×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

"وإن اعتبرت من حيث عاقلة ذاتها، فهذا الاعتبار عبارة عن معنى العاقل، وهو المسمى بأقنوم الابن والكلمة".

"وإن اعتبرت من حيث إن ذاتها معقولة منها، فهذا الاعتبار عبارة عن معنى المعقول، وهو المسمى بأقنوم الروح القدس. فعلى هذا الاصطلاح، يكون العقل عبارة عن ذات الله فقط، والأب مرادف له، والعاقل عبارة عن ذاته بمعنى أنها عاقلة ذاتها، والابن أوالكلمة مرادف له، والمعقول عبارة عن الإله المعقولة ذاته منه، والروح القدس مرادف له أيضاً" .ثم عقب قائلاً: "إذا صحت المعاني فلا مشاحة في الالفاظ ولا في اصطلاح المتكلمين"، ويعلّق مؤلف الكتاب على ذلك بقوله: "من تفسير الإمام الغزالي عقيدة التثليث المسيحية، وتعليقه عليها يتضح إن فلاسفة الإسلام وعلماؤه أدركوا أن عقيدة المسيحية الصحيحة في التثليث هي غير تلك العقيدة المبتدعة التي أشار إليها القرآن وندد بها"(١).

ولكن من يراجع كتاب "الرد الجميل لإلهية المسيح" يرى إنه جعل كلام أبي حامد الغزالي عضين، فإنه كان في مقام نفي الوهية المسيح بشدة، والمقطع الذي استشهد به الكاتب كان بعنوان "خاتمة" يقول الغزالي: "خاتمة: هي من أعظم معضلاتهم التي يعوّلون عليها مثبتين بها إلهية عيسى(عليه السلام) جعلها يوحنا فاتحة انجيله هي: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله...."(٢). ويضيف: اما أول هذا الفصل فلا تعلق له بثبوت الالهية لعيسى (عليه السلام)بوجه لانهم "يعتقدون.... الخ"، فيذكر ما استشهد به الكاتب إلى أن يقول الغزالي: "هذا اعتقادهم في هذه الاقانيم وكلام شارح انجيلهم في أول هذا الفصل، وإذا صحّت المعاني فلا مشاحة في الالفاظ، فقد وضح بما شرحوه ان أول هذا الفصل لا دلالة فيه على الالهية لعيسى(عليه السلام) البتة" وبعد ذلك يذكر شبهتان في هذا الفصل ويجيب عليهما، ثم يقول: "وقد سلكوا في تأويل الاقانيم مسلكاً لزمهم القول بوجود ثلاثة الهة في

١- المسيحية في الإسلام: ٨.

٢- يوحنا ١ : ١.

٢٦١

الذهن والخارج متبانية ذواتها وحقائقها، أو نفي ذات الاله جل اسمه".

وذلك انهم جعلوا الأب عبارة عن الذات بقيد الابوة، والابن عبارة عن الذات بقيد البنوة، وروح القدس عبارة عن الذات بقيد الانبثاق، ثم يقولون إله واحد.

فإذا ضويقوا في ذلك وتبينوا ان ذات الاب مختصة بصفة الابوة غير قابلة لوصفها بالبنوّة، وكذلك القول في الابن وروح القدس، وليست من الذوات المتضائفة، فتقدّر أباً لشخص وابناً لغيره، قالوا ان الذات واحدة ووصفها بجميع هذه الصفات ممكن، لكنّا إذا وصفناها بصفة قدرنا نفي ما يباينها، وهذا مكان الجهل والغفلة، لانهم يقولون بقدم هذه الذوات ازلاً، وبقدم صفاتها، فإذا هي ملزومات الصفات، وصفاتها لازمة لها، ومتى وجد الملزوم وجد اللازم، ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا قدر نفي الصفة اللازمة للذات، قدر نفي الذات، وإلى هذا المعنى اشار الكتاب العزيز بقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة}(١).

فالدين الاسلامي أكد على التوحيد، ورفض كل انواع الشرك سواء كان بصورة إله مع الله، أم التعدد في الذات الالهية، وقد ندد بكل ألوان التثليث المسيحي أو غيره، واعتقد أن الكثير من النصارى أيضاً رفضوا فكرة التثليث واعتبروها مخالفة للتوحيد الخالص ومنهم القديس توما الاكويني الذي رفض القول بالاقانيم الثلاثة المستقلة في الذات الالهية حيث قال:

"أن الاقنوم جوهر مفرد ذو طبيعة ناطقة، فلو كان في الله اقانيم متكثرة، لكان فيه جواهر متكثرة وهذا بدعة" ويضيف في ردّه للثالوث: "أن كل ما في الله فهو في وحدة الذات الالهية، لأن الله هو عين ذاته، فلو كان في الله ثالوث لكان ذلك في وحدة الذات الالهية، فكان الله ثلاث وحدات ذاتية، وهذا بدعة"(٢).

١- الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل: ٤٣ ـ ٥٢ باختصار.

٢- الخلاصة اللاهوتية لتوما الاكويني: ٣٧٣ نقلاً عن د. عبد المنعم فؤاد: المسيحية: ٢٥٦.

٢٦٢

وآخرون كثيرون أيضاً من الفلاسفة والمؤمنين المسيحين الذين توصلوا إلى حقيقة أن التثليث مخالف للايمان بوحدانية الذات الالهية المقدسة، يقول محمد فاروق الزين بهذا الصدد:

"تطورت حركات مسيحية توحيدية نبذت عقيدة الثالوث، ورفضت تأليه المسيح، واعلنت أن الله واحد أحد، وأصرّت على وجوب استخدام العقل والمنطق السليم في الدين، وقد كان ذلك بمثابة عودة إلى فكر النصارى الاوائل ومن خلفهم من الإبيونايت والأريسيين الذين كانوا قد زالوا من الوجود نتيجة قمع الكنيسة المسيحية لهم"(١).

ثانياً: العقل والتثليث:

لقد اعترف بعض علماء المسيحية في أن التثليث هو أمر فوق العقل، ولكنهم رفضوا القول بأنه يضاد العقل، قال أحد علمائهم:

"نعم إنه "التثليث" أمر يفوق العقل، كيان الله الواحد بثلاثة أقانيم، وتجسد الاقنوم الثاني لفداء الإنسان،ولكنه لا يضادّه (العقل)، وشأن امور الله أن تفوق عقولنا، وأن كل ما خطر على بالك، فالله خلاف ذلك"(٢).

وقد أجاب ابن تيمية على هذا القول بالتساؤل: "أنت تصوّر ما تقول أم لا تصوّره ولاتفهمه ولا تعقله؟ فإن قال: لاأتصور ما أقول، ولا افقهه، ولا اعقله، فقد قال على الله ما لا يعلم، وذلك من اعظم القبائح المحرّمة في الشرائع وإن قال: اني أفقه ما أقول، وأتصوره، واعقله، قيل له: بيّنه لغيرك حتّى يفقهه، ويعقله ويتصوره، ولا تقل هذا فوق العقل، لانك عقلته وفهمته" ويرى أن التسليم بمقالات النصارى بحجة أنها فوق طور العقل يؤدي إلى أمور كلها باطلة وهي:

١- المسيحية والاسلام والاستشراق: ١٢٢.

٢- الرد على النصارى: ٩٥.

٢٦٣

١ ـ يوجب عدم البحث في شيء من الالهيات بالعقل.

٢ ـ يفتح الباب أمام كل مبطل ليقول ما يشاء من الباطل، ويعتذر عن عدم قدرته على الاحتجاج له والاستدلال عليه، بأنه فوق العقل أو وراء طوره.

٣ ـ الاحتجاج بكلام من ليس قوله حجة، إذ لا يحتج إلاّ بنقل ثابت عن الأنبياء، أو ما يعلم بالعقل.

٤ ـ التصديق بأمور يمتنع أن يخبر الأنبياء بها، لأن الأنبياء يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول(١).

وأيضاً ردّ أحد علماء الإسلام على هذا الرأي بقوله:

"إذا كان كيان الله بثلاثة أقانيم فوق ادراك العقل، والعقل قاصر عن ذلك، وإن كل ما خطر بالبال فالله خلاف ذلك، فمن أين نحكم بأن الكيان المذكور مركّب من ثلاثة أقانيم؟ وهل يكون ذلك الكيان (كيان الله) بسيط(٢) أو مركب(٣)؟

فإن قلت: انه بسيط فقد خالفت قولك بأنه متكون من ثلاثة أقانيم.

وإن قلت: انه مركب، فهذه الثلاثة إن كانت أزلية فقد تعددت الآزال(٤)، وإن كان بعضها أزلياً وبعضها حادثاً فأسوء حالاً، لأن الواجب قد تركب من القديم والحادث، ثم قبل حدوث الجزء فالكيان ناقص، وهل يمكن للناقص أن يؤثر في غيره قبل كماله؟

فان قلت: إن تعددها لا ينافي البساطة.

قلت: هذا التعدد حقيقي أو اعتباري؟

١- الجواب الصحيح ٣: ١٣١ ـ ١٣٧.

٢- البسيط: هو الذي له طبيعة واحدة، أو ما لا تركيب فيه من شيئين مختلفين .

٣- المركب: وهو خلاف البسيط، أي الذي يكون مركباً من أشياء، وينقسم إلى حقيقي واعتباري، وكل منهما ينقسم إلى خارجي وعقلي. شرح المصطلحات الفلسفية: ٣٦٤.

٤- الازلي هو الذي لم يكن ليس، وما لم يكن ليس لا يحتاج في قوامه إلى غيره، والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره لا علة له.

٢٦٤

فعلى الأول يجي التركيب، ومن المركب هل هو أحد الثلاثة أو غير الثلاثة؟ ومن ذلك الغير؟ فان قلت به (الغير): فأما أن يدور أو يتسلسل، وهو محال.

وان قلت: إن التعدد اعتباري.

قلت: كل واحد من الثلاثة اعتباري؟ أو بعضها اعتباري وبعضها حقيقي؟ وعلى الأوّل تكون ذات الواجب اعتبارية لا حقيقية (وهو محال).

فان قلت: ان الواحد من الثلاثة أصل حقيقي وغيره اعتباري.

قلت: لم يكن حينئذ كيان الله سبحانه بثلاثة أقانيم، بل من أقنوم واحد(١).

بل اعترف البعض منهم أن عقيدة التثليث والتجسد مناقضة للعقل تماماً، ولكن مع ذلك فنحن نؤمن بها، يقول القس وهيب عطا الله:

"انها قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدق ونؤمن أن هذا ممكن حتّى ولو لم يكن معقولاً"(٢).

وأيضاً كما ينقل عن أوغسطين قوله:

"أؤمن بالمسيحية لأنها دين غير معقول"(٣).

فالمسيحيون حينما يواجهون الاشكالات العقلية حول عقيدة التثليث، يلجأون إلى لجم العقل وتعطيله بقولهم أن العقل قاصر عن ادراك مثل هذه المسائل، لأنّها من الإيمان وعالم الغيب الذي لاحظ للعقل فيه، ولان الوحي قد جاء بها فيجب قبولها والاذعان لها وإن كانت مخالفة للعقل، ويؤكدون على أن الكثير من المسائل الدينية يحيلها العقل ولكن تُقبل تعبداً وهذه العقيدة منها.

ولكن هذا الكلام مجانب للصواب، إذ كيف يستطيع الإنسان أن يميز دين الحق

١- الرد على النصارى: ٩٧.

٢- القس وهيب عطا الله، طبيعة السيد المسيح (ع) : ١٨، عن د. أحمد الشلبي، المسيحية: ١٢٤.

٣- المسيحية نشأتها وتطورها: ١١.

٢٦٥

عن الباطل، أليس بالعقل؟ وحتّى المسيح وتلاميذه فانهم كانوا يجادلون اليهود بالأدلة والاستدلالات لكي يثبتوا أن المسيح مرسل من الله سبحانه، وكان يدعوهم إلى اتباع العقل من خلال تطبيق ما تنبأ به العهد القديم بالنبي الموعود (المسيح)، فإذا كان العقل له الدور الرئيسي في تشخيص الدين الحق من الباطل، فكيف يقبل بعقيدة تشتمل على محالات وتناقضات يرفضها؟

٢٦٦
 كتاب لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة علي الشيخ (ص ٢٦٧ - ص ٢٩٧)
٢٦٧

الفصل الثالث

المسيح والوهيته في الإسلام
ويتضمن المباحث التالية:

تمهيد

المبحث الأول: نقد ألوهية المسيح في القرآن

المبحث الثاني: نقد ألوهية المسيح عقلاً

المبحث الثالث: أدلة النصارى على ألوهية المسيح من القرآن

المبحث الرابع: موقف علماء الإسلام من أدلة ألوهية المسيح في الأناجيل

٢٦٨
٢٦٩

المبحث الأول: نقد الوهية المسيح في القرآن

أن القرآن ينادي بأعلى صوته كما أشرنا إلى عقيدة التوحيد، فالله سبحانه لا شريك له ولا إله آخر معه، وأيضاً فهو سبحانه صرف الوجود وبسيط الحقيقة لا تكثر ولا تركيب في ذاته المقدسة أبداً، إذ التكثر والتركيب يؤدي بالنتيجة إلى الاحتياج، وهو الغني المطلق.

وقد نفى سبحانه وتعالى في كتابه المنزل عل نبيه محمد(صلى الله عليه وآله) الشريك والولد، والأوّل كما هو واضح اشاره منه سبحانه على نفي كل إله آخر سواه، والثاني هو نفي التركيب والتكثر في ذاته وهو ما يقول به المسيحيون، فانهم يرفضون وجود إله آخر مع الله كما وضحّنا ذلك في عقيدة التثليث، ولكنهم يعتقدون بأن الذات الالهية مكونة من ثلاثة جواهر واقانيم مستقلة وهي (الأب والابن والروح القدس)، وبذلك فهم ظاهراً يرفضون التوحيد في الذات.

لقد احتج القرآن على القائلين بـ (تثليث الوحدة) وهو الأمر المشترك بين جميع المذاهب المسيحية، واهتم بعقيدة واحدة مشتركة بينهم وهي البنوة، بمعنى كون المسيح ابن الله، ولأنه ابن الله فهو من سنخ وطبيعة الإله سبحانه.

وقد احتج القرآن على قولهم بطريقين:

الأول: الطريق العام، وهو بيان استحالة الابن عليه تعالى في نفسه، أي سواء كان عيسى هو الابن أو غيره.

الثاني: الطريق الخاص، وهو بيان أن عيسى ابن مريم ليس ابناً إلهاً بل عبد

٢٧٠

مخلوق(١).

ونحن أشرنا إلى الطريق العام في بحثنا حول التثليث، وسنكتفي هنا ببيان الطريق الثاني، وهو بيان أن شخص عيسى بن مريم ليس ابناً لله مشاركاً له في الحقيقة الالهية.

وأهم دليل يقيمه القرآن على نفي الألوهية عن المسيح هو ما اتصف به من صفات البشرية ولوازمها، فان الإنسان لا يكون إلهاً بحال من الاحوال وهذا يحتاج إلى اثبات عقلي مستقل.

يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره "الميزان في تفسير القرآن" بخصوص هذه المسألة:

"ان المسيح حملت به مريم، وربته جنيناً في رحمها، ثم وضعته وضع المرأة ولدها، ثم ربته كما يتربى الولد في حضانة أمه، ثم أخذ في النشوء وقطع مراحل الحياة والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة، وفي جميع ذلك كان حاله حال انسان طبيعي في حياته، يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإنسان، من جوع وشبع، وسرور ومساءة، ولذة وألم، وأكل وشرب، ونوم ويقظة، وتعب وراحة غير ذلك.

فهذا ما شوهد من حال المسيح حين مكثه بين الناس، ولا يرتاب ذو عقل أن من كان هذا شأنه فهو إنسان كسائر الأناسي من نوعه، وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه"(٢).

ومن الآيات التي أشارت إلى بشرية المسيح قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِله إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَـمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} إلى قوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ

١- الميزان ٣: ٣٣٠.

٢- نفس المصدر ٣: ٣٣٢.

٢٧١

مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}(١).

وقد خص الله تبارك وتعالى أكل الطعام من بين جميع الافعال بالذكر لكونه من أحسنها دلالة على المادية وأستلزاماً للحاجة والفاقة المنافية للالوهية، فمن المعلوم أن من يجوع ويظمأ بطبعه ثم يشبع بأكله أو يرتوي بشربة ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلاّ غيره، فما معنى الوهية من هذا شأنه؟ فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في رفعها إلى الخارج من نفسه فهو ناقص في نفسه مدبر بغيره، وليس بإله غني بذاته، بل هو مخلوق مدبر بربوبية من ينتهي إليه تدبيره(٢).

وأيضاً قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ}(٣).

فلو كان المسيح إلهاً لقدر على دفع أمر الله تعالى إذا أراد سبحانه أهلاكه واهلاك غيره، يقول في مجمع البيان: "وبهذه الآية أجاب الله سبحانه على النصارى القائلين بأن الله جلّ جلاله اتحد بالمسيح فصار الناسوت لاهوتاً يجب أن يُعبد ويتخذ إلهاً، فاحتج عليهم بأن من جاز عليه الهلاك لا يجوز أن يكون إلهاً"(٤).

وأيضاً تشبيه عيسى المسيح بآدم حيث قال سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(٥) وغيرها من الآيات الكثيرة

١- المائدة: ٧٣.

٢- نفس المصدر ٣: ٣٣٣.

٣- المائدة: ١٧.

٤- مجمع البيان ٣: ٢٣٠.

٥- آل عمران: ٥٩.

٢٧٢

الاخرى التي تشير إلى كون المسيح انساناً مخلوقاً وعبداً رسولاً، ولذلك نبّه القرآن على عدم الغلو في شخصية المسيح كما في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ...}(١).

١- النساء: ١٧١.

٢٧٣

المبحث الثاني:نقد الوهية المسيح عقلاً

لقد أثار علماء الإسلام الكثير من الاشكالات العقلية على مسألة التجسد وألوهية المسيح، ورفضوا هذه العقيدة رفضاً قاطعاً، وسنتطرق هنا إلى بعض تلك الاعتراضات العقلية على الوهية المسيح.

الاشكال الأول:

أن الحقائق الثلاثة (الوجوب ـ الامكان ـ الامتناع)(١) يستحيل انقلاب كلّ واحد منها إلى الآخر، فالوجوب لا يكون إمكاناً ولا امتناعاً، والامتناع لا يكون وجوباً ولا إمكاناً، وكذلك الامكان، فلو انقلب الوجوب الذاتي إلى الإمكان لكان الوجوب الذاتي جامعاً بين استحالة العدم وجواز العدم عليه، وهو مستحيل بالضرورة العقلية والوجدانية.

وحينئذ فالقول أن الكلمة (الابن) صارت جسداً، وهي الاقنوم الثاني من كيان وذات الله الواجب الوجود، يكون باطلاً، لأنه مع تفسير الكلمة بالاقنوم الثاني يكون انقلاب الوجوب الذاتي إلى الامكان الذاتي الذي وضحنا استحالته(٢).

١- كل مفهوم إذا قيس إلى الوجود، فإمّا أن يجب له فهو الواجب، أو يمتنع وهو الممتنع، أو لا يجب له ولا يمتنع وهو الممكن، بداية الحمكة: ٥٥.

٢- الرد على النصارى: ١٠١.

٢٧٤

الاشكال الثاني:

وهو ما ذكره الشيخ البلاغي (رحمه الله) وهو يتكون من مقدمات نذكرها باختصار:

المقدمة الأولى: أن واجب الوجود لا يكون مركباً، لأن المركب محتاج إلى اجزائه وإلى فاعل يركبها ويؤلف بينها، والمحتاج لا يكون واجب الوجود.

المقدمة الثانية: لا يكون واجب الوجود مادّياً، لأن المادي مهما فرض له من البساطة في الماهية لابد من أن يكون مركباً في المقدار.

المقدمة الثالثة: إذا تجسد واجب الوجود، فأما يكون تعالى شأنه جسداً من الازل بمعنى كونه مادياً من الازل وقد تقدم امتناعه على واجب الوجود (ولا يقول به النصارى انفسهم). وأما أن يكون التجسد حادثاً، وهذا يعني تغير كيانه الأوّل، وواجب الوجود لا يمكن أن يتغير كيانه، ومن الواضح أنه يستحيل أن يتبدل هذا الكيان إلى كيان آخر وإن كان بسيطاً أيضاً، لأن الكيان الأوّل يخرج عن كونه واجب الوجود، والكيان الثاني أيضاً سيكون حادثاً بالضرورة فلا يكون واجب الوجود(١).

الاشكال الثالث:

القول أن ذات الله وكيانه انبثق من جوهره وكيانه الالهي موجوداً آخر نسميه إلهاً مولوداً من إله (وهو ما يقول به النصارى) وقد تجسد هذا الابن ونزل إلى الأرض متلبساً بلباس البشر، وهذا الجوهر الالهي المنبثق (الابن) مستقل عن الأب والروح القدس (اقانيم كيان الله وذاته) باطل وممتنع وذلك:

لان التعدد في ذات الاله الواحد (الله)، لابد فيه بعد الاشتراك في الألوهية أن يمتاز كل واحد بمميز له عن الآخر بحيث يصح التعدد (التثليث) والحكم به.

١- الرحلة المدرسية ٢: ٣٢٠.

٢٧٥

فنقول: هذا الامر المتمايز هل هو بجعل فاعل متصرف، وبتصرفه وتكوينه ميز كل واحد عن صاحبه، فيكون ذلك الفاعل هو واجب الوجود وهو الإله، وبقية الافراد لا توصف بالالوهية، وإذا قلنا أن هذا الاله متعدد ننقل الكلام بعينه إليه.

أو أن المؤثر في امتياز كل واحد من الافراد المتعددة هو طبيعي فيه، فلابد من أن يكون المائز في امتياز كل منها هو غير الجهة المشتركة بينها من الطبيعة الالهية ووجوب الوجود كما هو واضح، فيكون كل من الافراد مركباً من الطبيعة المشتركة، والامر الطبيعي الذي يمتاز به، وبالنتيجة فيكون محتاجاً إلى أجزائه وإلى فاعل يؤلفها ويركبها، فلا يكون كل منها واجب الوجود(١).

الاشكال الرابع:

أن ناسوت المسيح مع الذات المتحدة به إن كانتا بعد الاتحاد ذاتين، وهما جوهران ـ كما كان قبل الاتحاد ـ فليس ذلك باتحاد.

وان قيل: صار جوهراً واحداً ـ وهو ما يعتقد به المسيحيون ـ كالنار مع الحديد أو اللبن مع الماء، فهذا يستلزم استحالة كلّ منهما وانقلاب حقيقته، وحينئذ يلزم أن يكون اللاهوت استحال وتبدّلت صفته وحقيقته، ووجدت له أخرى وانعدمت حقيقته الاولى، وذلك باطل لأن القديم واجب الوجود بنفسه يستحيل عدمه(٢).

الاشكال الخامس:

إذا ثبت الامتياز الحقيقي بين الأقانيم (الأب ـ الابن ـ الروح القدس) فالامر الذي حصل به هذا الامتياز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون، فعلى الشق

١- الرحلة المدرسية ٢: ٣٢٧.

٢- منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى: ٢١٦.

٢٧٦

الأوّل لم تكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيها بينهم، وهو خلاف ما تقرر عند المسيحيين من أن كل أقنوم من هذه الاقانيم متصف بجميع صفات الكمال، وعلى الشق الثاني فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال، وهذا نقصان يجب تنزيه الله عنه(١).

الاشكال السادس:

أن اقنوم الابن إذا تجسد وحلّ في جسم المسيح، فلا يخلو إما أن يكون باقياً في ذات الله أيضاً أو لا: فإن كان الأوّل لزم أن يوجد الحال الشخصي في محلّين، وإن كان الثاني لزم أن تكون ذات الله خالية منه (الاقنوم الثاني) فينتفي (الله سبحانه) لأن انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل(٢).

الاشكال السابع:

إن الاله إذا كان خالقاً للناسوت ثم ظهر فيه متحداً به فقد حدثت له صفة بعد خلقه، وهو اتحاده به وظهوره فيه، فنقول:

إذاً هذه الصفة إن كانت واجبة الوجود استحال اتصافها بالحدوث، وإن كانت ممكنة الوجود استحال اتصاف الباري بها، لان صفات ذات الباري كلها واجبة الوجود، لان كل ما لزم من عدم وجوده محالٌ فهو واجب الواجب، وصفات الاله يلزم من عدم وجودها محالٌ بيّن(٣).

فان قيل: إن كان هذا لازماً، استحال خلق العالم، بل استحال خلق مخلوق واحد،

١- اظهار الحق ٣: ٧٢٧.

٢- نفس المصدر: ٧٢٩.

٣- الرد الجميل الالهية المسيح بصريح الانجيل: ٢٨.

٢٧٧

لان الله عزوجل إذا خلق مخلوقاً واحداً حدثت له صفة، وهو اتصافه بخلقه فيلزم المحال المذكور.

فالجواب: ان هذا غير لازم البتة، لان المعني من كون الله خالقاً تقديره الخلق في الازل، وهذه الصفة ثابتة له ازلاً، فإذا خلق مخلوقاً، فعلمه بوجوده في زمن خلقه والقدرة على ايجاده في ذلك الزمان أيضاً كلاهما ثابت ازلاً، فلم يبق حادث سوى وجوده، ووجوده ليس صفة قائمة بذات الاله جل اسمه، بل بذات المخلوق، واما نسبة الوجود إلى تأثير القدرة فيه زمن ايجاده، فذلك من باب النسب والاضافات، والنسب والاضافات ليست أمراً وجودياً كالفوقية والتحتية والابوة والبنوة، وهذا معنى بيّن الظهور بخلاف ما تقدم فانه إذا اتحد بالناسوت كان اتحاده به صفة قائمة بذاته، تعالى الله عن ذلك.(١)

الاشكال الثامن:

لو فرض وجود هذه الحقيقة "اللاهوت المتحد بالناسوت"، فالقول بانها حقيقة ثالثة مغايرة لكل واحد من اللاهوت والناسوت، موصوفة بكل ما يجب لكل واحد منهما من لوازم الإنسان وملزوماته وصفاته من حيث هو انسان، وما يجب للاله من الصفات الثابتة له وما يستحيل عليه من الصفات من حيث هو اله، كلام متهافت لا مطمع لاحد في تحقيقه لأنه يجمع بين النقائض، وبيانه:

ان الشي انما يوصف بصفة إذا كان وصفه بها ممكناً، وإذا ثبت ذلك امتنع أن يجري على هذه الحقيقة أحكام اللاهوت وأحكام الناسوت، لان جميع ما يجب للاهوت من الصفات وغيرها المختصة به من حيث هو لاهوت المميزة له عن غيره، إن كانت ثابتة للحقيقة الثالثة لزم أن تكون عين اللاهوت، وكذلك القول في

١- نفس المصدر.

٢٧٨

الناسوت، لاشتراكهما معهما في جميع لوازم كل واحد منهما، وجميع ملزوماته وصفاته الثابتة له من حيث هو اله، ومن حيث هو انسان على حدّ ما ذكر.

إذا لو ثبت المغايرة والحالة هذه، تلزم أن تثبت لشي جميع ذاتيات الإنسان المقوّمة لحقيقته، وجميع عوارضه اللازمة والمفارقة، ويُفرض مع ذلك حقيقة مغايرة لحقيقة الإنسان. هذا من المحال البيّن لأن جميع ذاتيات الإنسان المقوّمة له وجميع عوارضه الثابتة له من حيث هو انسان، متى وجدت في شيء أوجبت لذلك الشي حقيقة الانسانية، ونفت عنه صدق ما يغايرها، وإلاّ لم تكن ثابتة له من حيث هو انسان وقد فرضناها كذلك، هذا خلف.

ثم لو كانت الهاً كاملاً لثبت لها أوصاف الاله الكامل، ومن اوصاف الاله الكامل أن لا يكون مركباً منه ومن الإنسان، لانه يلزم ان تكون ذات الاله محتاجة إلى الإنسان في الوجود ومسبوقة به وبنفسها أيضاً.

فان قيل: انما يلزم ذلك إذا جعلناها موصوفة بجميع ما يجب للإله من الصفات وغيرها، وكذلك القول في الناسوت من حيث هو حقيقة، اما إذا أجرينا على كل من اللاهوت والناسوت جميع أحكامه وصفاته التي كانت ثابتة له قبل التركيب، فلِمَ قلتم إن ذلك ممتنع؟

فالجواب: ان اعتبار أحكام جميع ما يجب لكل واحد منهما من حيث هو إله وانسان، ان اعتبرت لا بقيد التركيب، استحال أن يكون للحقيقة الثالثة اعتباراً، إذ يكون ذلك حكماً على المفرد بقيد كونه مفرداً.

وان اعتبرت بقيد التركيب استحال بقاء جميعها بعد التركيب، إذ لو بقى جميع ما يجب لكل واحد من المفردين من حيث هو كذلك بعد التركيب ثابتاً لهما، للزم أن يكون ثابتاً للحقيقة الثالثة، وحينئذ يلزم المحال المذكور، وهو أن تكون الحقيقة الثالثة نفس اللاهوت ونفس الناسوت،، لاشتراكها معهما في جميع ما يجب لكل

٢٧٩

واحد منهما من الصفات وغيرها من حيث هو اله ومن حيث هو انسان.

فثبت حينئذ ما ذكرناه، ان وصفها بكل ما يجب لكل واحد من اللاهوت والناسوت ممتنع، سواء اعتبرنا كل واحد منهما بقيد التركيب أو منفكاً عنه.

فان قيل: (١)انما يلزم ذلك كله إذا كان التركيب (الاتحاد) الذي نقول به بتركيب امتزاج واختلاط، ونحن لا نقول بذلك، وانما نعني بتركيب هذه الحقيقة تركيباً معنوياً يرجع حاصله إلى تعلّق معنوي بين اللاهوت والناسوت (كتعلق النفس بالبدن).

فالجواب: ان وجود كل حقيقة مركبة موقوف على وجود أجزائها وتركيبها تركيباً خاصاً، فحينئذ تكون مفتقرة في وجودها إلى وجود أجزائها، ويكون كل جزء من أجزائها مفتقراً في جزئيته، أي فيما يصير به جزءاً محصلاً له صفة الجزئية، وتركيبه الخاص الى انضمام غيره، والتقدير ان أحد جزئي هذه الحقيقة اللاهوت، وجزئها الآخر الإنسان، وهو المحصل للاهوت صفة الجزئية وتركيبه الخاص بانضمامه إليه جزءاً، إذ بذلك حصل مجموع ما ذكر، فيكون اللاهوت مفتقراً إلى الإنسان، وذلك محال بيّن بطلانه، هذا إذا لم يُرد بالتركيب تركيب امتزاج واتحاد أو مجاورة.

فان قيل: ان هذا التركيب حاصل ولكن لا تُعلم حقيقته.

فالجواب: ان مخالفة صرائح العقول، والركون إلى أمر غير معقول جهالة وسخافة في العقل، وإذا اعترفوا بان الاتحاد غير معقول الحقيقة، كيف يستجيز العاقل إن يطلق الصلب على المسيح الذي هو اقنوم لحقيقة الاله فقط، ويصرّح بجهله بحقيقة الاتحاد الذي يبتني على العلم به، ردّ الالم إلى الإنسان وصرفه عن الاله جل اسمه(٢).

وهناك اشكالات أخرى كثيرة ذكرت في المقام توضح الاستحالة العقلية على

١- الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل: ٣١.

٢- نفس المصدر: ٣٥.

٢٨٠