت الشفاعة، ومتى لم يأتِ الاذن تقع الشفاعة لغواً، والطلب من المشفَّع له باطلاً.

وهذا لا دخل له بحديث الشرك وتضمّن بعض الايات غايتها الدالة على أنّ العبادة للشفيع بإزاء شفاعته يكون شركاً باطلاً، لا أنّ جعل الشفيع يكون كفراً وارتداداً.

بل يكون أمراً راجحاً يحكم به ضرورة العقل، فضلاً عن الشرع، كما سيجيء بيانه في المقام الثاني.

[استدلال آخر لنفي الشفاعة]

وأمّا الجواب عن [استدلاله بـ ] قوله تعالى في سورة مريم: (لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً).

فليس في ظاهر الاية أنّ المقصود منها خصوص أنّ المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم، أو خصوص أنّهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم.

١٩
لانّ المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل، كذلك يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول.

إلاّ أن نقول: إنّ حمل الاية على الوجه الثاني أولى ; لانّ حملها على الوجه الاوّل يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإنّ كلّ أحد يعلم أنّ المجرمين الذين يُساقون إلى جهنّم وِرْداً، لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعيّن حملها على الوجه الثاني.

[الاية صريحة في إثبات الشفاعة]

بل الاية صريحة في الاستدلال بها للشفاعة لاهل الكبائر لقوله تعالى: (إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ) فكلّ من اتّخذ عند الرحمن عهداً بالتوحيد والاسلام أو الايمان بالله، فهو ممّن يجب أن يكون داخلاً تحت هذه الاية، فالاية بظاهرها حجّة عليهم، لالهم.

[التقرّب بالاصنام]

وأمّا قوله تعالى عن المشركين في سورة الزمر: (مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى).

فلوضوح أنّ المذمّة واللوم لم تكن على اعتقاد الشفاعة أو التقرّب إلى الله زُلفى، بل على العبادة الحقيقيّة منهم لاصنامهم، بأنّ لهم مع الله تعالى التصرّف الاستقلالي في الاكوان، وعلّلوها: بأنّا لا نقدر على عبادة الله، فنكتفي بعبادة هؤلاء الاصنام.

[الايات المانعة عن الاستشفاع خاصة]

وأمّا الجواب عن [الاستدلال بـ ]سائر الايات كلّها:

٢٠