×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٢٤١ - ٢٦٠

وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً}، الاحزاب: ٧.

٤- صاحب كتاب سماوي وهو الانجيل:

قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}، المائدة: ٤٦.

٥- كان شهيداً على الناس:

قال تعالى: {وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}، النساء / ١٠٩.

٦- كان وجيهاً في الدنيا والاخرة ومن المقربين:

قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}، آل عمران / ٤٥.

٧- كان من الصالحين:

قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}، الانعام: ٨٥.

٨- كان مباركاً اينما كان، وكان زكياً:

قال تعالى: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً}، مريم / ١٩.

و قال تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً} مريم / ٣١.

٩- كان آية للناس ورحمة في الله:

قال تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مقْضِيّاً} مريم/٢١.

١٠- كان باراً بوالدته:

قال تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} مريم / ٣٢.

١١- كان ممن علمه الله الكتاب والحكمة:

قال تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} آل عمران/٤٨.

٢٤١

١٢- كان مبشراً برسول الله(صلى الله عليه وآله):

قال تعالى: {وَمُبَشِّرَاً بِرَسُول يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف / ٦.

فهذه جمل وصف الله هذا النبي والرسول الكريم.

و نختم الفصل بمحاورة رائعة ذكرها القرآن الكريم بين الله سبحانه والمسيح،هي قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللّهُ هذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(١).

يقول العلامة الطباطبائي في تعليقه على هذه الايات الشريفة:

و هذا الكلام العجيب الذي يشتمل في العبودية على عصارتها، ويتضمن في بارع الأدب على مجامعه، يفصح عما كان يراه عيسى المسيح(عليه السلام)في نفسه تلقاء ربوبية ربّه، وتجاه الناس وأعمالهم، فذكر انه كان يرى نفسه بالنسبة الى ربه عبداً لا شأن له الاّ الامتثال، لايرد الاّ عن امر، ولا يصدر الاّ عن امر، ولم يؤمر الاّ بالدعوة الى عبادة الله وحده، ولم يقل لهم الا ما أمر به: أن أعبدوا الله ربي وربكم.

و لم يكن له في الناس الاّ تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب، وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون اليه فلا شأن له في ذلك، غفر أو عذب(٢).

١- المائدة: ١١٦ ـ ١١٩.

٢- تفسير الميزان ٣: ٢٨٢.

٢٤٢

فالقرآن نزّه ساحة عيسى المسيح من كل شائبة ونقص، وقد صوّر لناالمسيح نبياً ورسولاً مباركاً وديعاً باراً، لا جبّاراً ولا شقياً، وعبداً موحداً خاضعاً لله وحده، وغير مدّع لشي غير معقول من ألوهية أواتحاد أو حلول، وأخيراً نجده في القرآن عزيزاً محترماً مرفوعاً إلى السماء، مصاناً بالعزة الالهية، وانه روح الله وكلمته وصنيعه، ومستودع اسراره وحكمته.

فهذا بأختصار مانقله القرآن الكريم عن قصة السيد المسيح وشخصيته وحياته دعوته وختام أمره.

٢٤٣

الفصل الثاني

التوحيد ومراتبه في الإسلام
ويتضمن المباحث التالية:

تمهيد

المبحث الأول: التوحيد ومعانيه

أولاً: التوحيد في الذات

ثانياً: التوحيد في الصفات

ثالثاً: التوحيد في الأفعال

المبحث الثاني: الإسلام والتثليث

أولاً: القرآن والتثليث

ثانياً: العقل والتثليث

٢٤٤
٢٤٥

تمهيد:

يعتبر الدين الإسلامي من أكثر الأديان التي دعت إلى التوحيد الخالص لله تعالى، ورفض الشرك بجميع أشكاله، وعده من الظلم العظيم الذي لا يغفر، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}.

ويؤكد القرآن على أن التوحيد من الامور الفطرية التي جُبل عليها الإنسان، ففي تفسير قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(١)، ذهب أكثر المفسرين إلى القول: فطرهم على التوحيد (٤٣٠).

وقد اتخذ القرآن أساليب متنوعة في تثبيت عقيدة التوحيد وارساء أركانها في عقول الناس، ابتداء من حصر الالهة في إله واحد وتوجيه العباد إليه كما في قوله تعالى: {وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ}.

ومروراً(٢) برفض الشرك بكل مظاهره، قال تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَءِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(٣).

ومن ثم اثبات الوحدة المطلقة ونفي الوحدة العددية الموجبة لعروض الكثرة

١- روم: ٣٠.

٢- البقرة: ١٦٣.

٣- النمل: ٦١.

٢٤٦

العددية، قال تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَان إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(١).

واثبات الكمال المطلق له تعالى، فهو خير محض وكمال محض وهو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، قال تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنَى}(٢).

ويمكن القول أن القرآن اعتنى بمسئلة التوحيد عناية لم يهتم بمثلها تجاه أية مسألة أخرى من المسائل الاعتقادية.

١- يوسف: ٤٠.

٢- طه: ٨.

٢٤٧

المبحث الأول: التوحيد ومعانيه

للتوحيد معان كثيرة في العقيدة الإسلامية، وقد لخصها علماء الإسلام في أقسام نشير إليها باختصار:

أولاً: التوحيد في الذات

والمقصود من التوحيد الذاتي هو أن الله لا شريك ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل له، وبتعبير آخر أن التوحيد الذاتي يعني أن الذات الالهية لا تقبل التعدد، ولا يمكن أن يتصور الذهن مصداقاً وفرداً آخر لله في عالم الخارج، فالذات الالهية تكون بحيث لا تقبل التعدد والتكثر(١).

وأيضاً التوحيد الذاتي يعني أن ذاته تعالى بسيطة أحدية سرمدية، ومن المحال تركبه أيّا ما كان التركب، لانه دليل الفقر والحدوث، فالله تعالى أحدي الذات وليس في ذاته أجزاء وتراكيب، فهو بسيط الحقيقة لا تكثر ولا تعدد في ذاته سبحانه(٢).

والآيات التي وردت في القرآن الكريم بلفظ {لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ} وما شاكلها ناظرة إلى وحدانية الذات الالهية، ونفي المثيل والنظير له تعالى، ومن تلك الآيات:

ـ قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(٣).

١- مفاهيم القرآن ١: ٢٤٢.

٢- حوار بين الالهيين والماديين: ٣٩٤.

٣- آل عمران: ٨.

٢٤٨

ـ قوله تعالى: {لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ}(١)، وأيضاً: {لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ}(٢)، وقوله تعالى: {لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا}(٣) وأيضاً قوله تعالى: {لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ}(٤)، وأيضاً قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}(٥) وغيرها من الآيات القرآنية.

وقد استدل الفلاسفة الاسلاميون على وحدانية الذات الالهية المقدسة من طريقين:

١ ـ الوجود "غير المتناهي" لا يقبل التعدد.

٢ ـ الوجود "المطلق" لا يقبل التعدد.

وتوضيح ذلك خارج عن عهدة هذا البحث فهو مذكور في الكتب الكلامية والفلسفية الاسلامية المختلفة التي تتحدث عن الذات الالهية وصفاتها.

ولكن خلاصة الامر في التوحيد الذاتي هو أنّ له معنيين:

١ ـ أن الله واحد لا يتصور له نظير ولا مثيل.

٢ ـ أن ذاته تعالى بسيطة ومنزهة عن أي نوع من أنواع التركيب والكثرة (العقلية والخارجية)(٦).

ثانياً: التوحيد في الصفات

ومن معاني التوحيد في الإسلام القول أنّ لواجب الوجود (الله) سبحانه صفاتاّ،

١- محمد: ١٩.

٢- الأنبياء: ٨٧.

٣- النحل: ٢.

٤- الحشر: ٢٢.

٥- سورة الاخلاص.

٦- مفاهيم القرآن: ٢٨٠.

٢٤٩

وقد قسّموها إلى ثبوتية وسلبية، أو صفات الجمال والجلال.

والصفات الثبوتية تنقسم إلى:

١ ـ الحقيقة الكمالية كالعلم والقدرة والغنى والارادة والحياة... وهي كلها عين ذاته سبحانه، وليست هذه الصفات زائدة على الذات، وليس وجودها إلاّ وجود الذات، فقدرته من حيث الوجود حياته، وحياته قدرته، فهو سبحانه قادر من حيث هو حي، وحي من حيث هو قادر، يعني أنه لا أثنينية في صفاته ووجوده، وهكذا الحال في سائر صفاته الكمالية، نعم هي مختلفة في مفاهيمها ومعانيها، لا في حقائقها ووجوداتها، لأنه لو كانت مختلفة في الوجود ـ وهي بحسب الفرض قديمة وواجبة كالذات ـ للزم تعدد واجب الوجود، ولانثلمت الوحدة الحقيقة، وهذا ينافي عقيدة التوحيد. فصفاته الثبوتية الحقيقة هي عين ذاته سبحانه(١).

٢ ـ الصفات الثبوتية الاضافية ـ كالخالقية والرازقية وغيرها ـ وهذه الصفات هي التي يكون مفهومها مفهوماً اضافياً ويتوقف انتزاعها على وجود شيء آخر ـ غير الذات الالهية ـ لتقوّمها بالطرفين من الخالق والمخلوق والرازق والمرزوق وهكذا، فهذه الصفات معان اعتبارية انتزاعية لا حقائق عينية، إذ ليس في الخارج إلاّ وجود الواجب ـ الله ـ وتعلق وجود المخلوق المحتاج في وجوده إليه(٢).

واما الصفات السلبية والتي تسمى بصفات "الجلال" فهي ترجع جميعها إلى سلب واحد، هو سلب الامكان عنه، ومعناه سلب كل نقص، من جسمية وصورة وحركة وسكون... الخ من الصفات السلبية(٣).

فالذات الالهية المقدسة واجدة لجميع صفات الكمال، لأن الخلو عن الكمال نقص، والنقص منفي عن الواجب تعالى، فهي منزهة عن جميع صفات النقصان، لان

١- بداية المعارف الالهية ١: ٧٩.

٢- بداية المعارف الالهية ١: ٧٩.

٣- عقائد الامامية: ٢٥٨.

٢٥٠

النقص عجز وافتقار، والعجز والافتقار لا يليق بالذات الكاملة(١).

ثالثاً: التوحيد في الأفعال

يرتكز اهتمام القرآن الكريم ـ في الاغلب ـ على مسألة "التوحيد الافعالي""التوحيد العبادي"، والتوحيد الافعالي يعني أن الافعال التي يقوم بها الله سبحانه لا يحتاج فيها إلى مساعد ولا معين، فهو مستقل في أداء أي فعل.

ولابد من الاشارة هنا إلى مسألة دقيقة وهي: وجود فرق كبير بين أن نقول: يؤدي الله أفعاله بواسطة الاسباب ولكنها الاسباب التي يخلقها هو، وأن نقول: لا يستطيع الله أن يؤدي عملاً من دون الاسباب(٢).

فالمقصود من التوحيد الافعالي إذن هو أن أداء الافعال الالهية ليس بحاجة إلى معين أو مساعد خارج الذات المقدسة، وإذا صادفنا عملاً يتم إداؤه بوساطة الاسباب فان هذه الاسباب أيضاً يخلقها الله ويجعلها سبباً، لا أن الله محتاج إلى أسباب خارجة عن ذاته، فأفعال الله هي في فعل الله وحده، وإذا كان الفعل يحتاج إلى سبب لإنجازه، فان ذلك السبب يخلقه الله ويجعله سبباً.

ويوجد اصطلاح آخر عند بعض الفلاسفة المسلمين وهو "توحيد الفعل"، ويقصدون من هذا التعبير أن جميع مخلوقات الله ترتبط ببعضها ارتباطاً وجودياً، حيث تشكل بمجموعها امراً واحداً، فنلاحظ الوحدة بين جميع مراتب الوجود، فالعالم هو شيء واحد مترابط، والفعل الذي يفعله الله هو ايجاد هذا العالم الواحد، وبمعنى آخر فان الله بالحقيقة لم يفعل إلاّ فعلاً واحداً وهو ايجاد العالم الواحد، فمجموع العالم بأبعاده المكانية والزمانية هو شيء واحد، والله سبحانه أوجد هذا

١- العقائد الحقة: ٦٤.

٢- معارف القرآن ١: ٩٨.

٢٥١

الشي الواحد، وقد طبّقوا الآية الشريفة القائلة: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ}(١) على هذا المعنى، فنحن أمرناه مرة واحدة بكلمة (كن) فكان تحققه ووجوده(٢).

وقد قسم العلماء التوحيد الافعالي بدوره إلى أقسام هي(٣):

(أ) التوحيد في الخالقية:

ويعني أنه ليس في عالم الوجود إلاّ خالق أصيل ومستقل واحد، وأما تأثير العلل الأخرى وفاعليتها فليست إلاّ في طول خالقية الله وعلّيته وفاعليته ومتحققة باذنه.

ومن خلال مطالعة آيات القرآن الكريم يتضح بجلاء أن الخالق المستقل الاصيل في هذا الكون هو واحد فقط (الله) عز اسمه، وأما خالقية ما سواه فهي في طول خالقيته لا في عرضها، وليس لأحد استقلال في الخلق والايجاد، ومن تلك الآيات القرآنية:

ـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ منْ خَالِق غَيْرُ اللَّهِ}(٤).

ـ {ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لاَإِلهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ}(٥).

ـ {هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُّبِين}(٦).

ـ {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِم قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(٧).

١- القمر: ٥٠.

٢- معارف القرآن ١: ٩٩.

٣- التوحيد بحوث في مراتبه ومعطياته.

٤- فاطر: ٤.

٥- الانعام: ١٠٢.

٦- لقمان: ١١.

٧- الرعد: ١٦.

٢٥٢

فالخالقية المنحصرة في الله تبارك وتعالى غير قابلة لاتصاف الغير بها، ولا قابلة لاثباتها للغير، إذ إن الله مستقل في خلقه، بمعنى انه سبحانه لا يعتمد على شيء، ولا يستعين بأحد، ولا يحتاج إلى إذن آذن، وإذا ثبت الخلق والخالقية لغير الله، فان المتصف بها يكون معتمداً على الله، محتاجاً إلى ارادته سبحانه وقدرته، فهي خالقية غير مستقلة بل تابعة لقدرة الله كما يشهد بذلك القرآن الكريم في قصة عيسى المسيح حيث قال:

{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ}(١).

(ب) التوحيد في الربوبية والتدبير:

ونعني به أن تدبير هذا العالم هو بيد الله سبحانه وحده، ونستطيع أن نقف على معنى الرب من خلال مراجعة المعنى اللغوي لهذه الكلمة فالرب "هو المالك، الخالق، الصاحب، والرب المصلح للشي، والله جل ثناؤه الرب، لأنه مصلح أحوال خلقه"(٢).

فمعنى الربوبية تعني التدبير وإدارة العالم وتصريف شؤونه، وينص القرآن الكريم على أن الله سبحانه هو المدبر الوحيد الحقيقي للعالم، وينفي أي تدبير مستقل لغير الله سبحانه، كقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ...}(٣).

وأيضاً قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}(٤).

وقد أقام القرآن الأدلة والبراهين على "التوحيد في الربوبية" ومنها:

١- آل عمران: ٤٩.

٢- مقاييس اللغة ٢: ٣٨١.

٣- يونس: ٣.

٤- الرعد: ٢.

٢٥٣

١ ـ التدبير لا ينفك عن الخلق:

أن الذي يعتقد بأن الله تعالى هو الخالق الوحيد يجب عليه أيضاً أن يعتقد بأنه تعالى هو "المدبر الوحيد" لكون التدبير خلقاً بعد خلق وهو فعل الله خاصة، وتوضيح ذلك:

"أن النظام الامكاني ـ بحكم كونه فقيراً ممكناً ـ فاقد الوجود الذاتي، وفقره هذا ليس منحصراً في وجوده في بدء تحققه، وانما يستمر معه في جميع مراحل وجوده، وليس التدبير إلاّ افاضة الوجود واعطاء "القدرة على التأثير" للشي الممكن، فكما أن الوجود مفاض من الله للممكنات، فكذلك تدبير وادارة وجود الممكنات تقوم به سبحانه، وليس هذا إلاّ نوعاً من الخلق، وإذ ليس هناك من خالق سواه سبحانه، فليس هناك مدبر سواه أيضاً"(١)، ولذلك يذكر القرآن الكريم بعد مسألة الخلق مسئلة تدبير الأمر، كما هو واضح في الآيات المذكورة آنفاً.

٢ ـ وحدة النظام دليل على وحدة المدبر:

أن وحدة النظام الكوني وعمومية السنن والقوانين الطبيعية تقودنا إلى القول بأن ليس للعالم إلاّ خالق واحد، وانه ليس للعالم إلاّ مدبر واحد، لأن وحدة النظام لا تتحقق إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبر واحد، ولو خضع الكون لادارة وتدبير حاكمين لفسد هذا النظام الواحد، وقد أكد القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}(٢)وأيضاً قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}(٣).

١- مفاهيم القرآن ١: ٣٩٩.

٢- الأنبياء: ٢٢.

٣- المؤمنون: ٩١.

٢٥٤

(ج) التوحيد في العبادة:

يعتبر القرآن الكريم التوحيد فى العبادة بأنه الاصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً}(١).

والمقصود بهذا التوحيد: أن نفرد خالق الكون بالعبادة، ونجتنب عبادة غيره مما يكون مخلوقاً له تعالى، وهذا في مقابل الشرك في العبادة الذي يعني أن يعبد الإنسان ـ رغم اعتقاده بوحدانية خالق هذا الكون ـ مخلوقاً لسبب من الاسباب(٢).

والعبادة هي الخضوع عن اعتقاد بالوهية المعبود وربوبيته، فالعبادة لا تكون إلاّ بتوفر الشرطين:

الأوّل: وهو الخضوع والتذلل، والثاني: الاعتقاد بالوهية المخضوع والتذلل له، وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ}(٣)، ومعها:

أن الذي يستحق العبادة هو من كان إلهاً، وليس هناك إله سوى الله، فكيف تعبدون سواه، وإلى هذا المعنى اشار العلامة البلاغي في تفسيره "آلاء الرحمن" حيث قال: العبادة ما يرونه مشعراً بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلهاً ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالالوهية(٤).

١- آل عمران: ٦٤.

٢- مفاهيم القرآن ١: ٤٣١.

٣- الاعراف: ٥٩.

٤- مفاهيم القرآن ١: ٤٦٢.

٢٥٥

المبحث الثاني: الإسلام والتثليث

أولاً: القرآن والتثليث

أن المسيحيين من جهة موحدون إذ أنهم يؤمنون بإله واحد فقط، خالق السموات والأرض، ومن جهة اُخرى يعتقدون أن هذا الإله له أقانيم ثلاثة، فهم بهذا المعنى ليسوا موحدين إذ التثليث لا ينسجم مع التوحيد. يقول الأب ابراهيم لوقا: "فنحن المسيحيون نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السموات والأرض، جوهر واحد، كلي الكمال، في ثلاث خواص ذاتية، أبانها المسيح وكشف عنها القناع"(١).

وقد احتج القرآن على نفي التثليث بأشكال مختلفة، فهناك آيات تشير إلى نفي التثليث في بيانات عامة مثل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(٢)، كأن يكون إلى جانبه اثنان مثله ليصيروا جميعاً ثلاثة، فيكونان وثالثهم الله ليصدق عليه انه ثالث ثلاثة(٣).

أو قوله تعالى: {اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}، فعندما وصف نفسه بالواحد قرنه بـ {الْقَهَّارُ} فوحدته وحدة قاهرة، وليست وحدة تقبل الشريك، فوحدته سبحانه ليست عددية بل وحدته احدية(٤).

وهناك آيات صرّحت بنفي التثليث كقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ}(٥) وأيضاً قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِله إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ}(٦).

فقد عدّ الله سبحانه القول {ثَالِثُ ثَلاَثَة} كفراً، لملازمته التحديد، وأن اثبات الابن والأب اثبات للعدد بالضرورة، وهو اثبات للكثرة الحقيقية وهذه الكثرة

١- المسيحية في الإسلام: ٧٣.

٢- الشورى: ١١.

٣- التوحيد في القرآن: ١٨١.

٤- نفس المصدر.

٥- النساء: ١٧١.

٦- المائدة: ٧٣.

٢٥٦

الحقيقية تؤول إلى الاثنينية والشراكة(١).

وأيضاً قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(٢). ففي هذه الآية تصريح في استحالة الابن عليه سبحانه، يقول العلامة الطباطبائي بخصوص هذه الآية: "أن حقيقة البنوّة والتولد هو أن يجزء واحد من هذه الموجودات الحية المادية، كالانسان والحيوان و (النبات) شيئاً من مادة نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فرداً آخر من نوعه مماثلاً لنفسه، يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على المجزي منه ، ومن المعلوم أن الله سبحانه يمتنع عليه ذلك لأسباب:

أولاً: لاستلزامه الجسمية المادية، والله سبحانه منزه عن المادة ولوازمها الافتقارية، كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك.

ثانياً:لأن الله سبحانه لإطلاق الوهيته وربوبيته له القيومية المطلقة على ما سواه، فكل شيء سواه مفتقرالوجود إليه، قائم الوجود به، فكيف يمكن فرض شيء غيره يماثله في النوعية، يستقل عنه بنفسه، ويكون له من الذات والاوصاف والاحكام ما له من غير افتقار إليه.

ثالثاً:فلأن جواز الايلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه تعالى، وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة، وهو خلف، بل ما يقع بارادته ومشيئته تعالى إنما يقع من غير مهلة وتدريج"(٣).

ثم يضيف: ولو فرض قولهم: اتخذ الله ولداً كلاماً ملقى لا على وجه الحقيقة، بل على وجه التوسع في معنى الابن والولد، بأن يراد به انفصال شيء عن شيء يماثله

١- العظيمان المباركان عيسى ومريم: ١١٤.

٢- البقرة: ١١٧.

٣- تفسير الميزان ٣: ٢٨٨.

٢٥٧

في الحقيقة من غير تجز مادي أو تدريج زماني "وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم: المسيح ابن الله بعد تنقيحه" ليتخلصوا بذلك عن اشكال الجسمية والمادية والتدريج، يبقى اشكال المماثلة وتوضيحه:

أن اثبات الابن والاب اثبات للعدد بالضرورة، وهو اثبات للكثرة الحقيقية، وان فرضت الوحدة النوعية بين الاب والابن، كالأب والابن من الإنسان هما واحد في الحقيقة الانسانية، وكثير من حيث انهما فردان من الإنسان، وعلى هذا فلو فرض وحدة الإله، كان كل ما سواه ومن جملتها الابن، غيراً له مملوكاً مفتقراً إليه، فلا يكون الابن المفروض الهاً مثله، ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه بل مستقل مثله بطل التوحيد في الإله عز اسمه(١).

وقد ذهب بعض علماء المسيحية إلى القول بأن التثليث الذي يرفضه القرآن ليس هو التثليث الذي يقول به المسيحيون، يقول صاحب كتاب المسيحية في الإسلام: ان التثليث لا ينقض وحدانية الله تعالى، لأنه لا يعني التعدد، ويظن البعض خطأ إن الإسلام قد حارب هذا التعليم الاساسي وأنكره وكفّر القائلين به، ولكن الباحث المدقق في موقف الإسلام إزاء هذا التعليم تتضح له تخالف الظن والمفروض، وهذه الحقائق التي تتجلى واضحة لكل من بحث هذا الأمر بحثاً دقيقاً بعيداً عن التعصب:

أولاً: إن التثليث الذي حاربه الإسلام هو غير تثليث المسيحية الصحيحة.

ثانياً: أثبت علماء الإسلام للمسيحية فكرتها الصحيحة عن التثليث، وبالتالي اعلنوا أنها شيء آخر غير عقيدة التثليث المغلوطة التي ندد بها القرآن، واجتهد في اظهار ما بها من الابتداع.

ثالثاً: نظر الإسلام إلى المسيحيين وتكلم عنهم كقوم موحدين غير مشركين.

رابعاً: تكلم الإسلام عن الثالوث الاقدس كما تعلّم به المسيحية، وفي ذلك

١- نفس المصدر.

٢٥٨

مصادقة منه لها على صحة هذه العقيدة(١).

ويقول يوسف الحداد في كتابه "الانجيل في القرآن" بهذا الخصوص:

"في هذه الآية {وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا}(٢) يحمل القرآن أيضاً لا على التثليث المسيحي كما يظن، بل على بدعة نصرانية ظهرت قبل القرآن"(٣)، ولكن هذا الكلام خلاف ما أشار إليه القرآن في هذه الآية للاسباب التالية:

أولاً: ان التثليث المسيحي بكل الوانه وصوره، سواء كان رسمياً أم غير رسمي، هو مورد لتنديد القرآن، لانه غلو في الدين، وشرك بالله سبحانه، ومنافي لوحدانيته.

ثانياً: إن آخر الآية الكريمة يشير إلى مقولتهم المتفرعة عن التثليث، والتي يتبناها التعليم المسيحي الرسمي، ألا وهي نسبة الولد له سبحانه، قال تبارك وتعالى:

{وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ...}(٤).

فقول الحدّاد أن القرآن لا يحمل على التثليث المسيحي، بل على: "الذين جعلوا التثليث المسيحي (المبني على وحدة الجوهر الالهي) ثلاثة آلهة، فعددوا الجوهر الالهي الفرد"(٥). في غير محله.

وعلّق الدكتور الصادقي على هذا القول: "أن الحداد يغالط في خلط عقيدة الثالوث المسيحي بالانجيلي، رغم البون الشاسع بينهما، ويناقض في الجمع بين الواحد والثلاث... لذلك يضرب بسوط جبّار على آيات الله البيّنات في القرآن التي تندد بالثالوث المسيحي،

١- المسيحية في الإسلام: ٧٦.

٢- النساء: ١٧١.

٣- الانجيل في القرآن: ١٦٥.

٤- النساء: ١٧١.

٥- الانجيل في القرآن: ١٦٥.

٢٥٩

انه ليس من عقيدة الانجيل، ثم يحاول موافقة القرآن للثالوث الانجيلي في وريقات"(١).

وقد اشار الشيخ مكارم الشيرازي في تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِله إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ...}(٢) إلى هذا المعنى يقول: "تتحدث (الآية) عن انحرافات المسيحيين، فتبدء بأهم تلك الانحرافات، أي (تأليه المسيح) و (تثليث المعبود)، وأي كفر أشد من أن يجعلوا الله اللامحدود من جميع الجهات متحداً مع مخلوق محدود من جميع الجهات، وأن يصفوا الخالق بصفات المخلوق، فالآية تتناول الغلو ووحدة المسيح بالله وهو (التوحيد في التثليث) وتشير إلى مسألة "تعدد الالهة" في نظر المسيحيين، أي (التثليث في التوحيد) وتقول: أن الذين قالوا أن الله ثالث الاقانيم الثلاثة لاريب انهم كافرون"(٣).

والعجب أن بعضهم استشهد بقول أبي حامد الغزالي في اثبات التثليث حيث قال: وقد أشار الغزالي إلى هذه العقيدة "التثليث" في كتابه "الرد الجميل" فقال: "يعتقد النصارى ذات الباري تعالى واحدة في الجوهر ولها اعتبارات. فإن اعتبر وجودها غير معلق على غيره، فذلك الوجود المطلق، وهو ما يسمونه بأقنوم الأب. وإن اعتبر معلقاً على وجود آخر، كالعلم المعلق على وجود العالم فذلك الوجود المقيد، وهو ما يسمونه بأقنوم الابن أو الكلمة. وإن اعتبر معلقاً على كون عاقليته معقولة منه، فذلك الوجود المقيد أيضاً هو ما يسمونه بأقنوم روح القدس، لأن ذات الباري معقولة منه، والحاصل من هذا التعبير الاصطلاحي: أن الذات الالهية واحدة في الجوهر، وإن تكن منعوته بصفات الأقانيم".

ويقولون أيضاً: "إن الذات من حيث هي مجردة لاموصوفة، عبارة عن معنى العقل، وهو المسمى عندهم بأقنوم الأب".

١- عقائدنا: ١٢٨.

٢- المائدة: ٧٣.

٣- تفسير الامثل ٤: ١٠٨.

٢٦٠