×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

ويعلّق العلامة في تفسيره على هذه الاية بالقول: "إنّ تذييل خلق الطير بذكر الاذن من غير أن يكتفي بالاذن المذكور في آخر الجملة إنما هو لعظمة أمر الخلق بإفاضة الحياة، فتعلقت العناية به، فاختص بذكر الاذن بعده من غير أن ينتظر آخر الكلام صوناً لقلوب السامعين من أن يخطر فيها أن غيره تعالى يستقل دونه بافاضة الحياة أو تلبث فيها هذه الخطرة ولو لحظات يسيرة"(١).

٣ ـ إن العهد الجديد لا يذكر أبداً أن المسيح خلق شيئاً، سوى اشارة واحدة وهي معجزة شفاء الاعمى منذ ولادته، وذلك بوضع الطين على عيني أعمى، وهذا نص ما ذكره يوحنا: "وتفل في التراب، وصنع من التفل طيناً، ثم وضعه على عيني الاعمى وقال له: أذهب واغتسل في بركة سلوم فذهب واغتسل وعاد بصيراً" (يوحنا ٩:٦)، ولكن مع هذا فانهم يؤكدون بأنه خالق! فيقول ثروت سعيد: "لقد خلق أعين من طين لأعمى! لا توجد له اعين منذ ولادته، وهذه المعجزة أراد بها المسيح أن يثبت فيها لاهوته!! كما إن الله أخذ من تراب الأرض وسوّى بها شكل انسان فنفخ فيه، فحوله من تراب إلى مادة حيّة سمّي آدم، فهكذا صنع المسيح إذ حوّل الطين إلى مادة حيّة من جسم الإنسان"(٢). فلا أدري هل يعتبر المسيح من خلال قيامه بهذه المعجزة خالق؟ نعم القرآن صرّح بأن المسيح خلق من الطين كهيئة الطير، ولكن هذه المعجزة لا تذكرها الاناجيل للمسيح أبداً.

٤ ـ من خلال سياق النص لهذه الآية يتضح بشكل لا يعتريه الشك إن المسيح والاعمى قد نسبوا هذا الفعل لله تعالى، فالمسيح قال حين سأله التلاميذ: "يا معلم من أخطأ: هذا أم والداه حتّى ولد أعمى؟ فاجابهم يسوع: لا هو أخطأ ولا والداه، ولكن حتّى تظهر فيه أعمال الله، فعلىّ أن أعمل أعمال الذي أرسلني" (يوحنا ٩:٤). وأما الاعمى

١- الميزان في تفسير القرآن ٦: ٢٢١.

٢- حقيقة التجسد: ٢١٥.

٣٠١

فعندما سأله اليهود: "ما رأيك أنت فيه (المسيح) مادام قد فتح عينيك؟ فأجاب: "انه نبي" ومرة أخرى أجابهم عندما قالوا: لا نعلم له أصلاً (المسيح) فقال: إن في ذلك عجباً انه فتح عيني وتقولون انكم لا تعلمون له أصلاً، نحن نعلم أن الله لا يستجيب للخاطئين، ولكنه يسمع لمن يتقيه ويعمل بارادته، فلو لم يكن هو من الله لما استطاع أن يعمل شيئاً" (يوحنا ٩:٣٠ ـ٣٤).

فهل يمكن بعد هذا، القول بأن المسيح هو الله لانه يملك صفة الخالق المستقل؟

٢ ـ غافر الخطايا:

ان مغفرة الخطايا صفة مختصة بالله تبارك وتعالى، ولا يحق لأحد أن يدّعي انه يستطيع أن يغفر خطايا الاخرين، والمسيح قد ادّعى ذلك فهو الله، هكذا استدل النصارى على الوهية المسيح بهذه الصفة واستشهدوا ببعض آيات العهد الجديد على ذلك.

ولكن بعد مراجعة الآيات التي استدلوا بها على دعوة المسيح لمغفرة الخطايا يتضح أن المسيح لم يدّعي هذا الادعاء أبداً "انه هو يغفر الخطايا" ولم يصرّح في الانجيل بذلك إلاّ في موضعين، وأما النصوص الاخرى فلا دلالة لها على هذا المدّعى وهذه النصوص هي:

(أ) شفاء المشلول: ثم ركب يسوع القارب وعبر البحيرة راجعاً إلى بلدته، فجاءه بعضهم يحملون مشلولاً مطروحاً على فراش، فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمشلول: "اطمئن يا بني قد غفرت لك خطاياك" فقال بعض الكتبة في انفسهم انه يجدف. وأدرك يسوع ما يفكرون فيه فسألهم: لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم؟ أيهما الاسهل أن يقال: قد غفرت لك خطاياك أم أن يقال: قم وأمشي؟ ولكني قلت ذلك لكي تعلموا إن لابن الإنسان على الأرض سلطة غفران الخطايا.... فلما رأت الجموع ذلك استولى عليهم الخوف ومجّدوا الله الذي أعطى الناس مثل هذه

٣٠٢

السلطة" (متى ٩:٢ ـ ٨) وقد نقل ذلك عن مرقس (٢:١ ـ ١٢) أيضاً.

(ب) يسوع يغفر لإمرأة خاطئة: فدخل بيت الفريسي واتكأ، وكان في المدينة امرأة خاطئة، فما إن علمت انه متكي في بيت الفريسي حتّى جاءت تحمل قارورة عطر، ووقفت من ورائه عند قدميه باكية وأخذت تبل قدميه بالدموع وتمسحها بشعر رأسها، وتقبّل قدميه بحرارة وتدهنهما بالعطر، فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك، حدّث نفسه قائلاً: لو كان هذا نبيّاً، لعلم من هي هذه المرأة التي تلمسه، وما حالها، فانها خاطئة. فرد عليه يسوع قائلاً: يا سمعان عندي شيٌ أقوله لك... ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان: أترى هذه المرأة، أني دخلت بيتك ولم تقدم لي ماء لغسل قدمي، أما هي فقد غسلت قدمىَّ بالدموع ومسحتهما بشعرها، أنت لم تقبّلني قُبلة واحدة، أما هي فمنذ دخولي لم تتوقف عن تقبيل قدمي... لهذا السبب أقول لك إن خطاياها الكثيرة قد غفرت لهذا أحبت كثيراً.... ثم قال لها: مغفورة لك خطاياك" (لوقا ٧:٣٦ ـ ٤٧).

فهذه هي النصوص التي اعتمدوا عليها في اثبات إن المسيح يغفر الخطايا، إذن هو الله!!

ولكن الذي يدقق في هذه النصوص يجد أن المسيح لم يقل أنا غفرت الخطايا، بل هو يخبر عن أن السبب الأصلي لمغفرة الخطايا هو الإيمان، ولهذا نجد في النص الأوّل قوله: "فلما رأى يسوع ايمانهم"، وحتّى المرأة في النص الثاني فإن وقوفها عند قدميه باكية كما في قوله: "ووقفت من ورائه عند قدميه باكية" دليل على ايمانها وتوبتها ولهذا قال لها مغفورة لك خطاياك، ولذلك كان يؤكد مراراً على ضرورة التوبة، فهذا لوقا يذكر في انجيله عن المسيح قوله: "أقول لكم إن لم تتوبوا أنتم جميعكم فكذلك تهلكون" (لوقا ١٣:٥).

وأيضاً فإن المسيح يؤكد أن غفران الخطايا هو بيد الله فقط، فمتى ولوقا يذكرون

٣٠٣

الصلاة الربانية التي علمها المسيح لتلاميذه، فيقول: "عندما تصلون قولوا: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا اعطنا كل يوم، واغفر لنا خطايانا..." (لوقا ١١ ـ٢)، وأيضاً مرقس يذكر ذلك باختصار أكثر فيقول نقلاً عن المسيح: "ومتى وقفتم تصلون وكان لكم على أحد شيء فاغفروا له، لكي يغفر لكم أبوكم الذي في السماوات زلاتكم أيضاً، ولكن إن لم تغفروا لا يغفر لكم أيضاً أبوكم الذي في السماوات زلاتكم" (مرقس ١١ ـ٢٥).

فالمغفرة هي لله تبارك وتعالى والمسيح أخبر إن الإيمان والتوبة سبب في مغفرة الخطايا، كما أخبر بذلك الأنبياء السابقون والنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله)، وهذا بطرس وصي عيسى يؤكد هذا المعنى بكل صراحة فيقول: "توبوا، وليتعمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح فيغفر الله خطاياكم" (أعمال الرسل ٢:٣٨). فهل يُعقل بعد هذا أن نقول أن المسيح هو الذي يغفر الخطايا، إذن هو الله!!

٣ ـ كلي الوجود:

إن الله موجود مع كل شيء ومحيط بكل ما في الكون، ولكن هذا لا يعني أن كل شيء هو الله، كما تقول نظرية "وحدة الوجود" في بعض تفاسيرها، كما في المفهوم الهندوسي الذي يقول بأن كل الخليقة هي جزء من الله(١).

وهذا ما يؤمن به المسيحيون حول وجود الله، ويعتقدون بان المسيح ايضاً كلي الوجود بهذا المعنى، وقد استدلوا على ذلك ببعض آيات العهد الجديد، ولكن مع مطالعة تلك الآيات نجد أن ما استدلوا به على وجود ومعية المسيح مع الموجودات كمعية الله غير صحيح أبداً، وهذه النصوص هي:

١ ـ قول بولس في رسالته إلى افسس حيث يقول: "إن الذي نزل هو نفسه الذي صعد إلى ما فوق جميع السماوات لكي يملأ كل شيء" (افسس ٤:١١)، ويستدلون بهذه

١- حقيقة لاهوت يسوع المسيح: ٤٧.

٣٠٤

الآية على إن المسيح قد ملأ كل شيء!! ولكن بالقاء نظرة سريعة على سياق النص وما قبله يتضح لنا جليّاً إن المعني في هذه الكلمات هو الله وليس المسيح، فقد قال بولس قبل هذه الفقرة: "ولكم ربٌّ واحد وايمان واحد ومعمودية واحدة، وإلهٌ وأبٌ واحد للجميع، هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع... لذلك يقول الوحي: إذ صعد إلى الاعالي،ساق أسرى ووهب الناس مواهب!" وأما أنه "صعد" فما معنى هذا سوى أنه كان قد نزل أيضاً إلى الاقسام السفلى في الأرض" (افسس ٤:٦ ـ ١٠).

وقول الوحي كما يقول التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس اشارة إلى المزمور (٦٨:١٨٩)(١) وهو يتحدث عن الله تبارك وتعالى حيث يقول: "إن الله سيسكن فيه إلى الابد... يصعد إلى العُلى ويأخذ معه سبايا كثيرين" (مزمور ٦٨:١٨)، فسياق الآيات في رسالة بولس تشير إلى أنه يتحدث عن الله سبحانه ولا توجد اشارة في هذه الآية لا من قريب ولا من بعيد عن المسيح.

٢ ـ وأيضاً ما ورد في انجيل متى حيث ينقل عن المسيح قوله: "حيث اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فانا أكون في وسطهم" (متى ١٨:٢٠)، ولكن هذا لا يعني أبداً إن المسيح سيكون فيهم كما هو الله مع الموجودات، فالآية السابقة للنص تقول: إذا اتفق اثنان منكم على الأرض في أي امر، مهما كان ما يطلبانه، فإن ذلك يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات" (متى ١٨:١٩)، فوجود المسيح معهما بمعنى الوجود المعنوي والروحي، لا بالمعنى الوجودي الحقيقي، وهذا ما أشار إليه بولس في رسالته إلى افسس حيث قال: "أحني ركبتىّ للأب الذي هو أصل كل أبوّة في السماوات وعلى الأرض، لكي يمنحكم وفقاً لغنى مجده، أن يمدّ الروح الكيان الداخلي في كل منكم بالقوة المؤيدة، ليسكن المسيح في قلوبكم بالايمان" أفسس (٣:١٧)، فالمسيح مع المؤمنين به في قلوبهم دائماً.

١- التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس: ٢٥ ـ ٢٦.

٣٠٥

٤ ـ كلي العلم:

ان الله تبارك وتعالى وحسب المفهوم المسيحي عالم بكلِ شيء، حيث يقول روبرت باسانتينو في كتابه "طبيعة الله وصفاته":

"معرفة الله كاملة وأبدية لكل الاشياء، فالله يعرف كل ما هو قابل للمعرفة، وتختلف معرفة الله الكلية عن المعرفة التي نكتسبها، فنحن نعلم بالتعلم، أما الله فلا يمر بعملية التعلم حتّى يعرف، ولا يأتي علم الله الكلي نتيجة للتفكير المنطقي أو الاستنتاج أو استخدام الحواس أو التصور أو الاستقراء أو الاستدلال، فمعرفته مباشرة ودقيقة وواضحة تتفق مع حقيقة الامور، ولا توجد مادة للمعرفة إلاّ ويعرفها الله"(١).

ويستدل علماء اللاهوت المسيحيين على أن المسيح أيضاً عالم بكل شيء كالله سبحانه، ولذلك فهو يمتلك الصفات الالهية، فإذن له طبيعة الهية.

وقد استدلوا على ذلك ببعض آيات العهد الجديد، والتي ذكرناها في القسم الأوّل من البحث، ولكن هناك الكثير من الآيات في العهد الجديد ايضاً تنسب الجهل إلى المسيح أو عدم استقلاليته في علمه ومنها:

١ ـ ما جاء في انجيل مرقس نقلاً عن المسيح حيث قال: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الأب" (مرقس ١٣:٣٣) وقد ورد نفس القول في انجيل متى (٢٤:٣٦)، فلو كان المسيح الهاً يعلم الغيب لما نفى عن نفسه العلم باليوم والساعة.

٢ ـ ورد في انجيل يوحنا نقلاً عن المسيح أيضاً قوله: "سيريه أعمالاً اعظم من هذه لتعجبوا أنتم" (يوحنا ٥:٢٠)، وهذا يدل على إن المسيح لم يعلم بعض الاعمال، وإن الله سيريه (سيعلمه) تلك الاعمال.

وكما ذكرنا سابقاً فإن علماء اللاهوت يعتقدون إن المسيح لم يكن عالماً وفقاً

١- حقيقة لاهوت يسوع المسيح: ٤٨.

٣٠٦

للنصوص الآنفة الذكر بحسب طبيعته الانسانية، وليس بحسب طبيعته اللاهوتية(١).

ولكن ذلك مرفوض، لانه مع القول ان للمسيح طبيعتان انسانية والهية، ولكنه شخص واحد، فطبيعته الانسانية لا تمنع عن معرفة الزمان واليوم الذي عيّنه وهو اله، ولكن المسيح نفى العلم عن نفسه وشخصه، واضافه إلى الأب (الله) فلو كان للمسيح طبيعة الهية لما نفى العلم عن نفسه وشخصه(٢).

ويقول الغزالي بهذا الصدد: "ثم تجده (عالم المسيحية) إذا الجأته المضايق ابا براقش إن وجد ما يدلّ على انسانيته أعاد ذلك على ناسوته، وإن وجد ظاهراً عجز عن تأويله رد ذلك إلى لاهوته، فانظر كيف اعمى الله بصيرة من يجعل الهه تارة انساناً وتارة الهاً، تعالى الله عمّا يقولون علّواً كبيراً".

اضافة ا(٣)لى هذا فهناك الكثير من الأنبياء في أسفار العهد القديم كانوا يعلمون الغيب كالمسيح، ولكن لم نسمع من نعتهم بانهم آلهة أو أن لهم طبيعة لاهوتية، والامثلة على ذلك كثيرة، مثل يعقوب وموسى وصموئيل وإيليا واليشع وغيرهم.

٥ ـ السرمدية (الأزلية والأبدية):

ومن الصفات التي أعطيت للمسيح هي صفة السرمدية، وهي تعني انه لم يكن هناك زمن لم يكن فيه الله موجوداً، ولن يكون هناك زمن لا يكون الله فيه موجوداً، وكذلك المسيح فهو دائم الوجود، وقد استدلوا على ذلك ببعض آيات العهد الجديد من أهمها قوله حسب انجيل يوحنا "قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن" (يوحنا ٨:٥٨).

ويرد عليه: من الامور المتفق عليها بين النصارى والمسلمين ان المسيح ولد في زمن معين، فإذا كان أزلي فأما أن يكون مرادهم منها طبيعته الالهية فقط، وهم ما لا

١- لاهوت المسيح: ١٤٢.

٢- النصرانية في الميزان: ١٩٧.

٣- الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل: ٢٦.

٣٠٧

يقولون به، وأما أن يكون اللاهوت متعلقاً بالناسوت وهذا ما يقولون به، فهذا تناقض أن نقول إن الشي أزلي وحادث، فهذه القبلية له على ابراهيم "محال أن تكون مضافة إلى ناسوته، لا باعتبار انفكاكه عن اللاهوت، ولا باعتبار تعلّقه به، ومحال أن تكون مضافة إلى الحقيقة الثالثة وبعد اتحاد اللاهوت بالناسوت لما تبيّن أن هذه كلها حوادث لم تكن موجودة عند وجود إبراهيم"(١).

فإذا بطلت الازلية بطلت كذلك الابدية عنه لانه كما يعتقدون صُلب ومات ودفن، فكيف يموت الله ويدفن!!

رابعاً: أفعال المسيح ومعاجزه

ومن الامور التي استدلوا بها على الوهية المسيح هي أفعاله ومعاجزه، فالمسيح فعل تلك المعجزات بقوته وقدرته المستقلة، وحين فعلها نسبها إلى نفسه فقط، بل واعطى تلك السلطة إلى التلاميذ والرسل(٢).

وهذا ما يميزه عن بقية الأنبياء الذين صنعوا المعجزات، لانهم صنعوها لا بقدرتهم وقوتهم الشخصية بل بقدرة الله سبحانه.

ولكن هناك آيات في العهد الجديد تثبت خلاف هذا المدّعى، وهي تؤكد إن المسيح لا حول له ولاقوة وأن الاعمال والمعجزات التي قام بها إنما كانت بقوة الله وقدرته، ومن تلك النصوص:

١ ـ ما جاء على لسان وصي المسيح بطرس في سفر أعمال الرسل حيث قال: "يا بني اسرائيل اسمعوا هذا الكلام: إن يسوع الناصري رجلٌ أيّده الله بمعجزات وعجائب وعلامات اجراها على يده بينكم كما تعلمون" (اعمال الرسل ٢:٢٠)، فهل هناك تصريح

١- نفس المصدر: ٥٤.

٢- نظام التعليم في علم اللاهوت القديم ١: ٢٤٦.

٣٠٨

أكثر من هذا يدلّ على إن معجزات المسيح كانت بقدرة الله وقدرته لا بقدرة المسيح!!

٢ ـ ما ورد في انجيل يوحنا نقلاً عن المسيح حيث قال: "الاعمال التي أعملها باسم أبي هي تشهد لي" (يوحنا ١٠:٢٥) فالمسيح يصرّح بإن الاعمال التي يقوم بها ويعملها باسم أبيه (الله).

٣ ـ وأيضاً قول المسيح كما في انجيل يوحنا: "الحياة الابدية هي أن يعرفوك أنت الاله الحق وحدك، والذي ارسلته يسوع المسيح، أنا مجدّتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" (يوحنا ١٧: ٤).

٤ ـ وأيضاً فالمسيح يعترف انه لا يستطيع أن يفعل شيئاً من تلقاء نفسه، يقول يوحنا في انجيله: فقال لهم يسوع: "الحق الحق أقول لكم إن الابن لا يقدر أن يفعل شيئاً من تلقاء نفسه، بل يفعل ما يرى الأب يفعله" (يوحنا ٥:١٩١) وأيضاً قوله: وأنا لا يمكن أن أفعل شيئاً من تلقاء ذاتي، بل أحكم حسبما اسمع، وحكمي عادل لاني لا أسعى لتحقيق ارادتي بل ارادة الذي ارسلني" (يوحنا ٥:٣٠).

٥ ـ وأيضاً المسيح يصرّح أن المؤمن يستطيع أن يفعل ويعمل أعمالاً أعظم من الذي عملها المسيح، يقول يوحنا في انجيله: "الحق الحق أقول لكم: إن من يؤمن بي يعمل الاعمال التي أنا أعملها، بل يعمل أعظم منها" (يوحنا ١٤:١٢) فإذا كان المسيح مساوياً لله لأنه فعل المعجزات والعجائب فالمؤمن يستطيع أن يكون أشد مساواة من المسيح لله لانه يعمل أعمالاً أعظم من التي قام بها المسيح!

خامساً: قبوله للعبادة

يؤكد المسيحيون إن العبادة هي لله وحده، ولا يصح لبشر أو ملاك أن يتلقى العبادة، ولكن المسيح يقبل العبادة من الآخرين، ولو لم يكن له طبيعة الهية لما قبل

٣٠٩

العبادة من الآخرين، إذن فهو مساو لله في الطبيعة، واستدلوا على ذلك ببعض آيات العهد الجديد ، وقد ذكرناها في القسم الأوّل من البحث.

والواقع إن هذا القول بعيد كل البعد عن تعاليم المسيح التي ذكرتها اسفار العهد الجديد، فالمسيح نفسه كان كثير التعبد،وهذا ما تؤكده الاناجيل، فهو عبد، فكيف يقبل العبادة من الآخرين؟!

ولنطالع هذه النصوص من العهد الجديد حول عبادة المسيح لله تبارك وتعالى:

١ ـ لقد أكد المسيح مراراً على إن العبادة مختصة لله سبحانه وحده، فعندما حاول إبليس تجربة المسيح وايقاعه في شباكه ـ كما ذكر ذلك متى ولوقا في انجيلهماـ قال المسيح للشيطان بعدما طلب منه أن يسجد له ليعطيه جميع ممالك العالم: "اذهب يا شيطان فقد كُتب: للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد" (متى ٤:١٠) (لوقا ٤:٨)، ويتضح من هذا النص إن المسيح ليس الهاً يعبد، إذ لو كان الهاً لما تجرأ الشيطان وهو العالم على تجربة الله، فمحاولة الشيطان للايقاع بالمسيح في حبائله دليل على إن المسيح ليس الله أبداً هذا أولاً، وثانياً فلو كان المسيح الله ويقبل العبادة، لقال للشيطان: أنا يعبدني الناس ويسجدون لي فكيف اسجد لك وأنت مخلوق وأنا الله الخالق؟!

٢ ـ لقد علّم المسيح التلاميذ كيفية الصلاة وقال: "أما أنت فعندما تصلّي فادخل غرفتك وأغلق الباب عليك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يكافئك به... فصلّوا أنتم مثل هذه الصلاة: أبانا الذي في السماوات..." (متى ٦: ٥ ـ ١٣) وكذلك الصوم فقال لهم: "وعندما تصومون لا تكونوا عابسي الوجوه، كما يفعل المراؤون الذين يقطبون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين، الحق أقول لكم انهم نالوا مكافاتهم، اما أنت فعندما تصوم، فاغسل وجهك وعطّر رأسك، لكي لا تظهر للناس صائماً، بل لأبيك الذي في الخفاء، وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يكافئك" (متى ٦:١٦ ـ ١٨). فلو كان المسيح يقبل العبادة لعلّم التلاميذ أن يصلّوا ويصوموا له لا للأب الذي في

٣١٠

السماوات.

٣ ـ وأيضاً فإن الأناجيل تؤكد على عبادة المسيح، فكان يصوم ويصلّي كثيراً، فهذا متى ينقل في انجيله إن المسيح صام أربعين يوماً فيقول: "وبعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً" (متى ٤:٢) وكذلك ذكر ذلك مرقس ولوقا في انجيلهما، ومن مصاديق العبادة كما هو واضح الصوم، فلمن كان يصوم المسيح لله أم لنفسه، وهل يُعقل أن يعبد الاله نفسه؟!

وتنقل الأناجيل لنا صلاة المسيح،فهذا متى يذكر صلاته وخشوعه لابيه السماوي، فيقول: "ثم ذهب يسوع وتلاميذه إلى بستان يُدعى جشيماني وقال لهم: أجلسوا هنا ريثما أذهب إلى هناك وأصلي.... وابتعد عنهم قليلاً وارتمى على وجهه يصلي قائلاً: يا أبي إن كان ممكناً فلتعبر عني هذه الكأس... ورجع إلى التلاميذ فوجدهم نائمين.... وذهب ثانية يصلي فقال: يا أبي إن كان لا يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلاّ بان اشربها فلتكن مشيئتك.... فرجع إلى التلاميذ فوجدهم نائمين فتركهم وعاد يصلّي مرة ثالثة وردد الكلام نفسه" (متى ٢٦:٣٦ ـ ٤٥)، ولوقا يذكر ذلك أيضاً ويضيف: "أخذ يصلّي بأشدّ الحاح، حتّى إن عرقه صار كقطرات دم نازلة على الأرض" لوقا (٢٢:٤٤). فكان يسجد ويركع ولا أدري لمن كان يسجد ويركع ويتعبد؟، والقول بان المسيح بطبيعته الناسوتية كان يتعبد ويصوم ويصلي لا بطبيعته الالهية مرفوض كما أشرنا سابقاً.

سادساً: قيامته الفريدة

إن المسيحيين يعتقدون بإن قيامة المسيح من بين الاموات كانت بصورة فريدة لم يسبقه إليها غيره، وكانت تلك القيامة بسلطانه وقدرته، وهذا دليل على الوهيته(١).

١- حقيقة لاهوت يسوع المسيح: ٥٦.

٣١١

ولكن هذا يخالف ما ذكرته أسفار العهد الجديد، لان بطرس وصي عيسى الذي امتلأ من الروح القدس بعد يوم العنصرة قال: "فيسوع هذا اقامه الله من الموت" (أعمال الرسل ٢:٣٢) وأيضاً قوله: "ولكن الله أقامه من بين الأموات" (أعمال الرسل ٢:٢٤). فهل نحتاج إلى تصريح أكثر من هذا بإن المسيح قد أقامه الله من الاموات؟، وعلى لسان وصيه بطرس وبعد امتلائه بالروح القدس، وأيضاً قول بولس (أعمال الرسل ١٧:٣١) فالقول بإن المسيح قد قام من الموت بسلطانه مردود بل قيامته كقيامة بقية الاموات هذا أولاً. وثانياً نحن لا نسلّم بإن المسيح صلب ومات ودفن وقام، بل نعتقد بان الله قد انجاه من اليهود، والمصلوب هو غيره، وبمطالعة التناقضات الموجودة في اناجيل العهد الجديد حول قيامته لا يبقى أدنى شك للقاري من إن حادثة الصلب والموت والقيامة وعلى أقل تقدير مختلف فيها بشكل كبير، وقد أشرت إلى هذه المسألة بشكل مفصل في كتاب "الصحيح من انجيل المسيح".

فأدلة المسيحيين لاثبات الوهية المسيح ضعيفة متداعية، لا تصح لاثبات أمر خطير جداً وهو الوهية المسيح، فلو كان المسيح حقاً هو الله، أو مساو لله في طبيعته وجوهره لاوضح ذلك الامر بشكل لا يبقى معه شك ولا ريب، لانه الاساس الأوّل للمسيحية الذي تقوم عليه بقية العقائد المسيحية، ولكننا كما رأينا لم نجد من كلام المسيح ولا من أدلة المسيحيين ما يقنع النفس في موضوع مهم وخطير جداً مثل الألوهية، بل على العكس من ذلك فان كلمات المسيح وأقوال كتّاب أسفار العهد الجديد كلها تشير إلى حقيقة أخرى، وهي إن المسيح انسان مخلوق ونبي مرسل أرسل إلى بني اسرائيل ولا حول ولا قوة له إلاّ بالله خالق السموات والأرض.

٣١٢

الخلاصة:

من خلال ما استعرضناه من مسائل في القسم الثاني من البحث نصل إلى نتيجة

مفادها. بإن الإسلام يرى في المسيح انه انسان مخلوق أرسله الله إلى بني اسرائيل وأيده بالمعجزات، فدعا قومه إلى عبادة ربه وخالقه، فآمن به القليل من الناس، وقد أكّد المسيح هذه الحقيقة من خلال تصريحاته بانه انسان ونبي ورسول، وان الله تعالى هو الوحيد الذي له الصفات المطلقة من قدرة وعلم وصلاح وغير ذلك، وكذلك من خلال اعماله التي أظهرت عبوديته وتواضعه وخضوعه لهذا الإله، ولا سيما كثرة صلاته وصيامه وبكائه وتضرعه إلى خالقه، ونستطيع تلخيص نظرة الإسلام إلى المسيح وحقيقته من خلال ما يلي:

١ ـ انه انسان عبدٌ مخلوق لله تبارك وتعالى، وهذا ما أشار إليه القرآن في آياته ومنها:

"سورة مريم: ٣٠ ـ ٣٢" و "سورة النساء: ١٧٢" و "سورة آل عمران: ٥١" و "آل عمران: ٥٩" و "سورة الزخرف: ٥٩".

٢ ـ كان واحداً من الأنبياء أولي العزم والذين خصّهم الله بشريعة. "سورة الشورى: ١٣".

٣ ـ كان صاحب كتاب سماوي أنزله الله عليه اسمه الانجيل: "آل عمران: ٣"أيضاً "المائدة: ٤٦".

٤ ـ قد سمّاه الله المسيح،وروح منه وكلمته التي ألقاها إلى مريم. "النساء: ١٧١".

٥ ـ كان من شهداء الاعمال. "النساء: ١٥٩" وأيضاً "المائدة: ١٨٧".

٦ ـ كان وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. "آل عمران: ٤٥".

٧ ـ قد رفعه الله إليه وأنجاه من يد أعداءه. "النساء: ١٥٧".

٨ ـ أجرى الله المعجزات الباهرة على يديه كاحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص وغيرها. "آل عمران: ٤٩".

فالإسلام نزّه ساحة المسيح من كل ما يمس كرامته وينال من ساحته المقدسة،

٣١٣

ورفعه إلى أعلى مقامات الانسانية باعطائه مقام النبوة والرسالة، بل وجعله من أخص الأنبياء الكرام الخمسة الذين وصفهم الله بانهم أولي عزم، ومن جهة أخرى رفض اعطاء أي صبغة من الألوهية للمسيح، بل وحارب كل عقيدة تدّعي الوهية المسيح واعتبرها منحرفة عن الصراط المستقيم، وصرّح بما لا مجال فيه للتأويل ببطلان القول بان المسيح ابن الله أو له طبيعة الله، وابطل أيضاً عقيدة التثليث ورفضها رفضاً قاطعاً، وأيضاً بيّن زيف الادعاء بان المسيح دعى إلى عبادته من دون الله (أو مع الله باعتباره ابناً له) بل نزّه المسيح عن هذه الفرية وذلك بتصريح لا يقبل الشك والتأويل وهو قوله تعالى: "المائدة: ١١٦ ـ ١١٧".

٣١٤

الخاتمة

في خاتمة هذا البحث نشير إلى أهم النتتائج التي توصلنا إليها من خلال البحث، ويمكن أن نشير أولاً إلى المشتركات بين الإسلام والمسيحية حول حقيقة المسيح وهي:

١ ـ أن المسيح انسان ولد من امرأة عن طريق المعجزة وليس له أب بشري.

٢ ـ إن المسيح نبي ورسول مرسل من قبل الله سبحانه للبشارة وهداية الناس إلى الحق والصراط المستقيم.

٣ ـ أظهر المسيح في حياته الكثير من المعجزات التي اثبت من خلالها انه مرسل من الله كاحياء الموتى وابراء المرضى وغيرها.

٤ ـ إن الله رفع المسيح إلى السماء (الإسلام يرفض صلبه وموته وقيامته ،والمسيحية تثبّت صلبه وموته وقيامته) وهو حي ينزل في آخر الزمان.

٥ ـ المسيح لم يبطل الشريعة السابقة بل جاء مكملاً لها.

فهذه النقاط مشتركة بين الإسلام والمسيحية مع الاختلاف في بعض الجزئيات البسيطة.

وأما نقاط الاختلاف فهي تتلخص في نقطة ومسألة واحدة وهي بنوّة المسيح لله، أي في طبيعته الالهية، فالمسيحيون يعتقدون ان المسيح هو ابن الله، وهو الاقنوم الثاني من اقانيم الله الثلاثة، فله طبيعة الهية، بل هو مساو للأب (الأقنوم الأول) في الجوهر، وقد نزل هذا الابن إلى العالم بجسد انساني، فحقيقة المسيح هي كونه الهاً كاملاً وانساناً كاملاً.

٣١٥

في حين نجد ان الإسلام يرفض وبشكل قاطع نسبة أي الوهية للمسيح، ويعتقد إن هذا القول هو خروج عن دائرة التوحيد الذاتي لله تبارك وتعالى، ويعتقد إن المسيح لا يعدو كونه انساناً وعبداً ونبياً لا أكثر من ذلك، فهذه هي نقطة الخلاف الاصلية بين الفريقين.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه في ختام هذا البحث هو: هل هناك من سبيل للجمع بين العقيدتين والتقريب بينهما، أم لا؟

إن الاجابة على هذا السؤال فيه شيء من الصعوبة ولكنه يمكن القول: ان الذي استعرضناه في القسم الأوّل من البحث حول حقيقة المسيح لا يُبقي أدنى شك من إن التعاليم الكرستولوجية (حقيقة المسيح) التي يقول بها النصارى لم تنتظم إلاّ في قرون طويلة، وكانت نتيجة المجامع المسكونية التي عقدت منذ القرن الرابع الميلادي، أي إن هذه التعاليم لم تظهر في زمن المسيح ولا بعده، ومن يعتقد إن المسيح أو التلاميذ أشاروا إلى لاهوته وبنوّته لله وبشّروا بذلك من خلال اسفار العهد الجديد لا يملكون الأدلة الكافية لإثبات هذا الرأي كما أشرنا إلى ذلك، بل المتتبع لاسفار العهد الجديد بشكل دقيق يلاحظ أنها تنادي بعكس ذلك وتثبت بان المسيح انسان مرسل من قِبل الله إلى بني اسرائيل يذكرهم بشريعة آبائهم، وهذا ما قاله المسيح صريحاً كما يُنقل عنه حسب انجيل يوحنا "وهذه هي الحياة الابدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧:٣)، وكما قال بولس في رسالته إلى تيموثاوس حيث قال: "لانه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس ٢:٥)، وبتصريح المسيح أيضاً بانه جاء ليكمل الشريعة حيث قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لانقض بل لأكمل" (متى ٥:١٧).

والذي يتتبع التاريخ في القرنين الاولين من ميلاد المسيح يجد إن الاعتقاد بإله

٣١٦

الواحدة" ويضيف: "ان الله الواحد الاحد الذي نعبده جميعاً مسيحيين ومسلمين، هو الإله الواحد ولا إله غيره، والاختلاف ليس في الهدف وهو عبادة الإله الواحد، وإنما في التفاصيل وهو كيف يكون هذا الإله"(١).

إذن نقطة الاختلاف هو في حقيقة وذات الله سبحانه، وهل هو مثلث الاقانيم (متعدد في الذات) أم هو بسيط الحقيقة، وصفاته عين ذاته.

ففي المسيحية هناك إله واحد ولكنه مثلث الاقانيم، وهذه الاقانيم متساوية في الجوهر والطبيعة، وفي الإسلام فإن الله واحد أحد قائم بذاته وله صفات هي عين ذاته.

فالفارق بين التصورين الإسلامي والمسيحي لله كبير وكبير جداً، فالله في الإسلام واحد، أحد فرد صمد، فيما هو في المسيحية مثلث الاقانيم، متعدد في الذات، وهنا تكمن المعضلة؟

وأعتقد إن أدلة التوحيد الذاتي لواجب الوجود ترفض كل تعدد في ذات الواجب،وهو ما أشرنا إليه عند بحثنا في عقيدة التثليث عقلاً، إضافة إلى ذلك فإن الأدلة النقلية على التثليث هي الاخرى موضع ترديد وشك كبير، إذن لابد من القول إن ذات الباري عزوجل بسيطة خالية من كل تعدد وتركيب.

وختاماً نقول: إن الإسلام يدعونا دائماً إلى التآخي والمحبة مع بقية أفراد البشر ولاسيما الذين تربطنا معهم روابط دينية أساسية وهم أهل الكتاب، ولهذا أمرنا بان لا نجادلهم إلاّ بالتي هي أحسن، والذي اعتقده هو ان الخلاف الوحيد بين الإسلام والمسيحية هو حول وحدانية وذات الله سبحانه، ومع كونه خلافاً أساسياً ومركزياً وعميقاً، إلاّ أن طريق التقارب بين الديانتين ممكن، وذلك لأن الاساس التوحيدي واحد، والمصدر للتعاليم واحد، والهدف أيضاً واحد.

١- حقيقة التجسد: ٤٢٠.

٣١٧