×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

(٥) أمير الدين بن محمّد مستقيم الحنفي

(حنفي / باكستان)

ولد في شبه القارة الهندية قبل تقسيمها في عائلة حنفية.

كان "أمير الدين" مثقّفاً بالثقافة الدينية المذهبية السنيّة، ومتبحّراً بقراءة كتب التاريخ والرجال وعلم الحديث والتفسير، ومضافاً إلى ولعه العلمي هذا، كان طبيباً على نمط القدامى من الأطباء التقليديين، وكان يعتبر من الشخصيات السنيّة الكبيرة في مدينة (جنك) بالباكستان.

استبصاره:

سكن أحد علماء (هرات) الأفغانيين الشيعة ـ وهو الشيخ عبد العلي الهروي المتوفّى سنة ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٢م ـ في مدينة (سركوتها) بالبنجاب، فتوثقت بينه وبين "أمير الدين" صلة وعلاقة ودّية.

ونظراً للثقافة الواسعة التي كان يتميّز بها "أمير الدين" فقد كان مؤهّلاً للدخول مع الهروي في مناقشات مذهبيّة صريحة للوصول إلى نتائج الاختلاف بين الفرق الإسلاميّة في المسائل الاعتقادية.

ومن خلال هذه المناظرات والبحث في كتب التفسير والحديث والرجال والتاريخ انتهى المطاف بتبنّي "أمير الدين" للمذهب الإمامي، والانتقال إليه من المذهب الحنفي، وكان ذلك في نهاية العقد الأوّل من القرن العشرين الميلادي.

٤١

نشاطه بعد الاستبصار:

جرت بين "أمير الدين" وبين أستاذه الشيخ عليّ محمّد فتح الدين(١)حوارات طويلة انتهت بالشيخ الحافظ عليّ محمّد أن يقوم بدراسة التشيّع على أسس علمية بحتة غير خاضعة للمؤثرات المتوارثة، وقد شرع بذلك عام ١٣٣٠ هـ/ ١٩١١م، وبعدما يقرب من العقد (وبالتحديد في شهر رمضان سنة ١٣٤٠ هـ/ ١٩٢١م) بدأ الحافظ فتح الدين بتسجيل قناعاته برجحان مذهب الشيعة في كتاب مستقل سماه (فُلك النجاة في الإمامة والصلاة).

هذا، وقد قام الحكيم "أمير الدين" بترجمة هذا الكتاب إلى لغة الأردو حيث كتبه الشيخ عليّ محمّد باللغة العربية، وطبع الكتاب في مجلد واحد (مكتوباً بخط اليد) مع ترجمته باللغة الأوردية عام ١٩٢٥م، وشملَ المجلد الأوّل على (٥٢٣) صفحة، والثاني على (٢٧٦) صفحة، وتتضمّن كلّ صفحة على (نصيّن) ; النص العربي (كُتب على جهة اليمين)، والنص الأوردي كتب على جهة اليسار. وحاز الكتاب شهرة واسعة حال صدوره.

ويقول محقّق الكتاب في مقدّمته للطبعة الثانية من الكتاب: "أمّا مترجم الكتاب الحكيم أمير الدين فلم يكن قد نقل "نصّاً" من لغة إلى أخرى فحسب، وإنّما أضاف إلى الكتاب إضافات كثيرة من خلال تتبّع المصادر المختلفة، وألحق بحوث مفصّلة بين ثنايا الكتاب حقّق فيها بعض المطالب بتفصيل وأناة، ممّا أضفى على الكتاب جهداً مضاعفاً جعله في مصاف الكتب الموسوعية النادرة".

هذا وأصبح الكتاب مصدراً لطلاب الحقيقة من الباحثين، وسميّ (كتاب البركة) نتيجة تأثيره العميق في قرّاءه من أهل السنّة، وإحداثه بدايات التحوّل والتغيير لدى الكثير منهم.

١-مرّت ترجمته في الجزء ٣: ١١١.

٤٢

سمات استبصار "أمير الدين":

يلاحظ في استبصار "أمير الدين" عدة سمات تبين عظمة شخصيّته وإخلاصه في الدين، نذكر منها مايلي:

١ـ استبصر "أمير الدين" بعد مناقشات علمية جرت بينه وبين أحد علماء الشيعة، أعلن بعدها تشيّعه بدون تهيّب ممّا يدلّ على إخلاصه في طلب الحقّ.

٢ـ كان "أمير الدين" من الوجهاء، فهو إضافة إلى وجاهته الدينية بين أبناء قومه من المذهب السنّي، كان يملك الكثير من الأراضي والأموال، ولكن كلّ ذلك لم يمنعه من الانتقال إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام) بل كان مستعدّاً للتضحية بوجاهته في سبيل الحقّ.

٣ـ وظّف كلّ جهوده وإمكانيّاته في الدفاع عن المذهب الحقّ بعد استبصاره، وبدأ بالحوار مع أستاذه، وجرت بينهما مناقشات علمية طويلة، انتهت إلى أن قررّ أستاذه البحث بحثاً علمياً في الكتب بدون تحيّز وأحكام مسبقة، وبالفعل بدأ بالبحث واستمرّ لمدّة عشرة سنوات، بدأ بعدها بكتابه كتابه المشهور (فُلك النجاة) الذي ساعده فيه "أمير الدين" من حيث توفير المصادر، ومن ثمّ المساعدة في الترجمة والتعليق.

قال المؤلّف فتح الدين: "ولمّا كنت لا أملك من الكتب شيئاً رجعتُ إلى عزيزي وتلميذي الأديب الأريب اللبيب الطبيب، شريف النسب والحسب، رفيع الرتب، باذل النفس والمال، في حب الله المتعال، ذي العزّة والتمكين، خادم آل النبيين، الشهير في الآفاق، المولوي الفاضل، والحكيم الكامل، محمّد أمير الدين أبدّه الله وأيدّه، ونصره على حاسديه، وأعطاه ما تمنّاه، وجعل عقباه خيراً من أولاه، فأعانني بالكتب المطلوبة غاية الإعانة، وشاورني غاية المشاورة"(١).

١-فلك النجاة في الإمامة والصلاة: ١٣، المقدّمة.

٤٣

وهنا نلاحظ قوّة الروح العلمية لدى هذين العلمين، وقوّة يقينهما باتّباع الحقّ أينما كان، وعدم الالتفات إلى الاعتبارات الأخرى، وخاصّة في بيئة يقوى فيها التعصّب المذهبي.

كما يلاحظ أنّ هذين العلمين كان هدفهما الدفاع عن الحقّ، رغم التيارات المعاكسة التي واجهاها في طريق معرفة الحقّ، بل العكس فإنّ هذه الاتجاهات المعاكسة قد خدمتهما في نشر الحقيقة.

قال المحقّق في المقدمة "إنّ الطعن بشرعية المذهب الإمامي، والتشكيك بمصداقيته من قبل بعض التيارات السنيّة (أحادية الاتجاه) كالتيار السلفي حثّا العلامة المؤلّف أن يسجّل محاججاته في (فُلك النجاة) ذريعة لغلق أبواب التهجّم على القناعات المُغايرة. فكتابه هو في حدّ ذاته ليس فعلاً استفزازياً، وإنّما ردُّ فعل لتيار معاكس مازالت براثنه تنفجر هنا وهناك".

ويتّضح هذا أيضاً بملاحظة ما قاله المؤلّف في مقدّمته للكتاب، قال: "قد شاع الاختلاف في الفرق الإسلاميّة لاسيّما فيما بين أهل السُنَّة والجماعة وبين الشيعة الإمامية في ديارنا، وقد قال الله عزّ اسمه {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}(١)...

وقد كنت رجلاً قصير الهمّة، خادم القوم، مطالعاً لكتب الفريقين فأردت أن أهذّب الروايات الموافقة لهما من كتبهما... لينكشف الحقّ على من اعترض علينا وسأل عنّا من سبب تبديل المذهب من (أهل الجماعة) إلى مذهب (العترة) وكنّا ندافع مرةً بعد مرة، فلمّا أصّروا علينا أردنا أن نكتب ما فيه كفاية لمن له دراية، ولسنا عليهم بمسيطرين، (وما علينا إلاّ البلاغ المبين)".

١-آل عمران (٣) : ١٠٣.

٤٤
 كتاب موسوعة من حياة المستبصرين٦ مركز الأبحاث العقائدية (ص ٤٥ - ص ٧٧)
٤٥

حقيقة شخصيّة أبي بكر:

كان "أمير حسين" يؤكّد على أصدقائه بأن الصورة التي يحملونها عن أبي بكر خاطئة، وبإمكانهم التعرّف على شخصيّة هذا الرجل من خلال تأمّلهم في الحقائق المذكورة في كتب أهل السنّة.

أبو بكر في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) :

ورد في صحيح البخاري: حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر رضى الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حين قدم عليه ركبُ بني تميم. فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي.

قال ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتُهما في ذلك، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآية(١).

وذكر الدكتور التيجاني السماوي في كتابه "فاسألوا أهل الذكر" بعد ذكره لهذا الحديث ومجموعة أخرى من الأحاديث الواردة في هذا المجال: "الظاهر من خلال هذه الروايات أنّ أبا بكر وعمر لم يتأدّبا بحضرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالآداب الإسلاميّة، وسمحا لأنفسهما بأن يُقدّما بين يدى الله ورسوله بغير إذن، ولا طلب منهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبديا رأيهما في تأمير أحد من بني تميم، ثمّ لم يكتفيا حتّى تشاجرا بحضرته، وارتفعت أصواتهما أمامه من غير احترام ولا مبالاة بما تفرضه عليهما الأخلاق والآداب التي لا يمكن لأيّ أحد من الصحابة أن يجهلها، أو يتجاهلها بعد ما قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حياته في تعليمهم وتربيتهم.

ولو كانت هذه الحادثة قد وقعت في بداية الإسلام لا لتمسنا للشيخين في ذلك عذراً، ولحاولنا أن نجد لذلك بعض التأويلات.

١-صحيح البخاري: ٦ / ٤٦، كتاب تفسيرالقرآن، سورة الحجرات (٤٩) : ٢.

٤٦

ولكن الروايات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنّ الحادثة وقعت في أواخر أيام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ إنّ وفد بني تميم قدم على رسول الله في السنة التاسعة للهجرة ولم يعش بعدها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ بضعة شهور، كما يشهد بذلك"(١).

أبو بكر بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) :

قرأ "أمير حسين" قبل استبصاره بعض الكتب الشيعية، فاطلّع من خلالها بأنّ من جملة مواقف أبي بكر بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كذّب الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء وغصب حقّها فهجرته فاطمة الزهراء(عليها السلام) ولم تكلّمه حتّى توفّيت بعد فترة قليلة من وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا توفّيت دفنها زوجها الإمام عليّ(عليه السلام)ليلاً(٢).

واطلع "أمير حسين" على امتناع الإمام عليّ(عليه السلام) من بيعة أبي بكر، فجاء عمر بن الخطاب بأمر من أبي بكر إلى بيت الإمام عليّ(عليه السلام) وهدّد بإحراق البيت، وكان في البيت الإمام عليّ(عليه السلام) وفاطمة الزهراء(عليها السلام) ومجموعة من خيرة الصحابة الذين امتنعوا عن البيعة.

واطلع "أمير حسين" بأنّ أبا بكر منع المسلمين من كتابة السنّة النبوية، وقال: "إنّكم تحدّثون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه"(٣).

وبهذا نُبذت سنة النبيّ وراء الظهور، وهذه الخطوة مخالفة لصريح قوله تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(٤).

١-فاسألوا أهل الذكر، محمّد التيجاني السماوي: ١٧٨ ـ ١٧٩ .

٢-اُنظر: صحيح مسلم: ٥: ١٥٤، كتاب الجهاد، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لانورّث ما تركناه فهو صدقة.

٣-تذكرة الحفّاظ ، الذهبي ١ / ٢.

٤-الحشر (٥٩) : ٧ .

٤٧

وكان ظنّ "أمير حسين" بأنّ هذه الأخبار من صنع الشيعة، ولكنّه وجد بعد البحث بأنّها صحيحة، ولهذا بادر بعد استبصاره ببيان ذلك إلى مَن حوله مِن أهل السنّة.

طلبه لعلوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) :

قرر "أمير حسين" بعد فترة من استبصاره الهجرة إلى مدينة قم المقدّسة لدراسة علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) فسافر إلى هذه المدينة التي تُدعى بعش آل محمّد، ودرس مدّة أربع سنوات ونصف فيها، ثمّ عاد إلى بلده ; لينشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وليبيّن للناس الحقائق التي يكتمها علماؤهم عنهم.

كما توجّه "أمير حسين" إلى كتابة المقالات حول المسائل الخلافية بين أهل السنّة والشيعة داعياً من أبناء مجتمعه التحرر من التقليد الأعمى لأسلافهم، وطالباً منهم تشييد عقائدهم وفق الأسس والقواعد المتينة المبتنية على الركائز الرصينة.

٤٨
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٧) أمير محمّد تونسوي

(حنفي / باكستان)

ولد عام ١٣٣١ هـ ، في "باكستان" بمدينة "تونسة" وترعرع في عائلة تنتمي إلى المذهب الحنفي.

خلافة الإمام عليّ(عليه السلام) .

إنّ من الأمور التي أوصلت "أمير محمّد" إلى القناعة التامة بأحقّيّة مذهب الشيعة الإمامية هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تثبت بأنّ الخليفة الشرعي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس إلاّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولا سيّما أنّ ما ورد في كتب أهل السنّة من روايات وأخبار صحيحة عندهم يثبت ذلك بصراحة.

ولكن كما قال "أمير محمّد" إنّ العقيدة السائدة بين أهل السنّة بصحّة خلافة الثلاثة، يتلقّاها الخلف عن السلف دون دراسة وتحقيق، فالذي يقرأ التاريخ الإسلامي بإنصاف، ويرجع إلى الأدلة التي يقيمها الإمامية على إثبات الخلافة الإلهية للإمام عليّ(عليه السلام)، سيصل إلى قناعة تامّة بأنّ صحّة خلافة الثلاثة لا تستند إلى أيّ دليل شرعي. وأنّ الإمام عليّ(عليه السلام) هو الخليفة الحقّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

فمن جملة الأدلّة التي يقيمها الشيعة على إثبات إمامة عليّ(عليه السلام) وإثبات عصمته هي آية الولاية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ

٤٩

وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(١).

قال الشيخ الطوسي في معرض استدلاله بهذه الآية الكريمة: "واعلم أنّ هذه الآية من الأدلّة الواضحة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد النبيّ بلا فصل.

ووجه الدلالة فيها أنّه قد ثبت أنّ الوليَّ في الآيّة بمعنى الأولى والأحقّ وثبت أيضاً أنّ المعنى بقوله "والذين آمنوا" أمير المؤمنين(عليه السلام) فإذا ثبت هذان الأصلان دلّ على إمامته ; لأنّ كلّ من قال: انّ معنى الولي في الآية ما ذكرناه قال إنّها خاصّة فيه. ومن قال باختصاصها به(عليه السلام) قال المراد بها الإمامة"(٢).

كما قال ابن شهر آشوب حول هذه الآية: "أجمعت الأمّة أنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع، ولا خلاف بين المفسرين في ذلك،وأكّده إجماع أهل البيت(عليهم السلام)، فثبتت ولايته على وجه التخصيص ونفي معناها عن غيره وإنّما عنى بوليكم القائم بأموركم ومن يلزمكم طاعته وفرض الطاعة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون إلاّ للإمام وثبت أيضاً عصمته لأنّه تعالى إذا أوجب له من فرض الطاعة مثل ما أوجبه لنفسه تعالى ولنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) اقتضى ذلك طاعته في كلّ شيء وهذا برهان عصمته ; لأنّه لو لم يكن كذلك لجازمنه الأمر بالقبيح وفي علمنا بانّ ذلك لا يجوز عليه سبحانه دليل على وجوب العصمة"(٣).

وذكر الشيخ المفيد هذه الآية الكريمة واستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال: "ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(٤).

فوجه الله سبحانه بالنداء جماعة أضافهم إلى غيرهم بالولاء، وجعل علامة

١-المائدة (٥) : ٥٥.

٢-التبيان: الشيخ الطوسي ٢٣، ٥٥٩.

٣-متشابه القرآن: ابن شهر آشوب ٢، ٢٩ .

٤-المائدة (٥) : ٥٥ .

٥٠

المنادى إليه إيتاءه الزّكاة في حال الرّكوع، بقوله سبحانه: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ولا خلاف عند أهل اللّغة أنّ قول القائل: "جاءني زيد راكباً، وجاءني زيد في حال ركوبه، ورأيت عَمراً قائماً ورايت عَمراً وهو قائم، ورأيته في حال قيامه"، كلّ واحد من هذه الألفاظ يقوم مقام صاحبه ويفيد مفاده. وإذا ثبت أنّ الولاء في هذه الآية واجب لمن آتى الزّكاة في حال ركوعه، ولم يدّع أحد من أهل القبلة لأحد أنّه آتى الزّكاة في حال ركوعه، سوى أمير المؤمنين(عليه السلام) وجب أنّه المعنيّ بقوله: [والذين آمنوا] وإذا ثبتت ولايته حسب ولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجبت له بذلك الإمامة(١).

الالتحاق بركب أهل البيت(عليهم السلام) :

يقول "أمير محمّد" من منطلق التحقيق ومعرفة الحقّ ونبذ الباطل راجعت حضرة المولى المرحوم "مولوي فيض محمّد (مكهيالوي)" فعقدت عنده جلسة نقاش مذهبية دار بحثنا حول الخلافة الشرعيّة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأثبت لي خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) بلا فصل.

فلزمتني الحجة في ذلك، وكان هذا سبب استبصاري واختياري لمذهب الحقّ.

١-المسائل العكبرية: الشيخ المفيد ٤٩: ٥١ .

٥١

(٨) جعفر حسين باجواه

(حنفي / باكستان)

ولد "جعفر حسين" سنة ١٣٩٠هـ (١٩٧١م) في باكستان ـ ولاية البنجاب ضلع شيخو بورة ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى نال شهادة الثانوية العامة.

اعتنق "جعفر حسين" مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ بعد أن نوّرت الحقيقة قلبه عام ١٤١٣هـ (١٩٩٣م) ، ثمّ اتّجه لتقوية مرتكزاته العقائدية الجديدة من خلال دراسة العلوم الدينية، فدرس أكثر من أربع سنوات حتى صار إمام جماعة في إحدى المساجد، وهو الآن أحد دعاة مذهب التشيّع.

قصّة استبصاره:

يقول "جعفر حسين" : كنت أدرس اللغة الإنجليزية، وكان أستاذي شيعياً، فأهدى لي في أحدى الأيام كتاب نهج البلاغة، فقرأته وأعجبت بكلام الإمام عليّ(عليه السلام) الذي يأسر القلوب ويأخذ بالألباب، وقد لفتت نظري الخطبة الشقشقية فيه، ورفض الإمام عليّ(عليه السلام) شرعيّة الخلفاء الذين قبله، فتأثّرت كثيراً، وبدأت في مناقشة الأمور الدينية مع أستاذي، فلاحظت ـ من خلال المناقشة والبحث ـ أنّ للشيعة مذهب متكامل، فاهتديت للتشيّع ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والتحقت بإحدى الحوزات العلمية الشيعية للدرس ولفهم المذهب بعمق، وقد تأثّرت في

٥٢

تشيعي بمسائل كثيرة توضّحت لي، كقضية الإمامة، وقضية فدك، وظلامة الزهراء(عليها السلام) .

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) من الخلفاء :

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) الرافض والمعارض للخلفاء كان واضحاً وبيّناً، فقد أعلن ذلك من خلال خطبه، وكلماته، ومواقفه، وكذا موقف باقي أهل البيت(عليهم السلام)فإنّ لفاطمة(عليها السلام) عدّة احتجاجات ومناظرات مع الخلفاء، وعامّة المهاجرين والأنصار، أثبتت فيها حقّانية الإمام عليّ(عليه السلام) في الخلافة، وكذا الحسن والحسين(عليهم السلام) ريحانتا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

موقف أهل البيت(عليهم السلام) هذا ـ وهم الذين أنزلت فيهم آية المودّة: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}(١)، وآيات كثيرة أخرى، وجاء في فضلهم الأحاديث الكثيرة التي دلّلت على علوّ شأنهم، وسموّ منزلتهم عند الله تعالى وعند رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهم(عليهم السلام) الذين لا يشك أحد في فضلهم وكرامتهم، وقد اتفق سائر فرق المسلمين على ذلك.

فموقفهم هذا يبعث على الاستغراب والتأمل والتسائل، بل وعلى مراجعة الأحداث التي تلت وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والتي قبيل وفاته بصورة أكثر جدّيّة وبدراسة أكثر موضوعية ودقّة.

إنّ هناك عدّة أسئلة يطرحها الرأي العام الإسلامي الذي عرف مقام الإمام عليّ(عليه السلام) في الإسلام عندما يرى أنّ الإمام(عليه السلام) لم يبايع.

والأحرى أن نقول: هي عدّة إشكالات تحتوي في داخلها على رفض عنيف يدمر جميع الأركان التي قامت عليها خلافة الثلاثة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقبل أن تكون لنا وقفة مع هذه الأسئلة (الإشكالات) نتطّرق إلى إثبات

١-الشورى (٤٢) : ٢٣.

٥٣

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) الرافض لبيعة من تقدّمه.

جاء في صحيح البخاري: حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر" إلى أن قالت عائشة: "فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، إلى أن قالت عائشة: "ولم يكن يبايع (عليّ) تلك الأشهر"(١).

ورواه مسلم في صحيحه، قال: حدّثني محمّد بن رافع، حدثنا حجين، حدّثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة(٢)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى(٣)، وابن حبان في صحيحه(٤) .

لماذا لم يبايع الإمام عليّ(عليه السلام) أبا بكر:

نحن إذا سلّطنا الضوء على موقف الإمام عليّ(عليه السلام) الرافض لخلافة أبي بكر نجد أنّ هذا أمر مصيري ومهم، جرى بالتدقيق والتعمّق من جهتين:

الأولى: أهمّية هذا الرفض في نظر الشريعة والتكليف الإلهي.

الثانية: أهميّة هذا الرفض من جهة الجانب الروحي والنفسي والاجتماعي للمسلمين بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

الجهة الأولى:

١-صحيح البخاري ٣: ٨٠ ، ح٤٢٤٠ ـ ٤٢٤١ .

٢-صحيح مسلم ٣: ١١٠٦، ح١٧٥٩ .

٣-السنن الكبرى ٦: ٤٨٩، ح١٧٥٩ .

٤-صحيح بن حبان ١١: ١٥٣، ح٤٨٢٣ .

٥٤

إنّ من تتبع كلام الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يجده قد أعطى لكلام وموقف الإمام عليّ(عليه السلام) مقاماً ومنزلة بموجبها يكون فعله(عليه السلام) ذا قيمة ووزن شرعي، لا يمكن التنازل عنه، ولا تصح مخالفته ; لأنّه يكون مخالفة للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .

جاء في مسند أبي يعلى الموصلي، أنّه قال: حدّثنا محمّد بن عباد المكي، حدّثنا أبو سعيد عن صدقة بن الربيع، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: كنّا عند بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من المهاجرين والأنصار، فخرج علينا فقال: "إلاّ أخبركم بخياركم؟" قالوا: بلى، قال: "خياركم الموفون المطيّبون، إنّ الله يحب الخفيّ التّقيّ"

قال: ومرّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فقال: "الحقّ مع ذا، الحقّ مع ذا"(١)

ورواه ابن عساكر في تاريخه(٢)، والمتقي الهندي في كنز العمال(٣)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: "رواه أبو يعلي ورجاله ثقات"(٤).

فالحق إذن مع عليّ(عليه السلام)، فأيّ فعل فعله الإمام عليّ(عليه السلام) فهو حقّ، ومن الأفعال التي فعلها الإمام عليّ(عليه السلام) أنّه رفض مبايعة أبي بكر، ففعله هذا حقّ، وهذا يعني أنّ مبايعة أبي بكر ليست بحق، وهل غير الحقّ إلاّ الباطل؟!

فخلافة أبي بكر خلافة غير شرعية، وقد تثير هذه النتيجة حفيظة البعض، ويراها نتيجة بعيدة عن الواقع، إلاّ أنّنا كلّ ما قمنا به هو أنّا جمعنا بين قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي رواه أهل السنّة في كتبهم وبأسانيد صحيحة، وبين فعل الإمام عليّ(عليه السلام) وهو ما رووه أيضاً في كتبهم بأسانيد معتبرة وصحيحة، فلم نعتمد في استدلالنا إلاّ على رواياتهم المعتبرة، وهذا حقّ طبيعي يجب أن يمارسه كلّ إنسان

١-مسند أبي يعلى الموصلي ١: ٤٥١، ح١٠٤٧.

٢-تاريخ مدينة دمشق ٤٥: ٤٤٩، ح٩٠٢٤.

٣-كنز العمال ١١: ٢٨٥، ح٣٣٠١٥.

٤-مجمع الزوائد ٧: ٣٣٧، ح١٢٠٢٧.

٥٥

يبحث عن الحقيقة، ويتحرّى الموضوعية في استنتاجاته، فعندما جمعنا بين هذين الأمرين وجدنا أنّ النتيجة الطبيعة لهما أنّ خلافة أبي بكر في واد غير وادي الحقّ.

الجهة الثانية:

أهمية رفض الإمام عليّ(عليه السلام) لخلافة أبي بكر من الجانب النفسي والاجتماعي المسلّمين.

إذا تأمّلنا في وظائف خليفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تكون بعهدته قيادة المجتمع الإسلامي، نجد أنّ رفض الإمام عليّ(عليه السلام) لخلافة أبي بكر أمر طبيعي، أعني: لابد منه ; وذلك لأنّ المجتمع الإسلامي قد تعرّض لهزّة عنيفة من الجانب النفسي والروحي عند فقد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اعتادت الأمّة الإسلاميّة على وجوده بينها، فإنّه كان دائماً يبعث روح الأمل والمقاومة والاستقامة في نفوس المسلمين، بحيث كلّما ضعفت عزائمهم وقواهم يستمدّون من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)العزم والاقتدار.

وكذا من الجانب الاجتماعي، فقد تعرّض المسلمون لصدمة بفقده(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّ المسلمين اعتادوا على رجل يحل لهم كلّ قضاياهم ومشاكلهم العبادية والمعاملاتية، ويمثّل مصدراً معرفياً أصيلا بارتباطه بالسماء.

ففقد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان ضربة شديدة وخسارة عظيمة للأمّة الإسلاميّة، تلك الأمة التي تريد أن تحمل مشعل الهداية الإلهية إلى كافّة البلدان، ولكل الأجيال على مدى التاريخ من دون تلكأ أو تعثّر ; لأنّها الرسالة الخالدة التي ختم بها الله تعالى كافّة الأديان وجميع الرسالات.

فإذا أخذنا بنظر الاعتبار هذا الدور الريادي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على كافة المستويات ـ الذي قصدته الأمة الإسلاميّة بفقد قائدها العظيم، وأصبح هاجساً يقلق الضمير الإسلامي الحي، نجد من الضروري أن يكون هناك شخص هو الأقرب لصفات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الروحية والخلقية والعلمية، وغيرها، بحيث تتمثّل

٥٦

بحركاته وسكانته أفعال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبكلماته ومواقفه يملأ الفراغ الذي خلّفه فقد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الروح الإسلاميّة.

فوجود هكذا شخصية أمر ضروري ولابد منه، هذا مع غض النظر عن الكثير من القضايا التي توجب وجود هكذا إنسان بهذه الصفات والكمالات والمؤهلات.

فإذا تأملّنا بالآيات القرآنية والنصوص النبوية، نجد أنّ هكذا شخص قد بُيّن بصورة واضحة غير قابلة للشك أو الترديد، قال تعالى في آية المباهلة: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(١).

قال الحاكم النيسابوري: "قد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عبّاس وغيره أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يوم المباهلة بيد عليّ وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراءهم ثمّ قال: هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين"(٢).

وقال الجصاص في أحكام القرآن: "فنقلة رواة السير ـ ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه ـ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة ـ رضى الله عنهم ـ ثمّ دعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة"(٣).

فعلي(عليه السلام) نفس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنص القرآن الكريم، فمن أولى بخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه أو غيره؟!

إلى غير ذلك من فضائل الإمام عليّ(عليه السلام) ومناقبه التي ملأت الكتب وتناقلها العدو والصديق، وألّقت فيها الكتب والرسائل، فكل هذه الفضائل ـ غير التي نصت

١-آل عمران (٣) :٦١.

٢-معرفة علوم الحديث: ٤٨.

٣-أحكام القرآن ٢: ١٨.

٥٧

وصرحت بأحقيّته بالخلافة ـ تؤكد أنّ الذي يمكنه أن يحافظ على الرسالة الإلهية بعد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليّ(عليه السلام) فإذا جمعنا بين وظائف ومهام من يخلف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نجد أنّ الخلافة حقّ طبيعي وضروري للإمام عليّ(عليه السلام)، فعندما يتصدّى شخص آخر لهذا المنصب الخطير فمن حقّ الإمام الشرعي، بل الذي لابدّ منه أن يبدي اعتراضه على هذا الأمر.

ومن خلال ما تقدم نخرج بنتيجة لا مفر عنها وهي:

إنّ مسالة رفض الإمام عليّ(عليه السلام) لخلافة أبي بكر ليست مسألة شخصية، أو ذوقية، أو رأي ارتجالي، بل هي قضية شرعية فرضتها الآيات القرآنية والكلمات النبوية، وضرورة اجتماعية ونفسية للأمة الإسلاميّة.

فعندما جمع "جعفر حسين" بين هذه الروايات التي رواها أهل السنّة بأسانيد صحيحة ومعتبرة وقايس بينها بنظرة جدّية وموضوعية بعيداً عن التعصب الأعمى الذي يغلق نوافذ الفكر على نور الحقيقة توصّل إلى أحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فاعتنق هذا المذهب ورأى فيه المذهب القادر على قيادة المجتمع الإسلامي إلى كمالاته وتطلعاته بصورة صحيحة من دون انتكاسات أو تلكآت وهو المذهب الذي أوصى به صاحب الرسالة محمّد الأمين(صلى الله عليه وآله وسلم) .

٥٨
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٩) جنّت حسين جنّتي

(حنفي / باكستان)

ولد عام ١٣٩٩هـ (١٩٧٩م) في باكستان بكشمير قرية بارل، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، فتمسّك بمذهب آبائه من منطلق التقليد، واستمرّ به الحال على هذه الوضعية في الصعيد الديني، وهو غير ملتفت بصورة جادة إلى مسألة الاختلافات المذهبية، وتعدّد الفرق في داخل الدائرة الإسلاميّة وضرورة البحث للعثور على الفرقة الناجية، ولكنّه مع ذلك كان على اتصال جزئي بأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ولم يكن المذهب الشيعي عنده غريباً ; لأنّ خاله كان شيعياً، وكان بعض الأحيان يذهب مع خاله إلى مجالس الشيعة، ولكنه لم يكن له إلمام بأبعاد الاختلافات العقائدية بين السنّة والشيعة.

الداعي الأوّل للاستبصار:

كان "جنت حسين" يقدّس كثيراً شخصية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وكان معتقداً بأنّه الشخصية الجامعة لكل الفضائل حسب ما كان العلماء يملون عليه.

فذهب ذات يوم مع خاله إلى إحدى المجالس الحسينيّة، فسمع الخطيب يبيّن الأحداث التاريخية التي وقعت بعد التحاق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق لأعلى: . . . امتنع عليّ بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر، فبعث أبو بكر عمر إليه وإلى من كان

٥٩

معه في دار عليّ ولم يبايعوا، فجاء عمر فنادى وطلب منهم الخروج من الدار، فأبوا، فدعى عمر بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.

فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة! فقال: وإن!(١).

فجاءت فاطمة الزهراء خلف الباب وقالت: يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.

ثمّ هجم القوم على الدار، فدفع عمر بن الخطاب الباب، فلاذت الزهراء وراء الباب، فعصر عمر الباب بحيث ألقت الزهراء جنينها من بطنها، ثمّ صاح عمر: أحرقوا دارها بمن فيها!(٢).

وتجرّعت الزهراء ما تجرّعت من عمر بن الخطاب حتّى قالت له ولأبي بكر ذات يوم عندما جاءا لزيارتها: أرايتكما إنّ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تعرفانه وتفعلان به؟

قالا: نعم.

فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: رضى فاطمة من رضاى وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟

قالا: نعم، سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت: فإنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ، لأشكونكما إليه...، ثمّ قالت لأبي بكر: والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصلّيها(٣).

١-اُنظر: الإمامة والسياسة، ابن قتيبة ١: ٣٠.

٢-اُنظر: الملل والنحل للشهرستاني ١: ٥٧.

٣-اُنظر: الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري: ١: ٢١.

٦٠