×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الاندفاع نحو البحث والتحقيق:

يقول "جنت حسين": لم أصدّق ما ذكره الخطيب حول مواقف عمر بن الخطاب ومواجهته مع أهل البيت(عليهم السلام) ولاسيما مع فاطمة الزهراء بهذه الصورة القاسية. فلهذا توجهّت نحو البحث ومراجعة المصادر، وكان لي صديق شيعي فراجعته واستفسرت الأمر منه ودار بيني وبينه حوارات ومناظرات كثيرة، وقلت له: إنّ أثبتّ لي بأنّ عمر بن الخطاب قام بهذه الأفعال فأنا سأتشيع، وبعد فترة قصيرة وجدت أمامي كماً هائلاً من المصادر السنيّة المعتبرة المثبته لهذه الحقيقة، منها وجدت في كتاب "الفاروق"باللغة الأردوية ومؤلّفه الشبلي النعماني وهو أحد السنّة المتعصّبين يعترف ويقول حول ضرب عمر للزهراء: "إنّ هذا الأمر ليس بعيداً عن عمر"، فاستغربت من كلامه هذا على رغم تعصّبه وتقديسه لعمر بن الخطاب.

فحملت هذه المصادر وذهبت إلى علمائنا في منطقتنا، فوجدتهم يتكلّؤون أمام هذه القضايا، ويحاولون الهروب منها وعدم البحث حولها، بل اكتشفت أكثر من ذلك أنّ علماءنا يحاولون إخفاء الكثير من الحقائق عنّا، ولاسيّما الأمور المرتبطة بالصحابة واختلافاتهم والمشاجرات والحروب التي وقعت بينهم.

إعلان الاستبصار:

يقول "جنت حسين": تبلورت قناعتي الكاملة بأحقّيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٤١٦هـ (١٩٩٦م) فاستبصرت وبقيت مدّة خمس سنوات لم أعلن استبصاري، وقمت في هذه الفترة بالتسلح الكامل بالأدلّة والبراهين ; لأنّني كنت أعلم بأنّني سأواجه بعد الاستبصار العديد من الأسئلة العقائدية حول أدلّة استبصاري، ولابدّ لي من الاستعداد لتلك المرحلة، وفي عام ٢٠٠١م أعلنت استبصاري في كشمير، وأوقفت حياتي لخدمة مذهب التشيّع، ونشر علوم ومعارف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وأوّل مابذلت جهدي في داخل دائرة أسرتي، فأثمر

٦١

هذا الجهد بعد فترة، وكانت ثمرته استبصار اخوتي وعمّتي وأولاد عمّتي، ثمّ توجّهت نحوالتبليغ والدعوة، ثمّ سافرت إلى إيران والتحقت بالحوزة العلمية لأنهل المزيد من علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، ولأكون على أتمّ الاستعداد لتطهير القلوب من العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة.

٦٢

(١٠) خالد برويز خواجه

(سنّي / باكستان)

ولد في باكستان بمدينة (دادنخان)، وتخرّج من كلية الطب، وعمل رئيساً لإحدى المستشفيات الرسمية.

استبصاره:

انتقل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد بحث علمي طويل وتتبع مستمر في المصادر الدينية حول مسألة الوضوء، إذ رأى أن الاختلاف بين المسلمين في هذه المسألة يبدو غير طبيعي، إذ أنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتوضأ يومياً عدّة مرات أمام صحابته، ومع ذلك نرى الاختلاف العظيم بين المسلمين في هذه المسألة الواضحة والتي كان يجب أن لا يحدث فيها اختلاف بين المذاهب.

وكان نتيجة بحثه التوصّل إلى أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وخصوصاً في مسألة مسح الأرجل، وأنّ الشيعة هم الملتزمون بسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهم الذين يتبعون سنة خلفائهم ولو على حساب السنة النبوية الشريفة.

وبعد اطمئنانه بما توصّل إليه أعلن تشيّعه لآل البيت(عليهم السلام) ودعا والديه وزوجته وبقية أفراد عائلته إلى التشيع، فتشيعوا أيضاً واهتدوا إلى الصراط المستقيم، ولا زال مُبلغاً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) لا يمنعه عائق، ولا يوقفه مانع.

٦٣

الوضوء بين سنّة الرسول وبدع المبتدعين:

أقام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) دينَ الإسلام على أسس ثابتة وبناء راسخ، ولم يترك في منظومة قوانين الإسلام وأحكامه خللاً أو صدعاً يمكن ان ينفذَ منه المنافقون أو المعاندون لهدم ما أسسه أو تخريب ما بناه.

وكان من شروط إتمام الرسالة، والمحافظة على ما تمّ تأسيسه هو تعيين الخليفة والوصي الذي يقوم بدور الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، وقد فعل ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله وعيّن علي بن أبي طالب(عليه السلام) وصياً له وخليفةً على المسلمين ليقوم بإمامة المسلمين، ويحفظ كيان الإسلام بعد رحيل الرسول إلى بارئه من أعدائه الذين يكيدون له من الخارج والداخل.

لكن الذي وقع بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن المسلمين تركوا الوصي والخليفة الشرعي واختاروا شخصاً آخر ليتسلم مسند رئاسة المسلمين ويدعي الخلافة باطلاً بدل من عيّنه الله ورسوله خليفة للمسلمين، فكانت النتيجة أن تضيع أركان الدين تدريجياً، وتتهدم الشريعة الغراء حكماً فحكماً.

وكان من الأحكام التي تعرّضت للتحريف البيّن، والاختلاف الشديد هي أحكام الوضوء التي كانت واضحة المعالم والأجزاء والتفاصيل أيام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يمارس الوضوء أمام المسلمين يومياً صباحاً ومساءاً، حضراً وسفراً ويرشدهم إلى أحكامه، ويصحح أخطاءهم في تطبيق أحكام الوضوء حتّى توفيّ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، والمسلمون على وضوء واحد كما علّمهم بدون اختلاف أو زيادة أو نقيصة.

لكن الاختلاف في الوضوء بدأ يدبّ دبيب النمل قليلاً قليلاً بعد وفاته إلى أن اتسعَ الخرقُ وصار واضحاً ملموساً لكلّ مسلم، ففي زمان عمر بن الخطاب بدأ الانحراف عن وضوء رسول الله بأمر عمر لبعض المسلمين بالمسح على الخفين ثُمّ انتشر هذا الخلاف بين المسلمين فيما بعد وصار حكماً تتبناه المذاهب الأربعة

٦٤

رغم معارضة الصحابة لعمر في هذا الأمر في وقته(١).

لكن المصيبة الأكبر كانت في زمان عثمان بن عفان الذي كان يتبنى سياسة وضوئية تحريفية متعمدة ليفتح لنفسه ولبني امية باباً من البدعة يثبت به وجودهم مقابل السنة النبوية الشريفة، فعثمان كان قد قبل الخلافة على أساس العمل على سيرة الشيخين لكنه في النصف الثاني من فترة حكمه رأى لنفسه شأناً ومكانة لا تقل عن مكانة الشيخين اللذين سبقاه في الحكم، فصار يُحدث في الدين أحداثا بدعية(٢) وهو يرى أنّ الحق معه في ذلك(٣) كما فعل الشيخان سابقاً، لكن الذي حصل أنّه تدخل في أمور لا تحتمل الخلاف في السنة النبوية ولم تساعده سياسته الضعيفة على تحريفها بسهولة، وكان الوضوء من جملة الأمور التي أعمل فيها سليقته الشخصية ثُمّ نسبها إلى رسول الله(٤) حيث نراه أبدل مسح الأرجل بغسلها وجعل الغسلات ثلاثية وكانت في زمان الرسول ثنائية حيث نراه أخذ جانب الإفراط في التنظيف والانقاء بينما الوضوء هو فرض إلهي وسنة نبوية تراعي أضعف المكلفين وليس الحكمة منها هو التنظيف من الأوساخ وانّما التنظف يجب أن يحصل قبل فعل الوضوء الذي هو طهارة ذات أبعاد معنوية عظيمة.

وقوف الإمام علي(عليه السلام) في وجه الانحراف:

وقف الإمام علي(عليه السلام) في وجه الانحراف الذي حصل في زمان الخلفاء الذين حكموا قبله، وذلك بالنصيحة وبيان الحق والتعريف بالسنة النبوية الصحيحة

١-اُنظر: تفسير العياشي ١: ٢٩٧، ح٤٦، والدر المنثور ٢: ٢٦٣.

٢-كاتمام الصلاة في منى، اُنظر مسند أحمد ٤: ٩٤، فتح الباري ٢: ٤٧١ والغدير ٨: ٩٨، وكزيادته النداء الثالث في يوم الجمعة، اُنظر صحيح البخاري ١: ٢١٩، والغدير ٨: ١٢٦، وكتقديمة الخطبة على الصلاة في العيدين، اُنظر فتح الباري ٢: ٣٧٦.

٣-تاريخ الطبري ٣: ٣٢٢ ـ ٣٢٣.

٤-اُنظر كنز العمال ٩: ٤٣٦، حديث ٢٦٨٦٣ ـ ٢٦٨٩٠.

٦٥

التي لا لبس فيها، وعندما استلم الحكم حاول محو الانحراف الذي حصل بصورة عامة ومنه محاولته تصحيح الانحراف الذي حصل في الوضوء بعمل الوضوءات البيانية التي تبين وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك استدل باستدلالات تقنع الآخرين وتوصلهم إلى الحق من أقرب الطريق(١).

هذا وقد كانت فترة حكمه قصيرة انشغل فيها بمحاربة أعداء الإسلام المنافقين الذين حاولوا تحريف الإسلام من الداخل، فلم تسمح له الفرصة إلاّ قليلاً لتصحيح ما حصل من انحراف شاسع.

الانحراف مرة أخرى بعد الإمام علي(عليه السلام):

ثُمّ إن بني اُمية لمّا استولوا على الحكم نصروا الانحراف العثماني في الوضوء وبذلوا الأموال الكثيرة لشراء ذمم المتفقهين لوضع الأحاديث والاستدلالات التي يراد منها تثبيت الانحراف الذي أحدثه عثمان في الوضوء، ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا تشويه ما ورد عن الإمام علي(عليه السلام) من تصحيح للانحراف ودفاع عن السنة النبوية وذلك بوضع الروايات المزوّرة على لسانه التي تنصر مذهبهم أو تشوه ما قام به من تصحيح وتجعله غير ذا تأثير بتكثير الاحتمالات واستعمال المرادفات اللغوية(٢) لتمييع دلالات الروايات التي نقلها كما هي طريقتهم وسنتهم معه في كُلّ ما ورد عنه من فقه وأحكام وعقائد.

ثُمّ إن معاوية زاد في الطين بلةً على الانحراف العثماني في الوضوء وصار يغسل رأسه بالإضافة إلى غسل رجليه مع أنّ إجماع المسلمين وصريح دلالة آية الوضوء على مسح الرأس لكن فقهاء السوء قبلوا بغسل الرأس إكراماً لمعاوية وإن قالوا أنّه مكروه(٣).

١-المصنف ١: ٣٠، ح٦ و٢٠٨، ح٤٣، سنن أبي داود ١: ٤٤، ح١٦٤.

٢-أُنظر كنز العمال ٩: ٤٤٧، ح٢٦٩٠٧، شرح مسلم للنووي ٣: ١٠٥ ـ ١١٠.

٣-فتح الباري ١: ٢٥٨.

٦٦

وحين استولى بنو العبّاس على حكومة المسلمين ثبتّوا الانحراف الأموي السابق واستفادوا منه في معرفة الثابتين على السنة النبوية الشريفة(١) وهم الشيعة الإمامية الذين صاروا يرون فيهم أعداءاً خطرين ومنافسين صعبين وذلك لأن أساس الدعوة العبّاسية قام على المطالبة بحق آل محمّد الذي غصبه الحكام السابقين، لكن بعد استلام العبّاسيين للسلطة دفعوا آل محمّد الذين وصّى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهم عن الأمر وصاروا يرون حكومة المسلمين أمراً خاصاً بهم لقضاء شهواتهم وتلبية أهوائهم.

وهكذا كانت طريقة وضوء الشيعة التي هي وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيلة لمحاربتهم وتصفيتهم والقضاء عليهم نتيجة هوى الحكام في إبعاد الأمة عن سنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

١-رجال الكشي: ٣١٢ رقم ٥٦٤ وعنه في وسائل الشيعة ١: ٤٤٣، ح١١٧٢، التهذيب ١: ٨٢ ح٢١٤، الاستبصار ١: ٧١ ح١١٢١٩، الإرشاد ٢: ٢٢٧.

٦٧

(١١) غوث بخش كهوكهر

(سنّي حنفي / باكستان)

ولد عام ١٣٥٨هـ (١٩٤٠م) في (جاه حسين وآله) بباكستان، درس بعد استبصاره لمدة سبع سنوات في معهد (ضلع مظفر كهر)، ثُمّ هاجر إلى النجف الأشرف للدراسة في الحوزة العلمية.

طريقي إلى الاستبصار:

يقول "غوث بخش": كانت لي رغبة قوية في طلب العلم، وكنت أطالع الكتب الدينية بشوق واهتمام، فوقع ذات يوم في يدي كتاب عنوانه (تعليم الإسلام)(١)، وهو كتاب قد وضعه مؤلفه ليدرّس في المدارس الابتدائية، بدأت بمطالعة الكتاب فوجدت فيه تراجم مفصلة للخلفاء الثلاثة الأوائل، وعندما تعرض الكتاب لترجمة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وجدته قد اكتفى بالنزر اليسير، فلفت هذا الأمر انتباهي، وتعجبت منه، وتساءلت مع نفسي: ما الفرق بين الخلفاء الراشدين حتّى يتصرف مؤلف الكتاب بهذا الشكل؟ فالإمام علي(عليه السلام) لا يقل عن الخلفاء الثلاثة إن لم يكن أفضل منهم بمواقفه المشهورة وبطولاته المحمودة، ونسبه الرفيع، فهو من بني هاشم وابن عم النبي صلّى الله عليه وآله!

١-تأليف مفتي كفاية الله.

٦٨

صادف بعد ذلك أن زارني في بيتي أحد السادة الكرام الذين ينتهي نسبهم إلى البيت العلوي الشريف، فدار بيننا حوار حول الأمور الدينية والمذهبية فسألني ذلك العالم عن مذهبي، فاجبته إني على مذهب الإمام أبي حنيفة، وسألني من هو إمامك؟ فقلت: أما إمامي الأوّل: فأبو بكر، والثاني: عمر، والثالث: عثمان، والرابع: علي، والخامس: معاوية، والسادس: يزيد، فتأوه السيّد وقال: يزيد قاتل الحسين(عليه السلام) سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إمامك، ثُمّ أخذ يسرد لي جرائمه ويصف لي أحواله، فأخذني الهم والغم، وصرت أفكر في كلامه، فقال لي: إن كنت تريد الجنّة، فتمسّك بعلي(عليه السلام) وأولاده المعصومين فقط ، فهم الثقل الموازي للقرآن، ودع عنك بني أمية وأشباههم، ثُمّ قال لي: إذهب وحقّق الأمر بنفسك، فستجد صحة ما أقوله لك وهو عين الصواب. وبالفعل واصلت مطالعاتي.

شخصية يزيد بن معاوية:

وجد غوث بخش بأنّ يزيد من الشجرة الملعونة في القرآن، وهم بني أمية، وقد قال تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ }(١) الأصل كلّه ملعون، من الجدود إلى الأحفاد، من أمية إلى آخر الفروع ويزيد هو الفرع الأفسد، الغصن الأنتن، حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على عهدة رواية صاحب الصواعق المحرقة ـ : "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له: يزيد"(٢).

ويزيد هو ابن معاوية رأس الفئة الباغية، فقد (تواترت الأحاديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنّه قُتل مع علي بصفين)(٣)،

١-سورة الإسراء (١٧) : ٦٠.

٢-الصواعق المحرقة ٢: ٦٣٢، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.

٣-الإصابة ـ ابن حجر العسقلاني ٤: ٤٧٤.

٦٩

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)(١).

ويزيد حفيد (هند)، وهند كانت زانية، وذكر بعضهم أنها كانت من ذوات الأعلام(٢)، لا ترد أحداً، ولا تمنع لامساً. وذكروا: "أنّه لما كان يوم فتح مكة، بايعت النساء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزلت الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ...}(٣) ـ فأخذ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهن الشروط الواردة في هذا الآية ـ إلى أن قال: "ولا يزنين"، قالت هند: "وهل تزني الحرّة؟ فتبسم عمر بن الخطّاب..."(٤) وهند آكلة الأكباد، لفظ فوها كبد حمزة، وشربت دمه، ثُمّ قطعت أصابع يديه ورجليه، وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجعلت ذلك خيط كالقلادة في عنقها(٥).

وإلى هذا الموقف أشارت زينب الكبرى عقيلة بني هاشم في خطبتها عند مواجهتها ليزيد: "وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء"(٦).

يزيد الذي لا يعرف الإسلام، كان كفره صريحاً فانشد قائلاً:


لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزل(٧)

وكان قد نشأ في أحضان النصارى، عند أخواله بني كلب في (حوّارين) وقضى معظم أيام حياته هناك أيضاً لاهياً بشرب الخمور، ومتشاغلاً بارتكاب الفجور، هذا ولم يكتف يزيد بقتل الحسين(عليه السلام) وأولاده وأصحابه، بل ارتكب من الجرائم ما

١-ابن أبي الحديد في نهج البلاغة ٤: ٣٢ و١٥: ١٧٦، تاريخ الطبري ٨: ١٨٦.

٢-ناسخ التواريخ: ٣٢٩.

٣-سورة الممتحنة (٦٠) : ١٢.

٤-تفسير مجمع البيان ٩: ٤٥٧.

٥-عمدة القاري ١٧: ١٤٣، شرح نهج البلاغة ١٥: ١٢، عين العبرة في غبن العترة لابن طاووس: ٥٧، بحار الأنوار ٢٠: ٥٥ .

٦-اللهوف: ١٠٦، بحار الأنوار ٤٥: ١٣٤.

٧-تاريخ الطبري ٨: ١٨٧، اللهوف: ١٠٥.

٧٠

يندى له جبين الإنسانية، فقد انتهك حرمة رسول الله في واقعة الحرّة بالمدينة المنورة، حيث أباح المدينة ثلاثة أيام، فدخل القوم المدينة، وجالت خيولهم فيها يقتلون وينهبون ويستبيحون النساء، حيث انتهكت ألف عذراء، وحملت سبعمائة أمرأة من زنا أفراد جيش الشام، وأُخذت البيعة من الباقين ـ وفيهم أولاد الصحابة من المهاجرين والأنصار ـ على أنهم خول (عبيد) ليزيد يقضي فيهم ما يشاء، ومن رفض ضرب عنقه(١).

ثمّ بعث جنود رموا الكعبة البيت الحرام بالمنجنيق، وحرقوها بالنار(٢).

وصف عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) يزيد، فقال: فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة(٣).

وقال الإمام الحسين(عليه السلام) مخاطباً والي المدينة (... ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله)(٤).

اتّباع الحقّ:

ويضيف غوث بخش: تتبعت ذكر أهل البيت(عليهم السلام) في الكتب، فوجدت أنّ علمائنا يمارسون بتر الحقيقة، ويخفون الفضائل العظيمة لأهل البيت، فعرفت أن الحقّ مع الشيعة في ولائهم المطلق لآل البيت(عليهم السلام) فالتحقت بركبهم، وتمسّكت بولايتهم، وكان ذلك في سنة ١٣٧٦هـ، وقد دفعني حبّي لمولاي الإمام علي(عليه السلام)، أن أختار لنفسي اسم (غلام علي) والحمد لله على الهداية.

١-تاريخ الطبري ٤: ٣٧٩.

٢-الوافي بالوفيات ١٣: ٥٦ .

٣-تاريخ الإسلام ٥: ٢٧.

٤-اللهوف: ١٧.

٧١
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(١٢) خورشيد حسين

(حنفي / باكستان)

ولد عام ١٣٧٨هـ (١٩٥٩م) ، في مدينة "سيالكوت"، ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب الحنفي، ثمّ اتخذ التوظيف الحكومي عملاً له في "لاهور".

اختار مذهب الشيعة الإمامية لعدم وجود أدلة مقنعة على صحّة خلافة الخلفاء ـ كما قال ـ وأنّ الخلافة حسب نظرية أهل السنّة ليست إلاّ رئاسة دنيوية لا صلة لها ابداً بالله تعالى، والخلفاء ملوك كملوك الدنيا.

أمّا بحسب قول الشيعة فإنّ الإمامة يتمّ تحديدها من قبل الله تعالى، والأئمّة هم حجج الله في الأرض.

ويقول "خورشيد حسين" وصلت من خلال الأدلّة إلى القناعة التامّة بأنّ الخلافة كالنبوة لا تثبت إلاّ بجعل من الله تعالى وتعيينه، وأنّ الإمام يتم تنصيبه من قبل الله تعالى وليس للناس حقّ في نصبه وتعيينه، والذي حصل في واقعة الغدير عند تنصيب الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) علياً(عليه السلام) إماماً من بعده ليس إلاّ تبليغ ما أمره الله تعالى به.

ويضيف "خورشيد حسين" ويشترط أيضاً في الإمام العصمة ; لأنّ الإمام هو الجهة الوحيدة التي تحفظ ما جاء به الرسول، وتصونه من التحريف والتغيير.

وعلى هذا الأساس لم يكن أحداً مؤهّلا لهذا المنصب الإلهي غير أمير

٧٢

المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) فهو الإمام المعصوم بالحق وخليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بلا فصل، وهذا ما دلّ عليه العقل والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

الإمامة عند الشيعة:

قال الشهيد الثاني(١) حول الأدلّة العقلية على الإمامة، بما نصّه: "اعلم أنّ أهل السنّة أوجبوا الإمامة كالإمامية، لكّنهم حكموا بأنّ وجوبها على الأمة سمعي لا عقلي، وحكم المعتزلة الزيدية بأنّ وجوبها على الأمة عقلي لا سمعي، وحكم الإمامية بأنّ تعيين الإمام واجب على الله تعالى ; لأنّها لطف واللطف واجب على الله تعالى.

أمّا أنّها لطف، فلأن الناس إنّ كان لهم رئيس عام يمنعهم عن المعاصي، ويحثّهم على الطاعات، كانوا معه إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد. ولا نعني باللطف سوى ذلك.

وأمّا أنّ اللطف واجب على الله تعالى ; فلأنّ غرضه الذي هو إطاعة العباد لا يحصل إلاّ به، فلو لم يخلق اللطف فيهم، ولهم لكان ناقضاً لغرضه، ونقض الغرض عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وانحصار هذا اللطف في الرئيس العام معلوم للعقلاء، وينّبه عليه الوقوع فإنّا نجد أنّه متى تكثّرت الرؤساء في عصر كثر الفساد، وإذا خلا الناس في قطر من الأقطار عن رئيس ظلم بعضهم بعضاً، وانتشر الفساد والفتن بينهم.

ويؤيّد ذلك أيضاً ما روي عن عليّ(عليه السلام) قال: "لا يخلو الأرض من قائم بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته" انتهى.

فوجود الإمام لطف من الله تعالى وقد فعله سبحانه. وانّما كان هذا اللطف واجباً على الله تعالى ; لأنّ إيجاد إمام يكون عام الرئاسة والشريعة أقرب إلى

١-وهو الشيخ زين الدين العاملي، من أكابر فقهاء الشيعة.

٧٣

الصلاح في أمور معاشهم ومعادهم، وأبعد عن الفساد فيهما بسبب وجوده وعصمته،وليس مقدوراً للعباد لخفائها عنهم وخصوصاً العصمة، فلابدّ أن يكون المعيّن له هو الله سبحانه.

وظهوره وتصرّفه لطف آخر، وهو واجب على العباد ; لأنّه موقوف على تمكينهم له، وقد أخلّوا به حيث أخافوه بسوء اختيارهم لغيره ورفع يده عن التصرّف الذي كان ينبغي له"(١).

مرحلة الاستبصار:

ومن هذا المنطلق استحوذت عقيدة الشيعة على قلب "خورشيد حسين"، فترك انتمائه الموروث، وحالة الانغلاق الفكري التي كان يعيشها ويصنعها بتأثر، وانطلق معتقداً بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الذين هم بحق سفن النجاة وقادة الأئمّة.

١-حقائق الإيمان: الشهيد الثاني ص١٥٣ ـ ١٥٥.

٧٤
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(١٣) ذاكر حسين طاهري

(حنفي / باكستان)

وُلَد سنة ١٣٩٤هـ (١٩٧٥م) في مدينةِ فيصل آباد بباكستان، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة، وقد التحق بالحوزة العلمية بعد استبصاره.

التعامل بين الشيعة والسنّة:

يعيشُ المسلمون شيعة وسنة في مدينة فيصل آباد أخوة متحابين ـ كما هو الحال في أكثر أرجاء العالم الإسلامي ـ على الرغم من مخططات الاستعمار الغربي في بثّ الفرقة الطائفية بين المسلمين بتقوية المذاهب الهدامة التي تفرق بين المسلمين.

وقد كان "ذاكر حسين" يعيش في محلة "الشيخ موسى"، وكان في هذه المحلّة أيضاً شيخ شيعي اشتهر بسعة العلم، وقوّة المناظرة، وحلاوة الخطاب.

هذا وقد صادف أن التقى به "ذاكر حسين" وجرت بينهما مناظرة حول المسائل الخلافية بين المسلمين ولا سيما في خصوص مسألة الخلافة، فتأثّر "ذاكر حسين" بهذا الشيخ واطلّع عن طريقه على أدلة الشيعة في هذا المقام كآيات الولاية، والمباهلة، والتطهير، وغيرها وكأحاديث الغدير، والمنزلة، والطير، وغيرها، فوجد أنّ هذه الأدلة قويّة وشيّقة وقد وردت أيضاً في كتب أهل السنة

٧٥

متناً وشرحاً، وتأويلاً وتفسيراً، فما كان منه إلاّ أن يقبل الحق، ويترك الشك والتردّد، ويختار ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وولاية أولاده المعصومين(عليهم السلام) على رغم المصاعب التي واجهته من فراق بعض الأهل والأحبّة الذين لم يدركوا معنى ولاية علي(عليه السلام).

آية الولاية تبين المصداق الأفضل للذين آمنوا:

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(١)، فذكر أنّ الوليّ هو الله ورسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

هذا وقد ورد في القرآن آيات متعدّدة تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بشكل متلازم قال تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}(٢)، {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}(٣)، {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}(٤)، {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}(٥)، {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}(٦)، {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}(٧)، وكان الإمام علي(عليه السلام) المصداق الذي تقبل الله عمله حيث تقبل صلاته

١-المائدة (٥) : ٥٥ ـ ٥٦ .

٢-البقرة (٢) : ٤٣.

٣-البقرة (٢) : ١٧٧.

٤-مريم (١٩) : ٣١.

٥-الحج (٢٢) : ٤١.

٦-الحج (٢٢) :٧٨.

٧-المجادلة (٥٨) : ١٣.

٧٦

وزكاته في حال الركوع(١) لتتجسّد أجمل صورة من تلازم الصلاة والزكاة أتى بها عبدٌ من عباد الله، والتي كان لها أثر مهم في تنصيبه لمسند الولاية الإلهية فالولي وفق الآية هو الذي آمن بإخلاص وأدى ما عليه على أفضل وجه ليكون جديراً أن يجعله الله الأولى بالتصرف، ويجعل له ولاية من جنس ولاية الله ورسوله.

هذا وفي آية النجوى(٢) التي توجّه الخطاب أيضاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، كان الإمام علي(عليه السلام) هو الذي عمل بمفاد هذه الآية دون غيره فقدّم بين يدى نجواه مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) صدقة، واستنكف الآخرون، فمن هنا كان للإمام علي(عليه السلام)سابقة خالصة لوجهه تعالى في أداء الزكاة في وقت أشفق الآخرون على أموالهم.

قال الإمام علي(عليه السلام): إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها بعدي آية النجوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلّما ناجيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قدمت بين يدى نجواي درهماً ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات...}(٣).

١-وردت روايات كثيرة في النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) بأنّه الولي المقصود في هذه الآية، حيث وردت من طرق العامة اربع وعشرين رواية، ومن طرق الخاصة تسع عشرة رواية، انظر غاية المرام وحجة الخصام ٢: ٥ ـ ٢٢، الباب الثامن والباب التاسع عشر.

٢-المجادلة (٥٨) : ١٢ ـ ١٣، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

٣-اُنظر جامع البيان للطبري ٢٨: ٢٧، ح٢٦١٦٩، أحكام القرآن للجصاص ٣: ٥٧٢، تفسير الرازي ٢٩: ٢٧ الدر المنثور ٦: ١٨٥.

٧٧
 كتاب موسوعة من حياة المستبصرين٦ مركز الأبحاث العقائدية (ص ٧٨ - ص ١٠٨)
٧٨

حادثة مهيجة واستبصار دائم بكرامة ذرّيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) :

يقول ذو الفقار: في إحدى الأيام احترق طفلي الصغير بالنار بصورة بشعة، وقد تألّمت لهذه الحادثة كثيراً، ولم أدرِ ماذا أفعل لنجاة هذا الطفل الصغير، ولكنّي فوجئت بشفاء هذا الطفل بعد فترة قصيرة على نحو الإعجاز! فدعاني هذا إلى التأمّل في هذا الأمر لمعرفة سببه، والإحاطة بجوانبه، ولم أعرف سبباً له سوى أنّي كنت هُديت ووُفّقت لمساعدة إمرأة علوية (تنتمي في النسب إلى الإمام عليّ(عليه السلام)) كانت في غاية العسر والشدّة، فدلّتني هذه الكرامة على شرف ذرّيّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) المنحصرة بذّريّة الإمام عليّ وفاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وعرفت مكانة هذا النسل المختار عند الله تعالى ; تكريماً لأنبيائه، وإعزازاً لأوليائه، وقد حدى بي هذا الأمر إلى اختيار مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والتمسّك بولايتهم، والفناء شوقاً في محبّتهم ومودّتهم بعد البحث والتدقيق الذي ثبت من خلاله أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

فضل ذرّية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومكانتهم:

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(١) وذرّيّة النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هي من هذه الذرّيّة المذكورة في القرآن بل من أشرفها وأعظمها،فمن هذه الذرّيّة أهل البيت(عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً، كما ورد في آية التطهير(٢)، ومنها العترة الذين أُمر المسلمون بالتمسّك بهم مع القرآنِ ثقلين نفيسين بعد رحلة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في حديث الثقلين المتواتر، والصحيح عند جميع المسلمين، وهو آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين وردت الصلاة عليهم

١-آل عمران (٣) : ٣٣ ـ ٣٤.

٢-الأحزاب (٣٣) : ٣٣.

٧٩

مقرونة بالصلاة على النبيّ الواردة في القرآن(١)، وهم ذوي القربى المفروضة مودّتهم في القرآن(٢) أجراً على الرسالة النبويّة الشريفة، وهم... وهم... .

فالإسلام إذن يكرِّم الذرّيّة النبويّة الشريفة لا لأنّه دين عشائري كما يزعم المنافقون عندما غمزوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه يحامي أهله وعشيرته وقومه(٣)، بل لأنّ إكرامهم من محكم أمر الدين، وهو أمر واجب على المسلمين، وليس تفضلاً منهم، وهذا أمر تقبله أوّل بديهيات العقل وعليه إجماع المسلمين فضلاً عن الأوامر المؤكّدة في القرآن والسنّة الشريفة، كما أنّ مودّتهم هي لصالح المسلمين، ورفعة للإسلام قال الله في كتابه: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ}(٤)، وقال أيضاً: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}(٥).

وهذا الأمر ليس مخصوصاً في ذرّيّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هو قانون عام يشمل جميع الصالحين والمؤمنين كلاًّ حسب قدره وصلاحه، ففي قصّة الغلامين اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحاً كما ذكر القرآن(٦)في قصّة موسى والعبد الصالح(عليهما السلام)حيث أصلحا الجدار، وحفظا الكنز كرامة لأبيهما الصالح، فكيف لا تكرّم ذرّيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم المصطفون وهم المصداق الأكمل الذي لا يقاس به أحدٌ من العالمين.

وكذلك الأمر في هذه الآية من سورة الطور: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْ كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}(٧) فلا

١-الأحزاب (٣٣) : ٥٦،مسند أحمد ١: ١٦٢، ٣: ٤٧، ٤: ١١٩، ٢٤١ و٥:٢٧٤ .

٢-الشورى (٤٢) : ٢٣.

٣-في أكثر من موضوع منها ما قالوه يوم الغدير عند انتخاب الإمام عليّ ابن أبي طالب للولاية، اُنظر الغدير ١: ٢٣٩ وغيره.

٤-سبأ (٣٤) : ٤٧.

٥-الشعراء (٢٦) : ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠.

٦-الكهف (١٨) : ٨٢.

٧-الطور (٥٢) : ٢١.

٨٠