×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 05) / الصفحات: ٥٨١ - ٦٠٠

 موسوعة من حياة المستبصرين (ج٥) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٥٨١ - ص ٥٩٦)
٥٨١

وسمعت المؤذِّن يعلن بالأذان، فقمت إلى الجانب الغربيِّ، ودخلت منزل أولئك الزُّوار، فسلّمت عليهم.

فقالوا: لا أهلاً ولا سهلاً اخرج عنّا لا بارك الله فيك.

فقلت: إنّي قد عدت معكم، ودخلت عليكم لتعلّموني معالم ديني، فبهتوا من كلامي، وقال بعضهم: كذب، وقال: آخرون جاز أن يصدق.

فسألوني عن سبب ذلك، فحكيت لهم ما رأيت، فقالوا: إنّ صدقت فإنّا ذاهبون إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)، فامض معنا حتّى نشيّعك هناك.

فقلت: سمعاً وطاعة، وجعلت اُقبّل أيديهم وأقدامهم، وحملت أخراجهم، وأنا أدعو لهم حتّى وصلنا إلى الحضرة الشريفة، فاستقبلنا الخدَّام، ومعهم رجل علويٌّ كان أكبرهم، فسلّموا على الزُّوار، فقالوا له: افتح لنا الباب حتّى نزور سيّدنا ومولانا، فقال: حبّاً وكرامة، ولكن معكم شخص يريد أن يتشيّع، ورأيته في منامي واقفاً بين يدي سيّدتي فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، فقالت لي: يأتيك غداً رجل يريد أن يتشيّع فافتح له الباب قبل كلِّ أحد، ولو رأيته الآن لعرفته.

فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجبّين، فقالوا: فشرع ينظر إلى واحد واحد فقال: الله أكبر هذا والله هو الرَّجل الّذي رأيته، ثمَّ أخذ بيدي فقال القوم: صدقت يا سيّد وبررت، وصدق هذا الرَّجل بما حكاه، واستبشروا بأجمعهم وحمدوا الله تعالى، ثمَّ إنّه أدخلني الحضرة الشريفة، وشيّعني وتولّيت وتبرَّيت.

فلمّا تمَّ أمري قال العلويُّ: وسيّدتك فاطمة تقول لك: سيلحقك بعض حطام الدنيا فلا تحفل به، وسيخلفه الله عليك، وستحصل في مضايق فاستغث بنا تنجو .

فقلت: السمع والطاعة، وكان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت، وخلف الله عليّ مثلها، وأضعافها وأصابني مضايق، فندبتهم ونجوت، وفرّج الله عني بهم، وأنا

٥٨٢

اليوم أوالي من والاهم وأعادي من عاداهم، وأرجو بهم حسن العاقبة.

قال السيّد عليّ بن عبد الحميد هذا ما حكالي في تاريخ شهر رجب سنة ثمان وثمانين وسبعمائة(١).

فببركات الزهراء فاطمة(عليها السلام) وبركات ابنها الحجة المنتظر عجل الله فرجه، تنوّر محمود بنور أهل البيت(عليهم السلام)وانفتحت بصيرته على الحقيقة، فارتشف من رحيقها، وتذوق حلاوتها، فأصبح مؤمناً متبصراً بدينه وعقيدته، آخذاً معارفه وعلومه من منبعها الأصلي، فصار يوإلي أهل البيت(عليهم السلام) ويوإلي من والاهم، ويعادي من عاداهم، وهذه ألطاف إلهية يسوقها الله تعالى لمن شاء من عباده، من كان أهلاً لمثل هذه الإفاضات والألطاف. قال تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(٢) .

١- بحار الأنوار ٥٣: ٢٠٢، في ذكر من فاز بلقاء الحجة عجل الله فرجه.

٢- المائدة (٥) : ٥٤.

٥٨٣

(١٢٩) مهدي يزدان برست

(شافعي / إيران)

ولد سنة ١٣٩٣هـ (١٩٧٤م) في مدينة "سنندج" في محافظة كردستان غرب إيران، حائز على شهادة الإعدادية (الديبلوم)، كما درس لمدّة سنتين في إحدى المدارس الدينية السنيّة في سنندج حيث درس بعض الكتب العقائدية مثل "شمس العقائد"، كما درس وقرأ كتب بعض علمائهم مثل "مردوخ" و"مفتي زاده".

كان يشارك في مراسم المواليد ويؤدي بعضها في بعض الاحتفالات الدينية، واشتغل لمدّة في أعمال البناء، وهو يجيد اللغة الكردية كلغة أصلية، إضافة إلى الفارسية والتركية.

التحق بالحوزة العلمية في قم، بعد استبصاره واهتدائه إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حيث كان استبصاره سنة ١٤٢٠هـ (٢٠٠٠م) في مدينته سنندج.

استبصاره:

يقول "مهدي": تسود في منطقتنا الكردية الثقافة السنّية المتعصّبة، كما يسكن فيها المشايخ الصوفية من أتباع عبد القادر الجيلاني واتباع الطريقة النقشبندية.

فنشأت في مثل هذا الجو حتّى صادف أن التقيت بأحد الشيعة أثناء عملي

٥٨٤

في مهنة البناء حيث حصلت لي معه محاورات في بعض الأمور الدينيّة والمذهبيّة كما ناقشنا بعض الأمور الخلافية بين السنة والشيعة، ثم أنّه أهداني بعض الكتب التي تبيّن هذه الأمور، ومنها كتب لبعض السنّة الذين تحوّلوا إلى المذهب الشيعي وصاروا من المستبصرين.

فطالعت هذه الكتب، واكتشفت فيها أشياءاً جديدة لم اطلّع عليها من قبل فهزت معتقداتي الدينية وجعلتني أتساءل عن مدى صحتها وصدقها، فما كان مني إلاّ أن راجعت بعض علمائنا الذين جابهوني بالتشكيك في وجود مثل هؤلاء المستبصرين.

ثمّ كانوا يشتمونهم فيما لو سلّموا بوجودهم، ويسبّونهم أشدّ السب، ثمّ إنّهم كانوا يردّدون على مسامعي معتقداتي السنيّة نفسها دون ملاحظة ما يقوله الشيعة سوى القول بانّ معتقداتهم بدعة ونحن أتباع السنّة ولا غير، لكن هذا لم يكن ليقنعني أو يروي غليلي في معرفة الحقيقة والبحث عن الواقع والحقّ الذي أريد أن اتّبعه على أ نّه الإسلام الصحيح، فواصلت مطالعاتي ولقاءاتي بعلماء السنة والشيعة، بل لاقيت حتّى بعض الرهبان المسيحيين الذين وجدتهم صدفة في إحدى المدن في جنوب إيران، وأنا في خضم السفر المتواصل في انحاء إيران للبحث عن الدين الصحيح المفقود الذي لم أعد اجده في المذهب السني حتّى بشكله الصوفي الذي يدّعي لنفسه الكثير والذي لم أرَ فيه إلاّ التقليد الأعمى، بل حتّى الكفر في كثير من طقوسه الصوفية وشطحات مشايخة التي لا تقف عند حدّ، رغم محاولتهم تصحيحها أو كتمانها.

هذا ولولا هداية الله سبحانه لتهت في هذا الخضم، وكان مما سهّل عليّ الاهتداء إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام) أنّه كانت لي جدّة موالية لهم وتدين بمذهبهم زرعت في نفسي منذ الطفولة حبّهم وحبّ شيعتهم، مما جعل الأدلة الشرعيّة

٥٨٥

الصحيحة للتمسّك بهم ذات نكهة مضمخة بأريج المحبّة الإلهيّة تهفو إليها النفس، وتنقاد إليها الروح، ويسلّم بها العقل.

بين التصوّف والتديّن:

جاء النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة الإسلامية الغرّاء وواصل طريقه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على منهج ديني صحيح لا رهبانية فيه ولا تصوّف، حيثُ أنّ الإسلام يحثُّ على الجدّ في العمل والإخلاص في العبادة بدون عزلة وانطواء.

نعم إنّ الإسلام يحثُّ على الزهد، ويدعو إلى عدم الاهتمام بالمظاهر الدنيوية أو الانجرار وراء زخارف الحياة التي لا حدَّ لها ولا حصر، فالإسلام إذن يدعو إلى الطريقة الوسطى التي لا إفراط فيها ولا تفريط، فنرى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول "لا رهبانية في الإسلام"(١) حين رأى بعض الصحابة قد اعتزلوا للعبادة، حيث هجروا نساءهم وتركوا أعمالهم، كما أنّ القرآن الكريم يؤكّد على هذه الوسطية بقوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَْرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(٢).

تاريخ انتشار التصّوف بين المسلمين:

إنّ الملاحظ في تاريخ المسلمين أنّ التصّوف المستورد من أتباع الديانات الأخرى قد انتشر بينهم في القرن الثاني الهجري، حيث بنيّ أوّل خانقاه للصوفية في مدينة الرملة بفلسطين، بناه أحد الأمراء المسيحيين ليكون ملجئاً للمتصوّفة أمثال أبي هاشم الكوفي الذي لقبّ بالصوفي للبسه الصوف واختياره الاعتزال تشبهاً بالرهبان المسيحيين الذين كانوا يعيشون في الأديرة بعيداً عن الناس وهم يلبسون الملابس الصوفية.

١- النهاية في غريب الحديث ١: ٩٤، ٢: ٢٨٠ .

٢- القصص (٢٨) : ٧٧.

٥٨٦

ثمّ انتشرت الأفكار الصوفية المنحرفة بين المسلمين كالحلول والاتحاد، وقد تأثّر بهذه الأفكار الكثير من المسلمين وخاصة أهل السنة والجماعة.

وقوف أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في وجه التصوّف:

حذّر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) المسلمين من طريقة الصوفية المبتدعة ونسبوها إلى الرياء وتحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله تعالى.

فقد ورد عن الإمام الهادي(عليه السلام) محذراً أصحابه من الصوفية الذين دخلوا مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذوا بالتهليل: "لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين فإنّهم خلفاء الشيطان، ومخرّبوا قواعد الدين يتزهّدون لراحة الأجسام ويتهجّدون لصيد الأنعام يتجوّعون عمراً حتّى يديخوا للايكاف حمراً(١) لا يهللون إلاّ لغرور الناس ولا يقللون الغذاء إلاّ لملأ العساس(٢) واختلاس قلوب الدفناس(٣)، يكلّمون الناس باملائهم في الحبّ ويطرحونهم باذلالهم في الجب أورادهم الرقص والتصدية وأذكارهم الترنم والتغنية فلا يتبعهم إلاّ السفهاء ولا يعتقدهم إلاّ الحمقى فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حياً وميتاً فكأنّما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان ومن أعان أحداً منهم فكأنّما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان.

فقال له رجل من أصحابه: وإن كان معترفاً بحقوقكم؟ قال فنظر إليه شبه المغضب، وقال: دع ذاعنك من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا أما تدري أنّهم أخس الطوايف الصوفية، والصوفية كلّهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة، أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواهم والله متم نوره ولو كره الكافرون"(٤).

١- إكاف الحمار: برذعته، واَكف الحمار ايكافا: شدّه عليه، القاموس المحيط ٣: ١١٨.

٢- الأقداح الضخمة، جمع عس، العين ١: ٧٤.

٣- الأحمق أو البخيل، أو الكسلان، تاج العروس ٤: ١٥٢.

٤- حديقة الشيعة ٢: ٧٩٩، الاثنا عشرية: ٢٨.

٥٨٧

وورد عن الإمام الرضا(عليه السلام): "لا يقول أحد بالتصوف إلاّ لخدعة أو ضلالة أو حماقة وأما من سمّى نفسه صوفياً للتقية فلا إثمّ عليه"(١).

وسئل الإمام الصادق(عليه السلام) عن حال أبي هاشم الكوفي الصوفي فقال: "إنّه فاسد العقيدة جداً وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوّف وجعله مفرّاً لعقيدته الخبيثة".

١- حديقة الشيعة ٢: ٨٠٣، الاثنا عشرية: ٣٠.

٥٨٨
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(١٣٠) إدواردو آنيلي

(مسيحي كاثوليكي / إيطاليا)

ولد عام ١٣٧٣هـ (١٩٥٤م)، ينتسب إلى عائلة (آنيلي) الرأسمالية الإيطالية المعروفة، والتي أسست معامل شركة (فيات) للسيارات منذ أكثر من مائة سنة، كما تملك معامل شركة (فراري) للسيارات أيضاً، ومعامل لإنتاج طائرات الهيلكوبتر وتسيطر على عدد من البنوك، وشركات البناء، والتأمين، والألبسة، والصحف، بالإضافة إلى نادي يوفنتوس الرياضي المشهور، وقُدِّرتْ عائدات هذه العائلة في فترة من الزمن بستينَ مليار دولار سنوياً.

كان أبوه السناتور جياني آنيلي كبير هذه العائلة والمشرف القانوني على معظم هذه الشركات، أما أمه فهي من عائلة (كارلوجي) وهم من أمراء اليهود .

يحمل "إدواردو" شهادة الدكتوراه من جامعةِ برنستون الأمريكية قسم الأديان وفلسفة الشرق، وقد أدار لفترة قصيرة نادي يوفنتوس لكرة القدم ممّا جلب له شهرة إضافية ومحبوبية خاصة لتواضعه وأخلاقه الطيبة.

استبصاره:

في سنة ١٣٩٣هـ (١٩٧٤م)، عندما كان يدرس "إدواردو آنيلي" في الجامعة بمدينة نيويورك، اختار أن يعتنق الإسلام تأثّراً بكتاب الله العزيز، حيث تناول القرآن من أحد رفوف المكتبة وبدأ بقرائته فأحسّ أنّ هذا الكتاب يختلف عن غيره من الكتب وأنّه لا يمكن أن يكون من كلام البشر، وأ نّه كلام إلهي نوراني، وكلّما واصل القراءة ازداد اعتقاده به فأعلن إسلامه واختار لنفسه اسم: هشام عزيز، وحيث أ نّه كان يدرس الأديان فلم يترك مطالعاته وبحوثه، وقد تأثّر كثيراً

٥٨٩

بشخصية الإمام علي(عليه السلام) وأختار أن يكون من مواليه وشيعته، فاعتقد بولاية المعصومين الاثني عشر من أهل البيت(عليهم السلام)، وسمّى نفسه باسم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

واجه "إدواردو" مشاكل كثيرة بعد إسلامه، وحاولت أُسرته بكل الوسائل أن تردّه عن دينه، ووصل بها الأمر أن تحرمه من الإرث المقدّر بمليارات الدولارات وأن تسلب منه حق إدارة الشركات التابعة للعائلة في حالة وفاة والده، وكان ذلك حقّه الطبيعي حسب القوانين لانّه الذكر الوحيد من أولاد أبيه، كما أُتّهم بالجنون وتناول المواد المخدرة وأُدخل مستشفى الأمراض العقلية بالإجبار.

لم يستسلم "إدواردو" لهذه الضغوط وواصل طريقه فهدى الكثيرين إلى الإسلام وسافر إلى بلدان عديدة في الشرق والغرب، وأُتيحت له الفرصة لزيارة الإمام الرضا(عليه السلام) في إيران، وكان يرى أنّ من واجبه الدفاع عن الإسلام والمسلمين في كُلّ أنحاء العالم، وخاصة إيطاليا التي تبقى له فيها بعض الوجاهة رغم إسلامه فدافع عن الإسلام بشكل عملي بالمشاركة في الندوات التلفزيونية والمقابلات الصحفية، كما أنقذ بعض المسلمين من السجن ودافع عنهم في المحاكم.

كان "إدواردو" عميق الإيمان بدينه، يحبُّ القرآن كثيراً، يقرؤه في الليل، ويدرسه في النهار مع أصدقائه بقراءة التفاسير، والتأمّل في معاني الآيات، ساعياً أن يكون على بصيرة من دينه، وجاهداً أن يكون مصداقاً للتمسّك بالثقل الأكبر. كان يحب دراسة اللغة العربية، ويتمنى دراسة العلوم الدينية في الحوزات العلمية إلاّ أن المنية عاجلته ولم تسمح له بتحقيق هاتين الأمنيتين.

وفاته:

في تاريخ ١٥ تشرين الثاني ١٤٢٠هـ (٢٠٠٠م)، عثر على جثة "ادواردو" تحت جسر (فرانكو رومانو) في إيطاليا في حادث مشكوك يلفه الغموض، ودفن

٥٩٠

بمقبرة العائلة في قرية (فيلار روزا) وفق مراسم مسيحية!!

وينقل أصدقاؤه أنّه كان قد صرّح لهم بأن اليهود ستقتله للتخلّص منه، لأنّهم رأوا فيه خطراً عليهم خاصة إذا سمحت له الأيام بتولي قيادة عائلة (آنيلي) بأموالهم الكثيرة، ويقوّي هذا الأمر أنّ مجلس شركة فيات أختار ابن أخت "إدواردو" المتولّد من أب يهودي لإدارتها حيث يكون مرشّح تلقائي للاشراف على كلّ الشركات بعد وفاة جده ولإدارة أموال هذه الشركة!!

عالمية القرآن وخلوده:

إنّ القرآن كتاب هداية لكلّ البشر، ولا يختصُّ بقوم دون قوم، فهو وإن نَزَلَ باللغةِ العربية إلاّ أنّه يخاطب الناس أجمعين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}(١)، {وَمَا هُوَ إِلاِّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}(٢)، {قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}(٣)، وهو لا يختص بمخاطبة المسلمين فحسب، بل يخاطب أتباع الديانات الأخرى كأهل الكتاب، أو اليهود أو النصارى وكذا يخاطب ويحتجّ على الكفار والمشركين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}(٤)، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}(٥).

كما أنّ القرآن لا يختص بزمان دون زمان، فهو كتابٌ كاملٌ خالدٌ، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}(٦)،

١- يونس (١٠) : ٥٧ .

٢- القلم (٦٨) : ٥٢ .

٣- الأنعام (٦) : ١٩.

٤- آل عمران (٣) : ٦٤.

٥- التوبة (٩) : ١١.

٦- المائدة (٥) : ٤٨.

٥٩١

{وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}(١)، {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}(٢).

كما أنّ القرآن لم يختص ببيئة معيّنة ذات طابع محدود دون بيئة أخرى، فهو كما يحدّه الزمان، لا تحدّه الطبيعة المكانية، كالطبيعة البدوية للعرب مثلاً زمان بدء الرسالة، بل نراه يصف الطبائع المناخية الأخرى التي يعيش فيها أو على مقربة منها الأقوامُ الآخرون، قال تعالى على سبيل المثال: {أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُّجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}(٣)، إذ أنّ القرآن هنا يغوص إلى أعماق البحار، ويبين جغرافية المحيطات.

هذا وعندما تليت هذه الآية على عالم البيولوجيا (دور كاروا) تعجّب وقال: "إنّ الإنسان القديم الذي لم يكن يملك آلات الغوص لم يكن يمكنه الغوص إلى أكثر من ٢٠ م، أما الآن فنحن نستطيع أن نغوص إلى أعماق ٢٠٠م، وهناك نواجه الظلمات الشديدة، من المحتّم أن هذا الكلام لم يصدر عن علم بشري"(٤).

إعجاز القرآن:

القرآن كتاب معجز تحدّى البشرية أن يأتوا بسورة من مثله، قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَة مِثْلِهِ}(٥)، {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ

١- الإسراء (١٧) : ١٠٥.

٢- فصلت (٤١) : ٤١ ـ ٤٢.

٣- النور (٢٤) : ٤٠.

٤- الاعجاز العلمي للقرآن الكريم، عبد الروؤف مخلص: ٢١٣.

٥- يونس (١٠) : ٣٨.

٥٩٢

بِسُورَة مِن مِثْلِهِ}(١)، ولا يختص إعجازه بفصاحتهِ وبَلاغتهِ حتّى يكون العرب هم الذين تحداهم القرآن، بل إنَّ الإعجاز القرآني يظهر في صور متعددة ولا يختص بجانب واحد، منها: الإعجاز الغيبي المتمثّل في الانباء عن الغيب بصورة جازمة، ومنها: الإعجاز التشريعي بتفصيلاته الدقيقة في آيات الأحكام وفقه القرآن، ومنها: الإعجاز العلمي بايرداه القوانين والنظريات التي توصل إليها العلم الحديث، ومنها الإعجاز العددي: حيث وفق الدكتور عبد الرزاق نوفل إلى استقراء الإعجاز العددي الذي لا يكون من صنع بشر(٢).

إنّ القرآن معجزةٌ الآن كما كان معجزةً في زمان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يفيض بعطاياه لكل جيل وفي كُلّ زمان، حيث أنّ البشرية تكتشف أعماقاً جديدة في القرآن يوماً بعد يوم، وخاصة في آيات الآفاق والأنفس، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآْفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}(٣)، إنّ القرآن تحدّث عن كروية الأرض، والغلاف الجوي للأرض، ونسبية الزمان و... ، في وقت لم يكن أحد يمكنه أن يفهم أو يتصوّر ما يقوله، فذكر ذلك على شكل إشارات يكتشفها الباحثون، ويتلقاها العالمون، وهو بذلك يريد هداية الناس، وليس هو كتاب يجمع العلوم، قال تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}(٤).

١- البقرة (٢) : ٢٣.

٢- الإعجاز العددي للقرآن الكريم، عبد الرزاق نوفل.

٣- فصلت (٤١) : ٥٣ .

٤- الرعد (١٣) : ١٧.

٥٩٣

(١٣١) جفاني جكوني

(مسيحي / إيطاليا)

ولد عام ١٣٦٣هـ (١٩٤٤م) في مدينة "سالوجي" من توابع "كونيو" في إيطاليا، له اختصاص في علوم الزراعة، وألّف كتابين فيها، تحت عنوان "أمراض النباتات" و"زراعة الرز"، درس في إحدى الجامعات في مدينة "نابولي" في العلوم الإسلامية، وكان زمان استبصاره سنة ١٤١٧هـ (١٩٩٧م) .

بداية طريق الهداية:

يقول "جفاني": اختار أبي أن يترك طلب العيش في الستين من عمرهِ وبدأ سياحة في عالم التصوّف والتقشّف والزهد.

ومن هنا تأثّرت بالأجواء الروحانية التي سادت فضاء العلاقات في العائلة، واخترت أنا أيضاً السير في طريق البحث عن الحقيقة.

وكنت قبل ذلك لا أتّبع منهجاً فكرياً معيّناً، ولا ألتزم بأي مسلك عقائدي وكنت متأثّراً بالسينما والتلفزيون والجرائد.

تعرّفت على أحد العرفاء يُدعى "فياتور"، وتأثّرت به، حيث سرت في درب جديد من العواطف المختلطة، وكنت أسير نحو التكامل والبحث عن الحقيقة التي كنت أشعر بأنّ وجودي مجذوب إليها. وبمرور الأيام عرفت أنّ الإسلام هو الفكر الذي يمكن أن أهتدي به، فسارعتُ في دراسته وأنا في حالة الخوف والرجاء، لكن كلّما تقدمتُ في السير العلمي وواصلت السلوك المعنوي في

٥٩٤

أجوائه الروحية كنت أرى شمس الحقيقة بوضوح أكبر، واستطعت أن أبرز عواطفي بصورة أفضل.

قرأت آيات القرآن الكريم بتمعّن، واستعنت لفهمه العميق بتفاسير العلماء المسلمين له، وواصلت البحث والمطالعة في مختلف العلوم الإسلامية بمعونة بعض الأصدقاء المسلمين في مدينة "نابولي"، واعتنقت الدين الإسلامي، وتمسكت بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)معلناً ذلك في مسجد مدينة "نابولي" سنة ١٤١٧هـ (١٩٩٧م)، وأنا آمل أن أوفّق للتعرّف الشامل على الدين الإسلامي عبر دراسته في الحوزات العلمية.

دور العرفان في الهداية والتهذيب:

تلجُ الهداية في القلوب المستعدة، ويستقرّ الإيمان في النفوس المهذّبة، أما القلوب التي خالطتها الشوائب فهي لا تقبل الهداية، ولا تريد الخضوع لإرادة الله، والاتّباع لرسله، قال تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}(١)،{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ}(٢)، {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ}(٣).

وهنا يأتي دور العرفان في إزالة هذه الشوائب الفاسدة، فيقوم ببناء النفس الإنسانية بالأخلاق الفاضلة، فالإنسان عندما يشخّص الأخلاق السيئة ويعرف خطرها، وعندما يتعلّم الأخلاق الحسنة ويتيقن من فائدتها فيدفعه حبُّ الكمال إلى تخلية نفسه عن المساوىء، وتحلية روحه بالفضائل.

١- البقرة (٢) : ١٤٣.

٢- الرعد (١٣) : ٣١.

٣- الأعراف (٧) : ٣٠.

٥٩٥

ومن هنا استطاع "جفاني" بعد تهذيب نفسه أن يمهّد قلبه لتقبُّل الحق واعتناق الحقيقة رغم المصاعب التي واجهها في هذا السبيل.

فكانت نفسيته المهذبة أرضية خصبة لتقبّل التعاليم السماوية بمجرّد التعرّف الشامل عليها.

٥٩٦