×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

تراه مناسباً لتعاليمها ووضعته في كتاب واحد هو العهد الجديد،ورفضت الكثير من الكتب الاخرى التي كان البعض منها يحتوي على جزئيات أكثر عن حياة السيد المسيح(عليه السلام) مما ذكره كتّاب الاناجيل الاربعة،ولكنها رفضته واعتبرت تلك الكتب اناجيل منحولة لا أعتبار لها.

وقد أنعقدت مجامع كنسية كثيرة لوضع لائحة للاسفار المقدسة للعهد الجديد، فقد أمر مجمع لادوكية (٣٦٣ ب. م) ومجمع هيبون (٣٩٣ ب. م) ومجمع قرطاجة (٣٩٧ ب.م) لائحة لأسفار العهد الجديد مماثلة إلى حد كبير للعهد الجديد الذي بين ايدينا اليوم. وأما السؤال عن الدلائل على كيفية جمع هذه الكتب فقط لتكون كتاباً واحداً دون غيرها ؟، فيجيب آباء الكنيسة على ذلك: "أن بشائر الاربعة كانت وحدها قيد الاستعمال الرسمي، ويؤكد ذلك ما ذكره ايريناوس عن (الاناجيل الاربعة) وهو من آباء الكنيسة الاولين، وأيدتر توليان وآباء آخرون في زمانه صحة هذا الأمر، ففي نهاية القرن الثاني كانت البشائر (الأناجيل) الاربعة واعمال الرسل (كتباً مقبولة) بلا جدل، كذلك لقيت رسائل بولس في هذا الوقت ما لا قته الاناجيل الاربعة من اعتبار، وهناك دلائل اخرى على قبول رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الاُولى، اما باقي كتب العهد الجديد فالدلائل على قبولها قليلة، وفي الواقع أن تاريخ جمع كتب العهد الجديد في كتاب واحد قانوني في القرنين الثالث والرابع الميلادي يدور حول مقام هذه الكتب الباقية، فأن اختيار الكتب (المصادق عليها) تأثر إلى حد كبير بملائمة هذه الكتب للقراءة الجارية في الكنائس"(١).

وهنا أيضاً نكتة يجب الالتفات إليها وهي أن اسفار العهد الجديد وحتّى نهاية القرن الثاني لم يكن أحد يتكلم بجلاء وصراحة عن الالهام فيها، حتّى آباء الكنيسة، بل الكنيسة كانت في القرن الثاني تعتبر العهد القديم فقط كتاباً مقدساً بالدرجة الاُولى، وكانت تسمية العهد الجديد ذاتها لم تكن قد ولدت بعد، بل كان لا بد من

١- المرشد إلى الكتاب المقدّس : ٧٣.

٢١

انتظار عدة قرون قبل أن نسمع عبارة "الكتاب المقدّس الملهم" التي نُعت بها العهد الجديد(١).

وأما لماذا اختارت الكنيسة هذ الكتب دون غيرها، فالجواب هو "أن هذه الكتب تعطينا بشكل أفضل ما كانت تؤمن به الكنيسة الاُولى، فانها توضح الإيمان الرسولي، أي ان اعتقاد الكنيسة هو أن هذه الكتب تمثل العصر الرسولي، فالواضح أن الكنيسة في القرن الرابع هي التي فتحت ميزة الالهام لهذه الكتب، ولكن علماء المسيحية يرفضون هذا القول ويؤكدون: أن الكنيسة لم تمنح صفة الالهام لهذه الاسفار (العهد الجديد) بل أن محتوى هذه الاسفار ذاته هو الذي دفع بالكنيسة لتميزها عن الكتب الاخرى"(٢).

وقبل الخوض في البحث عن اسفار العهد الجديد أود الإشارة إلى مسألة الاخرى وهي ; أن المسيح(عليه السلام) لم يكتب شيئاً ابداً حسب ما تدعيه الكنيسة، بل ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين اقواله واعماله، ولكن بعد رفعه إلى السماء ولأسباب عديدة تذكرها الكنيسة(٣) بدء المسيحيون الاوائل بكتابة مستندات وكتب ورسائل تشير إلى حياة المسيح وتعاليمه، وكان ذلك بعد منتصف القرن الأوّل للميلاد.

وهي بهذا الادعاء تريد التأكيد على أنه لم يكن هناك في زمن المسيح(عليه السلام)أو حتّى بعد رفعه كتاب خاص به يسمى بالانجيل، بل كانت تعاليمه(عليه السلام)كلها شفاهية ولم تدون ابداً، خلاف ما يدعيه الإسلام والقرآن، وسوف اتعرض إلى هذه المسألة عند

١- المسيح في الفكر الإسلامي، الحديث وفي المسيحية : ١١٧.

٢- نفس المصدر : ١١٨.

٣- ومن تلك الاسباب: رغبة المسيحيين بالحصول على معلومات أوسع عن حياة وتعاليم المسيح(عليه السلام)، وأيضاً تقدم السن بالرسل الاولين والاضطهادات التي كانت تحيطهم وتهدد حياتهم، وكذلك ظهور الافكار العقائدية الباطلة تحت تأثير الوثنية والعنصرية اليهودية، واخيراً البعد الزمني لظهور المسيح(عليه السلام)وتعالميه،وكذلك الابتعاد عن مركز المسيحية أي مدينة أورشليم وغيرها من الاسباب، المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية : ١١٣.

٢٢

مناقشة العهد الجديد انشاء الله.

وهناك مقولة للمسيحيين تقول أن الانجيل موجود في الاناجيل، أي أن انجيل يسوع له أربع روايات، وسمي كل واحد من كتّاب هذه الروايات إنجيلياً وبالعربية البشير أي مدون الانجيل أو البشارة.

وإما كلمة (انجيل) فقد استعملها المسيحيون منذ ظهور الدين المسيحي وهي كلمة يونانية تلفظ "ايوانجيليون" وهي اسم جنس واستعملت بمعنى البشرى أو البشارة أي الخبر السار المفرح، وأما استعمالها في المسيحية والعهد الجديد فتعني بشارة الخلاص التي حملها يسوع المسيح إلى الناس أجمعين(١).

والظاهر أن الأناجيل الاربعة قد رأت النور في القرن الأوّل للميلاد، وقد كتبت في فترات مختلفة، فمثلا المشهور أن مرقس دون انجيله نحو سنة ٦٧، ومتى ولوقا بين ٨٠ ـ ٩٠ وربما قبل ذلك، ويوحنا قبل نهاية القرن الأوّل، وأما رسائل بولس فهي أقدم من الأناجيل كما هو معروف في التقليد المسيحي، وسفر اعمال الرسل والرسائل العامة الاخرى التي تشكل أسفار العهد الجديد كتبت جميعها قبل نهاية القرن الأوّل الميلادي، وأسماءها حسب الترتيب الموجود بين ايدينا في جميع نسخ العهد الجديد وهي تشكل ٢٧ سفراً هي كالتالي: انجيل متى ـ انجيل مرقس ـ انجيل لوقا ـ انجيل يوحنا ـ اعمال الرسل ـ رسائل بولس وهي ثلاث عشر رسالة: (رومة ـ كورنييثوس الاُولى ـ كورنيثوس الثانية ـ غلاطية ـ أفسس ـ فيليبي ـ كولوسي ـ تسالونيكي الاُولى ـ تسالونيكي الثانية ـ تيموثاوس الاُولى ـ تيموثاوس الثانية ـ تيطس ـ فليمون) ـ الرسالة إلى العبرانيين ـ الرسائل العامة وهي سبعة: (رسالة يعقوب ـ رسالة بطرس الاُولى ـ رسالة بطرس الثانية ـ رسالة يوحنا الاُولى ـ رسالة يوحنا الثانية ـ رسالة يوحنا الثالثة ـ رسالة يهوذا) ـ رؤيا يوحنا.

١- المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية : ١٢٠.

٢٣

وقد سميت الأناجيل الثلاثة الاُولى بـ"الأناجيل المتشابهة"، العلاقة بين الأناجيل المتشابهة النظرة ومسألة حيرت العلماء لأجيال عديدة، فقد اعتبر الكثير من العلماء أن المصدر لهذه الأناجيل الثلاثة هو مستند واحد، وهذه الأناجيل تختلف كثيراً عن الانجيل الرابع (انجيل يوحنا)، وليس من السهل مقارنة انجيل يوحنا مع الأناجيل المتشابهة النظرة، وقد قال بعضهم أن يسوع في يوحنا يختلف كثيراً عن يسوع في الأناجيل الاخرى(١).

وسنشير هنا باختصار إلى الأناجيل الأربعة فقط لأنّها ستكون المصدر الأساسي للمسيحيين في إثبات اُلوهيته، وإن كانوا أحياناً يستشهدون أيضاً برسائل بولس.

المبحث الثالث: الأناجيل الأربعة

أولا: انجيل متى:

يحتل هذا الانجيل الصدارة في اسفار العهد الجديد، وينسب حسب التقليد المسيحي إلى القديس متى، ومتى مأخوذ من الاسم العبري "مثتيا" ومعناه "عطية الله"، وله اسم ثان ذكر في انجيلي مرقس ولوقا وهو اسم (لاوي ابن حلفي)(٢)، ولقب بالعشار لانه كان يجبي ضريبة العشر في كفر ناحوم لحساب الرومانيين قبل أن يصبح من تلاميذ المسيح(عليه السلام)، وكانت وظيفة الجباية محتقرة بين اليهود، ولا يعرف عن متى سوى القليل، فقد دعاه يسوع المسيح(عليه السلام) فترك عمله وتبعه ولزمه، وروي انه بشر اولا يهود أرض فلسطين، ثم غادر وطنه ورحل إلى بلاد العرب والحبش أو الى بلاد فارس والعجم، ولا يعرف بالضبط سنة وفاته ومكانها(٣).

١- المرشد إلى الكتاب المقدّس : ٥٣٢.

٢- قاموس الكتاب المقدّس : ٨٣٢.

٣- المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية : ١٢٢.

٢٤

وقد كتب متى انجيله باللغة الآرامية التي كانت اللغة السائدة بين اليهود في ذلك الزمان،وهي لغة السيد المسيح(عليه السلام) أيضاً التي تكلم بها مع الناس وأظهر دعوته، وهي لغة شبيهة إلى حد كبير باللغة السريانية، وقد تُرجم هذا النص الآرامي إلى اللغة اليونانية، ثم فقد الاصل الآرامي وبقيت ترجمته اليونانية فقط، واصبحت هذه الترجمة هي المعول عليها في البحث والنقل إلى سائر اللغات الاخرى والمعتمدة لدى الكنيسة، ولا يعرف احد بالتحديد مكان كتابته للانجيل أو زمان ترجمته إلى اليونانية ويحتمل أنها كتبت بين فترة ٥٠ ـ ١٠٠ ميلادي(١)، وهناك رأي يقول أنه كتب في فلسطين لأجل المؤمنين من بين اليهود الذين اعتنقوا الديانة المسيحية المقيمين في فلسطين وسوريا، ويعتقد معظم المفسرين اليوم أن متي أخذ عن مرقس لا العكس كما كان الاعتقاد السائد في وقت ما، واعتمد هو ولوقا اعتمدا على مرقس في كتابة أنجيلهما.

وهناك رأي يقول أن متى كتب انجيله باللغة العبرية، فقد ذكر اوسابيوس عند حديثه عن متى الانجيلي شهادة بابياس اسقف هيرابولس من أن متى قد كتب ورتب اقوال وافعال يسوع في اللغة العبرية،وقد ترجمه واحد حسب امكانيته(٢).

ويظهر المسيح(عليه السلام) في انجيل متى على انه المعلم الكبير الذي له القدرة على تفسير شريعة الله المقدسة والاعلان عن ملكوت الله الآتي، ويمكن تقسيم مضمون الانجيل إلى الاقسام التالية:

١ ـ نسب يسوع المسيح وميلاده: ويبدأ من (١:١ إلى ٢:٢٣).

٢ ـ رسالة يوحنا المعمدان (يحيى): ويبدأ من (٣:١ إلى ٣:١٢).

٣ ـ معمودية يسوع المسيح وتجربته على يد ابليس: ويبدأ من (٣:١٣ إلى

١- المرشد إلى الكتاب المقدّس : ٤٧٤.

٢- المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية : ١٢٢.

٢٥

٤:١١).

٤ ـ رسالة يسوع في الجليل: ويبدأ من (٤:١٢ إلى ١٨:٣٥).

٥ ـ الصعود من الجليل إلى أورشليم: ويبدأ من (١٩:١ إلى ٢٠:٣٤).

٦ ـ الأسبوع الاخير في اُورشليم وجوارها: ويبدأ من (٢١:١ إلى ٢٧:٦٦).

٧ ـ الصلب والقيامة وظهوره(عليه السلام): ويبدأ من (٢٨:١ إلى ٢٨:٢٠).

وقد أنفرد انجيل متى في بعض القصص والاحداث والامثال والمعجزات عن لوقا ومرقس، ويعتقد البعض أن في انجيل متى يبرز الطابع اليهودي أكثر من الاناجيل الاخرى، ويختم متى انجيله بذكر وصية يسوع المسيح الاخيرة.

ثانياً: انجيل مرقس:

أن أنجيل مرقس هو الأقصر من بين الأناجيل الاربعة، وكاتب الانجيل اسمه (يوحنا مرقس) ويوحنا اسمه اليهودي، ومرقس اسمه اللاتيني الذي يعني (مطرقة) وقد ورد اسمه عدة مرات في سفر اعمال الرسل، ودعي هناك بالاسمين منفردين أو مجتمعين، ولم يكن (يوحنا مرقس) من التلاميذ الأثنى عشر، وكانت امه تدعى مريم وكان الرسل والمسيحيون الاولون يجتمعون عندها في البيت في اورشليم، ويزعم البعض أن مرقس هو نفسه الشاب الذي تبع يسوع لما أخذه اليهود في بستان الزيتون ويستدلون على ذلك بأن مرقس قد أنفرد في رواية ما جرى لذاك الشاب وكأنه يريد أن يشير إلى نفسه إذ يقول: "وتبعه شاب ليس عليه غير أزار فأمسكوه فتخلى عن الازار وهرب عرياناً" (مرقس ١٤:٥١)(١).

وكان مرقس هذا نسيباً لبرنابا أحد وجهاء كنيسة اُورشليم ورفيق بولس في سفره، وقد خسر مرقس مكانته عند بولس اثر تراجعه في منتصف الطريق في

١- قاموس الكتاب المقدّس : ٨٥٣.

٢٦

الرحلة التبشرية الاُولى، فصار على مشاجرة قوية بين بولس وبرنابا، وتصالح بعد ذلك مع بولس ورافقه إلى رومية، ولازم فيما بعد بطرس وخدمه حتّى دعاه بطرس ابنه.

ولا يعرف شيء حقيقي عن حياته بعد ذلك، إلاّ أن الآباء اتفقوا على انه مترجم بطرس وانه كتب انجيله تحت ارشاد بطرس، وذهب البعض إلى أن بطرس كتب بعض الحوادث التي شاهدها وان مرقس كتب انجيله بعد مطالعة هذه الكتابات(١). وقد ذكر المؤرخ يوسيبوس بان مرقس كان اول من نادى برسالة الإنجيل في مدينة الاسكندرية في مصر وقد انشأ فيها الكنيسة واستشهد فيها سنة ٦٨ م، ويرمز إلى البشير مرقس في الفن المسيحي بصورة الاسد.

وأما تاريخ كتابة السفر فقد ذكر ايرينيوس أحد آباء الكنيسة الاولين أن مرقس كتب البشارة التي تحمل اسمه قائلا "بعد أن نادى بطرس وبولس في روما وبعد انتقالهما سلم لنا مرقس كتابة مضمون ما نادى به بطرس" فربما كتب هذا الإنجيل بين عام ٦٥ ـ ٦٨ ميلادي.

وهناك ملاحظة حول خاتمة هذا الإنجيل وهي أن الجزء الاخير منه (١٦:٩ ـ ٢٠) وجد في بعض المخطوطات القديمة ولم يوجد في البعض الاخر مثل المخطوطة السينائية ومخطوطة الفاتيكان(٢).

والظاهر أن مرقس كتب انجيله في رومية نزولا عند طلب مسيحيي تلك المدينة، أو أنه تم كتابته في مكان ذي طابع لاتيني، وبعيد عن التأثير الفلسطيني، وقد أتّبع

١- وقد كتب بابيوس مستنداً إلى ما استقاه من يوحنا الشيخ لهذه العبارة التي اقتبسها يوسيبوس في تاريخه الكنيسي هذا أيضاً ما قاله الشيخ، أن مرقس وقد كان مفسراً لبطرس ومترجماً لأرائه، سجل جميع الاشياء التي تذكرها من اقوال المسيح واعماله، وذلك لانه لم يسمع الرب ولا كان من اتباعه، ولكنه اتبع بطرس فيما بعد كما ذكرت آنفاً" قاموس الكتاب المقدّس : ٨٥٤.

٢- نفس المصدر.

٢٧

مرقس اسلوباً يختلف عن اسلوب متى، ويركز مرقس في انجيله على الاعمال الخارقة التي قام بها يسوع المسيح(عليه السلام)والاطار التي تمت فيه تلك الاعمال.

ويمكن تقسيم محتويات هذا الإنجيل إلى الاقسام التالية:

١ ـ ببشارة يسوع المسيح ومعموديته وتجربته من قبل الشيطان: ويبدأ من (١:١ إلى ١٣).

٢ ـ دعوة يسوع المسيح(عليه السلام) ورسالته في الجليل ومناداته هناك وقيام السلطات الدينية عليه: ويبدأ من (١:١٤ إلى ٩:٥٠).

٣ ـ رحلته(عليه السلام) من الجليل إلى أورشليم وابلاغ دعوته فيها وصلبه(عليه السلام): ويبدأ من (١٠:١ إلى ١٥:٤٧).

٤ ـ قيامة المسيح والقبر الفارغ وخاتمة عن ظهوره(عليه السلام) بعد قيامته: ويبدأ من (١٦:١ إلى ١٦:٢٠).

وبهذا ينتهي الإنجيل الثاني من الأناجيل الاربعة.

ثالثاً: انجيل لوقا:

يمكن اعتبار انجيل لوقا بأنه السجل الأشمل بين السجلات التي بين ايدينا عن حياة يسوع المسيح(عليه السلام)، وكان الاعتقاد سائداً في القرن الثاني للميلاد بأن لوقا هو كاتب الإنجيل الثالث وسفر اعمال الرسل، ولوقا اسم لاتيني وربما كان اختصاراً لـ "لوقانوس" او "لوكيوس"، ويعتقد أن لوقا كان من الاُمم،بدليل ان بولس لم يذكره مع الاخوة اليهود بل افرده عنهم، وانه ولد من أبوين يونانيين في أنطاكية (سوريا)، وهي المدينة التي دعي فيها لاول مرة اتباع يسوع مسيحيين، وكان يمارس الطب، وقيل انه كان رساماً وانه رسم صورة السيدة مريم العذراء، وتتلمذ لبولس واصبح معاوناً له، وكان غالباً في صحبته إلى أن استشهد بولس في رومية، فترك لوقا هذه المدينة،

٢٨

إلاّ اننا لا نعرف اين قضى بقية حياته ولا أين مات، وقد قيل انه بلغ السبعين من عمره أو الثمانين، والكنيسة تكرمه تكريم الشهداء(١).

وقد كتب لوقا انجيله وسفر اعمال الرسل باللغة اليونانية، ويعتقد البعض من علماء الكتاب المقدّس أن لوقا اعتمد في كتابة انجيله على انجيل مرقس الذي كان احد المصادر الرئيسية لكتابه، ويذهب البعض إلى انه من الارجح أن لوقا استقى كثيراً مما كتبه وبخاصة عن ولادة يسوع وزيارته للهيكل في سن الثانى عشرة من العذراء مريم نفسها(٢). وأما زمان كتابة هذا الإنجيل فالرأي المشهور هو انه كتب قبل سفر اعمال الرسل بوقت قصير، وبما انه من المرجح أن سفر اعمال الرسل قد كتب حوالي سنة ٦٢ أو ٦٣ ميلادية، لذا يحتمل انه قد كتب سنة ٦٠ ميلادي. ويذكر دارسو الكتاب المقدّس انه قد وردت في انجيل لوقا بعض الحوادث التي لم تذكر في غيرمن الأناجيل، فهناك ما يقرب من نصف البشارة خاص بلوقا دون غيره من البشيرين متى ومرقس، وهذا الإنجيل وسفر اعمال الرسل موجّهان إلى شخص واحد وهو ثيوفيلوس الروماني الذي يعتقد البعض انه كان مسيحي من أصل أممي.

ويمكن تقسيم مضمون هذا الانجيل إلى الاقسام التالية:

١ ـ مقدمة موجهة إلى ثيوفيلوس: ويبدأ من (١: ٥ إلى ٢: ٥٢ ) .

٢ ـ مولد يوحنا المعمدان (يحيى) وميلاد يسوع وطفولتهما: ويبدأ من (١:٥ إلى ٢:٥٢).

٣ ـ يوحنا يمهد الطريق ليسوع المسيح ومعموديته وتجربته: ويبدأ من (٣ : ١ إلى ٤: ١٣).

٤ ـ المسيح يبشر برسالته في الجليل: ويبدأ من (٤:١٤ إلى ٩:٥٠).

١- المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية : ١٢٧.

٢- نفس المصدر: ١٢٨.

٢٩

٥ ـ الرحيل من الجليل إلى أورشليم: ويبدأ من (٩:٥١ إلى ١٩:٢٧).

٦ ـ الاسبوع الاخير في أورشليم وجوارها وصلبه وقيامته: ويبدأ من (١٩ : ٢٨ إلى ٢٤ : ٥٣).

وبذلك ينتهي انجيل لوقا أيضاً وهو ثالث الأناجيل المتشابهة، والذي انفرد في نقل بعض الحوادث دون متى ومرقس كبشارة الملاك لزكريا وبشارته لمريم العذراء،وأيضاً بعض الامثال كمثل السامري الصالح ومثل الابن الضال، وكذلك يؤكد هذا الإنجيل أكثر من الانجيلين السابقين على صلاة المسيح(عليه السلام)الذي كان يحث عليها بشكل متواصل .

رابعاً: انجيل يوحنا:

ويختلف هذا الإنجيل عن الأناجيل الثلاثة الاخرى اختلافاً جذرياً مضموناً واسلوباً، وقلّ ما ذكر مؤلفه من الاُمور التي ذكرها البشيرون الثلاثة الاولون، ولا يتضمن هذا الإنجيل أية أمثال، أما الاحداث التي يذكرها فقد حدثت معظمها في أورشليم أو ضواحيها.

والاعتقاد السائد في الكنيسة هو أن كاتب هذا الإنجيل هو يوحنا الرسول احد تلاميذ المسيح(عليه السلام)(١)، ويوحنا هذا هو ابن زبدي من بيت صيدا في الجليل(٢)، دعاه المسيح(عليه السلام) مع اخيه يعقوب ليكونا من تلاميذه، ويبدو أنه كان على جانب من الغنى لأن أباه كان يملك عدداً من الخدم المأجورين، وامه (سالومة) كانت على الارجح اخت العذراء مريم أم يسوع المسيح(عليه السلام)، وكان قد أتخذ مهنة الصيد حرفة، لان عادات اليهود كانت تقضي على اولاد الاشراف ان يتعلموا حرفة ما، وكان من

١- قاموس الكتاب المقدّس : ١١٠٩.

٢- يوحنا: صيغة عربية للاسم العبري (يوحنان) والذي معناه (الله حنون).

٣٠
 كتاب لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة علي الشيخ (ص ٣١ - ص ٦٢)
٣١

ويتضمن هذا الانجيل الفقرات التالية:

١ ـ مقدمة وفيها تعمق في سر التجسد: وتبدأ من (١:١ إلى ١:١٨).

٢ ـ يوحنا المعمدان وشهادته للمسيح(عليه السلام) واتباعه الاوائل: ويبدء من (١:١٩ إلى ١:٥١).

٣ ـ يسوع يبدء تبشيره ويظهر المعجزات: ويبدء من (٢:١ إلى ١٢:٥٠).

٤ ـ ايام المسيح(عليه السلام) الاخيرة ووصيته الاخيرة لتلاميذه وصلبه: ويبدء من (١٣:١ إلى ١٩:٤٢).

٥ ـ قيامة المسيح(عليه السلام) وظهوره لتلاميذه: ويبدء من (٢٠:١ إلى ٢٠ ـ ١٣).

٦ ـ خاتمة: الظهور الثاني في الجليل: ويبدء من (٢١:١ إلى ٢١:٢٥)(١).

وبهذا ينتهي أيضاً إنجيل يوحنا والرابع من اناجيل العهد الجديد.

ونناقش الآن قانونية هذه الأناجيل وبعد ذلك نقدم نقداً مختصراً للعهد الجديد بشكل عام وللأناجيل بشكل خاص.

المبحث الرابع: قانونية العهد الجديد

أرى لزاماً أولا بيان تاريخ قانونية العهد الجديد(٢)، فالمشهور والمعروف في تاريخ المسيحية هو أن قانونية هذه الاسفار التي بين ايدينا الآن والتي تمثل بمجموعها اسفار العهد الجديد، لم يتحدد موقف نهائي منها إلاّ في اواخر القرن الرابع

١- هذه الخاتمة الحاقية كما أعترف بذلك العديد من علماء الكتاب المقدّس وانها أضيفت إلى السفر في وقت متأخر.

٢- ان كلمة: قانون، تعني باليونانية مقياس أو معيار، وقد أطلق اللفظ: قانوني، أو قانونية على قائمة الكتب التي قبلتها الكنيسة بوجه عام باعتبارها كتبت بوحي والهام سماوي، وأما تاريخ قانونية العهد الجديد فنعني به تاريخ افراز الكتب والاسفار من بقية المؤلفات والكتب المسيحية الاُولى، واضافتها إلى الكتاب المقدّس وهو الذي كان يطلق عليه حتّى اواخر القرن الثاني باسم "العهد القديم".

٣٢

الميلادي. ولكن هذا لا يعني ان هذه الكتب لم تكن معروفة ومتداولة في ذلك الزمان، بل كانت متداولة ومقبولة على نطاق واسع، مع بقية الكتب الاخرى التي سميت فيما بعد بالكتب المنحولة.

وهذا يعني أن المسيحيين الاوائل كانوا ينظرون إلى هذه الاسفار والكتب على انها مؤلفات تنقل ما عمله المسيح(عليه السلام) ومعجزاته وتعاليمه كما نقلها التقليد الشفوي، فهي لم تكن قد اكتسبت بعد صفة الإلهام والوحي.

وهناك رأي يقول ان الأناجيل الاربعة قد جمعت معاً في انجيل واحد رباعي حوالي سنة ١٥٠ ميلادي، ويعزي البعض السبب في جمع اسفار العهد الجديد إلى (ماركيون) وذلك حوالي سنة (١٤٠) ميلادي، عندما حاول جمع عدد من الكتب المسيحية لاستئصال نفوذ العهد القديم، وايجاد معادل لذلك العهد، سمي بالعهد الجديد.

وقد كان ماركيون عنيفاً في آراءه ضد اليهودية، فقد اعتقد بأن إله اليهود الذي اعطى (الناموس) لموسى(عليه السلام) وخلق العالم كان في الحقيقة الهاً شريراً! وفي تصنيفه للعهد الجديد فقد ضم إليه: انجيل لوقا ـ الرسالة إلى أهل غلاطية ـ الرسالة الاُولى والثانية إلى أهل كورنثوس ـ الرسالة إلى أهل رومة ـ الرسالة الاُولى والثانية إلى أهل تسالونيكي ـ الرسالة إلى أهل أفسس ـ الرسالة إلى أهل كولوسي ـ الرسالة إلى أهل فيلبي ـ الرسالة إلى فيلمون. وقد عرف هذا العهد باسم: (الإنجيل والرسول) الذي اقامه ماركيون ضد: الناموس والأنبياء التي يشتمل عليهما العهد القديم(١).

وأما التاريخ الدقيق لقبول هذه الاسفار على انها كتب قانونية، ومن ثم كتب مقدسة وموحاة من الله، فلا يوجد هناك عالم من العلماء يمكن أن يجزم به، بل وحتّى مكان ذلك، ولذلك يقول علماء الكتاب المقدّس: "ليس لدينا أي معرفة محددة

١- المسيح(عليه السلام) في مصادر العقائد المسيحية: ٣٤.

٣٣

بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الاربعة، ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك"(١). بل يحتملون أن يكون كل انجيل من الأناجيل الاربعة القانونية قد أكتسب التداول والنفوذ عن طريق تبني احدى الكنائس الكبيرة له.

ولهذا فإن اغلب علماء الكتاب المقدّس يذهبون إلى أن شرعية وقانونية العهد الجديد بأسفاره ككل انما تمت بعد النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، بل حتّى إلى زمان بداية القرن الرابع كانت الاختلافات كثيرة حول هذه الكتب والمؤلفات، ويصف ايزبيوس هذا الوضع المتأزم حول الكتب الكثيرة التي انتشرت في العالم المسيحي، فيقسم هذه الكتب إلى ثلاث طبقات وهي:

١ ـ كتب قبلت بوجه عام: وهي: الأناجيل الاربعة ـ أعمال الرسل ـ رسائل بولس ـ رسالة بطرس الاُولى ـ رسالة يوحنا الاُولى ـ ويمكن اضافه رؤيا يوحنا.

٢ ـ كتب لا تزال موضع جدل، لكن قد اعترف بها على نطاق واسع: وهي ـ رسالة يعقوب ـ رسالة يهوذا ـ رسالة بطرس الثانية ـ رسالة يوحنا الثانية والثالثة.

٣ ـ كتب مرفوضة: وهي: رسالة اعمال بولس ـ راعي هرمس ـ رؤيا بطرس ـ رسالة برنابا ـ وبالنسبة للبعض رؤيا يوحنا(٢).

وهذه الكتب المرفوضة التي ذكرت هنا ماهي إلاّ نزر يسير من كتب كثيرة، وقد ذكرت تلك الكتب المرفوضة في مصادر مسيحية مختلفة، فمثلا تذكر دائرة المعارف الامريكية قائمة باسماء الكتب المرفوضة وهي:

١ ـ انجيل لوقا.

٢ ـ انجيل متى المكذوب.

٣ ـ الأناجيل اليهودية المسيحية وهي أربعة: انجيل العبرانيين ـ انجيل الناصرين

١- نفس المصدر : ٣٥.

٢- نفس المصدر : ٣٦.

٣٤

ـ انجيل الاثنى عشر ـ انجيل الأبيونين.

٤ ـ انجيل المصريين: وقد عرف بذلك لإنتشاره بينهم، وقد أشار له كليمنت السكندري، وأوريجين.

٥ ـ انجيل بطرس: وهو قديم جداً، وقيل أنه كان يستخدم للقراءة الخاصة أو للعبادة في الربع الاخير من القرن الثاني.

٦ ـ انجيل باسيليوس: من اصل اسكندري،تكوّن قبل منتصف القرن الثاني.

٧ ـ انجيل ماركيون: وهو نسخة من انجيل لوقا كتبها ماركيون.

٨ ـ انجيل ابللس: تلميذ لماركيون.

٩ ـ إنجيل ناسينس: ينسب لطائفة غنوسية.

١٠ ـ انجيل فيليب: من المحتمل أن يكون أصله قد تكون في الربع الاخير من القرن الثاني، وكانت تستخدمه طائفة غنوسية مصرية.

١١ ـ أنجيل ماتياس.

١٢ ـ انجيل مريم: توجد منه ثلاث قصاصات فقط، احداها بالقبطية.

١٣ ـ انجيل برثولماوس: توجد منه نسخ باللاتينية واليونانية القبطية وفيه أن يسوع سمح لبرثولماوس أن يرى الشيطان ويسأله، وقد وجده ٦٠ ذراع طولا، ٣٠٠ ذراع عرضا، ويحرسه ٦٠٦٤ ملاك ؟

١٤ ـ انجيل نيقوديموس: اصبح منتشراً في الحقبة الاخيرة.

١٥ ـ انجيل غمالائيل.

١٦ ـ انجيل الكمال.

وبالاضافة إلى هذه الأناجيل والكتب، هناك اناجيل وكتب اخرى ذكرها آباء الكنيسة الاوائل، ولكن للاسف لا يوجد منها حالياً أي نص، فهي مطموسة المعالم لعلماء اليوم، ومنها:

٣٥

١ ـ انجيل اندراوس.

٢ ـ رسالة اعمال اندراوس.

٣ ـ انجيل برنابا.

٤ ـ انجيل الانكراتيين.

٥ ـ انجيل هسيشيوس.

٦ ـ انجيل يهوذا.

٧ ـ رؤيا إستفانوس.

٨ ـ انجيل ثداوس.

٩ ـ انجيل الحق.

ورسائل اخرى كثيرة كتبت تحكي أعمال الرسل(١).

وقد جاء في سيرة القديس (امفيلوخيوس) الذي عاش في سنة (٣٧٤) سنة ميلادي، ولمعت شهرته في سيرته النسكية وفي سعة معارفة اللاهوتية أنه نظم قصيدة في اسماء الكتب القانونية فيقول:

"يجب أن تعلم ان ليس كل كتاب دعي كتاباً مقدساً يجب علينا قبوله واعتباره دليلا اميناً صادقاً، فبعض الكتب متوسط في الاعتبار على نسبة ما يحويه من الحقائق، والبعض الآخر مزور ومضلل للقراء بدرجات متفاوتة، ولذلك فأني معدد فيما يلي ما كتب بوحي الهي: أسفار العهد القديم...، اما في العهد الجديد فلا تقبل إلاّ الأناجيل الاربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا واعمال الرسل، اضف إليها رسائل الاناء المصطفى بولس الرسول وهي أربعة عشر رسالة... عدا الرسالة التي قال عنها البعض خطأ انها مزورة وهي رسالته إلى العبرانيين، ثم الرسائل الجامعة، وقد قال البعض انها ثلاث وآخرون قالوا انها سبع رسائل، اما نحن فيجب أن نقبل رسالة يعقوب ورسالة بطرس ورسالة يوحنا وأن قال

١- نفس المصدر: ٣٨.

٣٦

البعض أن ليوحنا ثلاث رسائل ولبطرس رسالتين، عدا رسالة يهوذا وهي في حسابهم السابعة، واما كتاب الرؤيا ليوحنا فالبعض يقبلونه وعدد غفير يقول انه مزوّر، هذا هو القانون الاقرب إلى الحقيقة في الكتب المقدسة الموحى بها من الله"(١).

وبهذا يتأكد لنا أن الاسفار الموجودة بين ايدينا الآن من العهد الجديد كانت قد قبلت على انها اسفار مقدسة في القرن الرابع الهجري على اقل تقدير، ويقول جيمس بنتلي بهذا الصدد: " وفي الحقيقة فأن القائمة الاُولى المدونة من قبل أي شخص ذي سلطة في الكنيسة والتي احتوت على جميع الاسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد الموجودة بين ايدينا اليوم، كانت قد كتبت عام ٣٦٧ ميلادي، ففي ذلك العام أخبر البطريرك (أثناسيوس الاسكندري) أسقف مصر بضرورة اعتبار الأسفار السبعة والعشرين قانونية، مضيفاً: حتّى السفرين الاخرين (أحدهما رسائل راعي هرماس) فيجب اعتبارهما مفيدين لأرشاد المبتدئين في العقيدة.. وقد اعتبر القديس (ايريناوس) رسائل راعي هرماس على أنها ملهمة"(٢).

والحقائق الموجودة تؤكد أنه ليس هناك شخص يستطيع التأكد من الكتب الإلهية الملهمة وغير الملهمة لأسفار العهد الجديد في الكنيسة الاُولى، بل أن علماء الكتاب المقدّس يؤكدون بأن كاتبي هذه الاسفار أحياناً لم يكونوا على علم بأنهم يكتبون اسفاراً ملهمة مقدسة! فالمخطوطات السينائية فيها أشارة قوية إلى أنه في الكنيسة الاُولى (القرن الأوّل والثاني على أقل تقدير) لم يكن هناك شخص متأكد تماماً من كلمات الله الملهمة وغير الملهمة، وقد ساعدت اكتشافات الكتابات الغنوصية في

١- مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة: ٩٠٦. ويضيف مؤلف الكتاب في تعليقة على هذا القول: "صار لدينا الآن خمس قوائم مختلفة في عدد الكتب المقدسة القانونية وقد ثبتها كلها ووافق عليها المجمع المسكوني السادس (مجمع ترولو)، والمجمع المسكوني السابع، وهذا مما يقودنا على الاستنتاج ان موافقة المجمعين اعطيت بصورة اجمالية غير محدودة) حاشية : ٩٠٦.

٢- اكتشاف الكتاب المقدّس قيامة المسيح(عليه السلام) في سيناء : ١٥٦.

٣٧

هذا القرن وخاصة الأناجيل الغنوصية على فهم الطبيعة المتبانية لكتابات المسيحيين الاوائل وذلك لكثرتها، وعليه فأن اقدم عهد جديد كامل في حوزتنا لا يمثل العهد الجديد نفسه والذي قبلت به الكنائس اليوم، وفي منتصف القرن العشرين توقف العلماء عن النظر إلى ذلك كأمر محير بل مذهل(١).

وهناك مشكلة اخرى جدية حول اسفار العهد الجديد، وهي مشكلة "النص" والتي تعتبر بحق مشكلة المشاكل التي تشغل ذهن علماء الكتاب المقدّس في هذا القرن، والذي ظهرت بسببها علوم ودراسات نقدية كثيرة، كلها تهدف لمعرفة حقيقة النص الأصلي، إذ انه وحتّى زمان اختراع الطباعة لم يكن هناك اتفاق كامل على أي من نصوص العهد الجديد اليونانية أو اللاتينية، وذلك لأن كل النسخ التي كانت موجودة حتّى مجمع نيقية قد ضاعت، فتقول دائرة المعارف البريطانية بهذا الخصوص: "أن النسخ الاصلية (اليونانية) لكتب العهد الجديد فنيت منذ مدة طويلة، (وفيما عدا بعض بقايا من صعيد مصر) فأن كل النسخ التي استخدمها المسيحيون في الفترة التي سبقت مجمع نيقية قد غشيها نفس المصير"(٢).

ولذلك فأن مسألة الوصول إلى نص واحد يعتبر هو النص الأصلي لأسفار العهد الجديد امر غير ممكن ابداً، وكانت هناك محاولات عديدة من قبل علماء الكتاب المقدّس ولكنها باءت بالفشل، حتّى أن دائرة المعارف البريطانية تقول بهذا الصدد: "انه أمل لا طائل من ورائه أن نتصور امكانية الوصول إلى النص الأصلي، وذلك عن طريق ترتيب: النص السكندري، والنص الغربي القديم، والنص الشرقي القديم (البيزنطي)، ثم قبول النص الذي يتفق عليه اثنان منهم ضد الآخر"(٣).

١- نفس المصدر : ١٦٠.

٢- المسيح في مصادر العقائد المسيحية : ٤٠.

٣- نفس المصدر : ٤٢، والنص السكندري: الذي يبدو أن له بعض الصلة بالعالم المسيحي (أريجين) الذي يعتقد انه اول من اولى العناية لمعرفة النص الدقيق لكلمات الإنجيل، النص الغربي القديم: وهي النصوص الباقية على حالتها دون تصحيح في الفترة التي سبقت مجمع نيقية (٣٢٥) وخصوصاً منذ حوإلى عام ١٥٠ عندما جمعت الأناجيل معاً لاول مرة تحت إعلان،عنوان واحد.

٣٨

إذن نستخلص نتيجة من هذه المقدمة وهي;أن هذه الاسفار الموجودة حالياً للعهد الجديد انما قبلت قانونيتها في القرن الرابع الميلادي من قبل الكنيسة، وانها حتّى ذلك الوقت لم تعترف بها الكنيسة على انها اسفار مقدسة وملهمة (على الاقل البعض منها)، بل أن مؤلفيها أيضاً لم يتفوه احد منهم بانه يكتب وحياً سماوياً، بل ولم يخطر على باله ذلك ابداً، وأن النصوص الاصلية بل ونسخ النسخ فقدت كلياً، والنسخ التي بحوزتنا تحتوى اخطاءً كثيرة منها غير متعمدة واخرى متعمدة، ويقول جيمس بنتلي بهذا الصدد: "ومن الجدير بالذكر أن جميع المخطوطات الانجيلية التي بحوزتنا تحتوى أخطاء، قد يكون السبب وراءها ضعفاً في سمع الخطاط أو بصره أو ضعف في التهجئة أو عدم الانتباه، وهناك أخطاء اُخرى متعمدة لتغيير النص وفقاً للتغييرات في المعتقدات اللاهوتية والعقائدية"(١).

وهذا يؤكد بلا شك أن عملية اضافة صبغة الالهام والوحي ونسبته إلى هذه الكتب ما هي إلاّ من عمل الكنيسة والمجامع المسكونية، ولنا أن نتساءل عن المعيار الذي اتخذته الكنيسة في انتخاب هذه الكتب على انها كتب مقدسة في حين رفضت اضعاف هذه الكتب ومنها كتب رسل للمسيح(عليه السلام)مثلا برنابا وغيره واعتبرتها كتباً منحولة وغير قانونية؟، فيأتي الجواب بلا شك من أن هذه الكتب هي الاقرب إلى تعاليم الكنيسة ومعتقداتها، وإذا اعدنا السؤال وقلنا ومن اين اخذت الكنيسة هذه التعاليم والعقائد؟، فالجواب هو أنها اعتمدت في ذلك على اسفار وكتب العهد الجديد، وهذا دور باطل كما هو واضح. وقد ذهب البعض وهروباً من هذه الدوّامة

١- اكتشاف الكتاب المقدّس قيامة المسيح في سيناء : ٧.

٣٩

إلى القول بأن: "العامل الرئيس الذي ساد اختيار هذه الكتب كان (الرسولية) أي الاعتقاد أن هذه الكتب تمثل العصر الرسولي"(١).

ولكن هذا أيضاً مردود لأنه إذا كان الأمر كذلك فلماذا أهملت ورفضت الكثير من الكتب والرسائل التي كتبت في زمان الرسل الاوائل ومنها رسائل برنابا وانجيل توما وراعي هرماس وغيرها الكثير الذي كان ولا زال البعض من علماء الكتاب المقدّس يعتقد أن اهميتها تفوق اهمية بعض الرسائل الموجودة حالياً ضمن اسفار العهد الجديد كرؤيا يوحنا وغيرها.

والآن سأتناول بالبحث ـ بعد هذه المقدمة ـ أناجيل العهد الجديد فقط، ولننظر هل هي حقيقة اسفار موحاة من الله سبحانه، فإذا كان الأمر كذلك فإن الوحي الالهي له خصائص ومميزات يجب أن تتوفر فيه كي يمكن الاعتماد عليه على أنه وحي الهي، مثلا أن لا نجد بين طياته اختلاف وتعارض، لأن ذلك ينافي كون مصدر هذا الوحي واحد وهو الله الحكيم، وأيضاً أن لا تخالف تعاليمه التعاليم الثابتة لدى جميع الالهيين كالتوحيد وغيرها، ولنلقي نظرة على هذه الاسفار فهل نجدها تتمتع بمثل هذه الميزات أم لا ؟

الأناجيل الاربعة:

وهذه الأناجيل هي: "متى ـ لوقا ـ مرقس ـ يوحنا"، والثلاثة الاُولى كما ذكرنا تسمى "بالاناجيل المتشابهة" بينما الإنجيل الرابع يختلف كلياً عن هذه الأناجيل الثلاثة الاُولى، والسؤال المطروح حول الأناجيل هو; من أي منبع استقى هؤلاء الكتّاب معلوماتهم عن المسيح(عليه السلام) وتعاليمه؟.

والجواب هو أنهم اعتمدوا على التقليد الشفهي الذي اخذوه عن الرسل، وهي

١- المرشد إلى الكتاب المقدّس : ٧٤.

٤٠