×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 05) / الصفحات: ٥٦١ - ٥٨٠

نشاطاته الأخرى:

كان لمحمد بن عبد الرحمن نشاطات أخرى غير التأليف والتحقيق، حيث كان مناظراً، ومحاججاً للعامّة في أمر الإمامة، وكان دائماً صاحب الحجج القوية والبراهين القاطعة، ولهذا نقل المتكلّمون من علماء الإمامية مناظراته ومحاججاته في كتبهم، منهم الصدوق في إكمال الدين وإتمام النعمة، قال: وقال أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي، في نقض كتاب الإشهاد لأبي زيد العلوي: قال صاحب الكتاب ـ بعد أشياء كثيرة ذكرها لا منازعة فيها ـ : وقالت الزيدية والمؤتمّة (الإمامية الاثني عشرية): الحجة من ولد فاطمة بقول رسول الله ـ المجمع عليه في حجّة الوداع، ويوم خرج إلى الصلاة في مرضه الذي توفي فيه ـ : "أيّها الناس قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي، ألا إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، ألا وإنّكم لن تضلّوا ما استمسكتم بهما".

ثمّ أكدّ صاحب الكتاب هذا الخبر، وقال فيه قولاً لا مخالفة فيه، ثمّ قال بعد ذلك: إنّ المؤتمّه خالفت الإجماع، وادّعت الإمامة في بطن من العترة، ولم توجبها لسائر العترة، ثمّ لرجل من ذلك البطن في كلّ عصر.

فأقول ـ وبالله الثقة ـ : إنّ في قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ما يقول الإماميّة دلالة واضحة ; وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي" دلّ على أنّ الحجة من بعده ليس من العجم ولا من سائر قبائل العرب، بل من عترته أهل بيته، ثمّ قرن قوله بما دلّ على مراده، فقال: "ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض" فأعلمنا أنّ الحجة من عترته لا تفارق الكتاب، وإنّا متى تمسّكنا بمن لا يفارق الكتاب لن نضلّ، ومن لا يفارق الكتاب ممن فرض على الأمّة أنْ يتمسّكوا به، ويجب في العقول أن يكون عالماً بالكتاب مأموناً عليه، يعلم ناسخه من منسوخه، وخاصّه من عامّة، وحتمه من ندبه، ومحكمه من متشابهه ; ليضع كلّ شيء من ذلك موضعه الذي وضعه الله "عزّ

٥٦١

وجلّ" لا يقدّم مؤخّراً، ولا يؤخّر مقدّماً، ويجب أن يكون جامعاً لعلم الدين كلّه ليمكن التمسّك به والأخذ بقوله فيما اختلفت فيه الأمّة، وتنازعته من تأويل الكتاب والسنّة، ولأنّه إنّ بقي منه شيء لا يعلمه لم يمكن التمسّك به، ثمّ متى كان بهذا المحلّ أيضاً لم يكن مؤموناً على الكتاب، ولم يؤمن أن يغلط، فيضع الناسخ منه مكان المنسوخ، والمحكم مكان المتشابه، والندب مكان الحتم إلى غير ذلك ممّا يكثر تعداده، وإذا كان هكذا صار الحجّة والمحجوج سواء، وإذا فسد هذا القول صحّ ما قالت الإمامية من أنّ الحجة من العترة لا يكن إلاّ جامعاً لعلم الدين، معصوماً مؤتمناً على الكتاب، فإن وجدت الزيدية في أئمّتها من هذه صفته فنحن أوّل من ينقاد له، وإنّ تكن الأخرى فالحق أولى ما اتبع.

ثمّ قال: وأمّا قوله "إنّ المؤتمة خالفت الإجماع، وادعت الإمامة في بطن من العترة" فيقال له: ما هذا الإجماع السابق الذي خالفناه؟ فإنّا لا نعرفه، اللّهم إلاّ أن تجعل مخالفة الإمامية للزيدية خروجاً عن الإجماع؟!".

ثمّ قال ابن قبة: ثمّ قال صاحب الكتاب: وقالت الزيدية: الإمامة جائزة للعترة أو فيهم لدلالة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليهم عامّاً لم يخصّص بها بعضاً دون بعض، ولقول الله "عزّ وجلّ" لهم دون غيرهم بإجماعهم: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(١).

فأقول ـ وبالله التوفيق ـ : قد غلط صاحب الكتاب فيما حكي ; لأنّ الزيدية إنّما تجيز الإمامة لولد الحسن والحسين(عليهم السلام) خاصة، والعترة في اللغة العم وبنو العم، الأقرب فالأقرب، وما عرف أهل اللغة قط ولا حكى عنهم أحد أنّهم قالوا: العترة لا تكون إلاّ ولد الإبنة من ابن العم، هذا شيء تمنته الزيدية، وخدعت به أنفسهم، وتفرّدت بادّعائه بلا بيان ولا برهان ; لأنّ الذي تدّعيه ليس في العقل، ولا في الكتاب، ولا في الخبر، ولا في شيء من اللغات، وهذه اللغة وهؤلاء أهلها

١- فاطر (٣٥) : ٣٢.

٥٦٢

فاسألوهم يبيّن لكم أنّ العترة في اللغة الأقرب فالأقرب من العم وبني العم.

فإن قال صاحب الكتاب: فلم زعمت أنّ الإمامة لا تكون لفلان وولده، وهم من العترة عندك؟

قلنا له: نحن لم نقل هذا قياساً، وإنّما قلناه اتّباعاً لمّا فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهؤلاء الثلاثة (أمير المؤمنين والسبطين(عليهم السلام)) دون غيرهم من العترة، ولو فعل بفلان ما فعله بهم لم يكن عندنا إلاّ السمع والطاعة(١).

إلى آخر المناظرة وهناك مناظرات أخرى في هذا الكتاب أيضاً.

١- إكمال الدين وإتمام النعمة: ١٢٤.

٥٦٣

(١٢٥) محمّد بن عبد الله بن محلك الجرجاني

(معتزلي / إيران)

ولد "محمّد بن عبد الله الجرجاني" في مدينة "جرجان" ـ إحدى المحافظات الإيرانية ـ ، ثمّ سكن إصفهان واستقرّ فيها، فكان يُعرف تارة بالجرجاني وأخرى بالإصفهاني، وكان يكنّى بأبي عبد الله، عاش "محمّد الجرجاني" في النصف الثاني من القرن الثالث، ولعّل حياته امتدّت إلى السنين الأولى من القرن الرابع، وذلك لأنّ له مناظرات ومناقشات مع "أبي عليّ الجبائي" المتوفّى سنة ٣٠٣هـ .

ترعرع "محمّد الجرجاني" في بيئة تؤمن برؤى وأفكار الفرقة المعتزلة ـ أتباع واصل بن عطاء ـ ، فأخذ من تلك البيئة نظراته، وبنى على ضوئها كيانه الفكري والعقائدي، فكان معتزلياً يؤمن بما تؤمن به المعتزلة ويرفض ما ترفض.

سبب استبصاره:

تعرّف "محمّد الجرجاني" على "عبد الرحمن بن أحمد" وهو من علماء الإمامية وأحد كبار متكلّميهم، وكان "عبد الرحمن" حسن المناظرة، قاطع البرهان، صاحب دليل وموضوعية، فلمّا رأى "محمّد الجرجاني" من "عبد الرحمن" ذلك، استبصر على يديه، واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) معلناً ذلك من خلال تأليفاته ومناظراته.

٥٦٤

وعندما اعتنق وتشرّف بهذا المذهب سعى في تعلّم عقائد الشيعة وأفكارهم على أتم وجه ممكن، وبالفعل فقد صار أحد أبرز متكلّمي الإمامية وأجّلائهم، وقد عدّه "الشيخ الطوسي" في رجاله، من متكلّمي الإمامية، وقال عنه "النجاشي": جليل في أصحابنا عظيم القدر والمنزلة.

مؤلّفاته ونشاطاته:

ترك "محمّد الجرجاني" للمكتبة الإسلاميّة عدّة مؤلّفات مهمّة، وقد تمركزت أبحاثه فيها حول الإمامة، لهذا الموضوع من الأهميّة في الأوساط العلمية، فإنّ أشدّ الاختلافات والنزاعات التي وصلت بين المسلمين كانت في بحث الإمامة، ولأجل هذه الاختلافات نشأت وتكثّرت المذاهب وتناثرت الفرق والطوائف، فله من المؤلّفات:

١ـ كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام.

٢ـ كتاب المسائل والجوابات في الإمامة.

٣ـ كتاب مواليد الأئمّة(عليهم السلام) .

٤ـ كتاب نقض الجبائي في الإمامة.

٥ـ كتاب مجالس مع أبي عليّ الجبائي.

وله غير المؤلّفات مناظرات ونقاشات مع بعض علماء الطوئف والمذاهب الأخرى، وكان يحضر تلك المناظرات مجموعة من العلماء والوجهاء.

ولكن مع كلّ الأسف فإنّ مصير كتبه كان كمصير آلاف الكتب التي لم يصل منها إلاّ اسمها، ولم يحفظ لنا التأريخ منها إلاّ عنوانها(١).

١- انظر: رجال النجاشي: ٣٨٠ ]١٠٣٣[ فهرست الشيخ الطوسي: ٥٤٧ ]٩٠٨[، الذريعة ٢: ٣٣٥، معجم رجال الحديث ١٧: ٢٦٣ ]١١١٤٩[.

٥٦٥

(١٢٦) محمّد بن عمر النوقاني

(سنّي / إيران )

عاش "محمّد بن عمر النوقاني" في بداية القرن الرابع الهجري(١)، في "نوقان"، ثاني أكبر ناحية من مدينة "طوس"، وتسمّى اليوم "خراسان"، إحدى أكبر محافظات إيران، وفيها المرقد الشريف لثامن الحجج الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام).

قصّة استبصاره:

اعتنق "محمّد النوقاني" مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمّا شاهد من روضة الإمام الرضا(عليه السلام)أمراً دعاه إلى الاعتقاد بأحقّيّة هذا المذهب، وكرامة أئمته، عند الله تعالى .

روى الصدوق في العيون، عن الحسين بن عبد الله بن بنان، قال: سمعت محمّد بن عمر النوقاني يقول: بينا أنا نائم بنوقان في علية(٢) لنا في ليلة ظلماء، إذا انتبهت فنظرت إلى الناحية التي فيها مشهد عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)بسناباد، فرأيت نوراً قد علا حتّى امتلأ منه المشهد، وصار مضيئاً كأنّه نهار، فكنت شاكّاً في أمر الرضا(عليه السلام)، ولم أكن علمت أنّه حقّ.

١- لأنّ الصدوق المتوفّى سنة ٣٨١هـ ، روى عنه بواسطة شيخه الحسين بن عبد الله بن بنان الطائي.

٢- العِلية: الغرفة.

٥٦٦

فقالت لي أمي ـ وكانت مخالفة ـ : مالك؟

فقلت لها: رأيت نوراً ساطعاً قد امتلأ منه المشهد بسناباد.

فقالت أمي: ليس ذلك بشيء، وإنّما هذا من عمل الشيطان.

قال: فرأيت ليلة أخرى مظلمة، أشدّ ظلمة من الليلة الأولى، ومثل ما كنت رأيت من النور، والمشهد قد امتلأ به، فأعلمت أمي ذلك، وجئت بها إلى المكان الذي كنت فيه حتّى رأيت ما رأيت من النور، وامتلاء المشهد منه، فاستعظمت ذلك، وأخذت في الحمد لله عزّ وجلّ، إلاّ إنّها لم تؤمن به كإيماني، فقصدت إلى المشهد، فوجدت الباب مغلقا، فقلت: اللّهم إنّ كان أمر الرضا(عليه السلام) حقّاً فافتح لي هذا الباب، ثمّ دفعته بيدي فانفتح، فقلت في نفسي: لعلّه لم يكن مغلقاً على ما وجب، فغلقته حتّى علمت أنّه لم يمكن فتحه إلاّ بمفتاح، ثمّ قلت: اللّهم إن كان أمر الرضا حقّاً فافتح لي هذا الباب، ثمّ دفعته بيدي فانفتح، فدخلت وزرت وصلّيت، واستبصرت في أمر الرضا(عليه السلام)، فكنت أقصده بعد ذلك كلّ جمعة زائراً من نوقان، وأصلّي عنده إلى وقتي هذا(١).

كرامات الأولياء:

إنّ الكلام عن حقيقة كرامات الأولياء، ليس بالأمر السهل ; لأنّه كلام عن مقام ومنزلة لعباد الله تعالى، والكلام عن هكذا أشخاص والاطلاع عن بعض منازلهم، ومعرفة لمحة عن حقائقهم، أمر صعب جدّاً.

لذا سنذكر بعض الشيء عن الكرامة، وعن بعض أسبابها وفوائدها:

نُعرف الكرامة بأنّها: الألطاف والعنايات الإلهية التي تحصل للأولياء ـ في حياتهم وبعد مماتهم ـ على نحو تكون خارقة للعادة وللأسباب الطبيعية المألوفة .

١- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ٢: ٢٨٧، البحار ٤٩: ٣٢٦.

٥٦٧

أسباب الكرامة:

الكرامة والألطاف الإلهية إنّما تكون للأولياء على أثر الإيمان والتقوى، والمداومة على فعل الفرائض والنوافل، التي تجعل العبد في مقام القرب الإلهي، فيكون محبوباً عنده تعالى، جاء في البخاري عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّ الله قال: "ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"(١).

وقد قصّ علينا القرآن الكريم عدّة كرامات لأشخاص نالوا هذه المرتبة وهذه المنزلة بأعمالهم الصالحة ونياتهم الخالصة كما في سورة النمل(٢)، عن آصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب.

وكما في سورة آل عمران(٣)، عن مريم بنت عمران، ودخول زكريا عليها المحراب.

وكما في سورة الكهف(٤)، عن أصحاب الكهف وقصّتهم العجيبة.

وهناك روايات وأحاديث كثيرة نقلت لنا قصص وكرامات الأولياء والصالحين، كما في موطأ مالك(٥)، ومجمع الزوائد(٦)، وكنز العمال(٧)، وسنن الدارمي(٨)، ومستدرك الحاكم(٩)، وغيرها.

١- صحيح البخاري ٤: ٢١٠، ح٦٥٠١.

٢- النمل (٢٧) : ٣٨ ـ ٤٠.

٣- آل عمران (٣) : ٣٧، مريم (١٩) : ٢٢ ـ ٢٦

٤- الكهف (١٨) : ٩ ـ ١٢.

٥- موطأ مالك ٢: ٢٣، كتاب الجهاد، باب: ٢١.

٦- مجمع الزوائد ٩: ١٠٦، ح١٤٦٨٤.

٧- كنز العمال ١٣: ١٧٨، فضائل الصحابة.

٨- سنن الدارمي ١: ٥٦، ح٩٣.

٩- مستدرك الحاكم ٤: ٢٦٤، ح٦٤٢١، فما بعد.

٥٦٨

فوائد الكرامة:

الكرامة للأولياء لها عدّة فوائد، نذكر بعضها:

منها: أن تكون الكرامة جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة التي عملوها في سبيله تعالى.

ومنها: أن تكون الكرامة إبرازاً لمقامهم ومنزلتهم العالية وإظهارها لباقي الناس، ممّا يؤدّي هذا الأمر إلى تحفيز الآخرين ودفعهم لسلوك هذه الطرق المؤدّية إلى السعادة الأبدية.

ومنها: أن تكون الكرامة دليلاً بارزاً وقطعياً على حقّانيّتهم وصحّة طريقهم، ولزوم اتباعهم والإيمان بعقيدتهم ; وذلك لأنّ طبيعة النفوس البشرية تأنس بالمحسوس أكثر منه في المعقول، وكما تكون الكرامة دليلاً كذلك فانّها تقطع الطريق على النفوس المريضة الضالة التي تحاول أن تشكّك بكل شيء فعندما تظهر الكرامة ينقطع السؤال وتزول الشكوك، وكون الكرامة لها هذه الخصوصية ليس أمراً غريباً ولا جديداً ; لأنّ من أهم أدلة الأنبياء(عليهم السلام) على نبّوتهم هو المعجزة، التي لا تختلف حقيقتها عن حقيقة الكرامة إلاّ في بعض الشروط .

وقد رأى "محمّد النوقاني" بعينيه كرامة لولي هو من أفضل الأولياء، بل أحد حجج الله تعالى في أرضه، رأى في الظلام الدامس نوراً مشعاً من مرقد الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)، فعرف أنّ للامام الرضا(عليه السلام) مقاماً محموداً عند الله تعالى، ولا تكون هذه المنزلة لإنسان إلاّ إذا كان طريقُه حقّاً وصراطه مستقيماً،فآمن "النوقاني" به واستبصر بشأنه، واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ واظب على زيارة مرقد الإمام الرضا(عليه السلام) طيلة حياته.

٥٦٩

(١٢٧) محمّد صادق فخر الإسلام

(مسيحي / إيران)

ولد في إيران في مدينة أرومية في أواسط القرن الثالث عشر الهجري في عائلة مسيحية، درس في المدرسة العلية الآشورية، وتخرّج منها قسيساً، سافر إلى الفاتيكان لإكمال دراسته الدينية، والتقى بكبار المطارنة هناك واستفاد منهم، التقى بناصر الدين شاه القاجار، ومنحه الشاه لقب فخر الإسلام، وكان قد أسلم قبل ذلك على يد أحد كبار المجتهدين، وتعلّم الإسلام منه ثمّ سافر إلى النجف الاشرف، ودرس في حوزتها لمدة طويلة.

استبصاره:

يقول فخر الإسلام: ولدت في الكنيسة في عائلة مذهبية توارثت الانتماء إلى السلك الروحاني المسيحي أباً عن جد، وحصلت على رتبة القسيس في الثانية عشر من عمري.

سافرت إلى الكثير من البلدان للاستفادة والاطلاع على المذاهب المسيحية الأخرى إلى أن اختصصت بخدمة أحد كبار المطارنة الكاثوليك، وكان يحضر درسه المئات للاستفادة من علومه الغزيرة.

وكان يخصّني من بينهم بمحبّته واهتمامه، وصرت أرافقه في معظم أوقاته. وكان يثق بي كثيراً، وسلّم لي مفاتيح بيته ما عدا مفتاح واحد لأحد الصناديق كنت

٥٧٠

أتصوّر أنّه يحفظ فيه أمواله.

في إحدى الأيام مرض أستاذي ـ وكان عمري قد بلغ الثامنة عشر تقريباً ـ وأمرني بإبلاغ تلاميذه بتخلّفه عن الدرس. ذهبت لإبلاغ التلاميذ بذلك ووجدتهم يتباحثون فيما بينهم، وكان البحث يدور حول معنى كلمة (فارقليطا) التي وردت في الانجيل. ولم يتفق التلاميذ على معنى معيّن لها، وتفرّقوا بعدما أخبرتهم بعدم مجيء الأستاذ، وكلّ له رأي خاص به في معناها.

رجعت إلى أستاذي فسألني عن موضوع مباحثة الطلاب في غيبته، فأخبرته بما جرى، وعرضت عليه الأقوال في معنى الكلمة، فسألني عن رأيي في ذلك، فقلت: إني قد اخترت أحد الآراء، وعرضته عليه، فقال: أنت لم تقصر لكن الحقّ خلاف جميع الأقوال التي ذكرتها، ولا يعرفه إلاّ الراسخون في العلم، وهم قليل.

فطلبت منه أن يذكر لي معنى هذه الكلمة الشريفة وقلت له سيدي إنّك تعلم أنّي من المجدّين في الدراسة والمنقطعين إليها انقطاعاً تاماً، ولا أترك الدراسة إلاّ في أوقات الصلاة والوعظ، وتعلم أيضاً شدّة تديّني وتعصّبي لدين المسيح فهلا تفضّلت عليّ بمعناها.

بكى أستاذي بشدّة وقال: أنت من أعزّ تلاميذي، ولا أخفي عليك شيئاً، وأعلم أنّه في ذكر معناها الصحيح فائدة كبيرة، لكنّي أخاف عليك وعلى نفسي من القتل إذا انتشر معنى هذه الكلمة بين المسيحيين، فتعجّبت من كلامه عندما لاحظ إصراري على معرفة المعنى قال: سأقوله لك بشرط أن لا تذكر اسمي لأحد من الناس أبداً في حياتي ومماتي، وأريد منك أن تقسم على ذلك بأشدّ الأيمان، فقبلت ذلك، وأقسمت بالله والمسيح ومريم والإنجيل وكلّ المقدسات الأخرى على أن لا أفشي اسمه، فلمّا اطمأنّ إلى ما قلت، قال: ياولدي، هذه الكلمة هي اسم

٥٧١

من الأسماء المباركة لنبي المسلمين بمعنى أحمد أو محمّد، ثمّ أعطاني مفتاح الصندوق ـ الذي كنت أظنّ سابقاً أنّه يضع فيه أمواله ـ وقال: افتح الصندوق، وآتني بالكتاب الفلاني، والكتاب الفلاني، فأطعت أمره، وأراني معنى الكلمة فيهما، وهما من الكتب القديمة المكتوبة على الجلد، ورأيت أنّهما قد ترجما كلمة فارقليطا بمعنى أحمد ومحمّد، ثمّ قال لي أستاذي: إعلم أ نّه لم يكن اختلاف في معنى الكلمة قبل ظهور النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لكن القساوسة غيّروا معناه وتلاعبوا ببعض حروف الكلمة إخفاءاً للحقيقة وعناداً للإسلام.

قلت له: فما تقول في ديننا فقال: إنّه منسوخ لظهور النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت متلهفاً: فكيف النجاة، فقال: طريق النجاة والصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الله هو متابعة دين الإسلام ـ الذي جاء به ـ دون غيره من الأديان، فقلت له: ما الذي يمنعك من الدخول في دين الإسلام.

فقال: ياولدي: أنا اطّلعت على حقيقة الإسلام على كبر السن وفي أواخر أيام الحياة، وأنا في الباطن مسلم، ولكني لا أستطيع ترك هذا المنصب والرئاسة التي أنا فيها لمحاذير كثيرة منها القتل، وقد رأيت بنفسي أشخاصاً أسلموا، فلم يحفظهم المسلمون، ولم يعرفوا قدرهم فارتدّوا إلى المسيحية ثانية، وخسروا الدنيا والآخرة، وأنا أخاف على نفسي من ذلك!

ثمّ بكى أستاذي طويلاً وبكيت لبكائه، ثمّ قلت له: هل تأمرني بالدخول في دين الإسلام قال: إذا كنت تريد الآخرة والنجاة فعليك بقبول دين الحقّ، واتباعه، وأنت شاب أمامك فرص كثيرة للتقدّم في الحياة، وأنا سأدعوا لك دائماً، وانت أيضاً كن شاهداً لي يوم القيامة على أنّي مسلم في الباطن.

بعد سماع كلام أستاذي والتأمّل فيه ورؤية الكتابين المحفوظين عنده، استولى عليّ حبّ الإسلام والنبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وصرت لا أعبأ ولا أهتم بالدنيا

٥٧٢

ولذّاتها وزخرفها.

تركت كلّ شيء ولم آخذ معي سوى كتابين أو ثلاثة ممّا أملك، وقررت السفر إلى أرومية، ووصلت إليها بعد منتصف الليل بعد سفر مجهد طويل، ولم أضيّع الوقت، فذهبت من توي إلى بيت أحد العلماء المسلمين المشهورين فيها، وعرضت عليه أمري، وأني أحبّ أن يعلّمني دين الإسلام، فعلّمني بعض الضروريات فنطقت بالشهادتين و"الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله".

مؤلّفاته:

١ـ أنيس الأعلام في نصرة الإسلام، الناشر: مكتبة مرتضوي في سنة ١٣٥١هـ في طبعته الجديدة، وكان المؤلّف قد طبعه سنة ١٣١٥هـ ـ ق، لأوّل مرّة، حقّق الكتاب في طبعته الجديدة: السيّد عبد الرحيم خلخالي.

ذكر في هذا الكتاب كيفية استبصاره، وأوضح الكثير من العقائد المسيحية، وردها بأسلوب علمي رصين، كما رد الكثير من تخرصات الحاقدين على الإسلام من القساوسة، ثمّ أوضح الكثير من العقائد الإسلاميّة الصحيحة التي تقابل الأمور الباطلة في ما يتمسّك به المسيحيون اليوم، والكتاب باللغة الفارسية .

٢ـ بيان الحقّ وصدق المطلق، عشرة أجزاء، طبع منها أربعة عليّ أصغر خان أتابك، ذكر المحقق في الكتاب السابق.

٣ـ خلاصة الكلام في افتخار الإسلام، جدد طبعه بأمر من المرجع آية الله السيّد البروجردي رحمه الله، ذكره محقّق كتاب (أنيس الاعلام).

٤ـ برهان المسلمين.

٥ـ تعجيز المسيحيين.

٦ـ وجوب الحجاب وحرمة الشراب.

٥٧٣
٥٧٤

(١٢٨) محمود الفارسي

(سنّي / إيران)

ولد "محمود الفارسي" في محافظة فارس، إحدى أكبر المحافظات الإيرانية، عاش في القرن الثامن الهجري، نشأ وترعرع في أوساط أسرة سنيّة كانت تُعرف بالتشدّد تجاه أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم.

فأخذ "محمود" عقائده وكوّن نسيجه الفكري، من تلك البيئة وذلك المجتمع، فصار متعصّباً تجاه مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ومتشدّداً على شيعتهم بحيث ورد حسب قوله: لم يكن في أهلي أشدّ منّي نصباً لأهل الإيمان (الشيعة) سيّما زوار الأئمّة(عليهم السلام)بسر من رأى، فكنت أكريهم الدواب بالقصد; لأؤذيهم بكل ما أقدر عليه من السرقة وغيرها، وأعتقد أنّ ذلك ممّا يقرّبني إلى الله تعالى.

مظلومية الشيعة على مرّ العصور:

يعكس لنا موقف "محمود الفارسي" اتجاه شيعة أهل البيت(عليهم السلام) وزوارهم بالخصوص، عمق وتاريخ قضية التطرّف ضدّ الشيعة من قبل المتطرّفين والحاقدين على شيعة الإمام عليّ(عليه السلام).

وقد تتالت مظاهر العنف والتطرّف النابعة من الأحقاد والجهالات ضد الشيعة منذ تلك الأزمان وإلى يومنا هذا من قبل أفراد اتخذوا العداء لأتباع أهل البيت(عليهم السلام) منهجاً .

٥٧٥

أخطر أنواع التطرّف:

إنّ أخطر أنواع التطرّف هو التطرّف المتستّر بلباس الدين; لأنّه يكون من قبل أفراد يلبسون الحقّ بالباطل من أجل خدع وقيادة نفر من الشباب المنفعل والمتحمس، للقيام بأعمال تحقق أغراضهم فهم يصوّرون الدين كما يشاؤون، ويبيّنون الحقيقة كما ترتأي أنفسهم المريضة وميولهم الشيطانية، ويغلقون على أنفسهم أبواب الفكر من خلال "جمود" ظنوه "محافظة"، ومن خلال "تعصّب" ظنّوه "تديّنا"، ومن خلال "تطرّف" حسبوه "التزاما" بما أمر به الله تعالى.

الآثار السلبية للتطرّف:

إنّ من أهم الآثار السلبية للتطرّف الذي يصدر من المسلمين أنّه يعطي صورة منفّرة عن الإسلام، ويسيء أيّما إساءة لمبادئه وقيمه، حتّى صار هذا الأمر إشكالية تهدّد الأمة الإسلاميّة جمعاء، وقد قال أحد الكتّاب المعاصرين "المصيبة أنّ بعض المتحدّثين في الإسلام لديهم مقدار هائل من قصر النظر وقلّة الوعي، والأوهن أن يتحوّل هذا الفكر السقيم إلى مبدأ تؤلّف فيه كتب، وتنتهي عليه مواقف، وقال أيضاً: "رأيت بعض أدعياء التديّن فوجدتُ في ملامحهم جهامة، وهبّت من شمائلهم ريح منفرة، واستطالة على الناس بغير شيء"، ثمّ قال: "إنّ هذه العقليات أنزل رتبة من أن تُؤْمَن على مستقبل شركة مساهمة فكيف يتاح لها التحدّث عن دين كبير ورسالة أورثت الإنسانية أرقى حضاراتها"(١).

فخطر هؤلاء المتطرّفين لا يهدّد الشيعة فحسب، بل يهدّد جميع المجتمعات البريئة التي تخالفهم ولو برأي بسيط .

بل إنّ خطر هؤلاء أعمق وأعقد من ذلك بكثير، فإنّه يهدّد اليقظة الدينية التي

١- تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع محمّد الغزالي: ٧١.

٥٧٦

بدأت مؤشراتها منذ سنوات في مختلف أرجاء العالم، والتي بدأت لتعيد للإنسان كرامته وإنسانيته المهدورة، وذلك من خلال الاستناد على القيم والمبادئ الدينية وقد شكّلت هذه النهضة رفضاً للثقافة التي بنيت على المفاهيم المادية وقد أغضبت هذه النهضة الدينية أصحاب رؤوس الأموال وجميع المستكبرين والمستعمرين الذين يريدون أن يخضع لهم كلّ فرد من حيث يشعر أو لا يشعر; لأنّ الفرد بما هو فرد لا قيمة له في موازين تلك الثقافة وقوانينها.

فرأى هؤلاء المستكبرون بأنّ أفضل سلاح لمواجهة النهضة الإيمانية ضربها من الداخل بواسطة دعم الجماعات المتحجّرة، التي لم تدرك من الدين إلاّ اسمه، ولم تعرف من الحقيقة إلاّ رسمها. فدعموا هذا التيار بجميع أنواع الدعم وهذا ما يحفزنا على مواجهة هذا التيار الذي بدأ يعبث بحقائق الدين ومبادئ الإسلام الحنيف وبدأ يبرز الإسلام بصور ناقصة ومغلوطة ترفضها الفطرة الإنسانية وقد قال تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(١).

قصّة استبصاره:

اعتنق "محمود الفارسي" مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعدما رأى بعض عجائب وكرامات السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)في المنام، وبعد رؤيته الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه في اليقظة والعيان.

قال الشيخ المجلسي في البحار: حدث السيّد عليّ بن عبد الحميد الحسيني النيلي في كتاب "الغيبة" أنّ الشيخ الحافظ محمّد بن قارون حدّثه، قال: لمّا حضرنا عند محمود الفارسي قلت له: يا محمود، ما الذي أخرجك عن ملّة أهلك،

١- الأنفال (٨) : ٢٥.

٥٧٧

وأدخلك مع الشيعة؟

فقال: يا شيخ، لمّا اتضح لي الحقّ تبعته، اعلم أنّه قد جرت عادة أهل الفرس أنهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم، خرجوا يتلقّونهم، فاتّفق أن سمعنا بورود قافلة كبيرة، فخرجت ومعي صبيان كثيرون وأنا إذ ذاك صبىٌّ مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة، بجهلنا، ولم نفكّر في عاقبة الأمر، وصرنا كلّما انقطع منّا صبيٌّ من التعب خلوه إلى الضعف، فضللنا عن الطريق، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه، وفيه شوك، وشجر ودغل، لم نر مثله قطٌّ ، فأخذنا في السير حتّى عجزنا، وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش، فأيقنّا بالموت، وسقطنا لوجوهنا.

فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض، قد نزل قريباً منّا، وطرح مفرشاً لطيفاً لم نر مثله، تفوح منه رائحة طيّبة، فالتفتنا إليه، وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش، ثمَّ قام فصلّى بصاحبه، ثمَّ جلس للتعقيب.

فالتفت إليَّ وقال: يا محمود! فقلت: بصوت ضعيف لبيّك يا سيّدي.

قال: ادن منّي.

فقلت: لا أستطيع لمابي من العطش والتعب.

قال: لابأس عليك.

فلمّا قالها حسبت كأنّ قد حدث في نفسي روح متجدِّدة، فسعيت إليه حبواً فمرّ يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى، ودخل لساني في فمي، وذهب مابي، وعدت كما كنت أوَّلاً.

فقال: قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل، وكانّ في الوادي حنظل كثير، فأتيته بحنظلة كبيرة فقسّمها نصفين، وناولنيها، وقال: كلّ منها، فأخذتها منه، ولم

٥٧٨

أُقدم على مخالفته وعندها أمرني أن آكل الصبّر لما أعهد من مرارة الحنظل، فلمّا ذقتها فإذا هي أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك شبعت ورويت.

ثمَّ قال لي: ادع صاحبك، فدعوته.

فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة.

فقال له: قم لابأس عليك، فأقبل إليه حبواً، وفعل معه كما فعل معي، ثمَّ نهض ليركب.

فقلنا: بالله عليك يا سيّدنا إلاّ ما أتممت علينا نعمتك، وأوصلتنا إلى أهلنا.

فقال: لا تعجلوا وخطَّ حولنا برمحه خطّة، وذهب هو وصاحبه.

فقلت لصاحبي: قم بنا حتّى نقف بازاء الجبل ونقع على الطريق.

فقمنا وسرنا وإذا بحائط في وجوهنا، فأخذنا في غير تلك الجهة، فاذا بحائط آخر، وهكذا من أربع جوانبنا.

فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا، ثمَّ قلت لصاحبي: ائتنا من هذا الحنظل لنأكله، فأتى به فإذا هو أمرُّ من كلِّ شيء، وأقبح، فرمينا به، ثمَّ لبثنا هنيئة، وإذا قد استدار من الوحش مالا يعلم إلاّ الله عدده، وكلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط ، فإذا ذهبوا زال الحائط ، وإذا عادوا عاد.

قال: فبتنا تلك اللّيلة آمنين حتّى أصبحنا، وطلعت الشمس واشتدَّ الحرَّ، وأخذنا العطش فجزعنا أشدَّ الجزع، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا بالأمس، فلمّا أرادا مفارقتنا قلنا له: بالله عليك إلاّ أوصلتا إلى أهلنا.

فقال: أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما، ثمَّ غابا.

٥٧٩

فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا، ومعه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا وانهزم، وترك حميره، فصحنا إليه باسمه، وتسميّنا له، فرجع، وقال: يا ويلكما إنَّ أهليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة، فلمّا قربنا من البلد، دخل أمامنا، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحاً شديداً، وأكرموه وأخلعوا عليه فلما دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا، فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذَّبونا وقالوا: هو تخييل لكم من العطش.

قال محمود: ثمَّ أنساني الدَّهر حتّى كأن لم يكن، ولم يبق على خاطري شيء منه حتّى بلغت عشرين سنة، وتزوَّجت وصرت أخرج في المكاراة، ولم يكن في أهلي أشدُّ منّي نصباً لأهل الإيمان، سيّما زوّار الأئمّة(عليهم السلام) بسرَّ من رأى، فكنت أكريهم الدَّوابَّ بالقصد لأذيّتهم بكلِّ ما أقدر عليه من السرقة وغيرها، وأعتقد أنَّ ذلك ممّا يقرَّبني إلى الله تعالى.

فاتّفق أنّي كريت دوابي مرَّة لقوم من أهل الحلّة، وكانوا قادمين إلى الزيارة منهم ابن السهيلي وابن عرفة وابن حارب، وابن الزهدري، وغيرهم من أهل الصلاح فلمّا جنَّ اللّيل، أدركتني السعادة، فقلت في نفسي: إنَّ هؤلاء الرافضة لا يرجعون عن دينهم، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم، فما ذلك إلاّ لأنَّ الحقَّ معهم فبقيت مفكراً في ذلك، وسألت ربّي بنبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يريني في ليلتي علامة أستدلُّ بها على الحقِّ الذي فرضه الله تعالى على عباده.

فأخذني النوم فإذا أنا بالجنّة قد زخرفت، فإذا فيها أشجار عظيمة، مختلفة الألوان والثمار، ليست مثل أشجار الدُّنيا; لأنَّ أغصانها مدلاّة، وعروقها إلى فوق، ورأيت أربعة أنهار: من خمر، ولبن، وعسل، وماء، وهي تجري وليس لها جرف بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، ورأيت نساء حسنة الأشكال، ورأيت قوماً يأكلون من تلك الثمار، ويشربون من تلك الأنهار، وأنا لا أقدر على

٥٨٠