×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
 كتاب لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة علي الشيخ (ص ٢ - ص ٣٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

٢

مقدّمة المركز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على خاتم المرسلين محمّد وآله الغرّ الميامين

من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم، استناد الأمّة الى قيمها السليمة ومبادئها الأصيلة، الأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدي لمختلف التحديات والتهديدات التي تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة.

وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقة والتأمّل، نلحظ أنّ المرجعية الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة(عليهم السلام) بأبهى صورها وأجلى مصاديقها.

هذا، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني ـ مد ظلّه ـ هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة، فخطت بذلك خطوات مؤثرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت أينع الثمار بحوله تعالى.

ومركز الأبحاث العقائديّة هو واحد من المشاريع المباركة الذي أُسّس لأجل نصرة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وتعاليمه الرفيعة.

ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) على مختلف

٣

الجهات، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثار ـ حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي منّ الله سبحانه وتعالى بها عليهم ـ إلى مطبوعات توزّع في شتى أرجاء العالم.

وهذا المؤلَّف ـ لاهوت المسيح في المسيحيّة والإسلام ـ الذي يصدر ضمن "سلسلة الرحلة الى الثقلين" مصداق حيّ وأثر عملي بارز يؤكّد صحّة هذا المدعى.

على انّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر الإمكان لكلّ معتنقي مذهب الحقّ بشتى الطرق والأساليب، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين وتدوينها في "موسوعة من حياة المستبصرين" التي طبع منها عدّة مجلدات لحدّ الآن، والباقي تحت الطبع وقيد المراجعة والتأليف، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يتقبّل هذا القليل بوافر لطفه وعنايته.

محمّـد الحسّـون

مركز الأبحاث العقائديّة

١٦ جمادى الآخرة ١٤٢٨هـ

site.aqaed.com/Mohammad

[email protected]






٤
٥

المقدّمة

كان للإنسان ومنذ القدم ميل وشوق قوي وسعي مستمر، لمعرفة القوّة الخفيّة الواقفة وراء هذا العالم الواسع، وفي غمار هذا السعي ومن خلال تجربته الحياتية مع القوى الطبيعية التي كانت تحيط به، ولاتقاء شرها واللوذ بحماها، صنع لنفسه آلهة من هذه القوى الطبيعية عرفت في تاريخ الأساطير والديانات القديمة بأسماء عديدة، وقد شُبّه الإله الخالق في هذه الأساطير بمخلوقات كثيرة، وفي سياق تلك التشبيهات، اعتقد الإنسان انّه توصل بأساطيره الى حل اللغز الذي يقلقه منذ أن فتح عينيه في هذه الأرض، ألا وهو كيفية نشوء العالم وماهية الخالق الذي أوجده.

وهذا ما نجده جليّاً في جميع الثقافات والديانات القديمة، مثل الأديان عند المصريين والآشوريين والبابليين والهنود والصينيين واليونايين وعلى اختلاف تصورهم لهذا الإله، فكان هناك إله السماء وإله الشمس وإله الرعد وإله العواصف وإله الرياح... الخ

وبعض الناس جسّدوه، وآخرون نزّهوه ، فظهرت الديانات واختلفت المعتقدات وانقسم البشر الى ثقافات مختلفة، وهذا التكثّر والتنوّع في الآلهة يعود إلى المناطق الجغرافية المختلفة، وكذلك حسب الأعمال التي تناط بهذه الآلهة، فلكل منطقة إله، ولكل عمل أو ظاهرة إله.

ولست في هذه المقدمة بصدد البحث حول تعدد الآلهة في الثقافات والديانات الاُخرى، ولكن الذي أود أن اشير اليه هو أن مسألة جعل الإله الخالق العظيم في

٦

صورة مخلوق من مخلوقاته سواء كان بشراً أو مخلوقاً آخر كان أمراً شائعاً في مختلف الأساطير والاعتقادات لشعوب كثيرة ومنذ العصور القديمة.

ومع هذه الكثرة للآلهة المعبودة كان هناك وسط هذا التعدد ميل احياناً الى التوحيد أو الى اتجاه قريب منه، فقد كانوا اذا دعوا إلهاً من آلهتهم أو أثنوا عليه أو تقربوا اليه بقربان أقبلوا عليه بكل عواطفهم وفكرهم حتّى يكاد يغيب عن ذهنهم سائر الآلهة والارباب، ويصبح إلههم هو ذلك الإله فحسب، فيصفونه بكل اسم وصفة حسنة وكمالية، ويدعونه برب الأرباب وإله الآلهة، ولكن هذا التعظيم والتبجيل لهذا الإله سرعان ما ينتهي الى إله غيره ليقوم مقام الأوّل، ويعطى كل صفات الكمال التي اعطيت للإله الأوّل ولا سيما كونه رب الارباب وإله الآلهة.

ولهذا يمكن القول أن تعدد الآلهة وبصور واشكال مختلفة يعود الى اختلاف الشعوب والامم، وكل شعب حاول أن يشبّه الإله بحسب ما يعتقد من تقاليد وثقافة، وهذا لا يقتصر على الإنسان فقط، بل أن الحيوانات ايضاً لو كان باستطاعتها البوح عما في نفسها من صورة لخالقها من خلال آثار فنية وكتابات لكانت صورت لنا ذلك الاله باشكال وصور مختلفة وعديدة، وهذا ما أكده الفيلسوف اليوناني "زنيوفان Xenophan " (١) إذ يقول: "يعتقد الناس أن الآلهة تولد، وأنها ترتدي ملابس كما يرتدون، ولهم اصوات واجسام مثلهم ـ ولو أن للثيران والخيل والأسود، أيادي يرسمون بها، ولو كان في استطاعتها أن تضع آثاراً او اعمالاً فنية ـ كما يفعل البشر ـ لرسمت الخيول آلهتها على هيئة جياد أو أُسود، ولكانت آلهة الثيران على هيئة ثيران ولجعلت اجسامها على شاكلتها"(٢).

١- ولد عام ٥٧٠ ق. م وازدهر عام ٥٣٠ ق. م وقد هاجم في كتبه النزعة التشبيهية: "Anthropomorphism" وهي مؤلفة من مقطعين يونانين هما: "nthropo" = انسان و "morphos" = شكل، وهي تعني اضفاء الشكل البشري والصفات الانسانية على الإله. معجم الديانات ١ : ١٦.

٢- نفس المصدر .

٧

وفي الحقيقة فان ديانات واساطير العالم حول الإله الخالق وبمختلف اشكالها تمثل رحلة الإنسان إلى كشف اللغز العميق الذي كان يقلقه منذ القدم ـ فهي رحلة الى الخالق ـ وهي رحله طويلة وشاقة، شبّه فيها الإنسان هذا الخالق بصور واشكال عديده، فتارة يراه الإنسان الملك القهار والحكيم، واخرى يصوّره كالشمس لأنّها اكبر ما تقع عليها العين، واحياناً هذه الظاهرة الطبيعية او تلك ويقول في قرارة نفسه وبصوت عال "هذا ربي" الذي ابحث عنه.

واستمرت البشرية على هذا المنوال حتّى جاءت الرسالات السماوية، فما كان الله الحكيم ليترك البشر متحيراً تائهاً وهو الذي جعل في فطرته هذا الميل لمعرفة الإله، على حد التعبير الديكارتي الجميل حيث يقول ديكارت:(١)

"إنّ الله بعد أن خلق الإنسان وقّع على وجوده، كما يفعل الفنان حين يوقع أسفل اللوحة بعد أن يفرغ من رسمها، وهذا التوقيع الإلهي هو الذي يلحّ على الإنسان للسعي والبحث للوصول إلى الله".

ولذلك أرسل الأنبياء والرسل لإفهام البشر مسألتين مهمّتين حول الألوهية:

أولها: أن هناك رباً وخالقاً وإلهاً متعال ومقدّس وهو فوق ما يتصوره البشر، والثاني: أن هذا الإله هو وحده الخالق المؤثر في هذا العالم وله القدرة المطلقة والاحاطة بكل شيء لينفي تعدد الآلهة وتنوعها.

وهذان الاصلان ـ أي وجود الله وتوحيده ـ هما ما أكدت عليه الأديان السماوية، وان كان يرى البعض أن الامر الأوّل هو موجود في فطرة كل انسان، ولكن الحقيقة أن الأنبياء نبّهوا البشر على هذه الحقيقة المهمة جداً في حياة الإنسان.

ولكن وللأسف فان بعض هذه الرسالات السماوية التوحيدية أصابها هي الاخرى الانحراف عن التعاليم التوحيدية التي بيّنها الله للبشرية، وقد اختلطت

١- معجم الديانات ١ : ١٩.

٨

تعاليم هذه الديانات ببعض الاعتقادات الوثنية لتشكل ديناً نصفه الهي توحيدي ونصفه الآخر مشرك وثني ، ومن هذه الأديان التي اصابها هذا النوع من التحريف المسيحية .

فالمسيحية مع كونها ترى أن الله الخالق موجود متعالي وهو فوق ما يتصوره العقل والادراك البشري، ولكن مع ذلك تعتقد بأن هذا الإله لبس لباس الناسوت وتجسّد في شخص انسان، لكي يكشف ويعلن عن ذاته للبشرية كلها.

وذهب بعض الباحثين الى القول بأن المسيحية ابتدأت كدين الهي وسماوي وانتهت الى ديانة وثنية، وهذا ما لا يرتضيه آباء الكنيسة وعلماء المسيحية ابداً، ولذلك ألفّوا العشرات من الكتب حول اثبات الوهية المسيح مستشهدين باقوال وافعال المسيح(عليه السلام) المذكورة في العهد الجديد، واحياناً ببعض فقرات العهد القديم، وجلّ سعيهم هو رد هذه الاتهامات عن المسيحية باعتبارها ديانة وثنية، وأنها اقتبست تعاليمها وعقائدها من الأساطير والديانات الوثنية التي كانت مجاورة لها.

وفي المقابل فان الكثير من الباحثين والمحققين ـ من المسلمين وغيرهم ـ هم ايضاً سطّروا الكثير من الكتب لبيان هذه الحقيقة الواضحة والجليّة ، وهي أن المسيحية الحالية ماهي إلا تلك التعاليم الوثنية التي كانت منتشرة في مصر وروما واليونان وقد البست لباس الرسالة السماوية والصق بها اسم المسيح(عليه السلام)زوراً وبهتاناً.

والحقيقة مع أن فكرة نزول الاله او ارسال ابنه الى الناس وسفك دمه من اجل انقاذ البشرية كانت سائدة في الكثير من الاعتقادات، ولكن يمكن القول أن هذا التشابه بين هذه الفكرة الوثنية والعقيدة المسيحية في شخص المسيح(عليه السلام)قد يكون مجرد مصادفة لا أكثر، وبمعنى آخر أنه ليس هناك ضرورة الى القول بأن العقيدة المسيحية حول بنوّة المسيح(عليه السلام) ـ لأنها مشابهة للعقيدة والافكار الوثنية التي كانت منتشرة في بعض المناطق القريبة من الشام ـ لابد أن يكون قد اقتبسها اتباع المسيح

٩

من اولئك الوثنيين، فالقطع بهذه المسألة بحاجة الى دراسة وتحقيق ودقة كبيرة، وخصوصاً اذا اخذنا بنظر الاعتبار كون المسيحية تؤكد على عقيدة التوحيد أي ان الاله الخالق لهذا الكون والمدبر له هو واحد لا غير، ولكن هذا الاله له اقانيم ثلاثة وقد تجسد اقنوم من تلك الاقانيم فكان المسيح(عليه السلام)الابن.

ولذلك فاني في هذا البحث سأسعى الى استعراض ادلة المسيحيين التي يثبتون بها الوهية المسيح(عليه السلام) وانه اله او ابن اله، وكذلك السير التاريخي لهذه العقيدة وتطورها، وبعد ذلك نضع تلك الأدلة تحت مجهر النقد العلمي، ونجعل العقل هو الحاكم والقاضي على صحة او سقم تلك الأدلة ومن ثم نستعرض رأي القرآن الكريم حول شخصية المسيح(عليه السلام) وكذلك نستعين بالسنّة الشريفة وآراء بعض العلماء والمفسرين في بيان النظرة الاسلامية للمسيح(عليه السلام) .

وقد يقال أن المكتبات تحفل بآلاف الكتب المتخصصة التي كتبت حول العقيدة المسيحية ولا سيما لاهوت المسيح واُلوهيته، وكذلك العشرات من الكتب في رد هذه العقيدة من قبل المسلمين وغيرهم من العلماء، فما الجدوى من كتابة هذه الرسالة؟

وللاجابة على هذا السؤال اقول أن هذا البحث هو محاولة جديدة للتقريب بين النظرة المسيحية والاسلامية حول حقيقة المسيح(عليه السلام)، فلو استطعنا اقناع المسيحيين بأن المسيح(عليه السلام)هو كلمة الله المتجلية وليس كلمة الله المتجسدة، وبمعنى آخر فلو قلنا بالتجلي عوضاً عن التجسد مع الاحتفاظ بالتمايز بين الخالق والمخلوق وهو الحق، لأمكن تفسير بعض الكلمات الواردة حول حقيقة المسيح(عليه السلام) سواء في العهد الجديد أم في القرآن الكريم ـ والذي حاول بعض علماء المسيحية من الاستدلال بها على صحة الاعتقاد بكون المسيح اله او ابن اله.

وسوف أتطرق في هذه الدراسة وفي القسم الأول حول المسيحية ونظرتها لحقيقة المسيح، وأبدأ بالبحث أوّلا في المصدر الاساسي للعقيدة المسيحية ألا وهو

١٠

الكتاب المقدّس ولا سيما العهد الجديد، ولابد قبل الخوض فيه أن اُشير الى مفهوم الوحي والالهام لدى المسيحيين والفرق بينهم وبين المسلمين حول هذين المفهومين، ومن ثم استعرض أسفار العهد الجديد وفترة كتابتها وقبولها بشكل رسمي وقانوني من قبل الكنيسة على أنها الاسفار الملهمة والمقدسة، واذكر رأي القرآن الكريم فيه.

وفي الفصل الثاني سنبحث فيه عن شخصية المسيح(عليه السلام)وحياته واوصافه وتعاليمه واقواله كما نقلتها اسفار العهد الجديد.

وخصّصت الفصل الثالث في أدلة المسيحيين حول ألوهية المسيح(عليه السلام)وكيفية الإجابة على الإشكالات والشبهات المطروحة وبالخصوص بعض آيات العهد الجديد التي تنفي ألوهية المسيح.

وسأستعرض في الفصل الرابع السير التاريخي لتطور الفكر المسيحي ولا سيما حول مسألة لاهوت المسيح(عليه السلام)والمذاهب والآراء التي ذكرت لعلماء المسيحية من القرن الأوّل الميلادي وحتّى نهاية القرن السابع الميلادي، وساشير باختصار الى المذاهب المسيحية المختلفة التي ظهرت في هذه الفترة حول حقيقة المسيح.

وفي القسم الثاني من البحث سأتناول حياة المسيح في الإسلام كما ذكرها القرآن الكريم والسنّة الشريفة وكذلك مسألة الألوهية ورأي القرآن الكريم في ذلك.

وهنا لابد أن اُشير الى مسألة اخيرة مهمّة وهي أنّي عُنيتُ في هذه الدراسة عناية خاصة بالمراجع المهمة والمقبولة التي كتبها المسيحيون أنفسهم ومن مختلف المذاهب والطوائف المسيحية، وكذلك اعتمدت في المصادر الاسلامية على كتاب الله العزيز أي القرآن الكريم وكذلك على الاحاديث النبوية من الكتب المعتبرة والتفاسير المشهورة في العالم الاسلامي.

١١

القسم الأول

حقيقة المسيح في المسيحية
ويتضمن:

الفصل الأول: الكتاب المقدّس

الفصل الثاني: الأناجيل وشخصية المسيح

الفصل الثالث: الأدلة على ألوهية المسيح

الفصل الرابع: الكنيسة وألوهية المسيح

١٢
١٣

الفصل الأول

الكتاب المقدّس
ويتضمن المباحث التالية:

المبحث الأول: الوحي الكتابي في المسيحية

المبحث الثاني: العهد الجديد

المبحث الثالث: الأناجيل الأربعة:

 أولا: إنجيل متى.

 ثانياً: إنجيل مرقس.

 ثالثاً: إنجيل لوقا.

 رابعاً: إنجيل يوحنا.

المبحث الرابع: قانونية العهد الجديد

١٤
١٥

المبحث الأوّل: الوحي الكتابي في المسيحية

من المسائل المهمّة التي يجب على الباحث في العهد الجديد دراستها هي مسألة الوحي بشكله العام والوحي الكتابي على نحو الخصوص، إذ أنّ دراسة العهد الجديد ومن دون فهم الوحي الكتابي لدى المسيحيين ستكون دراسة ناقصة وغير متكاملة، ولذا فإنّي أرى من الضروري وقبل البحث في الكتاب المقدّس عند المسيحيين وأعني به "العهد الجديد" دون العهد القديم، أن نلقي نظرة على مفهوم الوحي الكتابي لدى المسيحيين ليتسنّى لنا فهم العهد الجديد بشكل أفضل وأتم. وإنما سمي بالوحي الكتابي تمييزاً له عن الوحي النبوي، ويعنون به الإلهام الذي ألهمه الله سبحانه لكاتب الأسفار المقدسة، فهو بمثابة وحي إلهي إلى ذلك الشخص لكتابة ذلك السفر، وإن كان ذلك الشخص أحياناً نبي كما في بعض أسفار العهد القديم.

وكما هو واضح فإنّ علماء الكتاب المقدّس يؤكدون بأنّ العهد القديم والجديد كانا كليهما نتيجة لإعلان إلهي، أي أن الله تعالى أراد أن يعلن عن نفسه فأوحى بهذه الأسفار لبني إسرائيل ليكشف ويعلن عن نفسه، ولكن بشكل تدريجي في العهد القديم، وبشكل تام وكامل في العهد الجديد ولمجي (ابنه) عيسى المسيح(عليه السلام)، ويضيفون بأنّ هذا الإعلان الإلهي مؤسس على أنّه سبحانه خلق الإنسان على صورته، ليعرفه ويحبه ويعبده ويخدمه وبذلك يمجده ولكي يكون دين الإنسان

١٦

صحيحاً ينبغي أن يؤسس على إعلان الله سبحانه(١).

فالخالق العظيم المنزّه لا يمكن أن تدنو خليقته منه حتّى يكشف هو عن نفسه، وعلى هذا فإنّ معرفة الإنسان بالله حيث وجدت، كانت متصلة بإعلانه السابق عن نفسه وناتجة عنه، ويؤكدون (والكلام للمسيحيين) أنّ الوسيلة التي يستخدمها الله (عزّ وجلّ) لكشف ذاته لخليقته العاقلة هي المخاطبة الشخصية من الله للإنسان "فالله يجب أن يعبر عن فكره، يجب أن يتكلم" ومن أجل ذلك كان الإعلان اللفظي الأداة الضرورية لأساس الإيمان، فهو كلمة الله سبحانه الصادرة منه للبشرية، وبدون هذه الكلمة لا يمكن أن يكون إيمان، فالمخلوق لا يستطيع التعرف على فكر الخالق إلاّ عندما يتكلّم الخالق، وأن أوضح إعلانات الله "مسألة التجسد والفداء"!! ما كانت تفهم لولا هذا الإعلان اللفظي، إذ كيف يستطيع الإنسان أن يعلم الحق المتناقض والغامض منذ الأزل والسر الإلهي حين تجسد الله في يسوع(عليه السلام)وقد محا خطيئة العالم بموته على الصليب من دون أن يخبره أحد عن ذلك، يقول (ب . ب وارفليد B_._B Warfjeid) بهذا الصدد:

"يمكن الشك في إمكانية معرفة الإعلان الاسمي لله في يسوع المسيح وعلى حقيقته إن لم يكن هناك إعلان لفظي مهد له صاحبه ولاحقه"(٢).

فالوحي هو إبلاغ الكلام الإلهي للبشر بواسطة البشر، وهو عمل روح القدس، فالمسيحيون يعتقدون بأنّ الروح القدس يعمل في أفكار أشخاص مختارين وفي قلوبهم، ويجعلهم كأداة للوحي الإلهي، فاللفظة "ثيوپنوستوس ـ theopneustos" بمعنى "موحى به" هي نفس اللفظة التي يعبر بها عن التنفس، فيكون معناها الحرفي (متنفس

١- تفسير الكتاب المقدّس : ٣٢.

٢- نفس المصدر : ٣٧.

١٧

به) أو "مستمد نفسه من الله"(١)، ولكنهم يؤكدون أن هناك بوناً شاسعاً بين الوحي الذي يعلنه الله للبشر والإلهام الذي يوقظ العبقرية البشرية، فلذا يقولون بأنّه "يجب أن لا نخلط بين وحي اشعيا النبي أو وحي بولس الذي له ميزته وخطورته في عالم العقيدة الدينية وبين إلهام شكسبير مثلا في عالم الشعر والأدب، أو مندلسون في عالم الموسيقى، أو أفلاطون في عالم الفلسفة"(٢).

وتحدثنا أسفار العهد القديم عن الوحي باستعمالها كلمة "جلا" بمعنى كشف أو عرّف، وكلمة "رأى" التي تشير إلى أنّ الله سبحانه يسمح للإنسان أن يراه، ولهذا يسمي الكتاب المقدّس النبي "حوزي" أي الرائي الذي يتلقّى رؤيا الرب(٣).

وهذا الظهور للرب ترافقه كلمات يسمعها الموحى إليه، فمثلا الرؤيا التي يراها بلعام تتكون من كلمات سمعها، وكشف الله عن ذاته لصموئيل عبر ندائه له، فكانت رؤياه للرب إظهاراً لكلمة قالها له، فكلمة الله تعالى هي نفسها الوحي في أسفار العهدين، ولذا نلاحظ تكرر هذه العبارة كثيراً "وكانت كلمة الرب"(٤).

وكلمة الله سبحانه لا تمر عبر الإذن لترسل إلى العقل فكرة مجردة، بل هي قوة فاعلة، قائمة بذاتها وهي تدوم إلى الأبد، يرسلها الله إلى العالم ولا تعود إليه قبل أن تتم ما أمرها به، فهي قوة خلاّقة توجّه التاريخ وفق المخطط الإلهي(٥).

ففي الوحي الإلهي يكشف الباري عز اسمه الغطاء عما كان مخبأ عن البشر،

١- قاموس الكتاب المقدّس مادة وحي : ١٠٢٠.

٢- نفس المصدر : ١٠٢١.

٣- وهنا أيضاً يؤكد علماء الكتاب المقدّس على أنّه لا يجب حمل هذه العبارات على ظاهرها فيفهم منها رؤية الله سبحانه بالعين المجرّدة، بل المقصود هنا هو أننا أمام لقاء بالرب واتصال بعالم السماء... (نفس المصدر السابق).

٤- المدخل إلى الكتاب المقدّس ١ : ٣٠.

٥- نفس المصدر : ٣١.

١٨

ويعلن عما كان مستوراً في ذاته: وهذا الوحي يتم بإرساله سبحانه الروح القدس إلى أنبيائه (وأوليائه) فيحرك قلوبهم ويوجه حياتهم وأعمالهم ويؤثر فيهم أولا، ثم بعد ذلك يعلنونه ويكتبونه كلاماً.

ولكن المسيحيين يؤكدون أنّ هذا لا يعني البتة إلغاء شخصية الكاتب فإنّ الله عزوجل اعتنى بهؤلاء الرجال ناقلي الوحي وأعدّهم لهذه المهمة، وجعلهم في الكثير من الحالات وربما في معظمها يبلّغون هذا الوحي عن طريق الاستعمال العادي للقوى التي منحهم إياها، ولذا يمكن القول أنّ الكتّاب لم يكونوا دائماً على علم بأنّه يوحى إليهم "أي بمعنى أنّهم كانوا لا يعلمون بأنهم يكتبون أسفاراً قانونية!!" ولكن بالمقابل أيضاً "والكلام لعلماء المسيحية" لا يمكن الشك في أنّه هناك وثيقة موحىً بها لم تجمع، وذلك تحت عناية الله تعالى، ولا ينكرون أنّ هذه الأسفار قد مرّت بتنقيحات قبل أن تصل إلى شكلها النهائي، والمطلوب أنّ هذا الشكل النهائي هو الوحي السماوي أي ما قصده الرب لتوصيله إلى عباده!!(١).

وهذا الذي ذكرناه عن الإعلان والوحي الكتابي هو ما يعتقده المسيحيون، وإن كانت هناك اعتراضات عليه من قبل بعض علمائهم ولكنه مقبول عند غالبيتهم، وأكتفي بهذا المختصر عن هذه المسألة بما يتلائم مع بحثنا.

المبحث الثاني: العهد الجديد

ان العهد الجديد هو القسم الثاني من الكتاب المقدّس، ويحتوي على كتابات تعود إلى النصف الثاني من القرن الأوّل المسيحي، ودونت هذه الكتابات باللغة اليونانية التي كانت شائعة آنذاك في حوض البحر الابيض المتوسط(٢).

١- تفسير الكتاب المقدّس : ٤٣.

٢- يعتقد بعض علماء الكنيسة أن اللغة اليونانية مناسبة جداً للفلسفة واللاهوت ولذلك أختارها الله لإيصال وصايا التعليم المسيحي، ويونانية العهد الجديد هي ما تسمى بـ"بالكوني" وهي اللغة العامية ممزوجة ببعض الاصطلاحات العبرانية ويظهر هذا الامتزاج بنوع خاص في انجيلي متى ومرقس وسفر الرؤيا.

١٩

وهناك قسمان من النسخ للعهد الجديد(١):

أولا: النسخ الاسفينية وهي المدونة بحروف كبيرة، فحروفها مفردة لا تقطّع فيها تقريباً، وفي أعمدة متساوية العرض، وفي كل صحيفة من عامود إلى أربعة عواميد، وهذه نسخ مكتوبة في رقوق على هيئة كتب، واحدث النسخ الاسفينية كتبت في القرن العاشر الميلادي، وأقدم النسخ من بعض اسفار العهد الجديد وجدت مكتوبة على البردي وترجع إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديين مثل بردي بودمر وغيره.

اما أم النسخ الكاملة من العهد الجديد بجملته فهي النسخة السينائية والنسخة الفاتيكانية وقد كتبتا في القرن الرابع الميلادي، وهناك أيضاً النسخة الاسكندرانية التي كتبت في القرن الخامس.

ثانياً: النسخ الجرارة وهي ما كتبت بالخط الاعتيادي، إذ أخذ النساخ منذ القرن الحادي عشر يكتبون على ورق مصنوع من القطن والكتان.

ولقد حاول علماء الكتاب المقدّس وضع نص موحد للعهد الجديد تتفق عليه كل الكنائس المسيحية يكون الأقرب إلى النص الأصلي، ولكن لا يزال يدور إلى اليوم جدل حول صحة بعض القراءات للعهد الجديد،والتشكيك قائم إلى يومنا هذا لبعض اسفار العهد الجديد وقانونيتها.

والظاهر أن العهد الجديد هو الاخر استقى كتّابه معلوماتهم من التعاليم الشفاهية، ودوّن كل واحد منهم ما وصل إليه من هذه التقاليد الشفوية في كتب، وكانت هذه الكتب في بداية القرن الثاني الميلادي تتجاوز المئة، وقد حاولت الكنيسة جمع ما

١- قاموس الكتاب المقدّس : ٧٦٤.

٢٠