×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

وجود إله آخر سواه سبحانه، أو أن يكون له ولد أو مشارك في الجوهر والطبيعة الالهية تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

٢٨١

المبحث الثالث : أدلة النصارى على ألوهية المسيح من القرآن

لقد حاول بعض علماء المسيحية الاستدلال على الوهية المسيح من القرآن من خلال متابعة آياته، بل وعلى التثليث أيضاً، حيث قال ثروت سعيد ـ في مقدمة كتابه ـ في معرض حديثه عن التجسد: "كما سنتعرض أيضاً لرأي القرآن الكريم ولبعض آياته البيّنات التي تؤيد تجسد كلمة الله في المسيح، وموته ورفعه وقيامته، وآيات القرآن الكريم التي تقف في خندق واحد مع المسيحية ضد الشرك والوثنية" ثم يضيف: "كما ننوه للقاري واحقاقاً للحق بأن القرآن الكريم الذي أنصف المسيح له المجد غاية الانصاف وغاية التبجيل في آياته البيّنات، ودافع عنه في كثير من آياته، وحارب العقائد التي سميت مسيحية في عصره، والهرطقات التي كانت موجودة في الجزيرة العربية وقت ظهور الاسلام، والتي رفضتها المسيحية بكل قوة قبل مجي الاسلام، ولذا جاءت الكثير من الآيات الكريمة التي تحارب تلك العقائد لبعض الجهلة والعوام من الفرق المحسوبة على المسيحية، والكثير من الآيات الاخرى التي تؤيد العقيدة المسيحية تماماً كما جاءت في الانجيل... وليست المسيحية دين كفر أو شرك أو ضلال كما يعتقد بعض إخواننا المسلمين، ولهم العذر في ذلك، لصعوبة التفرقة بين الآيات التي تحارب البدع والهرطقات، والتي يقف ضدها القرآن الكريم ويحاربها، وبين العقيدة المسيحية الصحيحة التي يقف معها ويساندها والتي تطابق الكتاب المقدّس"(١).

١- حقيقة التجسد: ٩ ـ ١٢.

٢٨٢

وقد صرح صاحب كتاب (الباكورة) وهو من علماء النصارى بذلك فقال: "إن القرآن يطابق ما في التوراة والانجيل من كون عيسى جوهراً من جوهر الله، وذاتاً من ذاته، حيث عبّر عن البشارة به "بكلمة منه" و "بروح منه" على غير نمط البشارة بغيره من الأنبياء كما لا يخفى، وما ذاك إلاّ لكون عيسى أحد كيان (كيانات) الله، وأنه مولود من الله تعالى"(١).

ويقول الحداد: "يعدّد القرآن نعم الله على عيسى والميزات التي اختصه بها دون سواه والخواص التي رفعته فوق المخلوقين إلى مقام يشعر بألوهيته"(٢).

ويضيف في موضع آخر: "رسول الله، المسيح عيسى ابن مريم، امتاز بين الرسل بأنه (كلمة الله، وروح الله)، وهذان اللقبان يصفانه، بعلاقة مصدرية أقنومية عقلية روحية الهية، فهو كلام الله الداخلي الجوهري (القائم بذات الله)".

ويقول ثروت سعيد في كتابه "حقيقة التجسد"(٣): وواضح من الايات القرآنية التي تدل على أن المسيح روح الله، ونحن نعلم ان كل ما في الله فهو الله، وكلمة الله هو الله أزلي أبدي، وروح الله هو الله أزلي أبدي وهذا يوافق تماماً ما ورد في الانجيل: "في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله" (يوحنا١:١)(٤).

وقد نفى الأب القمص (ابراهيم لوقا) في كتابه المسيحية في الإسلام أن يكون الإسلام أو القرآن قد حارب بنوّة المسيح لله كما يعتقد بها المسيحيون فيقول: "ان المسيحية في اعتقادها عن الاقنوم الثاني من الثالوث الاقدس، وكلامها عنه (كإبن) لا تقصد بنوّة تناسلية يسبق بها الوالد ولده، بل هي بنوّة يقصر العقل عن ادراكها" ويضيف

١- الرد على النصارى: ١٧٦.

٢- الانجيل في القرآن: ٢٩٤.

٣- نفس المصدر: ٣٩٥ باختصار.

٤- حقيقة التجسد: ١٥٢.

٢٨٣

"أما البنوّة التي حاربها الإسلام عند مقاومته التثليث فهي بنوّة تناسلية، مخالفة كل المخالفة للعقيدة المسيحية في بنوّة المسيح" ثم يشير إلى الآيات التي تحدثت عن هذه البنوّة ومنها:

(١) النساء: ١٧١ (٢) الانعام: ١٠٦ (٣) يونس: ٦٨ (٤) الكهف: ٤ (٥) مريم: ٣٥ (٦) المؤمنون :٩١ (٧) الجن: ٣ وغيرها.

ويعلّق أخيراً على هذه الآيات بقوله: "تلك هي الآيات القرآنية التي أشارت إلى نسبة البنوّة لله، بولادة تناسلية، يدل على ذلك الصاحبة والولد، والمسيحية بريئة من هذه العقيدة كل البراءة، والاسلام في محاربته هذا التعليم إنما كان يحارب تعليماً غريباً عن تعاليم المسيحية، والمسيحية لا ترى هذه الحرب موجهة ضدها، ولا شأن لها به"(١).

وقد رفض البعض من علماء الإسلام احتجاج النصارى على اثبات صحة دينهم وألوهية المسيح بشي من القرآن لوجوه عديدة منها:

أولاً: إذا كان النبي محمد(صلى الله عليه وآله) رسولاً صادقاً في كل ما يخبر به عن الله عزوجل، فقد عَلِم كل واحد انه جاء بما يخالف دين النصارى، فيلزم أن يكون دين النصارى باطلاً.

ثانياً: ان قالوا في كلمة واحدة مما جاء به انها باطلة، لزم ألاّ يكون عندهم رسولاً صادقاً، وكانوا مكذبين له ـ بذلك ـ في قوله: انه رسول الله، وانه بلّغ هذا القرآن عن الله، ومن كان كاذباً في قوله: أنه رسول الله، لم يكن من الأنبياء والمرسلين، ومن لم يكن منهم لم يكن قوله حجة البتة(٢).

ويضيف ابن تيمية في كتاب الجواب الصحيح: "أن كل ما احتجوا به من حجة سمعية من القرآن، أو من الكتب المتقدمة على القرآن، أو عقلية، فلا حجة لهم في شيء

١- كتاب المسيحية في الإسلام: ٨١.

٢- منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى: ١٣٤.

٢٨٤

منها، بل الكتب كلها مع القرآن والعقل، حجة عليهم لا لهم"(١).

ويرفض الإمام الغزالي في كتابه "الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الانجيل" هذا الاستدلال من القرآن على إلوهية المسيح ايضاً من خلال آياته، وذلك بذكر مقدمة يذكر فيها اصلين متفق عليهما بين أهل العلم وهما:

١ ـ ان النصوص إذا وردت فإن وافقت المعقول تركت وظواهرها، وان خالفت صريح المعقول وجب تأويلها واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة، فيجب إذ ذاك ردّها إلى المجاز.

٢ ـ ان الدلائل إذا تعارضت فدلّ بعضها على اثبات حكم وبعضها على نفيه فلا نتركها متعارضة إلاّ وقد أحسسنا من أنفسنا العجز باستحالة الجمع بينها وامتناع جمعها متظافرة على معنى واحد. ومن ثم يشرع في ابطال استدلالتهم فيقول:

"لهم شبهة لفظية وقعت لبعضهم ظنّاً منه، أن الكلمة حيث ما أطلقت، يجب أن يكون المراد منها عين ما اصطلحوا عليه في اقانيمهم، لتصحيح ما يتعذر عليهم ارادة ظاهره "المتعدد بالذات"، وهذا وهم عظيم...، فلذلك استدلّ على إلهية المسيح بما ورد في الكتاب العزيز وهو قوله جل من قائل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ}(٢)، وذلك لقوله تعالى {وَكَلِمَتُهُ} و {وَرُوحٌ مِنْهُ}.

ثم يضيف: المولود انما يتكون مسبباً عن سببين:

أحدهما: في الانثيين وهو أحد نوعي القوة المولدة.

الثاني: القوة الموجودة في المني إذا انتقل إلى الرحم وانضمت إليه سائر

١- الجواب الصحيح ٢: ٢٨٧.

٢- النساء: ١٧١.

٢٨٥

الشرائط.

هذا هو السبب العادي في تكوين كل مولود، وإذا ثبت ذلك فنقول:

أن كل شيء له سبب قريب وسبب بعيد، فالاكثر اضافته إلى السبب القريب، فيقال عند رؤية الرياض الخضر: انظر إلى صُنع المطر، والله هو الصانع الحقيقي.

وإذا وضح هذا نقول:

أن السبب القريب في حق عيسى(عليه السلام) لمّا دلّ الدليل على عدم وقوعه، أضيف تكوينه إلى السبب البعيد، وهو الكلمة، لأن كل أحد مخلوق بكلمة الله القائل بها لكل مخلوق: كن فإذا هو كائن.

فلهذا السبب صرّح في حقه بذلك اشارة الى انتفاء السبب القريب العادي، وانه إنما كوّن بالكلمة التي هي "كن" من غير منىّ يمكن اضافة التكوين إليه.

ثم أوضح ذلك بقوله: ألقاها إلى مريم، يريد أن الولد انما يتكوّن من القاء المني إلى امه، وهذا المولود لم يخلق إلاّ بالقاء الكلمة (التي هي عبارة عن الامر بالتكوين) إلى امّه، فإذا الالقاء مجازي، وقد ورد مثل ذلك في حق آدم، لما اشتركا في عدم التكوين من الاسباب العادية، حيث قال جل من قائل: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}(١)، والله عزوجل لا يد له وإنما المراد: خلقته بقدرتي، إشارة إلى انه لم يكوّن من منىّ، وإنما كوّن بقدرته، يشير بذلك إلى فوات السبب العادي، وإذا فات السبب العادي، أضيف إلى السبب البعيد المشبّه بالحقيقي وهو كلمة الله عزوجل، وقد أوتي بالمماثلة صريحاً: فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، وكذلك أيضاً قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ}(٢) أي وهو روح، تكوينها صادر عنه منفكاً عن الاسباب العادية التي يضاف إليها السبب عادة.

١- الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل: ٥٨ ـ ٦٠.

٢- سورة ص: ٧٥.

٢٨٦

وقد (١) ذهب الرازي أيضاً في تفسيره إلى هذا المعنى فقال: "لأن السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى(عليه السلام) وهو الأب، فلا جرم إن كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم، فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والاقبال، يقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود ومحض الكرم وصريح الاقبال فكذا هنا"(٢).

ثم يضيف: "بكلمة منه" لفظة "من" ليست للتبعيض ههنا، إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئاً متبعضاً متحملاً للاجتماع والافتراق، وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه، بل المراد من كلمة "من" هنا ابتداء الغاية، وذلك لأن في حق عيسى(عليه السلام) لم تكن واسطة الأب موجودة، فصار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر، فكان كونه كلمة "الله" مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل، فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى والحلولية(٣).

وقد اثار بعض علماء المسيحية اشكالاً آخر حاولوا من خلاله اثبات الألوهية للمسيح وذلك بقوله: "أن الكلمة الذي جاء ذكره في بشارة زكريا هو نفس الكلمة التي بشرت به مريم، وهو مسمّى ذكر، عاقل، كائن قائم بذاته، وقد كفانا القرآن مؤونة التدليل على صحة هذا الرأي بقوله: "بكلمة منه اسمه" فهو لم يقل اسمها، مع إن الكلمة مؤنث، دلالة على أن هذه الكلمة ليست لفظاً، بل شخصاً قائماً بذاته، إذ كان المقصود في الكلمة اللفظ لعاد الضمير عليه مؤنثاً، أما وقد عاد الضمير عليه مذكراً، فهذا دليل على إن المقصود ليس اللفظ، بل مسمى "اسمه المسيح عيسى ابن مريم"(٤).

١- سورة النساء: ١٧١.

٢- التفسير الكبير للفخر الرازي ٣: ٢٢١.

٣- نفس المصدر: ٢٢٢.

٤- المسيحية في الإسلام: ١١٣.

٢٨٧

وهذا الدليل ضعيف لأن الكلمة المنسوبة إلى الله تعالى هي التي يظهر بها ما أراده الله تعالى من أمر نحو كلمة الايجاد، وهو قوله تعالى لشي أراده: كن، ولأن المسمى بتلك الكلمة كان المسيح وهو مذكر قال سبحانه: اسمه.... وهو ما ذهب إليه الرازي أيضاً حيث قال: "لو سُئل: الضمير في قوله تعالى: اسمه عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة، لِمَ ذكّر الضمير؟ الجواب: لان المسمى بها مذكر"(١).

والعجب أن البعض الآخر من المسيحيين استشهد بكلمات بعض المتصوفة في اثبات مراده فقال نقلاً عن ابن العربي في فصوصه بخصوص حقيقة "الكلمة": ان ابن مريم آية لانه هو كلمة الله الظاهر في الجسد، ويضيف: يقول الشيخ محي الدين العربي هذه الحقيقة في كتابه "فصوص الحكم": "الكلمة هي الله متجلياً... وهي عين الذات الالهية لا غيرها". ويستشهد أيضاً بقوله "الكلمة هو اللاهوت"(٢).

ولكن هذا الفهم غير صحيح إطلاقاً فإن ابن عربي كما ينقل العفيفي ـ يعتبر "إن اللاهوت والناسوت مجرد وجهين لا طبيعتين منفصلتين لحقيقة واحدة، إذا نظرنا إلى صورتها الخارجية سميناها ناسوتاً، وإن نظرنا إلى باطنها وحقيقتها سميناها لاهوتاً، فصفتا اللاهوت والناسوت بهذا المعنى صفتان متحققتان، لا في الإنسان وحده، بل في كل موجود من الموجودات"(٣)، ويصرح ابن العربي نفسه بذلك في تفسير هذه الآية في فصوصه فيقول: كان جبريل ناقلاً كلمة الله لمريم كما ينقل الرسول كلام الله لامته، وهو قوله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}(٤)، ويضيف: "فوقع الخلاف بين أهل الملل في عيسى ما هو؟ فمن ناظر فيه من حيث صورته الانسانية البشرية فيقول هو ابن

١- التفسير الكبير ٣: ٢٢٣.

٢- حقيقة التجسد: ١٤٩.

٣- مقدمة فصوص الحكم، أبو العلا العفيفي: ٣٦.

٤- فصوص الحكم، فص عيسوي: ١٣٩.

٢٨٨

مريم، ومن ناظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية، فينسبه لجبريل، ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى الله بالروحية فيقول روح الله، أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه، فهو كلمة الله وهو روح الله وهو عبد الله"(١).

ولنفي أي الوهية عن المسيح بسبب هذا التوهم يختم الكلام في هذه الكلمة بقوله: واما هذه الكلمة العيسوية لما قام لها الحق في مقام "حتّى نعلم" ويعلم، استفهمها "الله" عما نسب إليها هل هو حق أم لا؟ مع علمه الأوّل بهل وقع الامر أم لا؟ فقال له: {ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ}، فلابد في الأدب من الجواب للمستفهم لأنه لما تجلّى له في هذا المقام وهذه الصورة، اقتضت الحكمة في التفرقة بعيني الجمع فقال "عيسى" وقدم التنزيه: {سُبْحَانَكَ} فحدّد بالكاف التي تقتضيه المواجهة والخطاب "ما يكون لي" من حيث انا نفسي دونك "إن أقول ما ليس لي بحق" أي ما لاتقتضيه هويتي ولا ذاتي...(٢).

فمن خلال هذه الفقرات يتضح إن ما نسب إلى ابن العربي في تفسير "الكلمة" في غير محله.

المبحث الرابع : موقف علماء الإسلام من أدلة الوهية المسيح في الاناجيل

لقد ذكرنا في القسم الأوّل من البحث أدلة النصارى على ألوهية المسيح من

١- نفس المصدر: ١٤٢.

٢- نفس المصدر: ١٤٦.

٢٨٩

خلال الكتاب المقدّس، ونحن هنا سناقش تلك الأدلة ونرى مدى صحتها في اثبات أُلوهية المسيح، ونقف على رأي الإسلام وعلماؤه حول تلك الأدلة وكيفية تأويل النصوص الدالّة على اطلاق الألوهية على المسيح كالاتحاد وغيرها، وقد قسّمنا الأدلة في ست نقاط وعناوين رئيسية ليتسنى لنا الاجابة عليها بشكل واضح وواف وهي:

أولاً: أقوال المسيح

من الأدلة المهمة التي يستند إليها النصارى في اثبات الوهية المسيح، أقوال وكلمات المسيح نفسه التي ذكرتها الاناجيل، إذ من خلال التعمق في معناها يتضح (والقول للمسيحيين) لنا بجلاء إن المسيح كان يتحدث عن نفسه كإله، ونحن هنا سنشير إلى تلك النصوص بشكل مفصل .

النص الأول:

"وخرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني.... ولا يقدر أحد أن يخطف من يدي أبي، أنا والأب واحد" يوحنا (١٠:٣٠) فيستدلون من خلال قوله "أنا والأب واحد" على الوهيته فيقولون: "تعد هذه الجملة من أوضح كلمات الرب يسوع عن لاهوته"(١)، ولكن هذا باطل، لأن سياق النص وظاهره يؤيد إن المسيح لم يدّعِ الاتحاد الظاهري مع الله أبداً، ولذلك يكمل يوحنا في انجيله الحادثة فيقول: "فتناول اليهود حجارة ليرجموه فأجابهم قائلاً: أريتكم أعمالاً كثيرة حسنة من عند أبي، فبسبب أي عمل منها ترجموني؟ فأجابه اليهود قائلين: ليس من أجل الاعمال الحسنة نرجمك، ولكن بسبب التجديف: وإذ أنت انسان تجعل نفسك آلهاً. فقال لهم يسوع: أليس مكتوباً في ناموسكم اني قلت انكم آلهة. فإن كان قد قال لأولئك آلهة لأن الكلمة صارت إليهم وليس يمكن أن ينتقض المكتوب

١- التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس: ٢٢٠٨.

٢٩٠

فبكم أحرى الذي قدّسه الأب وأرسله إلى العالم..." يوحنا (١٠:٣٠ ـ ٣٨).

فمن خلال هذه المحاورة بين المسيح واليهود يتضح إن المسيح لم يُرد بقوله: "أنا والأب واحد" مفهومها الظاهر، بل قالها مجازاً، والدليل على ذلك ضربه المثل لهم، فقال: قد أطلق عليكم في شريعتكم انكم آلهة، ولستم آلهة حقيقيين، وانما أطلق عليكم هذا اللفظ لمعنىً، وهو صيرورة الكلمة إليكم (كلمة الله)، وأنا أيضاً قد شاركتكم في ذلك، أي صيرورة الكلمة إلىّ، ويدل عليه أيضاً بقوله: "فبكم أحرى الذي قدسه الله وأرسله". فكانه يريد القول: بإن الله تبارك وتعالى يرسل الكلمة لمن يشاء من عباده، فيكون الذي صارت إليه الكلمة غير مباين لله عزوجل، بل لا يحب إلاّ ما يحبّه ولا يبغض إلاّ ما يبغضه وهو حال الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلوات والسلام.

والذي يؤيد هذا التأويل هو قول المسيح كما في انجيل يوحنا حينما قال: "أيها الاب القدوس احفظهم باسمك الذي اعطيتني ليكونا معك واحداً كما نحن" (١٧:١٢). ويعلّق الغزالي على هذه الجملة بالقول: "فإن تكن وحدته مع الإله موجبةً له استحقاق الالهية، فيلزم أن يكون داعياً لتلامذته أن يكونوا آلهة، وخطور ذلك ببال من خلع ربقة العقل قبيح، فضلاً عن من يكون له أدنى خيال صحيح"(١).

النص الثاني:

وهو الذي ذكره يوحنا في انجيله: "ولست أصلي من أجل هؤلاء فقط، بل ايضاً من أجل الذين سوف يؤمنون بي بسبب كلمة هؤلاء ليكون الجميع واحداً أيها الأب كما أنك أنت حالٌ فىّ وأنا فيك ليكونوا أيضاً فينا واحداً" يوحنا (١٧:٢٠). وكذلك بعض النصوص الاخرى الدالّة، على حلول الاله في المسيح كما في انجيل يوحنا أيضاً: "الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الأب الحالّ فىّ هو يعمل الاعمال،

١- الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل: ١٢.

٢٩١

صدقوني أني في الأب والأب فىّ" يوحنا (١٤:١١)، فهذا الكلام حسب علماء اللاهوت صريح في لاهوته وهو خير دليل على اثبات لاهوت المسيح(١).

ولكن هذا القول لا يثبت أي الوهية للمسيح، بل على العكس فهو يثبت ان المسيح بقوله هذا يكشف الغطاء عن جهة المجاز في أقواله، فالمؤمنون بالمسيح يكونون واحد بالله، أي يصيرون كرجل واحد لعدم تباين آرائهم وأعمالهم ومعتقداتهم، كما هو حال الله والمسيح، فانه لا يحب إلاّ ما أحبه الله ولا يبغض إلاّ ما أبغضه الله ولا يصدر منه من عمل أو قول إلاّ والله راض عنه، وهذا شأن الأنبياء(عليهم السلام)، ولذلك قرن الله طاعة الأنبياء بطاعته ومعصيتهم بمعصيته.

ومن خلال النص أيضاً يتضح أن وحدته مع الاله لا تقتضي الألوهية، وإلاّ لزم أن تكون وحدتهم (المؤمنون به) مع الاله أيضاً كذلك، وهذا ما لا يقول به أحد.

بالاضافة إلى هذا فإن يوحنا نفسه يصرّح بإن المراد من هذا الاتحاد والحلول هو المجاز لا الحقيقة، فنقرأ في رسالته الاولى حيث يقول: "الله لم يره أحد قط فإن أحبّ بعضنا بعضاً فالله حالّ فينا ومحبته كاملة فينا وبهذا نعلم انّا حالّون فيه وهو أيضاً حالّ فينا لانه قد أعطانا من روحه" رسالة يوحنا الاولى (٤:١٢) وأيضاً يصرّح مثل هذا بقوله: "من يعترف ان يسوع هو ابن الله فالله حالّ فيه وهو أيضاً حالّ في الله" رسالة يوحنا الاولى: (٤:١٥).

فقد فهم يوحنا المعنى المجازي للحلول، وإلاّ فيكون مثبتاً للالوهية لكل المؤمنين بالمسيح، وهو خلاف ما يعتقد به المسيحيون، فلا يبقى مجال للشك بأن المراد من هذه النصوص هو المجاز دون الحقيقة.

النص الثالث:

وهو قول المسيح حسب انجيل يوحنا إذ قال لأحد تلاميذه "فيلبس" عندما سأله

١- لاهوت المسيح: ١١١.

٢٩٢

قائلاً: "يا سيد أرنا الأب وكفانا" فاجابه يسوع: "مضت هذه المدة الطويلة وأنا معكم ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني رأى الأب، فكيف تقول أرنا الأب؟" يوحنا (١٤:٨) يقول علماء اللاهوت حول هذه الآية: "فالمسيح هو الصورة المنظورة الملموسة لله غير المنظور، وهو الاستعلان الكامل لله، وإن الذي يرى المسيح رآى الله، والذي يعرف يسوع يعرف الله، فالبحث عن الله ينتهي إلى المسيح"(١).

أقول: هذا النص أيضاً لا يدل أبداً على الوهية المسيح، وذلك: لأن رؤية الله تعالى في الدنيا محالة عندهم، فلو كان الله، كيف يُرى؟(٢)

وايضاً: فإن من سياق الآيات يظهر إن المراد منه هو المعنى المجازي لا الحقيقي، فالمسيح يقول في هذا النص: "الحق الحق أقول لكم: إن من يؤمن بي يعمل الاعمال التي أنا اعملها، بل يعمل أعظم منها" يوحنا (١٤:١٢)، إذ لا يتصور لأحد من البشر أن تكون افعاله أفضل من أفعال الإله بوجه.

ولذلك يقول الغزالي في معرض رده على هذا النص: انه حين سُئل أن يريه الإله، وكان ذلك مما لا يمكن اسعافهم به، عدل عن مسؤولهم قائلاً: "من رآني فقد رآى الأب" يريد أن الاله لما كانت رؤيته غير ممكنة (وهو ما يقوله النصارى أيضاً" أقام الأنبياء في تبليغهم أحكامه مقام نفسه، وهذا شأن الملوك المحتجبين، فبأمره يأمرون وبنهيه ينهون وباحكامه يحكمون، ثم صرح بعدم ارادة ظاهر هذا اللفظ فقال: "وهذا الكلام الذي اتكلم ليس هو من عندي" ثم بالغ في البيان فقال: "بل أبي الحالّ فىّ هو يعمل هذه الاعمال" يريد إن أقواله ليست للإله بقيد كونها مفردة، بل وأفعاله، أي كل كلام صدر مني متضمناً حكماً فهو من الله، لأني عنه أُخبر وكلما ترونه من الافعال الباهرة للعقول، الناطقة بخوارق الأنبياء، فذلك فعله لانه واقع بقدرته.

١- التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس: ٢٢٢٢.

٢- الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح: ٢٠٧.

٢٩٣

وهناك (١)تأويل آخر للنص ذكره الغزالي ايضاً لا يخلو من قوة فيقول:

"ويحتمل هذا النص وجهاً آخر يعضده ما ورد مصرّحاً به في انجيل متى وهو قوله: وليس أحد يعرف الابن إلاّ الأب ولا أحد يعرف الأب إلاّ الابن" متى (١١:٢٧)، صرّح بان أحداً لا يعرفه إلاّ الاله، فحينئذ يكون منكراً على السائل الطالب رؤية الاله بقوله: لي معكم كل هذا الزمن ولم تعرفني وأنا انسان، مع إن معرفة الإنسان ممكنة، فكيف تتصور أن تعرف الإله الذي لا يتصور معرفته (رؤيته) بحاسة البصر، ولايتبيّن كنه حقيقته بالاجناس والفصول، ثم عدل عن ذلك مبيّناً إن الاله انما تطلب معرفته ليكون المكلّف واثقاً بان هذه الاحكام صادرة منه، فقال: "من رآني فقد رأى الأب" اي أنا عنه أُخبر، ثم أوضح ذلك بقوله: وهذا الكلام الذي اتكلم به ليس هو من عندي"(٢).

النص الرابع:

وهو قول المسيح حسب انجيل يوحنا: "أبوكم ابراهيم ابتهج لرجائه أن يرى يومي، فرآه وفرح، فقال له اليهود: ليس لك من العمر خمسون سنة بعد فكيف رأيت ابراهيم؟ أجابهم: الحق الحق أقول لكم: انني كائن من قبل أن يكون ابراهيم" يوحنا (٨:٥٩) ويعلّق علماء اللاهوت على هذا النص بقولهم: "وهذه العبارات تُعد من أقوى الكلمات التي نطق بها يسوع وعندما قال الرب: (انني كائن من قبل أن يكون ابراهيم) فإنّه بذلك يُعلن لاهوته (طبيعته الالهية) بلا إنكار"(٣).

فنقول: إن أدنى تأمل في هذا الكلام يدل على إنه ناطق بالمجاز، لأن ابراهيم لم يَرَ يوم ولادة المسيح ولا يوم إرساله، ولا يوم تجسده (اتحاد اللاهوت بالناسوت

١- الرد الجميل لالوهية عيسى: ٥٦.

٢- نفس المصدر: ٥٧.

٣- التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس: ٢٢٠٣.

٢٩٤

كما يزعمون)، لان هذه كلها حدثت بعد ابراهيم كما هو واضح.

بل المراد من هذا الكلام إن الأنبياء يحبون دوام طاعة الله ودوام اظهار شرائعه المتكفلة بمصالح العباد، فلما أُعلم ابراهيم برسالة عيسى وهدايته للعالم، وما يظهر على يده من مصالح العباد على ما اقتضته شريعته، سُرّ بذلك، فالرؤية ههنا محمولة على البصيرة التي هي العلم لا على البصر، وهذا ما صرّح به وصىّ المسيح بطرس حينما قال:

"يا بني اسرائيل اسمعوا هذا الكلام.... ومع ذلك فقد سمح الله، وفقاً لمشيئة المحتومة وعلمه السابق أن تقبضوا عليه.... فان داود يقول فيه: كنت أرى الرب امامي دائماً فانه عن يميني لئلا اتزعزع لذلك فرح قلبي وتهلّل لساني... أيها الاخوة دعوني أقول لكم صراحة إن أبانا داود مات ودفن، وقبره مازال عندنا حتّى اليوم، لان داود كان نبياً، وعارفاً أن الله أقسم له يميناً بأن يجي المسيح من نسله ويجلس على عرشه، فقد تكلم عن قيامة المسيح كما رآها مسبقاً" أعمال الرسل (٢:٢٢ ـ ٣١). فمعرفة ابراهيم وفرحه كمعرفة داود وفرحه.

وأيضاً ما أشار إليه بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس حيث قال: "اننا نتكلم بحكمة الله المطوية في سر، تلك الحكمة المحجوبة التي سبق الله فأعدها قبل الدهور لأجل مجدنا" كورنثوس (٢:٧).

وأما قوله "انني كائن قبل ابراهيم" فالقبلية محال أن تكون مضافة إلى ناسوته، لا باعتبار انفكاكه عن اللاهوت، ولا باعتبار تعلّقه به، ومحال أن تكون مضافة للحقيقة الثالثة (الاتحاد والتجسد) لما تبين إن هذه كلها حوادث لم تكن عند وجود ابراهيم، بل المراد بالقبلية علمه بتقدير الارسال وما يترتب عليه من الارشاد، هذا هو المعنى الذي حمله على السرور(١).

١- الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل: ص٥٤.

٢٩٥

وهناك بعض النصوص الاخرى التي استدلوا بها على الوهية المسيح، ولكن مع التأمل فيها يتضح انها لادلالة فيها على الوهيته إطلاقاً، بل كلها قابلة للتأويل الصحيح الذي ينفي أي الوهية للمسيح.

ثانياً: ميلاده الاعجازي

لقد ذكرنا في القسم الأول من البحث إن من الأدلة التي يستند إليها النصارى في اثبات الوهية المسيح هي ميلاده الاعجازي من غير أب، فهذه الولادة العجيبة بتجسد كلمة الله لن تكرر في التاريخ، وأما الهدف من هذه الولادة ـ حسب المسيحيين ـ هو "اعلان الحقيقة التي أراد الله اعلانها للبشر وهي اتخاذ اللاهوت "كلمة الله" جسداً بشرياً (الناسوت) ليتم فيه عمل الفداء والخلاص الذي وعد به أدم ونسله منذ السقوط"(١).

فنقول: مما لا شك فيه إن ولادة المسيح من مريم بلا أب معجزة كبيرة، ولذلك وصفهم القرآن "المسيح وأمه" بأنهم آية: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}(٢).

ولكن القرآن أيضاً يشير إلى هذه الولادة العجيبة ويجعلها شبيهة لخلق أدم حيث يقول سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(٣).

ويقول ابن قيّم في معرض ردّه على هذا الدليل: "وإن قلتم إنما استدلنا على كونه إلهاً بأنه لم يولد من البشر ولو كان مخلوقاً لكان مولوداً من البشر، فإن كان هذا الاستدلال صحيحاً فآدم إله المسيح، وهو أحق بأن يكون إلهاً منه، لأنه لا أم له ولا أب، والمسيح له

١- حقيقة التجسد: ١٤٣.

٢- المؤمنون: ٥٠.

٣- آل عمران: ٥٩.

٢٩٦

أم، وحواء أيضاً اجعلوها الهاً خامساً لأنها لا أم لها وهي أعجب من خلق المسيح؟! فالله سبحانه قد نوّع خلق آدم وبنيه إظهاراً لقدرته وإنه يفعل ما يشاء، فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق زوجه حوّاء من ذكر لا من انثى، وخلق عبده المسيح من انثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى"(١).

ويقول رحمة الله الهندي أيضاً بهذا الخصوص: "ويستدلون تارة أنه ولد بلا أب، وهذا الاستدلال ضعيف جداً، لأن العالم حادث بأسره، وما مضى على حدوثه إلى هذا الزمان ستة آلاف سنة على زعمهم، وكلّ مخلوق من السماء والأرض والجماد والنبات والحيوان وآدم خلق عندهم في أسبوع واحد، فجميع الحيوانات مخلوقة بلا أب وأم، فكل من هذه يشارك المسيح في كونه مخلوقاً بلا أب ويفوق عليه في كونه بلا أم، وتتولد أصناف من الحشرات في كل سنة في موسم نزول المطر بلا أب وأم، فكيف يكون هذا الامر سبباً للالوهية؟ ولو نظرنا إلى نوع الإنسان فآدم يفوق عليه، وكذلك ملكي صادق الكاهن الذي هو معاصر لإبراهيم: "لان ملكي صادق هذا ملك ساليم، كاهن الله العلي.... بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة" الرسالة إلى العبرانيين (٧: ١ـ٣)(٢).

ولكن المسيحيين يرفضون هذه المماثلة والتشبيه بين آدم والمسيح، لان آدم هو المخلوق الأوّل ولابد من أن يكون مخلوقاً من غير أب ولا أم، ولكن المسيح ولد من غير أب بعدما كانت الخليقة قائمة والتناسل موجود، فلا وجه للمقارنة بينهما، يقول ثروت سعيد بهذا الصدد:

"أي مقارنة بين آدم والمسيح؟ آدم خُلق من التراب والمسيح ولد من الروح القدس، آدم لانه من التراب فإلى التراب يعود ويفسد جسده وينتن ويضمحل، ويعود إلى التراب

١- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى: ١٤٠.

٢- اظهار الحق: ج٣، ص٧٦٥.

٢٩٧
 كتاب لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة علي الشيخ (ص ٢٩٨ - ص ٣١٧)
٢٩٨

تفسيرية في هذه الآية، أهمها والذي يذهب إليه علماء اللاهوت (لتأويل هذه الآية وصرفها عن ظاهرها) هي قولهم: "كان ملكي صادق ظهوراً للمسيح على الأرض في هيئة جسمية مؤقتة قبل تجسده" ويعلّق المفسرون على ذلك بقولهم: "ويؤيد كثيرون من علماء اللاهوت هذا الرأي"(١).

وقد قام الدكتور حسن عز الدين بتأليف كتاب حول هذه المشابهة والمقارنة بين المسيح وآدم جعل عنوانه {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} وذلك لدقة الصلة والتشابه بين الحالتين(٢).

ثالثاً: صفات المسيح

وكما ذكرنا فان المسيحيين يستدلون على الوهية المسيح من خلال الصفات التي انفرد بها من بين البشر، وتلك الصفات مختصة بالله وحده، إذن هو من طبيعة الله لأنه يملك صفات الإله، وأما الصفات فهي:

١ ـ الخالق:

من الصفات التي انفرد بها الله تبارك وتعالى هي صفة الخلق، والنصارى يحاولون اثبات الوهية المسيح عن طريق اثبات هذه الصفة للمسيح، فيقولون: "أن الخلق أحد الصفات الالهية التي يتفرد بها الله دون سواه، ولا ولن يعطيها لإنسان مهما يكن هذا الإنسان، فاذا وجد إنسان يقوم بالخلق كما هو مذكور في الانجيل والقرآن، فلابد أن يكون هذا الإنسان هو المسيح دون غيره، فالله خالق، والمسيح خالق، ولا يمكن القول بوجود

١- التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس: ٣٩. ومما تجدر الاشارة إليه أن هذا التفسير قام بتأليفه نخبة كبيرة من علماء اللاهوت (تسعة عشر عالماً) بالاضافة إلى لجنة المراجعة اللاهوتية (ثلاثة عشر عالماً لاهوتياً).

٢- مقارنة الأديان المسيحية: ٤١.

٢٩٩

خالقان، إذن لابد أن يكون المسيح هو الله"(١).

والواقع إن هذا الكلام باطل لوجوه كثيرة منها:

١ ـ ان الله تبارك وتعالى له القدرة (إذا شاء) على اجراء أي معجزة من المعاجز على يد أي أحد من انبيائه ورسله، وهذا ما يؤكده الكتاب المقدّس بعهديه والقرآن، والخلق وإن كان مختصاً بالله سبحانه، ولكن من الممكن أن يجري هذه المعجزة (الخلق) على يد أحد من أنبيائه، وبمعنى آخر ان الخالق المستقل في فعله وخلقه لا يكون إلاّ الله وحده لا شريك له، كما في قوله تعالى: {هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ}(٢). ولكن من الممكن أن يكون هناك خالق غير مستقل في خلقه وفعله وقدرته، بل الله هو الذي أَذِن له بذلك حسب ارادته ومشيئته، وهذا واضح مع ادنى تأمل.

٢ ـ إن المسيح في العهد الجديد يؤكد ـ كما أكد القرآن ـ على إنه لم يعمل أي عمل اعجازي كالخلق واحياء الموتى وغيرها من المعاجز بقدرته الذاتية، بل نسب هذه القدرة والاعمال إلى الله تعالى، كما جاء في انجيل يوحنا على لسان عيسى قوله: "الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلاّ ما ينظر الأب يعمل" (يوحنا: ٥ ـ ١٨). بل يصرّح بطرس وصىّ عيسى بهذا الامر بما لا يقبل الشك، وذلك عندما قال متحدثاً عن المسيح وقدرته: "يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده من وسطكم" (أعمال الرسل: ٢:٢٢)، وهو ما أكده القرآن في خصوص هذه المعجزة لعيسى حيث قال تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونَ طَيْراً بِإِذْنِي}(٣).

١- حقيقة التجسد: ٢١٨.

٢- لقمان: ١١.

٣- المائدة: ١١٠.

٣٠٠